منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

عقل العبد أمام شرع خالقه؛ بين معرفة الحدّ وتجاوز مقام العبوديّة

د. زُبير سُلطان رَبَّاني

0

عقل العبد أمام شرع خالقه
بين معرفة الحدّ وتجاوز مقام العبوديّة

بقلم: د. زُبير سُلطان رَبَّاني

أودع الله في الإنسان مَلَكة العقل؛ ليعي بها الخطاب، ويميِّز بين الدَّليل والدَّعوى، وينظر في آيات الخَلق، ويتدبَّر آيات التَّنزيل، ويتحمَّل مسؤوليَّة الاختيار والتَّكليف. فبالعقل يعرف الإنسان ويستدل، ويفقه ويعتبر، ويجتهد في فهم ما أنزل الله وفي تنزيله على واقع الحياة؛ ولذلك جاء الوحي مستنفرًا هذه المَلَكة، فاتحًا أمامها آفاق النَّظر والتَّدبُّر والاستنباط.

غير أن القضيَّة الأعمق لا تتعلَّق بمقدار قوَّة العقل بقدر ما تتعلَّق بموقعه ووظيفته؛ فالخلل يبدأ حين ينتقل من فهم الوحي إلى تقييمه، ومن استكشاف مراد الله إلى تقرير ما يراه هو جديرًا بالقبول أو التَّجاوز. وعندئذ تتخطَّى المسألة حدود اختلاف الفهوم والاجتهادات، وتمسُّ أصل المرجعيَّة نفسها: مَن يهدي مَن؟ ومَن يحكم على مَن؟

فهل وُهِبَ عقل العبد المخلوق ليعرف به شرع خالقه، ويفقه دلالاته وحِكَمه، ويجتهد في ضوئه؛ أم ليجعل نفسه سلطةً على الوحي، فيقبل منه ما وافق تصوُّره، ويعيد تشكيل ما جاوزه؟

من هنا يبدأ السُّؤال من أصله: ما منزلة العقل الذي كرَّمه الشَّرع،
وما الوظيفة التي من أجلها وُهِبَ للإنسان؟

أولًا: العقل بين النِّعمة والفتنة

تتصل منزلة العقل في البناء الإسلامي بأصل التَّكليف نفسه؛ فالخطاب الشَّرعي يتوجَّه إلى إنسانٍ يعي ويميِّز ويقصد، وبقدر حضور هذه الأهليَّة تثبت مسؤوليَّته. ولهذا استنهض الوحي فيه قُوى النَّظر والتَّفكُّر والاعتبار، قال تعالى: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾ (آل عمران: 190)، وقال سبحانه: ﴿كَذَٰلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ (البقرة: 242)، وقال جلَّ شأنه: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَىٰ قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا﴾ (محمد: 24). فهذه الدَّعوات لا تكتفي بإثبات قُدرة الإنسان على الإدراك، بل توجِّهها نحو غايتها: أن يفضي النَّظر إلى معرفة، والمعرفة إلى بصيرة، والبصيرة إلى موقفٍ وعمل.

ومن هنا لا يساوي العقل الممدوح في الوحي مجرَّد الذَّكاء أو الحِدَّة الذِّهنيَّة؛ فقد يمتلك الإنسان قُدرةً عالية على التَّحليل، ومهارةً في الجدل، وسعةً في الاطِّلاع، ثم يُسخِّر ذلك كلَّه لتسويغ ما استقرَّ في نفسه من قبل. أمَّا العقل الذي يثني عليه الوحي فهو عقلٌ ينتفع بما يدرك، ويملك من صدق الطَّلب ما يجعله مستعدًّا لأن تقوده المعرفة إلى ما لم يكن يريده أو يتوقَّعه. ولهذا حكى القرآن عن أهل النَّار قولهم: ﴿وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ﴾ (الملك: 10). فالمشكلة لم تكن في غياب آلة الإدراك، بل في غياب أثرها الهادي.

وتتضح دلالة ذلك في صلة العقل بالمسؤوليَّة الشَّرعيَّة؛ إذ لم يجعل الشَّرع العقل زينةً للإنسان، بل جعله من مقوِّمات أهليَّته للتَّكليف. قال النَّبي ﷺ: «رُفِعَ الْقَلَمُ عَنْ ثَلَاثَةٍ: عَنِ النَّائِمِ حَتَّى يَسْتَيْقِظَ، وَعَنِ الصَّبِيِّ حَتَّى يَحْتَلِمَ، وَعَنِ الْمَجْنُونِ حَتَّى يَعْقِلَ» (أبو داود، رقم 4403). فالعقل بهذا الاعتبار أمانةٌ ووظيفة قبل أن يكون امتيازًا؛ به تقوم الأهليَّة، ومن خلال حسن استعماله يتحمَّل الإنسان تبعة اختياره.

غير أن الحديث عن العقل يقتضي تمييزه عمَّا قد يتخفَّى باسمه. فالمألوف الاجتماعي لا يصبح حكمًا عقليًّا لمجرَّد شيوعه، والذَّوق الشَّخصي لا يرتقي إلى مرتبة البرهان بقوَّة شعور صاحبه به، وما تستقرُّ عليه ثقافة عصرٍ ما لا يكتسب العصمة لأنَّه السَّائد. ولهذا فإن عبارة: «العقل لا يقبل» تحتاج قبل الاحتجاج بها إلى سؤالٍ كاشف: أيُّ عقل؟ وما مقدِّماته؟ وما الذي أسهمَ في تشكيل حُكمه؟ فالعقل منهجٌ في النَّظر والاستدلال، أمَّا الأحكام التي ينتهي إليها فتتأثَّر بمقدِّماته ومعارفه وبيئته وخبرته، وتظل قابلةً للمراجعة.

ومن هنا تنشأ الفتنة من قلب النِّعمة نفسها. فالثِّقة بالعقل مطلوبة ما دامت ثقةً بأداةٍ تعمل في موضعها، لكنَّها قد تنقلب شعورًا بالاكتفاء، ثم يتنامى الاكتفاء حتى يصير استغناءً عن الهداية التي جاءت لتسدِّد النَّظر وتقوم مساره. وقد كشف القرآن هذا القانون النَّفسي بقوله تعالى: ﴿كَلَّا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَىٰ ۝ أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَىٰ﴾ (العلق: 6-7). وحين يرى الإنسان ما عنده كافيًا بذاته، تصبح النِّعمة نفسها بابًا إلى تجاوز مقامها.

وهنا يبرز السُّؤال الذي ينقل البحث من منزلة العقل إلى حدود العقل: إذا كان بهذه المكانة في التَّكليف والهداية، فما مدى إحاطته، وأين تنتهي قُدرته أمام علم مَن خلقه؟

ثانيًا: العقل المحدود أمام علم عَلَّام الغيوب

يعمل العقل البشري من داخل طبيعةٍ بشريَّة محدودة؛ فالإنسان لا يبدأ حياته عالمًا، وإنَّما يدخلها خاليًا من المعرفة ثم يتعلَّم شيئًا فشيئًا، وتتكوَّن مداركه من السَّمع والبصر والخبر والتَّجربة والاستدلال. وقد قرَّر القرآن هذا الأصل في صورةٍ بالغة الوضوح، فقال تعالى: ﴿وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ (النحل: 78). فالمعرفة الإنسانيَّة معرفةٌ مكتسَبة ومتدرِّجة؛ يزداد منها الإنسان بقدر ما تتاح له أسبابها، ويبقى ما يجهله أوسع ممَّا أحاط به.

ويجتمع إلى محدوديَّة العلم ضعفٌ ملازم للطبيعة البشريَّة نفسها؛ قال تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا﴾ (النساء: 28). ومن آثار هذه البشريَّة أن يعتري الإنسان النِّسيان، وأن يقع منه الخطأ، مهما بلغ من العلم والذَّكاء. وقد قال النَّبي ﷺ: «إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ، أَنْسَى كَمَا تَنْسَوْنَ، فَإِذَا نَسِيتُ فَذَكِّرُونِي» (البخاري، رقم 401؛ مسلم، رقم 572). وعلَّم الله المؤمنين أن يقولوا: ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ (البقرة: 286)، وثبت في “صحيح مسلم” أنَّ الله تعالى قال في جوابها: «قَدْ فَعَلْتُ» (مسلم، رقم 126).

وهذه الحقيقة لا تنتقص من قيمة العقل، وإنَّما تضعه في حجمه الحقيقي؛ فهو مَلَكة عظيمة أودعها الله في مخلوقٍ محدود، وليست قوَّةً معصومةً من النِّسيان والخطأ ونقص العلم واضطراب التَّقدير. ولذلك ردَّ القرآن الإنسان إلى معرفة قدره فقال تعالى: ﴿وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾ (الإسراء: 85)، وقال سبحانه: ﴿وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ﴾ (يوسف: 76). فإدراك العقل لحدود معرفته ليس انتقاصًا منه، بل من تمام رشده؛ لأنَّ من علامات النُّضج أن يعرف الإنسان ما يعلم، وأن يعرف كذلك مقدار ما لا يعلم.

وتكشف الآية الأخيرة جانبًا آخر كثيرًا ما يُغفَل عنه: العقول البشريَّة متفاوتة في مراتب العلم والفهم والبصيرة. فالاشتراك في أصل المَلَكة العقليَّة لا يستلزم التَّساوي في قُوَّة الإدراك، ولا في صحَّة المقدِّمات، ولا في سعة الخبرة، ولا في دقَّة الاستنباط. قال تعالى: ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ (الزمر: 9)، وقال سبحانه: ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ﴾ (المجادلة: 11). فالتَّساوي في أصل الكرامة الإنسانيَّة شيء، والتَّساوي في العلم والفهم والرُّشد شيءٌ آخر؛ والواقع كما الوحي يشهد بتفاوت النَّاس في ذلك تفاوتًا بيِّنًا.

ومن هنا يبرز لونٌ من الغرور المعرفي: أن يتوهَّم الإنسان أنَّ تأخُّره في الزَّمن يعني بالضَّرورة تقدُّمه في العقل. فامتلاك الإنسان المعاصر أدواتٍ أوسع ومعلوماتٍ أكثر في بعض المجالات لا يجعله، بمجرَّد ذلك، أرسخ فقهًا، ولا أعمق بصيرةً، ولا أسلم قصدًا ممَّن سبقه. قد يعرف المتأخِّر من دقائق الطِّب والتِّقنية والصِّناعة ما لم يعرفه المتقدِّم، لكنَّ التَّقدُّم في مجالٍ من مجالات المعرفة لا يمنح صاحبه تفوُّقًا مطلقًا في الحكمة والرُّشد والدِّين وحسن النَّظر.

ويزداد هذا الوهم وضوحًا حين تتحوَّل حداثة الزَّمن إلى ذريعةٍ للمفاضلة المطلقة على الأجيال الأولى، حتى يبلغ الأمر ببعض النَّاس إلى التَّهوين من مقام الصَّحابة رضي الله عنهم بدعوى أنَّ الإنسان المعاصر أكثر علمًا أو نضجًا. وقد شهد النَّبي ﷺ لخيريَّة القرون الأولى فقال: «خَيْرُ النَّاسِ قَرْنِي، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ» (البخاري، رقم 2652؛ مسلم، رقم 2533). فالزَّمن قد يراكم المعلومات، ويُطوِّر الأدوات، ويوسِّع إمكان الوصول إلى المعرفة؛ لكنَّه لا يمنح الإنسان بمجرَّد التَّأخُّر فقهًا أعمق، ولا قلبًا أزكى، ولا نظرًا أرشد. وشتَّان بين اتِّساع المعلومات ورُشد العقل في فهمها وتوظيفها.

فإذا كان الإنسان الواحد عرضةً للنِّسيان والخطأ، وكانت العقول متفاوتةً فيما بينها، وكان علم الفرد محدودًا مهما اتَّسع، ظهر الفارق الأعظم بين علم العبد وعلم الرَّب المعبود. فالإنسان لا يرى من الواقع إلا جانبًا، ويبني توقُّعاته على مقدِّمات قد تصيب وقد تخطئ، وتفوته من العلل والمآلات وتَشابُك المصالح وجوهٌ لا يحصيها؛ أمَّا الذي شرع له فهو ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْكَبِيرُ الْمُتَعَالِ﴾ (الرعد: 9)، وهو سبحانه الذي قال: ﴿وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ﴾ (البقرة: 255). وهنا ترتفع القضيَّة فوق المقابلة المجرَّدة بين «العقل» و«الوحي» إلى سؤالٍ يكشف حقيقتها من أصلها: ما مقدار علم المخلوق أمام علم خالقه؟

وهذا الفارق يقتضي تمييزًا دقيقًا بين حُدود الإدراك وحُدود الوجود. فعجز الإنسان عن إدراك شيء لا يجعله معدومًا، واستغرابه له لا يجعله مستحيلًا، وعدم وقوفه على حكمته لا يعني خلوَّه من الحكمة. ولهذا كان الإيمان بالغيب من أوصاف أهل التَّقوى، قال تعالى: ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ﴾ (البقرة: 3). فالعقل ينظر في دلائل صدق الرِّسالة وثبوت الخبر، فإذا ثبت عنده صدق المصدر، كان تصديقه بخبره فيما وراء الحسِّ مقتضًى لسلامة النَّظر نفسه؛ إذ ليس من العقل أن يثبت صدق المخبر، ثم يردَّ خبره لمجرَّد أنَّ مضمونه تجاوز حدود الخبرة المباشرة.

وقد عبَّر ابن تيميَّة عن هذا الفارق بقوله في شأن الأنبياء عليهم السَّلام: «فيُخبِرون بمُحارات العقول، لا بمُحالات العقول» (ابن تيميَّة، الجواب الصحيح لمن بدَّل دين المسيح، ج4، ص400). فـ«مُحال العقل» ما قام البرهان الصَّحيح على امتناعه، أمَّا ما حار العقل في إدراك حقيقته أو عجز عن الإحاطة بكيفيَّته فبابٌ آخر. والخطأ المنهجي يقع حين يجعل الإنسان حدود إدراكه الشَّخصي حدودًا للوجود نفسه، فكأنَّ الحقيقة تنتهي حيث تنتهي أدواته.

وينطبق هذا الميزان كذلك على حِكَم التَّشريع. فبين قول الإنسان: «لم تتبيَّن لي حكمة هذا الحكم» وقوله: «لا حكمة في هذا الحكم» مسافةٌ بعيدة؛ فالأوَّل يصف مقدار علمه، أمَّا الثَّاني فيصدر حكمًا على ما لم يُحط به. وقد وضع القرآن الأصل الجامع في هذا الباب بقوله تعالى: ﴿أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ (الملك: 14). فالذي خلق الإنسان أعلم بحقيقته، وبما يصلحه، وبمآلات أفعاله، وبما يظهر له من مصالح وما يخفى عنه؛ وخفاء الحكمة عن عقلٍ محدود لا يسلب الحكم الإلهي حكمته.

وهنا يبلغ العقل مرتبةً دقيقة من الرُّشد: أن يَعرف مقدار علمه، ومقدار جهله، وموقعه أمام علم خالقه. فالإنسان لا يُذَمُّ لمجرَّد أنَّه لا يعلم؛ فقد خُلق محتاجًا إلى التَّعلُّم، ويظلُّ علمه مهما اتَّسع ناقصًا. وإنَّما يبدأ الخلل حين يتحوَّل بعض العلم إلى دعوى إحاطة، فيجعل المرء ما لم يدركه باطلًا، وما لم يستسغه فاسدًا، وما لم يبلغه عقله خارجًا عن دائرة الحقيقة. عندئذ لا تعود المشكلة نقصًا في مقدار المعرفة وحده، بل تصبح خللًا في موقع العقل نفسه؛ ومن هذا الموضع يبدأ الإعجاب به، ثم الاستعلاء، ثم التَّطلُّع إلى مقامٍ لم يُجعَل له.

ثالثًا: من الإعجاب بالعقل إلى تأليهه

وتكشف مقولة قارون: ﴿قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَىٰ عِلْمٍ عِنْدِي﴾ (القصص: 78) وجهًا من وجوه الاغترار بما أُوتي الإنسان؛ فقد وردت الآية في سياق ما مُنِحَه قارون من الثَّروة، غير أنَّ قوله: ﴿عَلَىٰ عِلْمٍ عِنْدِي﴾ يكشف نزعةً أعمق إلى ردِّ الفضل إلى ما يراه المرء في نفسه من علمٍ وقُدرة، حتى يستغني بشعوره عمَّن وهبه وأعطاه. وهذه النَّزعة قد تجد طريقها إلى المجال الفكري أيضًا؛ فيُعجَب الإنسان بعلمه وفهمه وتجربته، ثم تتَّسع ثقته بما عنده حتى تضيق مساحة مراجعة نفسه، فيضع الأقوال والمصادر والمسلَّمات كلَّها تحت النَّقد، بينما تبقى الزَّاوية التي ينظر منها أبعدَ ما تكون عن المساءلة. وعندئذ قد يتحوَّل العلم، من حيث لا يشعر صاحبه، من وسيلةٍ لطلب الحقِّ إلى وسيلةٍ لتثبيت ما استقرَّ في نفسه.

والأصل الذي يحفظ العقل من هذا الانقلاب أن يتذكَّر صاحبه لِمَ وُهِب له أصلًا. فقد منحَ الله الإنسان العقل ليعرف به ربَّه، ويفقه خطابه، ويميِّز سبيل الهدى، ويعبده على بصيرة، ويستقيم على ما أنزل؛ فهو مَلَكةٌ أُعطيت لعبدٍ ليحسن بها التَّلقِّي والفهم والعمل، لا سلطةٌ مستقلَّة تُنشئ للحقِّ مصدره، أو تمنح شرع الخالق مشروعيَّته. وكلَّما بقي العقل واعيًا بهذا المقام اتَّسعت قُدرته من غير أن تنقلب إلى استعلاء؛ أمَّا حين ينسى أنَّه عقلٌ مخلوق في عبدٍ مخلوق، يبدأ التَّجاوز من داخل الأداة نفسها.

ومن أخطر أبواب هذا التَّجاوز أن يدخل الهوى في عمليَّة النَّظر من غير أن يظهر لصاحبه في صورته الحقيقيَّة؛ فيتحوَّل الميل إلى «قناعة»، والاستحسان إلى «برهان»، والنَّتيجة المرغوبة إلى مقدِّمة خفيَّة يُعاد ترتيب الأدلَّة في ضوئها. وقد يكون الهوى تعلُّقًا بفكرة، أو انبهارًا بنموذج فكريٍّ، أو رغبةً في موافقة المزاج الثَّقافي الغالب، أو نفورًا من حكمٍ لا ينسجم مع تصوُّرٍ سابق. قال تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَٰهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَىٰ عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَىٰ سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَىٰ بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللَّهِ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ﴾ (الجاثية: 23)، وقال سبحانه: ﴿وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَىٰ فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ (ص: 26). فالخطر يبلغ غايته حين يرتقي الميل من باعثٍ نفسيٍّ إلى مرجعٍ يُطلَب من الحقِّ أن يُوافقه.

وفي هذا المعنى جاء حديث عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما: «لَا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى يَكُونَ هَوَاهُ تَبَعًا لِمَا جِئْتُ بِهِ» (رواه ابن أبي عاصم في السُّنَّة، رقم 15؛ وحسَّنه النَّووي في الأربعين النَّوويَّة، الحديث 41، وقد تعقَّب ابن رجب تصحيح إسناده). ومعناه تشهد له النُّصوص المحكمة في تقديم هداية الوحي على الهوى؛ فسلامة الوجهة تقتضي أن يُهذَّب ميل الإنسان بالحق، لا أن يُعاد تشكيل الحق وفق ما يميل إليه الإنسان. وأخفى الانحرافات أن يتَّبع المرء هواه وهو يظنُّ أنَّه يتَّبع عقله؛ لأنَّ الهوى إذا لبس ثوب «العقل المجرَّد» أمكن أن يكتسب في نفس صاحبه حصانةً من المراجعة.

وعند هذه المرحلة يقع ما يمكن تسميته بانقلاب وظيفة العقل. فالعقل الذي وُهِب للتحقُّق والفهم والاستدلال ينتقل من فهم الحكم إلى تقييم الحكم، ثم من تقييمه إلى منحه حقَّ القبول أو الرَّد. وهنا لا يكون العقل قد بلغ مرتبةً أعلى من النُّضج، بل يكون قد غيَّر موقعه؛ فالأداة التي كانت تطلب الحقيقة تتحوَّل إلى سلطةٍ تمنح الحقيقة المشروعيَّة، ويصبح رأي المخلوق بوَّابةً يُراد لشرع الخالق أن يمرَّ منها.

وقد يحدث هذا الانقلاب مع بقاء النَّص حاضرًا ولغة الشَّرع متداولة. فلا يُرفَض الوحي تصريحًا، لكنَّ الكلمة الأخيرة تنتقل إلى مرجعيَّة أخرى: تصوُّر سابق للعدل، أو الحرِّيَّة، أو المصلحة، أو ما يراه العصر جديرًا بالقبول. وهنا يقع الاستبدال المرجعي الخفي: يبقى الوحي في المشهد، لكنَّه ينتقل من مرجعٍ يُحتكَم إليه إلى مادَّةٍ تنتظر حكم معيارٍ آخر عليها.

وبذلك تتحدَّد حقيقة تأليه العقل بدقَّة؛ فالقضيَّة ليست في كثرة التَّفكير، ولا في قوَّة النَّقد، ولا في شجاعة المراجعة، بل في أن يمنح الإنسان عقله حقَّ الكلمة الأخيرة في شرع الله -عزَّ وجلَّ-. والسُّؤال الكاشف هنا بسيط في لفظه، عميق في دلالته: هل قادني الدَّليل إلى النَّتيجة، أم كانت النَّتيجة مستقرَّةً في نفسي ثم بحثتُ لها عن دليل؟ وحين يتحوَّل السُّؤال من: «ما مراد الله، وهل فهمتُه على وجهه؟» إلى: «هل أرى مراد الله موافقًا لما قرَّرتُه أنا؟» يكون الخلل قد تجاوز الفهم إلى أصل المرجعيَّة.

غير أن إعادة العقل من هذا المقام إلى موضعه لا تعني إخماده أو الانتقاص من قوَّته؛ بل تفتح السُّؤال عن مجاله الصَّحيح: كيف يعمل العقل بأقصى طاقته في الفهم والاجتهاد، من غير أن يتحوَّل من أداةٍ في معرفة الشَّرع إلى سلطةٍ فوقه؟

 رابعًا: العقل الخامد أم العقل الخادم؟

إعادة العقل إلى موضعه ليست دعوةً إلى إسكاته، بل إلى تحرير طاقته في المجال الذي يثمر فيه. فالشرع يريد عقلًا خادمًا لهداية الوحي، فاعلًا في فهمها وتنزيلها؛ يتحقق من ثبوت الدليل، ويفقه اللغة والسياق، ويجمع النصوص، ويميز مراتب الدلالات، ويستنبط العلل، ويستقرئ المقاصد، ويدرس الواقع، ويحقق المناط، ويراعي المآلات، ويجتهد في النوازل. ومن أجل تنظيم هذه الحركة العقلية نشأت علوم أصول الفقه والحديث والتفسير ومناهج الاستنباط.

ومن هنا يبرز فرقٌ حاسم بين الاجتهاد في الشرع والتَّصرُّف في الشرع. فالاجتهاد يبذل الوسع لمعرفة الحكم وفهم مناطه وتنزيله على الواقعة، بينما يجعل التصرفُ الحكمَ نفسه مادةً قابلة للإبقاء أو الإزاحة وفق معيارٍ سابق عليه. الأول يسأل: ما الذي يدل عليه الوحي، وكيف يتحقق مراده هنا؟ والثاني يبدأ بنتيجة، ثم يبحث عن المسار الذي يحمل النص إليها.

وقد أثنى النبي ﷺ على الاجتهاد المؤهل فقال: «إِذَا حَكَمَ الْحَاكِمُ فَاجْتَهَدَ ثُمَّ أَصَابَ فَلَهُ أَجْرَانِ، وَإِذَا حَكَمَ فَاجْتَهَدَ ثُمَّ أَخْطَأَ فَلَهُ أَجْرٌ» (البخاري، رقم 7352؛ مسلم، رقم 1716). فالاجتهاد حركة عقلية أصيلة، ومناط فضلها أنها تستفرغ الوسع في طلب الحكم، لا في إنشاء مصدر موازٍ له.

ويترتب على ذلك تمييزٌ آخر لا يقل أهمية: الوحي شيء، وفهم البشر للوحي شيء آخر. فالفقيه يصيب ويخطئ، والمفسر قد يترجح لديه وجه ثم يظهر أقوى منه، والاجتهاد الموروث قابل للمراجعة، والرواية تحتاج إلى تحقيق، والدلالة مجال للنظر حيث يحتمل النص النظر. بهذا التمييز يبقى الوحي مرجعًا معصومًا، ويبقى الفهم البشري ميدانًا للنقد والتصحيح؛ فلا يتحول احترام الوحي إلى عصمةٍ للتراث، ولا يتحول نقد التراث إلى محاكمةٍ للوحي.

وحين يثبت الحكم ويتبين وجه دلالته يظهر مقام المرجعية، قال تعالى: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّىٰ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ (النساء: 65)، وقال سبحانه: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ (الأحزاب: 36). فالتسليم هنا نتيجة استقرار المرجعية بعد التحقق والفهم، لا بديلٌ عنهما.

وعلى هذا الأساس تستقيم وظيفة المصلحة والمقاصد والسياق. فالمصلحة تُستكشف في ضوء الشرع، والمقاصد تكشف بنيته الكلية، والسياق يعين على تحديد الدلالة والمناط. أما حين تنقلب هذه الأدوات إلى سلطات فوق مصدرها، يختل المنهج: يُستخرج المقصد من النص ثم يُستعمل لإبطاله، ويُستعان بالسياق لفهم الحكم ثم يتحول إلى مقبرةٍ له، وتُدرَس المصلحة داخل الشريعة ثم تُستدعى مصلحةٌ متصورة لإعادة تشكيلها.

ولهذا يصح أن يقال: المقاصد مصابيح تُعين على فقه النُّصوص واستجلاء مراميها، والسِّياق مفتاحٌ لضبط الدَّلالة وفهم مناطها، والمصلحة مجالٌ رحب للاجتهاد في ضوء الشَّرع؛ وكلُّها أدواتٌ لفهم هداية الوحي وحسن تنزيلها، لا موازينَ بشريَّةً يُعرَض عليها شرع الله ليُقبَل منها ما وافقها ويُترَك ما خالفها.

وهكذا يتحدَّد موقع العقل بدقَّة: قويٌّ في أدواته، واسعٌ في اجتهاده، خاضعٌ لمرجعيَّة الوحي؛ يستفرغ وُسعه في معرفة مراد الله وفهم حِكَم شرعه وحسن تنزيله على الواقع، من غير أن يجعل تصوُّره البشري معيارًا لما ينبغي أن يكون عليه حكم الله.

ويبقى بعد ذلك سؤالٌ حاسم: إذا كانت مَلَكة العقل قد أُوتيها الإنسان، وكان الذَّكاء وقوَّة الاستدلال قد يجتمعان مع الخطأ والهوى واضطراب المرجعيَّة، فبأيِّ شيء يستحقُّ العقل وصف السَّلامة والاستقامة؟

 خامسًا: العقل السَّليم: ميزانه الوحي ومآله التَّسليم

ليس كلُّ عقلٍ عامل عقلًا سليمًا، كما أنَّ قوَّة الذَّكاء وسعة المعرفة ودقَّة الاستدلال لا تكفي وحدها لمنح العقل هذا الوصف. فالعقل من حيث أصلُه مَلَكةٌ وهبها الله للإنسان، أمَّا سلامته فتظهر في استقامة عمل هذه المَلَكة تحت هداية الوحي: كيف تُدرك، ومن أيِّ موقعٍ تنظر، ولأيِّ غايةٍ تتحرَّك. ومن هنا يمكن ردُّ سلامة العقل إلى ثلاثة أبعادٍ متكاملة: سلامة الإدراك، وسلامة الموقع، وسلامة القصد.

فسلامة الإدراك أن يستقيم طريق النَّظر نفسه: صحَّة المقدِّمات، والتَّثبُّت من المعلومة، والتمييز بين القطعيِّ والظَّنِّي، وبين الدَّليل والانطباع، وبين العلم والظَّن. وقد أصل القرآن لهذا المعنى بقوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَٰئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا﴾ (الإسراء: 36)، وقال سبحانه: ﴿قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ (البقرة: 111). فالعقل السَّليم لا يبني أحكامه على مجرَّد الاستحسان، ولا يمنح الظَّن منزلة البرهان، بل يطلب العلم من طريقه، ويزن الدَّعوى بحُجَّتها.

وسلامة الموقع أن يعرف العقل منزلته من الوحي ووظيفته تجاهه؛ فهو ينظر في ثبوت الدَّليل، ويفقه دلالته، ويجتهد في تنزيله، لكنَّه إذا ثبت له حكم الله لم يجعل نفسه مرجعًا فوقه. وقد بيَّن القرآن هذا المقام بوضوحٍ جليل، فقال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ (الأحزاب: 36)، وقال سبحانه: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّىٰ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ (النساء: 65). فسلامة العقل هنا ليست في أن ينتزع لنفسه سلطةً على الوحي، بل في أن يُحسن فهمه، ثم يعرف لمن تكون المرجعيَّة حين يستبين له حكم الله.

وسلامة القصد أن يكون النَّظر موجَّهًا إلى طلب الحقِّ، لا إلى الانتصار للنَّفس أو تثبيت نتيجةٍ سابقة. ولهذا قرن القرآن العدل بمقاومة ميل النَّفس فقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَىٰ أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ﴾ (النساء: 135)، ونهى عن اتِّباع الهوى بقوله: ﴿وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَىٰ فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ (ص: 26). وفي الحديث الصَّحيح قال النَّبي ﷺ: «إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ، وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى» (البخاري، رقم 1؛ مسلم، رقم 1907). فصلاح القصد جزءٌ من صلاح النَّظر؛ لأنَّ الهوى قد يُفسد وجهة العقل مع بقاء أدواته قويَّة.

وعلى هذا يتبيَّن أنَّ الخلل قد يصيب العقل مع بقاء آلته نافذة؛ فقد يكون المرء سريع الفهم، واسع الاطِّلاع، بارعًا في بناء الحُجج، ثم ينطلق من مقدِّماتٍ مضطربة، أو ينظر من موقعٍ غير منضبط، أو يقوده قصدٌ لم يتجرَّد للحقِّ. فـسلامة العقل ليست مرادفًا لقوَّة الذَّكاء، وإنَّما هي استقامةٌ تشمل الإدراك والموقع والقصد جميعًا.

والعقل السَّليم بهذا المعنى يراجع كلَّ ما هو بشريٌّ قابلٌ للمراجعة؛ فينقد الاجتهاد، ويمحِّص الموروث، ويعيد النَّظر في الفهوم التي يكشف الدَّليل قصورها، ويستفيد من علوم العصر وخبراته فيما يعين على حسن الفهم والتَّنزيل. غير أنَّ هذه الحركة كلَّها تجري تحت هداية الوحي، مع بقاء الفرق واضحًا بين تجديد الفهم وتغيير المرجع؛ فبشريَّة الاجتهاد تفتح باب التَّصحيح، أمَّا ما ثبت من الوحي فلا ينتظر من العقل إجازةً، ولا من العصر شهادةَ قبول.

وحين يستفرغ العقل وُسعه في التَّحقُّق من ثبوت الدَّليل وفهم دلالته، ثم يستبين له أنَّه أمام حكمٍ ثابت من عند الله، يأتي التَّسليم ثمرةً طبيعيَّة لهذا المسار. وقد عبَّر القرآن عن هذا المقام بقوله تعالى: ﴿وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا﴾ (البقرة: 285). فـ«سمعنا» تلقٍّ واعٍ عرف مصدر الخطاب، و«أطعنا» ثمرة المعرفة بمَن أمر ومَن يُطاع. ومن ثمَّ يكون التَّسليم خاتمة سؤال المرجعيَّة، لا خاتمة عمل العقل؛ إذ يبقى للعقل بعده مجالٌ واسع في فقه الحكمة، وتحقيق المناط، ودراسة الواقع، ومعرفة أهدى سُبل امتثال الحكم وتنزيله.

ويظهر معدن العقل السَّليم عند لحظة الاختبار: حين يخالف ما ثبت بالدَّليل مألوف الإنسان أو هواه أو ما استقرَّ في ذهنه من قبل. هناك تتجلَّى سلامة الإدراك في التَّثبُّت، وسلامة القصد في التَّجرُّد، وسلامة الموقع في تقديم ما جاء عن الله ورسوله على ما تهواه النَّفس أو تستحسنه. والرجوع عن الرَّأي عند ظهور الحقِّ لا ينتقص العقل، بل يكشف عن نضجه؛ لأنَّه آثر الدَّليل على انتصار الذَّات، ولم يجعل ما يستحسنه هو ميزانًا لما ينبغي أن يكون عليه شرع الله.

وهكذا تبلغ العبوديَّة معناها المعرفيَّ الأعمق؛ فالعقل السَّليم يعرف أنَّ الله وهبه هذه المَلَكة ليعرف بها الحقَّ، ويفقه خطابه، ويتدبَّر آياته، ويحسن عبادته، ويسير على هديه ببصيرة. ولذلك يبقى قويًّا في فهمه، واسعًا في اجتهاده، دقيقًا في نقد الخطأ البشري، وهو في الوقت نفسه واعٍ بالحدِّ الفاصل بين الاجتهاد في فهم شرع الله والاستعلاء على شرع الله، وبين النَّظر في دلالة الوحي وجعل الوحي محلًّا لحكم العقل عليه.

وفي هذا الحدِّ الفاصل يكتمل نُضج العقل: يسأل حيث يكون السُّؤال مشروعًا، ويجتهد حيث يكون الاجتهاد مأذونًا، ويُراجع ما كان بشريًّا قابلًا للمراجعة، ثم يقف عند ما ثبت من الوحي موقف العبد من هداية ربِّه؛ يفهم ليهتدي، ويجتهد ليُصيب مراد الشَّارع، ويعمل ليحسن العبوديَّة، ويُسلِّم لأنَّه عرف مَن المتكلِّم ومَن المخاطَب.

وهنا تبلغ الفكرة عتبتها الأخيرة: ماذا يكون مآل العقل حين يصحُّ إدراكه، ويستقيم موقعه، ويخلص قصده، ويهتدي بنور الوحي؟

 خاتمة: حين يسجد العقل

تبقى للعقل كرامته ما دام وفيًّا للغاية التي من أجلها وُهب: أن يطلب الحق، ويهتدي إلى دليله، ويملك من الشجاعة ما يجعله يصحح نفسه حين ينكشف له خطؤها. أما حين يمنح ذاته حقَّ الفصل في شرع خالقه، فقد تجاوز مقام المعرفة إلى وهم الحاكميّة.

وهذا الوهم لا يحتاج إلى صنمٍ من حجر؛ يكفي أن يصبح عقل الإنسان هو الإذن الأخير الذي ينتظره الوحي، وأن تقف أحكام الله أمام محكمة تصورات البشر لتنال منها شهادة الصلاحية. عندها يبقى اسم «العقل» مرفوعًا، بينما تكون وظيفته قد انقلبت من طلب الحق إلى منح الحق حقَّ المرور. أما العقل الذي عرف خالقه فقد عرف نفسه. يفكر بلا غرور، وينقد بلا استعلاء، ويجتهد بلا تألّه، ويتقدم في المعرفة من غير أن يحوِّل ما عَلِمه إلى دعوى إحاطة. وحين يقوده الدليل إلى مراد الله، يرى في التسليم تمام رشده؛ لأن خضوعه للحق يحرره من أخفى عبودية يمكن أن تستولي عليه: عبوديته لصورته عن نفسه.

وهنا تتجلى المفارقة: عقلٌ يرفض السجود للحق، فيكاد يسجد لذاته؛ وعقلٌ يعرف قدره، فيقف شامخًا أمام الهوى، ثم يخفض جناحه أمام خالقه.

وحين يعرف العقل مَن خلقه، ولماذا وُهب، وأين يعمل، وأين يقف؛ لا ينطفئ نوره حين يسجد… بل هناك يبلغ نوره تمامه.


 قائمة المراجع

  • القرآن الكريم.
  • ابن أبي عاصم، أبو بكر أحمد بن عمرو بن الضحاك الشيباني. السُّنَّة. تحقيق محمد ناصر الدِّين الألباني. (بيروت: المكتب الإسلامي، ط1، 1400هـ).
  • ابن تيميَّة، تقي الدِّين أحمد بن عبد الحليم الحرَّاني. الجواب الصحيح لمن بدَّل دين المسيح. تحقيق علي بن حسن، وعبد العزيز بن إبراهيم، وحمدان بن محمد. (الرِّياض: دار العاصمة، ط2، 1419هـ/1999م).
  • ابن رجب، زين الدِّين عبد الرحمن بن أحمد الحنبلي. جامع العلوم والحِكَم في شرح خمسين حديثًا من جوامع الكَلِم. تحقيق شعيب الأرناؤوط وإبراهيم باجس. (بيروت: مؤسسة الرِّسالة، ط7، 1422هـ/2001م).
  • أبو داود، سليمان بن الأشعث الأزدي السِّجستاني. سنن أبي داود. تحقيق شعيب الأرنؤوط ومحمد كامل قره بللي. (بيروت: دار الرِّسالة العالميَّة، ط1، 1430هـ/2009م).
  • البخاري، محمد بن إسماعيل الجعفي. الجامع المسند الصحيح المختصر من أمور رسول الله ﷺ وسننه وأيَّامه (صحيح البخاري). تحقيق محمد زهير بن ناصر النَّاصر. (دار طوق النَّجاة، ط1، 1422هـ).
  • مسلم، مسلم بن الحجَّاج القشيري النَّيسابوري. المسند الصحيح المختصر بنقل العدل عن العدل إلى رسول الله ﷺ (صحيح مسلم). تحقيق محمد فؤاد عبد الباقي. (بيروت: دار إحياء التُّراث العربي، د.ط، د.ت).
  • النَّووي، يحيى بن شرف.  الأربعون النَّوويَّة. عُني به قصي الحلاق وأنور الشيخي. (جدَّة: دار المنهاج للنَّشر والتَّوزيع، ط2، 1443هـ/2021م).

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.