منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

مع دعاة “التّبديع”

0
اشترك في النشرة البريدية

الحمد لله وحده والصلاة والسلام على من لا نبي بعده وعلى آله وصحبه وإخوانه وحزبه، وبعد:

من المقرر في مباحث العقيدة الإسلامية أن الإيمان قول باللسان وتصديق بالجنان وعمل بالأركان، وأن شروطه ثلاثة: العلم المنافي للجهل، والتصديق المنافي للتكذيب، والاتباع المنافي للابتداع.

لذا يحرص المؤمن كل الحرص على تحقيق المتابعة الكاملة لسيد الخلق وإمام المرسلين صلى الله عليه وسلم في جليل الأمر ودقيقه فرارا وحذرا من شرَك الابتداع والضلالة. ” فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم” [النور، 63].

 

يُصرّ” البعض” على اعتبار كثير من الأفعال التي درَج عليها جماهير المسلمين – علماء وعامة – من البدع الضلالة المنافية للاتباع، ولا يرعوون من وصف فاعليها بنعوت الابتداع والمخالفة للعقيدة الصحيحة والسنة الشريفة ونهج السلف الصالح.

ومن تلك الأفعال على سبيل المثال لا الحصر: الاحتفال بالمولد الشريف، والقراءة الجماعية للقرآن الكريم واستعمال “السبحة” في الذكر، والاجتماع “لقيام الليل”، والتحزب في جماعات للدعوة والعمل الإسلامي…

المزيد من المشاركات
1 من 65

وهؤلاء “البعض” لا نشك في صدقهم وحرصهم على سلامة السنة و نقائها من “شوائب” الدخيل البدعي[1]، لكنّهم أُتوا من قِبل الفهم فغابت عنهم الحكمة والسداد، فزلّت أقدامهم عن جادّة الصواب والرشاد.

والحوار العلمي مع هؤلاء “البعض” يجري على مستويين اثنين:

الأول: يتعلق بالمنطلقات والمفاهيم المؤسِسة للقول بالسنية أو الابتداع.

والثاني: يتعلق بالتفاصيل ومناقشة كل مسألة على حدة تأصيلا وبيانا.

وسأكتفي في هذه الورقة بمناقشة المفاهيم المؤسسة للقول بـــ“التبديع”.

فما معنى البدعة؟ أو بالأحرى ما معنى السنة التي تقابلها البدعة؟ وهل “ما ثبَت في السنة” يعتبر دليلا قاطعا حاسما لا يحتمل النقض والإبرام؟ وهل “الترك النبوي” دليل الحظر والتحريم؟

  • معنى البدعة والسنة؟

مقالات أخرى للكاتب
1 من 4

جاء في حديث العرباض بن سارية رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم “… وإياكم ومحدثات الأمور، فإن كل محدثة بدعة وإن كل بدعة ضلالة”[2]. وعند مسلم: “…وشرّ الأمور محدثاتها وكل بدعة ضلالة”[3].

والبدعة في اللغة: ما أُحدث على غير مثال سابق. يقال: جئت بأمر بديع، أي: محدَث عجيب. ومن أسماء الله تعالى البديع بمعنى المبدع.

واصطلاحا: يعتبر تعريف الشاطبي في الاعتصام من أجمع التعاريف، حيث عرفها بقوله: ” فالبدعة إذن عبارة عن طريقة في الدين مخترعة تضاهي الشرعية يقصد بالسلوك عليها المبالغة في التعبد لله سبحانه [4]

فهل تعتبر كل محدثة بدعة ضلالة؟ أم في المسألة بيان وتفصيل.

من المقرر عند علماء الأصول أن “العام” أنواع، فمنه العام الباقي على عمومه، ومنه العام المخصوص، ومنه العام المراد به الخصوص.

والمقصود بالعام الذي أريد به الخصوص ما كان لفظه عاما ومعناه خاصا، فالمتكلم يستعمل لفظا دالا على العموم لكنه يقصد أصالة معنى خاصا. فهو مجاز قطعا، لأنه استعمال اللفظ في بعض مدلوله.

ومن ذلك قوله تعالى: “تدمر كل شيء بأمر ربها”[الأحقاف، 25]، وقوله تعالى:” وأوتيت من كل شيء”. [النمل، 23]، وقوله تعالى:” ولم يلبسوا إيمانهم بظلم”[الأنعام، 82]فالعموم في هذه الآيات يراد به معان خاصة.

وقد ذهب كثير من أئمة العلم إلى اعتبار النهي عن البدعة من “العام الذي أريد به الخصوص” بمعنى أن النهي مقصود به بدعة محدثة خاصة وليس عموم البدع المحدثة.

وتبعا لذلك قسموا البدعة إلى حسنة وسيئة. أو إلى بدعة هدى وبدعة ضلالة. واعتمدوا في تقسيمهم للبدع على أدلة خاصة وأخرى عامة تتعلق بأصول الشريعة وكلياتها ومقاصدها.

من ذلك حديث أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:  من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه، فهو ردٌّ “[5] وفي روايةٍ لمسلمٍ: “من عمل عملًا ليس عليه أمرنا، فهو ردٌّ “[6].

وحديث جرير بن عبد الله البجلي رضي الله عنه أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “من سَنّ في الإسلام سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها بعده من غير أن ينقص من أجورهم شيء، ومن سَنّ في الإسلام سنة سيئة كان عليه وزرها ووزر من عمل بها من بعده من غير أن ينقص من أوزارهم شيء”[7].

ومذهب التقسيم هو مذهب الشافعي والغزالي والعز بن عبد السلام وابن حجر وابن الأثير وغيرهم من الأئمة.

وهذه بعض عباراتهم:

روى البيهقي بإسناده عن الشافعي رضي الله عنه قال: “المحدَثات من الأمور ضربان: أحدهما ما أحدث مما يخالف كتابًا أو سنةً أو أثرًا أو إجماعًا، فهذه البدعة الضلالة، والثانية: ما أحدث من الخير لا خلاف فيه لواحد من هذا، وهذه محدثة غير مذمومة[8].

وقال ابن الأثير:” البدعة بدعتان: بدعة هدى وبدعة ضلال، فما كان في خلاف ما أمر الله به ورسوله صلى الله عليه وسلم فهو في حيز الذم والإنكار، وما كان واقعا تحت عموم ما ندب الله إليه وحض عليه الله ورسوله صلى الله عليه وسلم فهو في حيز المدح، ومالم يكن له مثال موجود كنوع من الجود والسخاء، وفعل المعروف فهو من الأفعال المحمودة، ولا يجوز أن يكون ذلك في خلاف ما ورد الشرع به… قوله “كل محدثة بدعة ” إنما يريد ما خالف أصول الشريعة ولم يوافق السنة”[9].

وقال الإمام الغزالي: “وما يقال إنه أبدع بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم فليس كل ما أبدع منهيا، بل المنهي عنه بدعة تضاد سنة ثابتة وترفع أمرا من الشرع مع بقاء علته، بل الإبداع قد يجب في بعض الأحوال إذا تغيرت الأسباب”[10].

وقال العز بن عبد السلام: البدعة منقسمة إلى واجبة ومحرّمة ومندوبة ومكروهة ومباحة، والطريق في ذلك أن تُعرض البدعة على قواعد الشريعة، فإن دخلت في قواعد الإيجاب فهي واجبة، أو في قواعد التحريم فهي محرمة، أو الندب فمندوبة، أو المكروه فمكروهة، أو المباح فمباحة”[11].

وقال ابن رجب الحنبلي: “والمراد بالبدعة: ما أحدث مما لا أصل له في الشريعة يدل عليه، فأما ما كان له أصل من الشرع يدل عليه فليس ببدعة شرعا وإن كان بدعة لغة [12]

وقال النووي: “البدعة بكسر الباء في الشرع هي: إحداث ما لم يكن في عهد رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلم، وهي منقسمة إلى حسنة وقبيحة[13].

وقال ابن عابدين: “فقد تكون البدعة واجبة، كنصب الأدلة للرد على أهل الفرق الضالة، وتعلم النحو المفهم للكتاب والسنة، ومندوبة كإحداث نحو رباط ومدرسة، وكل إحسان لم يكن في الصدر الأول، ومكروهة كزخرفة المساجد، ومباحة كالتوسع بلذيذ المآكل والمشارب والثياب”[14].

 

فتقرر أن البدعة الضلالة هي التي ليست من ” أَمْرِ “ رسول الله صلى الله عليه وسلم، والتي أحدثت لتضاهي(تخالف وتزاحم وتعارض) الطريقة الشرعية في النّسك والتقرب إلى ربّ البريّة سبحانه.

هذا عن البدعة.

أما السنة فتختلف تعريفاتها حسب كل تخصص، فأهل الفقه يقابلون بها الفرض والواجب، وأهل الأصول يطلقونها على “الأقوال والأفعال والتقريرات” النبوية، وأهل الحديث يضيفون على تعريف الأصوليين الصفات الخلقية والخلقية…

ومن أدق التعاريف للسنة وأشملها تعريف عبد الله محفوظ الحضرمي حيث عرفها بقوله: ” سنة الرسول صلى الله عليه وسلم هي طريقته في الفعل والأمر والقبول والرد وهي طريقة خلفائه الذين سلكوا طريقته فيا لفعل والأمر والقبول والرد”[15].

وهذه أمثلة توضح الهدي النبوي في قبول وإقرار “المحدثات” أو رفضها وإبطالها[16].

المثال الأول: ركعتا بلال رضي الله عنه.

اجتهد سيدنا بلال رضي الله عنه فكان يصلي ركعتين بعد كل وضوء، وهذا الفعل أحدثه الصحابي من تلقاء نفسه. فماذا كان ردّ النبي صلى الله عليه وسلم يا ترى؟ فلو كان مجرد الفعل ابتداء لا يجوز ويعتبر إحداثا منهيا عنه لنهاه النبي صلى الله عليه وسلم وأمره بعدم تكراره، لكن الذي وقع هو تبشير النبي صلى الله عليه وسلم لبلال بسماع دفّي نعله في الجنة. فعن أبي هريرة رضي اللَّهُ عَنْهُ : أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لِبِلاَلٍ : عِنْدَ صَلاَةِ الفَجْرِ يَا بِلاَلُ حَدِّثْنِي بِأَرْجَى عَمَلٍ عَمِلْتَهُ فِي الإِسْلاَمِ، فَإِنِّي سَمِعْتُ دَفَّ نَعْلَيْكَ بَيْنَ يَدَيَّ فِي الجَنَّةِ قَالَ: مَا عَمِلْتُ عَمَلًا أَرْجَى عِنْدِي: أَنِّي لَمْ أَتَطَهَّرْ طَهُورًا، فِي سَاعَةِ لَيْلٍ أَوْ نَهَارٍ، إِلَّا صَلَّيْتُ بِذَلِكَ الطُّهُورِ مَا كُتِبَ لِي أَنْ أُصَلِّيَ”[17]. فأقرّت الركعتان وأصبحتا من المستحبات المشروعة بعد الوضوء.

المثال الثاني: جمع عمر رضي الله عنه الناس للتراويح.

عن عبد الرحمن بن عبدٍ القاريّ أنه قال: خرجت مع عمر بن الخطاب رضي الله عنه ليلة في رمضان إلى المسجد، فإذا الناس أوزاع متفرقون يصلي الرجل لنفسه ويصلي الرجل فيصلي بصلاته الرهط، فقال عمر: إني أرى لو جمعت هؤلاء على قارئ واحد لكان أمثل، ثم عزم فجمعهم على أُبيّ بن كعب، ثم خرجت معه ليلة أخرى والناس يصلون بصلاة قارئهم. قال عمر: نعم البدعة هذه” [18]وفي الموطأ بلفظ: “نِعمت البدعة هذه”.[19]

قال الحافظ ابن حجر معلقا: ” والبدعة أصلها ما أحدث على غير مثال سابق، وتطلق في الشرع في مقابل السنة فتكون مذمومة، والتحقيق إن كانت مما تندرج تحت مستحسن في الشرع فهي حسنة، وإن كانت مما تندرج تحت مستقبح في الشرع فهي مستقبحة، وإلا فهي من قسم المباح، وقد تنقسم إلى الأحكام الخمسة”[20].

المثال الثالث: قول صحابي ربنا ولك الحمد…في الرفع من الركوع.

عن رِفاعة بن رافع الزَّرقي قال: كنا يومًا نصلي وراء النبي صلى الله عليه وسلم، فلما رفع رأسه من الركعة قال: “سمع الله لمن حمده”، قال رجل وراءه: ربنا ولك الحمد حمدًا كثيراً طيبًا مباركًا فيه، فلما انصرف قال: “من المتكلم” قال: أنا، قال: “رأيت بضعة وثلاثين ملكًا يبتدرونها أيهم يكتبها أول”[21].

قال الحافظ ابن حجر معلقا: “واستدل به على جواز إحداث ذكر في الصلاة غير مأثور إذا كان غير مخالف للمأثور”[22].

ومن ذلك زيادة عبد الله بن عمر رضي الله عنهما في التشهد: “وحده لا شريك له”، ويقول: “أنا زدتها[23]

ومن ذلك الزيادة في دعاء القنوت، فقد قال النووي في دعاء القنوت: “هذا هو المروي عن النبي صلى الله عليه وسلم وزاد العلماء فيه: “ولا يَعِزُّ من عاديت” قبل: “تباركت وتعاليت” وبعده: “فلك الحمد على ما قضيت أستغفرك وأتوب إليك”. قلت: قال أصحابنا: لا بأس بهذه الزيادة. وقال أبو حامد والبَنْدَنِيجيُّ وءاخرون: مستحبة[24].

المثال الرابع: نذر أبي إسرائيل.

فعن ابن عباس -رضي الله عنهما- قال: بينما النبي صلى الله عليه وسلم يخطب إذا هو برجل قائم، فسأل عنه، فقالوا: أبو إسرائيل -هذه كنيته واسمه يُسيْر وهو رجل من الأنصار، نذر أن يقوم في الشمس، ولا يقعد، ولا يستظل، ولا يتكلم، ويصوم، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: مروه فليتكلم، وليستظل، وليقعد، وليتم صومه”[25].

فها أنت ترى كيف قبل النبي صلى الله عليه وسلم منه أشياء ورفض أشياء أخرى بميزان الموافقة والمخالفة لأحكام الشريعة وروحها.

فهذه أمثلة تمثل غيظا من فيض تبرز بجلاء أن ما كان من الدين وشهدت له أصوله ومقاصده فلا ضير فيه. وما كان مخالفا لأمر النبي صلى الله عليه وسلم و هديه فلا خير فيه.

 

  • دليل “الترك النبوي” و ” ما ثبت في السنة”:

يستدل المبدّعون بدليل “الترك النبوي” فيقررون أن كل فِعل تركه النبي صلى الله عليه وسلم ولم يفعله فليس من سنته، فهو صلى الله عليه وسلم لم يترك خيرا إلا دلّ أمته عليه قولا وفعلا، ولم يترك شرّا إلا حذّر أمته منه بالبيان الشافي. وعليه يكون “الترك النبوي” دليلا على وجوب الاقتصار على “الفعل النبوي” صفة وكيفية ومقدارا.

وقل الأمر نفسه على الترك والفعل من الصحابة الكرام ذوي القدر العلي أصحاب خير البرية، أتقى الأمة قلوبا وأعمقها علما وأشدها اتباعا واستنانا.

وهذه المحاججة سليمة في عمومها، صائبة في ظاهرها.

ونزيد من جهتنا أنه لا يستقيم إيمان عبد ولا يصح له اتباع إذا كان يعتقد أن النبي صلى الله عليه وسلم قصّر في البيان ترغيبا في الخير النافع وتحذيرا من الشر الضار إما على جهة التفصيل وإما على جهة الإجمال.

لكن ذلك ليس محل النزاع ولا مناط النازلة.

فحديثنا عن التكييف الفقهي لـــ“التّروك” النبوية، وحكمها الشرعي. وبعبارة أوضح: هل كل ما لم يفعله النبي صلى الله عليه وسلم يدخل في دائرة المحظور المحرم؟ وهل “الترك” وحده كاف للقول بالتحريم؟

لقد انبرى أهل الأصول الكرام لبيان أنواع الحكم الشرعي وفصلوا القول في صيغ كل نوع على حدة، ومن ذلك صيغ التحريم المتمثلة في النهي الجازم عن الفعل أو وروده بلفظ التحريم، أو ذم فاعله وتوعده العقاب والعذاب…

ولم يرد في الخطاب القرآني ولا في الخطاب النبوي ما يفيد تحريم ما تركه النبي صلى الله عليه وسلم، وإنما ورد الأمر بفعل المأمورات واجتناب المنهيات. ومن ذلك قول ربنا سبحانه: “وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا”[الحشر،7]، وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: سمعتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: “ما نهيتُكم عنه فاجتنبوه، وما أمرتُكم به فأتوا منه ما استطعتُم، فإنما أهلك الذين من قبلكم كثرةُ مسائلهم واختلافُهم على أنبيائهم”[26].

وقد افتتح العلامة عبد الله بن الصديق الغماري رسالته الفريدة “حسن التفهم والدَّرك لمسألة الترك”، بأبيات في المسألة قال فيها :[27]

الترك ليس بحجــــــــــــة في  شـــــــــرعنــــالا يقتضي منعـــــــــــــًـا ولا إيجابـــــــــــــــــــــــــــــــــًا
فمن ابتغى حظــــــــرًا بترك نبينـــــــــــــــــــاورآه حكمــــــــًا صادقًا وصوابــــــــــــــــــــــــــــــــًا
قد ضل عن نهــــــــــــج الأدلة كلهـــــــــابل أخطأ الحكم الصحيح وخابـــــــــــا
لا حظر يمكن إلا إن نهي أتـــــــــــــىمتوعــــدا لمخالفيـــــــــــــه عذابـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــًا
أو ذم فعـــــــــــل مؤذن بعقــــــــــــوبــــــــــــــــــةأو لفـــــظ تحـــــــــريم يواكب عابـــــــــــــــــــــــــــــا

فليس كل ما تركه النبي صلى الله عليه وسلم كان بمقتضى حرمة الفعل المتروك، وإنما كان لاعتبارات ومقتضيات مختلفة غير الحرمة، ومن ذلك على سبيل المثال ما يلي:

  • الترك بمقتضى الطبع والعادة:

ومن ذلك تركه صلى الله عليه وسلم أكل الضبّ. فقد أخرج الإمام مسلم عن خالد بن الوليد رضي الله عنه:    ” أَنَّهُ دَخَلَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى مَيْمُونَةَ، زَوْجِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهِيَ خَالَتُهُ وَخَالَةُ ابْنِ عَبَّاسٍ، فَوَجَدَ عِنْدَهَا ضَبًّا مَحْنُوذًا قَدِمَتْ بِهِ أُخْتُهَا حُفَيْدَةُ بِنْتُ الْحَارِثِ مِنْ نَجْدٍ، فَقَدَّمَتِ الضَّبَّ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَكَانَ قَلَّمَا يُقَدَّمُ إِلَيْهِ طَعَامٌ حَتَّى يُحَدَّثَ بِهِ وَيُسَمَّى لَهُ، فَأَهْوَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَدَهُ إِلَى الضَّبِّ، فَقَالَتِ امْرَأَةٌ مِنَ النِّسْوَةِ الْحُضُورِ: أَخْبِرْنَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِمَا قَدَّمْتُنَّ لَهُ، قُلْنَ: هُوَ الضَّبُّ يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَرَفَعَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَدَهُ، فَقَالَ خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ: أَحَرَامٌ الضَّبُّ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: لَا، وَلَكِنَّهُ لَمْ يَكُنْ بِأَرْضِ قَوْمِي فَأَجِدُنِي أَعَافُهُ، قَالَ خَالِدٌ : فَاجْتَرَرْتُهُ فَأَكَلْتُهُ وَرَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَنْظُرُ، فَلَمْ يَنْهَنِي.”[28]

  • الترك بمقتضى مخافة الفرضية والإيجاب:

ومن ذلك تركه صلى الله عليه وسلم صلاة التراويح جماعة مخافة أن تفرض على أمته. فعن عروة بي الزبير أَنَّ عائشة أَخْبَرَتْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَرَجَ مِنْ جَوْفِ اللَّيْلِ فَصَلَّى فِي الْمَسْجِدِ ، فَصَلَّى رِجَالٌ بِصَلَاتِهِ، فَأَصْبَحَ النَّاسُ يَتَحَدَّثُونَ بِذَلِكَ ، فَاجْتَمَعَ أَكْثَرُ مِنْهُمْ ، فَخَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي اللَّيْلَةِ الثَّانِيَةِ، فَصَلَّوْا بِصَلَاتِهِ، فَأَصْبَحَ النَّاسُ يَذْكُرُونَ ذَلِكَ، فَكَثُرَ أَهْلُ الْمَسْجِدِ مِنَ اللَّيْلَةِ الثَّالِثَةِ، فَخَرَجَ فَصَلَّوْا بِصَلَاتِهِ، فَلَمَّا كَانَتِ اللَّيْلَةُ الرَّابِعَةُ عَجَزَ الْمَسْجِدُ عَنْ أَهْلِهِ، فَلَمْ يَخْرُجْ إِلَيْهِمْ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَطَفِقَ رِجَالٌ مِنْهُمْ يَقُولُونَ: الصَّلَاةَ، فَلَمْ يَخْرُجْ إِلَيْهِمْ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَتَّى خَرَجَ لِصَلَاةِ الْفَجْرِ، فَلَمَّا قَضَى الْفَجْرَ أَقْبَلَ عَلَى النَّاسِ، ثُمَّ تَشَهَّدَ، فَقَالَ: أَمَّا بَعْدُ، فَإِنَّهُ لَمْ يَخْفَ عَلَيَّ شَأْنُكُمُ اللَّيْلَةَ، وَلَكِنِّي خَشِيتُ أَنْ تُفْرَضَ عَلَيْكُمْ صَلَاةُ اللَّيْلِ فَتَعْجِزُوا عَنْهَا[29].

  • الترك بمقتضى مراعاة الظروف والأحوال:

ومن ذلك تركه صلى الله عليه وسلم إعادة بناء الكعبة مراعاة لأحوال أصحابه وحداثة عهدهم بالإسلام. فعن عائشة رضي الله عنها قَالَتْ: قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : لَوْلَا حَدَاثَةُ عَهْدِ قَوْمِكِ بِالْكُفْرِ لَنَقَضْتُ الْكَعْبَةَ، وَلَجَعَلْتُهَا عَلَى أَسَاسِ إِبْرَاهِيمَ، فَإِنَّ قُرَيْشًا حِينَ بَنَتِ الْبَيْتَ اسْتَقْصَرَتْ، وَلَجَعَلْتُ لَهَا خَلْفًا.”[30]

وقد يترك النبي صلى الله عليه الفعل لاعتبارات ومقتضيات أخرى[31]. وعليه فلا دليل في الترك على الحظر والتحريم إن لم يعتضد بما يفيد ذلك من نهي وشبهه.

عود على بدء:

بعد هذا الذي قرره أهل الرسوخ والتحقيق من كون “المحدثات” ليست على شاكلة واحدة، وأن الإنصاف يقتضي عرضها على ميزان الموافقة والمخالفة لأحكام الشريعة ومقاصدها، فيقبل منها ما كان على “الأمر” النبوي ويرد ما خالفه.

بعد هذا أقول إن هذا المهيع لا يسلكه كل “طويلب علم”، فإن الأمر جدّ ليس بالهزل، فالموضوع شرعة ربّ العالمين وسنّة الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم. لذا تصدى للأمر من قبل جهابذة العلم وفحوله رضي الله عنهم فأصلوا وقعدوا ذبّا عن الشريعة وذودا عنها من الدخيل الطارئ الهجين.

والأمر نفسه في زماننا – وفي كل زمان – يحتاج إلى أهل التقى ذوي المكنة والرسوخ لتمييز السنة من البدعة.

وأما دعاة “التبديع” فلعل صدق الصادقين منهم ينجيهم من المهالك ويردّ بهم إلى جادّة الصواب كما وقع لكثير منهم ولله الحمد والمنة.

ونسأل الله لنا ولهم التوفيق والسداد والحكمة والرشاد “ومن يؤت الحكمة فقد أوتي خيرا كثيرا وما يذكر إلا أولوا الألباب”. [البقرة، 269].

والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات.

 

[1] هذا ظننا في جمهرتهم، خلا من ارتمى في أحضان العِدا ولبس زورا ثوب الدفاع عن العقيدة الصحيحة.

[2] رواه الترمذي في السنن، باب ما جاء في الأخذ بالسنة واجتناب البدع.ح2724.

[3] رواه مسلم في الصحيح، كتاب الجمعة، باب تخفيف الصلاة والخطبة.ح1493.

[4] الشاطبي، الاعتصام 1/37، المكتبة التجارية الكبرى.

[5] رواه البخاري في الصحيح، كتاب الصلح: باب إذا اصطلحوا على صلح جور فالصلح مردود. ورواه مسلم في الصحيح: كتاب الأقضية: باب نقض الأحكام الباطلة ورد محدثات الأمور.

[6] رواه مسلم في الصحيح: كتاب الأقضية: باب نقض الأحكام الباطلة ورد محدثات الأمور.

[7]  صحيح مسلم: كتاب الزكاة: باب الحث على الصدقة ولو بشق تمرة أو كلمة طيبة وأنها حجاب من النار. وكتاب العلم: باب من سن في الإسلام سنة حسنة أو سيئة ومن دعا إلى هدى أو ضلالة.

[8]  البيهقي، مناقب الشافعي 1/469

[9]  ابن الأثير، النهاية في غريب الحديث 1/106-107، المكتبة العلمية – بيروت. 1399هـ/1979، تحقيق طاهر أحمد زاوي ومحمود الطناحي.

[10]  الغزالي، إحياء علوم الدين 2/3.

[11]  العز بن عبد السلام، قواعد الأحكام 2/172-174

[12] ابن رجب الحنبلي، جامع العلوم والحكم ص 160.

[13]  النووي، تهذيب الأسماء واللغات، مادة (ب د ع)، 3/22

[14]  رد المحتار على الدر المختار 1/376

[15]  عبد الله محفوظ الحضرمي، السنة والبدعة ص 29. والكتاب من أحسن ما ألف في الموضوع، وفيه تحقيقات نفيسة.

[16]  انظر: المصدر السابق، فقد جمع فيه مصنفه أكثر من 350 مثالا من الأحاديث والآثار.

[17]  رواه البخاري في الصحيح، كتاب التهجد، باب فضل الطهور بالليل والنهار وفضل الصلاة بعد الوضوء بالليل والنهار.ح1111

[18]  رواه البخاري في الصحيح: كتاب صلاة التراويح: باب فضل من قام رمضان.

[19]  رواه مالك في الموطأ: كتاب الصلاة: باب بدء قيام ليالي رمضان.

[20]  انظر: فتح الباري 4/253

[21]  رواه البخاري في الصحيح: كتاب الأذان: باب فضل اللَّهم ربَّنا لك الحمد.

[22]  فتح الباري 2/287

[23]  رواه أبو داود  في السنن: كتاب الصلاة: باب التشهد.

[24]  النووي، روضة الطالبين 1/253 – 254

[25]  رواه البخاري في الصحيح، كتاب الأيمان والنذور، باب النذر فيما لا يملك وفي معصية.ح6704.

[26] رواه البخاري ومسلم.

[27] انظر: الغماري، عبد الله بن الصديق، حسن التفهم والدرك لمسألة الترك. تحقيق صفوت أحمد ص 4، مكتبة القاهرة، ط1، 1423هـ / 2002م

[28]  صحيح مسلم، كتاب الصيد والذبائح وما يؤكل من الحيوان، باب إباحة الضبّ. ح3717

[29]  صحيح مسلم، كتاب صلاة المسافرين وقصرها، باب الترغيب في قيام رمضان وهو التراويح.ح1323.

[30]  صحيح مسلم، كتاب الحج، باب نقض الكعبة وبنائها.ح2455.

[31] انظر: حسن التفهم والدرك ص 11.

اشترك في النشرة البريدية
سجل هنا للحصول على آخر الأخبار والتحديثات التي ستصل مباشرة إلى صندوق الوارد الخاص بك.
يمكنك إلغاء الإشتراك في أي وقت

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.