منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

وصفاتٌ ذهبيّة؛ لتقويةِ الصبر وتحمُّلِ الابتلاءات الربانيّة.

اشترك في النشرة البريدية

مقدمة.

الحمد لِلّه ربِّ العالمين، والصلاةُ والسلامُ على خاتم الأنبياء والمرسلين، وبعدُ:

فإنّ الصّبْرَ هو مفتاحُ السعادةِ، وفُقْدانهُ يَجْلُبُ التّعاسة؛ وهو يحتاجُ إلى دراسة وتعلُّم، وإلى تدريب وتمرُّن.

ولقد رأيتُ أن أكثر الذين كتبوا في الصبر، تناولوا تعريفَه وأقسامَه وأهميتَه وثمراتِه ومجالاتِه؛ ولم أجد -حسب علمي- تفصيلاتٍ ووصفاتٍ دقيقةً لتحقيقه. ومعلومٌ أنّنا نحتاج إلى الصبر في جميع مراحل الحياة، وفي جميع الظروف والأحوال. وفي هذا العصر الذي تقدمت فيه وسائل التعلُّم والإعلام، أصبحنا في أمسّ الحاجة إلى دورات تدريبية على الصبر؛ لمواجهة مشاكل الحياة وتعقيداتها التي أصابت كثيراً من الناس بأمراض نفسية مُستعصية، أدّت بِبَعضهم إلى إنهاء حياتهم بطريقة مأساوية؛ وكثيرٌ من الجرائم ارتُكِبتْ بسبب العجلة ونفاد الصبر!

إنّه تُعطى دوراتٌ لإنجاح الزواج، وتُعطى دورات تدريبية في مُختلف التخصّصات والمجالات لضمان التفوق والجودة والمُسايرة، ونُهمِل الاهتمام بالصبر الذي هو المِفتاحُ الأوّل للنّجاح في مواجهة الحياة بتقلّباتها، والفوز بالآخرة!

المزيد من المشاركات
1 من 24

ولقد بدا لي جمع عدّة وصفات تُعينُنا على تحمّل المصائب التي أصبحت تحيط بنا من كلّ الجهات، مع تنويعها حتى يأخذَ كلُّ واحدٍ منّا ما يناسبه؛ لاختلاف النفوس واختلاف المحن وقوّتها، والله المستعان.

الفصلُ الأوّل: تعاريف.

 

– 1تعريف الصبر: الصبرُ لغةً يعني الحبسُ والكَفّ، يقال صبرت نفسي على ذلك الأمر أي حبستها عليه؛ وأمّا اصطلاحاً فلقد عرّفه الراغب الأصفهاني بقوله: “إنه حبس النفس على ما يقتضيه العقل والشرع، وعمّا يقتضيان حبسهما عنه”.

– وقال الجنيد: “هو تجرع المرارة، مِن غير تعبُّس”.

– وقال الجرجاني: “ترك الشكوى من ألم البلوى، لغير الله إلى الله”.

– وقال ابن القيم: “حبس النفس عن الجزع، و اللسان عن التشكي، والجوارح عن التشويش”.

– وقال الإمام فخر الدين الرازي عند تفسيره لقوله تعالى (فصبرٌ جميل): “المسألة الثالثة: عن الحسن أنه سُئِل النَّبِيُّ -صلى الله عليه وسلم- عن قوله (فصبر جميل) فقال: (صبر لا شكوى فيه، فمن بَثَّ لم يصبر)؛ ويدل عليه من القرآن قوله تعالى: (إنما أشكو بثي وحزني إلى الله) [يوسف : 86]. وقال مجاهد: (فصبر جميل)، أي من غير جزع. وقال الثوري: “مِن الصبر أن لا تُحدِّث بوجعك ولا بمصيبتك، ولا تُزكِّي نفسك”. وههنا بحث وهو أن الصبر على قضاء الله تعالى واجب، فأما الصبر على ظلم الظالمين، ومكر الماكرين فغير واجب، بل الواجب إزالته لا سيما في الضرر العائد إلى الغير “. [انتهى كلام الرازي].

 

مقالات أخرى للكاتب
1 من 4

إضاءة: أمورٌ لا تُنافِي الصبر.

 

يقول العلماء: “إنّ مجرد شعور الإنسان بالضيق وعدم التحمل، وتمنيه أنّ ما وقع به من الشدة لم يكن وقع … كل هذا لا ينافي الصبر، مادام قد أمسك قلبه ولسانه وجوارحه عن كل ما يدل على الجزع، وما دام لم يعترض على قضاء الله تعالى، بل الصبر في الغالب لا يكون إلا مع هذا الضيق والمشقة والتعب”.

– 2تعريف المصيبة: قال القرطبي عند تفسيره لقوله تعالى (الذين إذا أصابتهم مصيبة قالوا إنّا لله وإنّا إليه راجعون): “المصيبةُ: كل ما يؤذي المؤمن ويصيبه، يقال: أصابه إصابة ومصابة ومصاباً، والمصيبة واحدةُ المصائب … والمصيبة: النكبة ينكبها الإنسان وإنْ صَغُرَتْ، وتُستعمل في الشّر، روى عكرمة: أن مصباح رسول الله -صلى الله عليه وسلم- اِنطفأ ذات ليلة، فقال: إنا لله وإنا إليه راجعون، فقيل: أمصيبة هي يا رسول الله؟ قال: نعم، كل ما آذى المؤمن فهو مصيبة.

قلت: هذا ثابت معناه في الصحيح، أخرج البخاري ومسلم واللفظ لمسلم عن أبي سعيد وعن أبي هريرة رضي الله عنهما أنهما سمعاً رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (ما يُصيب المؤمنَ من وَصَب ولا نَصَبٍ ولا سقم ولا حزن حتى الهم يهمه إلا كفر به من سيئاته)”. [انتهى كلام القرطبي].

 

إضاءة: كيف يكون البلاء؟

والبلاء يكون بالشّر (الأمراض، والفقر،…)، ويكون بالخير (الصحة، والمال، …)؛ قال تعالى: (وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ) [الأنبياء: 35].

قال الطبري في تفسيره: “يقول تعالى ذكره: ونختبركم أيها الناس بالشر وهو الشدة نبتليكم بها، وبالخير وهو الرخاء والسعة والعافية فنفتنكم به “.

وقال ابن كثير في تفسيره: “أَيْ: نَخْتَبِرُكُمْ بِالْمَصَائِبِ تَارَةً، وَبِالنِّعَمِ أُخْرَى، لِنَنْظُرَ مَنْ يَشْكُرُ وَمَنْ يَكْفُرُ، وَمَنْ يَصْبِرُ وَمَنْ يَقْنَطُ، كَمَا قَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَلْحَة، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: (وَنَبْلُوكُمْ)، يَقُولُ: نَبْتَلِيكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً، بِالشِّدَّةِ وَالرَّخَاءِ، وَالصِّحَّةِ وَالسَّقَمِ، وَالْغِنَى وَالْفَقْرِ، وَالْحَلَالِ وَالْحَرَامِ، وَالطَّاعَةِ وَالْمَعْصِيَةِ وَالْهُدَى وَالضَّلَالِ”.

 

الفصلُ الثاني: أقسامُ الصبر.

لقد قسّم بعض العلماء الصبر إلى أربعة أقسام، وهي:

– الصبر على ما أمر الله سبحانه وتعالى به، والانتهاء عما نهى عنه.

– الصبر على ما فات إدراكه من مَسَرَّة أو تقضت أوقاته بمصيبة.

– الصبر فيما ينتظر وروده من رغبة يرجوها، أو يخشى حدوثه من رهبة يخافها.

– الصبر على ما نزل من مكروه أو حل من أمر مخوف.

وذكر بعضهم أنّ أنواع الصبر هي:

– صبر على البلاء، وهو: منع النفس عن التسخط والهلع والجزع.

– صبر على النعم، وهو: تقييدها بالشكر وعدم الطغيان والتكبر بها.

– صبر على الطاعة، وهو: المحافظة والدوام عليها.

– صبر عن المعاصي، وهو: كف النفس عنها.

 

ويمكن أن نقسم الصبر إلى قسمين آخرين:

– صبر محمود، وهو الصبر بأنواعه السابقة.

– وصبر مذموم: وهو الصبر على الاعتداءات على الإسلام وأهله، والصبر على الإهانة، والاحتقار، والعبودية، والاحتلال، والسكوت على المعاصي مع القدرة على التغيير، والاعتداء على الأعراض. والمؤمن مُطالبٌ بأن يدفع عن نفسه الأذى، إذا كان يستطيع ذلك، وإلا فعليه أن يصبر، وله أنْ يعفوَ مع القدرة على رفع الظلم، ويحتسب الأجر والثواب؛ لقوله تعالى: (وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ، وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ) [النحل: 126].

 

الفصلُ الثالث: وصفات لتقوية الصبر.

لتقوية الصبر ومُداواة الجزع هناك نوعان من الوصفات:

النوع الأول:

وصفات تعتمد على المعالجة الإدراكية، وتكون بالتفكير في فوائد الصبر على المصائب، وأضرار الجزع على الصحة النفسية والصحة البدنية؛ وبالاحتراس مِنْ تضخيم المصائب الدنيوية الصغيرة وتكبيرها، فتكون مصيبتُهم الحقيقية في طريقة تفكيرهم، التي تُحوِّل المشاكل الصغيرة إلى مصائبَ عظيمة!

النوع الثاني:

وَصفات تعتمد على المعالجة السلوكية، وهي تركّز على الفعل، إذْ المطلوب هو عدم الاستسلام للمصائب عند الصدمة الأولى، والتحكم في مشاعر الغضب والحزن، مع الاهتمام بالملبس والمأكل والحياة الاجتماعية.

 

ويمكن تقسيمُ هذه الوصفات -بنوعيْها- إلى أقسام، وهي:

– وصفات وِقائية، وتكون قبل وقوع المصيبة.

– وصفات علاجية، وتكون عند وقوع المصيبة.

– وصفات بعد ذهاب المصيبة.

 

أوّلاً: وصفات وقائية.

* الوصفة الأولى: أنْ تعلمَ أنّ الله يختبرنا بالمصائب؛ قال تعالى: (وَلَنَبْلُوَنَّكُم بِشَيْءٍ مِّنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِّنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ ۗ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ) [البقرة: 155].

وقال سبحانه: (كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ ۗ وَنَبْلُوكُم بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً ۖ وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ) [الأنبياء: 35].

* الوصفة الثانية: أنْ تعلمَ أنّه لا يصيبك إلاّ ما كتبه اللهُ عليك؛ قال تعالى: (قُل لَّن يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا هُوَ مَوْلَانَا ۚ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ)؛ [التوبة:51].

وقال سبحانه: (مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ لِكَيْلَا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ ) [الحديد: 22 ـ 23].

قال ابن الجوزي في كتابه الطب الروحاني: “العاقل لا يخلو من الحزن؛ لأنه يتفكر في سالف ذنوبه، فيحزن على تفريطه … فأما إذا كان الحزن لأجل الدنيا وما فات منها، … فليدفعه العاقل عن نفسه، وأقوى علاجه أن يعلم أنه لا يرد فائتًا، وإنما يضم إلى المصيبة مصيبة، فتصير اثنتين، والمصيبة ينبغي أن تخفف عن القلب وتُدفَع، فإذا استعمل الحزن والجزع، زادت ثقلًا”.

وقال أيضًا: “من اغتمَّ لما مضى من ذنوبه، نفعه غمه على تفريطه؛ لأنه يثاب عليه، ومن اهتم بعمل خير، نفعته هِمَّتُه، فأما إذا اغتم لمفقود من الدنيا، فالمفقود لا يرجع، والغمَّ يؤذي، فكأنه أضاف إلى الأذى أذى”.

وعن ابنِ عباسٍ رضي الله عنهما، قَالَ: كنت خلف النَّبيّ صلى الله عليه وسلم يوماً، فَقَالَ: (يَا غُلامُ، إنِّي أعلّمُكَ كَلِمَاتٍ: احْفَظِ اللهَ يَحْفَظْكَ، احْفَظِ اللهَ تَجِدْهُ تُجَاهَكَ، إِذَا سَألْتَ فَاسأَلِ الله، وإِذَا اسْتَعَنْتَ فَاسْتَعِنْ باللهِ، وَاعْلَمْ أنَّ الأُمَّةَ لَوْ اجْتَمَعَتْ عَلَى أنْ يَنْفَعُوكَ بِشَيءٍ لَمْ يَنْفَعُوكَ إلاَّ بِشَيءٍ قَدْ كَتَبهُ اللهُ لَكَ، وَإِن اجتَمَعُوا عَلَى أنْ يَضُرُّوكَ بِشَيءٍ لَمْ يَضُرُّوكَ إلاَّ بِشَيءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللهُ عَلَيْكَ، رُفِعَتِ الأَقْلاَمُ وَجَفَّتِ الصُّحفُ) [رواه الترمذي].

 

* الوصفة الثالثة: أن تعلم أنّ جميع المصائب فيها خير لك؛ قال تعالى: (كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَّكُمْ ۖ وَعَسَىٰ أَن تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ ۖ وَعَسَىٰ أَن تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَّكُمْ ۗ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ) [البقرة: 216].

وقَالَ رَسُولُ الله صلّى اللّهُ عليه وسلّم: (عَجَباً لأمْرِ الْمُؤْمِنِ إِنَّ أَمْرَهُ كُلَّهُ لَهُ خَيْرٌ، وَلَيْسَ ذَلِكَ لأِحَدٍ إِلاَّ للْمُؤْمِن: إِنْ أَصَابَتْهُ سَرَّاءُ شَكَرَ فَكَانَ خَيْراً لَهُ، وَإِنْ أَصَابَتْهُ ضَرَّاءُ صَبَرَ فَكَانَ خيْراً لَهُ) [رواه مسلم].

وقال صلّى اللّهُ عليه وسلّم: (مَا يُصِيبُ الْمُسْلِمَ مِنْ نَصَبٍ وَلاَ وَصَبٍ وَلاَ هَمٍّ وَلاَ حَزَن وَلاَ أَذًى وَلاَ غمٍّ، حتَّى الشَّوْكَةُ يُشَاكُها إِلاَّ كفَّر اللَّه بهَا مِنْ خطَايَاه) [متفقٌ عَلَيهِ].

* الوصفة الرابعة: أنْ تعلم أنّ المصائب قد تكون علامة على محبة الله؛ قال عليه الصلاة والسلام: (إِنَّ عِظَمَ الْجَزَاءِ مَعَ عِظَمِ الْبَلاءِ، وَإِنَّ اللَّهَ إِذَا أَحَبَّ قَوْمًا ابْتَلاهُمْ؛ فَمَنْ رَضِيَ فَلَهُ الرِّضَا، وَمَنْ سَخِطَ فَلَهُ السَّخَطُ)  [رواه الإمام أحمد والترمذي وابن ماجه، وصححه الألباني، وقال الشيخ شعيب الأرنؤوط: إسناده جيد].

وقال صلى اللهُ عليه وسلم: (إِذَا أَرَادَ اللَّهُ بعبْدِهِ خَيْراً عجَّلَ لَهُ الْعُقُوبةَ في الدُّنْيَا) [رواه الترمذي].

وقال رسول الله صلّى اللّهُ عليه وسلّم: (من يُرد الله به خيراً يُصِبْ منه) [رواه البخاري].

قال الشيخ الدكتور خالد السبت: “وبعضهم ضبطها يُصَب منه، ومعنى ذلك: أن من أراد الله عزّ وجل به خيراً في الدنيا وفي الآخرة برفع الدرجات، وحطِّ الخطايا والسيئات، وتعظيم الأجور فإنه يرسل إليه ألوان المكاره، فيصب منه في نفسه بالأوجاع والأمراض والهموم والأمور المؤلمة المتنوعة، التي يسوقها الله عزّ وجلّ إليه مما يكدر خاطره.

ولربما كان ذلك في ماله، ولربما كان ذلك في ولده، أو في من يحب، كل هذه الأمور يسوقها الله عزّ وجل للمؤمن ليكون ذلك خيراً له، وإذا استشعر المؤمن هذا المعنى -أن ذلك لإرادة الخير به- فإنه لا مجال للحزن والحسرات التي تنتاب الكثيرين على ما فاتهم من هذه الحياة الدنيا، وما يقع لهم فيها من الأمور المشوِّشة، ومن الأمور المؤلمة، فإن ذلك يكون خيراً لهم، فالله إنما أراد بهم خيراً، فساق إليهم هذه المزعجات من أجل أن يرفعهم، وأن يكفر عنهم، وأن يتخففوا من الأحمال والأثقال من الذنوب والآثام التي ترهق كواهلهم”.

 

* الوصفة الخامسة: أنْ تُقوِّيَ إيمانك.

قال تعالى: (مَا أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ ۗ وَمَن يُؤْمِن بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ ۚ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ) [التغابن: 11].

قال علقمة: “هي المصيبة تصيب الرجل، فيعلم أنها من عند الله؛ فيسلم لها ويرضى.”

عندما يتقوّى الإيمان، ويدخل في قلب الإنسان، فإنّ نوره يشعّ في كلّ خلية من خلايا البدن، فيشعر بأنه لم يعد من سكان هذا الكوكب، وحينئذ يُصبح قلبُه مُغلّفا بطبقة سميكة وقوية من الإيمان؛ فلا تؤَثِّر فيه المصائبُ، ولا تهزّه العواصفُ.

وهذه الدرجة عزيزةُ المنال، والواصلون إليها -بفضل الله- قليلون؛ والإيمان يزداد بالطاعات واجتناب المحرمات، وبالإكثار من الذكر بالقلب واللسان، قال تعالى: (فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِن فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَّعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ) [الجمعة: 10].

وقال تعالى: (الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُم بِذِكْرِ اللَّهِ ۗ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ) [الرعد: 28].

ومن فوائد الذكر -كما قال ابن القيم الجوزية فِي كِتَابِهِ «الوَابِلُ الصَّيِّبُ»-: “أنّه يُزِيلُ الهَمَّ وَالغَمَّ عَن القَلب، وَيَجلِبُ لِلقَلبِ الفَرَحَ وَالسُّرُورَ وَالنَّشَاطَ”.

 

* الوصفة السادسة: الدعاء؛ وهو أعظم سلاح المؤمن، لمواجهة الحياة، قال تعالى: (وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ ۖ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ ۖ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ) [البقرة: 186].

ولمّا هدّد فرعونُ السحرةَ، دعوا ربهم فقالوا: (رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَتَوَفَّنَا مُسْلِمِين) [الأعراف: جزء من الآية 126].

ومن آداب الدعاء: اليقينُ بالإجابة، وحضورُ القلبِ؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: (ادْعُوا اللَّهَ وَأَنْتُمْ مُوقِنُونَ بِالإِجَابَةِ، وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ لا يَسْتَجِيبُ دُعَاءً مِنْ قَلْبٍ غَافِلٍ لاهٍ) [رواه الترمذي، وحسنه الألباني].

ومن آدابه -أيضاً- عدمُ استعجال الاستجابة؛ لقول النبيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ: (يُسْتَجَابُ لِأَحَدِكُمْ مَا لَمْ يَعْجَلْ، يَقُولُ: دَعَوْتُ فَلَمْ يُسْتَجَبْ لِي) [رواه البخاري ومسلم].

وعلى الداعي أن يعلمَ أنّ الدعاء، قد تتأخّر استجابتُه لأسباب بيَّنها النبيُّ -صلى الله عليه وسلم- بقوله: (ما مِن مسلم يدعو بدعوة، ليس فيها إثمٌ ولا قطيعةُ رحمٍ، إلاّ أعطاه الله بها إحدى ثلاث: إمّا أن يُعَجِّلَ له دعوته، وإمّا أن يُدخِّرَها في الآخرة، وإما أن يَصْرِف عنه من السوء مثلها. قالوا: إذا نُكْثِر، قال: الله أكثر) [رواه أحمد والحاكم، وصححه الألباني].

 

ومن أهمّ الأدعية الجامعة، الأدعيةُ الآتية:

  • (اللهُمَّ إنِّي أسْألُكَ العَفْوَ والعَافيةَ في الدُّنْيَا والآخِرَةِ، اللهُمَّ إنِّي أسْألُكَ العَفْوَ والعَافيةَ في دِيْني ودُنْيَاي، وأهْلِي، ومَالي، اللهُمَّ اسْتُرْ عَوْرَاتي، وآمِنْ رَوْعَاتي، اللهُمَّ احْفَظْني مِنْ بيْنِ يَدَيَّ، ومِنْ خَلْفِي، وعَنْ يَميني، وعَنْ شِمَالي، ومِنْ فَوْقِي، وأعُوذُ بِعَظَمَتكَ أنْ أُغْتالَ مِنْ تَحْتي) [رواه أبو داود وابن ماجه].
  • (يَا حَيُّ يَا قَيُّومُ بِرَحْـمَتِكَ أسْتَغِيثُ، أصْلِحْ لِي شَأْنِي كُلَّهُ، وَلاَ تَكِلْنِي إلَى نَفْسِي طَرْفَةَ عَيْنٍ) [أخرجه الحاكم].
  • (أصْبَحْنَا وأصْبَحَ الـمُلْكُ للَّهِ رَبِّ العَالَمِيْنَ، اللَّهُمَّ إنِّي أسْألُكَ خَيْرَ هَذَا اليَوْمِ: فَتْحَهُ، ونَصْرَهُ، وَنُورَهُ، وبَرَكَتَهُ، وهُدَاهُ، وأعُوْذُ بِكَ مِنْ شَرِّ مَا فِيْهِ وَشَرِّ مَا بَعْدَهُ) [رواه أبو داود].
  • (اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الْهَمِّ وَالْحَزَنِ، وَالْعَجْزِ وَالْكَسَلِ، وَالْبُخْلِ وَالْجُبْنِ، وَضَلَعِ الدَّيْنِ، وَغَلَبَةِ الرِّجَالِ) [رواه البخاري].

 

والهَمُّ هو المكروه الذي يتوقعه الإنسان في المستقبل، والحزن هو ما مضى من مكروه، وضَلَع الدَّيْن معناه: ثِقل الدَّيْن وشدّته، وغلبة الرجال تعني: شدّة تسلّطهم وقهرهم بغير حق.

  • ومِنْ أعظمِ الأدعية ما جاء عن ابن عمر -رضي الله عنهما- أنه قال: قَلَّمَا كَانَ رَسُولُ اللهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- يَقُومُ مِنْ مَجْلِسٍ حَتَّى يَدْعُوَ بِهَؤُلاَءِ الدَّعَوَاتِ لأَصْحَابِهِ :(اللَّهُمَّ اقْسِمْ لَنَا مِنْ خَشْيَتِكَ مَا تَحُولُ بِهِ بَيْنَنَا وَبَيْنَ مَعَاصِيكَ، وَمِنْ طَاعَتِكَ مَا تُبَلِّغُنَا بِهِ جَنَّتَكَ، وَمِنَ الْيَقِينِ مَا تُهَوِّنُ بِهِ عَلَيْنَا مَصَائِبَ الدُّنْيَا، اللَّهُمَّ مَتِّعْنَا بِأَسْمَاعِنَا، وَأَبْصَارِنَا، وَقُوَّاتِنَا مَا أَحْيَيْتَنَا، وَاجْعَلْهُ الْوَارِثَ مِنَّا، وَاجْعَلْ ثَأْرَنَا عَلَى مَنْ ظَلَمَنَا، وَانْصُرْنَا عَلَى مَنْ عَادَانَا، وَلَا تَجْعَلْ مُصِيبَتَنَا فِي دِينِنَا، وَلَا تَجْعَلِ الدُّنْيَا أَكْبَرَ هَمِّنَا، وَلَا مَبْلَغَ عِلْمِنَا، وَلَا تُسَلِّطْ عَلَيْنَا مَنْ لَا يَرْحَمُنَا) [رواه الترمذي وغيره، وحسنه الألباني].

وعلى الإنسان أنْ يحفظ نفسه من العين والحسد، التي تكون وراء الكثير من المصائب، التي تصيبُه في بدنه أو في أهله أو في ماله؛ ويداوم على قراءة المعوذتين وفاتحة الكتاب وآية الكرسي، صباحاً ومساءً.

 

ومن التعوذات الصحيحة الواردة عن النبي صلى الله عليه وسلم:

  • (أعوذ بكلمات الله التَّامّات من شر ما خلق) [رواه مسلم] .
  • وعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُعَوِّذُ الْحَسَنَ وَالْحُسَيْنَ بهذا الدعاء: (أَعُوذُ بِكَلِمَاتِ اللَّهِ التَّامَّةِ مِنْ كُلِّ شَيْطَانٍ وَهَامَّةٍ وَمِنْ كُلِّ عَيْنٍ لامَّةٍ) [رواه البخاري].

 

ومعنى اللّامّة -كما قال الخطابي-: “كلُّ داء وآفة، تُلمُّ بالإنسان من جنون وخبل”.

  • وعَنْ أَبِي سَعِيدٍ أَنَّ جِبْرِيلَ أَتَى النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: “يَا مُحَمَّدُ اشْتَكَيْتَ: فَقَالَ: نَعَمْ. قَالَ: بِاسْمِ اللَّهِ أَرْقِيكَ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ يُؤْذِيكَ مِنْ شَرِّ كُلِّ نَفْسٍ أَوْ عَيْنِ حَاسِدٍ اللَّهُ يَشْفِيكَ بِاسْمِ اللَّهِ أَرْقِيكَ” [رواه مسلم].

ومن رأى مُصاباً بمصيبةٍ، فليستعِذْ بالله من مِثْل ما أصيب به ذلك المبتلى؛ حتى يؤمِّنه الله من البلاء الذي أصابه، عملاً بقوله -صلى اللهُ عليه وسلم-: (مَنْ رأى مُبْتلى فقال: الحمدُ لِلّه الذي عافاني مما ابتلاك به وفضّلني على كثيرٍ مِمّن خلق تفضيلا، لم يُصِبْه ذلك البلاء) [رواه الترمذي، وحسّنه الألباني]. ومِنَ الأدبِ ألاّ تُظْهِر شيئا أمام المبتلى؛ حتى لا يَسْمعَك فيتأذّى بذلك؛ وإذا كنت تعرِفُه ولقيته فحسِّنْ خُلقك معه، وادع الله له بالشفاء والعافية.

 

* الوصفة السابعة: أنْ تعرفَ حقيقة الدنيا وتنظرَ إليها بعين الاحتقار؛ قال تعالى: (وَمَا هَٰذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَهْوٌ وَلَعِبٌ ۚ وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ ۚ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ) [العنكبوت: 64].

قال الآلوسي في تفسيره: “(وما هذه الحياة الدنيا إلا لهو ولعب)، أي: وما هي لسرعة زوالها عن أهلها وموتهم عنها، إلاّ كما يلعب الصبيان ساعةً ثم يتفرقون؛ وفيه ازدراءٌ بالدنيا وتصغيرٌ لأمرِها، وكيف لا يُصغِّرها وهي لا تَزِن عنده جناح بعوضة؟ و(اللهو) ما يتلذذ به الإنسان فيُلهيه ساعةً ثم ينقضي. (وإن الدار الآخرة لهي الحيوان أي الحياة)، أي: ليس فيها إلا حياة مستمرة دائمة، لا موتَ فيها، فكأنها في ذاتها حياة”.

وقال النبيُّ -صلى اللهُ عليه وسلم-: (مَا الدُّنْيَا في الآخِرَةِ إِلاَّ مِثْلُ مَا يَجْعَلُ أَحدُكُمْ أُصْبُعَهُ في الْيَمِّ. فَلْيَنْظُرْ بِمَ يَرْجِعُ؟) [رواه مسلم وأحمد].

وقال صلّى اللّهُ عليه وسلّم: (لو كانت الدنيا تعْدِل عند الله جَناحَ بعوضةٍ، ما سقى منها كافراً شربةَ ماءٍ) [رواه الترمذي].

وقال صلى الله عليه وسلم: (الدُّنْيَا سِجْنُ المُؤْمِنِ وجنَّةُ الكَافِرِ ) [رواه مسلم].

 

* الوصفة الثامنة: أقْلِلْ مِن طلب الملذّات والكمالياتِ؛ لأنّ فُقدانَها أو عدمَ الحصول عليها، يجلَب الحزن والغمّ، ويعتقدُ طالبُها أنّه أُصيب بمصيبة تُنغِّصُ عليه حياتَه!

قال الإمام الرازي: “إنّ أكثرَ الناسِ وأشدَّهم غمّاً مَن كانت محبوباتُه كثيراتِ العددِ، كلّما فقد واحدةً أصابه الغمُّ، فينبغي على العاقل أنْ يُقلِّلَ مِن محبوباتِه”. [انظر عبداللطيف العبد: مقدمة كتاب «الطب الروحاني»، لأبي بكر الرازي، القاهرة، مكتبة النهضة المصرية، 1978، ص3؛ نقلاً عن مقال بعنوان (آراء العلماء المسلمين في الموضوعات النفسية)، بقلم د. هلا قصير، بمجلة «منار الإسلام»].

ولقد قَالَ رَسُولُ اللَّه صلّى اللّهُ عليه وسلّم: (مَنْ أَصبح مِنكُمْ آمِنًا في سِرْبِهِ، مُعَافًى في جَسدِه، عِندهُ قُوتُ يَومِهِ، فَكَأَنَّمَا حِيزَتْ لَهُ الدُّنْيَا بِحذافِيرِها) [رواه الترمذي وقال: حديثٌ حسنٌ]. وقال -صلى الله عليه وسلم-: (قَدْ أَفْلَحَ مَن أَسْلَمَ، وكَانَ رِزْقُهُ كَفَافًا، وَقَنَّعَهُ اللَّهُ بِمَا آتَاهُ) [رواه مسلم].

 

* الوصفة التاسعة: أنْ تعلمَ أنّنا في زمان المِحن والفتن، الذي يتطلّبُ مواجهته بمزيد من الاحتمال والصبر والمصابرة؛ فعن أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: (بَادِرُوا بِالأَعْمَالِ فِتَنا كَقِطَعِ اللَّيْلِ الْمُظْلِمِ. يُصْبِحُ الرَّجُلُ فِيْهَا مُؤْمِناً وَيُمْسِي كَافِراً. أَوْ يُمْسِي مُؤْمِناً وَيُصْبِحُ كَافِراً. يَبِيعُ دِينَهُ بِعَرَضٍ مِنَ الدُّنْيَا) [أخرجه مسلم].

(بَادِرُوا بِالأَعْمَالِ فِتَنا): أي سابقوا وسارعوا بأعمالكم الصالحة، قبل مجيء الفتن التي تمنعكم منها وتصدكم عنها؛ والفتن هي الابتلاء والاختبار بالمحن والمنكرات والشدائد، التي تَحُول بين العبد وبين العمل الصالح، وهي قسمان: فتنُ شبهاتٍ وعلاجُها العلم؛ وفتنُ شهواتٍ وعلاجُها الإيمان والصبر.

ولقد روى البخاري في صحيحه عَنِ الزُّبَيْرِ بْنِ عَدِيٍّ، أنّه قَالَ: أَتَيْنَا أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ، فَشَكَوْنَا إِلَيْهِ مَا نَلْقَى مِنَ الحَجَّاجِ، فَقَالَ: “اصْبِرُوا، فَإِنَّهُ لاَ يَأْتِي عَلَيْكُمْ زَمَانٌ إِلَّا الَّذِي بَعْدَهُ شَرٌّ مِنْهُ، حَتَّى تَلْقَوْا رَبَّكُمْ. سَمِعْتُهُ مِنْ نَبِيِّكُمْ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ”.

قال الحافظ ابن حجر في فتح الباري: “وقد حمله الحسن البصري على الأكثر الأغلب”.

ويرى ابنُ الجوزي “أن الكلام خرج على الغالب، فكل عام تموت سُنّة وتحيا بدعة، ويَقِلُّ العلم، ويكثر الجهال، ويضعف اليقين، وما يأتي من الزمان الممدوح نادرٌ قليل” [«كشف المشكل» (3 / 295)].

وقال النبيُّ -صلى الله عليه وسلم-: (يأتي على الناس زمانٌ القابض على دينه كالقابض على الجمر) [رواه الترمذي].

قال العلاّمةُ ابن سعدي عند شرحه لهذا الحديث، في كتابه «بهجة قلوب الأبرار، وقرة عيون الأخيار في شرح جوامع الأخبار»: “وهذا الحديث أيضا يقتضي خبرا وإرشادا: أمّا الخبر، فإنه صلى الله عليه وسلم أخبر أنه في آخر الزمان يقل الخير وأسبابه، ويكثر الشر وأسبابه، وأنه عند ذلك يكون المُتمَسِّكُ بالدين من الناس أقلَّ القليل، وهذا القليل في حالة شدة ومشقة عظيمة، كحالة القابض على الجمر، من قوة المعارضين، وكثرة الفتن المضلة، فتن الشبهات والشكوك والإلحاد، وفتن الشهوات وانصراف الخلق إلى الدنيا وانهماكهم فيها، ظاهرا وباطنا، وضعف الإيمان، وشدة التفرد لقلة المعين والمساعد.

 

ولكن المتمسك بدينه، القائم بدفع هذه المعارضات والعوائق التي لا يصمد لها إلا أهل البصيرة واليقين، وأهل الإيمان المتين، من أفضل الخلق، وأرفعهم عند الله درجة، وأعظمهم عنده قدرا.

 

وأما الإرشاد، فإنه إرشاد لأمته، أن يوطنوا أنفسهم على هذه الحالة، وأن يعرفوا أنه لا بد منها، وأن من اقتحم هذه العقبات، وصبر على دينه وإيمانه -مع هذه المعارضات- فإن له عند الله أعلى الدرجات، وسيعينه مولاه على ما يحبه ويرضاه، فإنّ المعونة على قدر المؤونة.”

 

* الوصفة العاشرة: أنْ تشعُرَ بالغربة في هذه الدنيا؛ فعن ابن عمر -رضي الله عنهما- قال: أخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم بمنكبي فقال: (كُنْ في الدنيا كأنك غريبٌ، أو عابرُ سبيلٍ) [رواه البخاري].

 

قال ابن هبيرة رحمه الله: “إن رسولَ الله صلى الله عليه وسلم حضَّ على التشبُّه بالغريب؛ لأن الغريب إذا دخل بلدة لم ينافس أهلها في مجالسهم، ولا يجزع أن يُرَى على خلاف عادته في الملبوس، ولا يكون متدابرًا معهم.” [الإفصاح، لابن هبيرة (4/ 247 ح 1471)، وشرح الأربعين حديثًا النووية لابن دقيق العيد].

 

إنّنا في هذه الدنيا، كلُّنا غُرباء، ولكنّنا ألِفْنا هذه الحياة واعتدناها، فتَبَلّدَتْ مشاعرُنا، وطال علينا الأمدُ حتّى قستْ قلوبُنا، ووَقَعْنا فيما حذّرنا منه الحقُّ تعالى بقوله: (أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَن تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلَا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِن قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ ۖ وَكَثِيرٌ مِّنْهُمْ فَاسِقُونَ) [الحديد: 16].

 

(أو عابر سبيل)؛ أي: “همُّه قطع المسافة إلى مقصده، لا ينفُذُ في سفره إلا بقوته وتخفيفه من الأثقال، غير متشبثٍ بما يمنعه عن قطع سفره، معه زاده وراحلته يبلغانه إلى ما يعنيه من مقصده، وفي هذا إشارةٌ إلى إيثارِ الزهد في الدنيا، وأخذِ البلغة منها، والكَفاف، فكما لا يحتاج المسافر إلى أكثرَ مِمَّا يبلِّغه غاية سفره، فكذلك المؤمن لا يحتاج في الدنيا إلى أكثرَ مما يبلغه المحَلَّ.”

 

* الوصفة الحادية عشرة: أنْ تجعل همّك همّا واحداً، وهو الفوز برضا اللهِ والآخرة، وبذلك فإنّ المصائبَ تتحوّل إلى مكاسب؛ قال النبيُّ -صلى الله عليه وسلم-: (مَنْ جَعَلَ الْهُمُومَ هَمًّا وَاحِدًا: هَمَّ الْمَعَادِ، كَفَاهُ اللَّهُ هَمَّ دُنْيَاهُ، وَمَنْ تَشَعَّبَتْ بِهِ الْهُمُومُ في أَحْوَالِ الدُّنْيَا، لَمْ يُبَالِ اللَّهُ فِي أَيِّ أَوْدِيَتِهِ هَلَكَ) [رواه ابن ماجه وغيره، وصححه الألباني].

 

وقال صلى الله عليه وسلم: (مَنْ كَانَتْ الْآخِرَةُ هَمَّهُ جَعَلَ اللَّهُ غِنَاهُ فِي قَلْبِهِ وَجَمَعَ لَهُ شَمْلَهُ، وَأَتَتْهُ الدُّنْيَا وَهِيَ رَاغِمَةٌ، وَمَنْ كَانَتْ الدُّنْيَا هَمَّهُ جَعَلَ اللَّهُ فَقْرَهُ بَيْنَ عَيْنَيْهِ، وَفَرَّقَ عَلَيْهِ شَمْلَهُ، وَلَمْ يَأْتِهِ مِنْ الدُّنْيَا إِلَّا مَا قُدِّرَ لَهُ) [رواه الترمذي وصححه الألباني].

 

* الوصفة الثانية عشرة: الإكثار من ذكر الموت؛ فعن أبي هريرة رضي اللّهُ عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (أكثروا ذِكْرَ هاذِمِ اللذات؛ فما ذكره عبدٌ قطّ وهو في ضيق، إلا وسعه عليه، ولا ذكره وهو في سعة، إلا ضيقه عليه) [روه ابن حبان في صحيحه، وحسّنه الألباني].

 

* الوصفة الثالثة عشرة: قراءة قصص الصابرين وعاقبة صبرهم، وأعظمُهم الرسل والأنبياء، والصحابة والدعاة المصلحون؛ وقراءة قصص الذين أصيبوا بمصائب فصبروا، وتبيّن لهم بعد زوالها ومرور الأيام والأعوام، أن تلك المصائب كان وراءها مِنَحٌ ومكاسب!

قال تعالى لنبيّه المصطفى -صلى اللهُ عليه وسلم-: (فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ) [الأحقاف: جزء من الآية 35].

وقال تعالى: (إِنَّهُ مَن يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ) [يوسف: جزء من الآية 90].

قال أبو السعود في تفسيره: “(إنه من يتق)، أي: يفعل التقوى في جميع أحواله أو يَقِ نفسه عما يوجب سخط الله تعالى وعذابه، ويصبر على المحن، أو على مشقة الطاعات، أو عن المعاصي التي تستلذها النفس (فإن الله لا يضيع أجر المحسنين)، أي: أجرهم، وإنما وضع المظهر موضع المضمر تنبيها على أن المنعوتين بالتقوى والصبر موصوفون بالإحسان.”

والعاقل يمكن له أنْ يتعلّمَ الصبر منْ أُناسٍ قريبين منه، رزقهم الله الصبرَ وتحمّلَ الشدائد؛ وقد يكون من هؤلاء الناس: أحد والديه، أو أحد أولاده، أو زوجته، أو صديقه، أو غيرهم.

 

الوصفة الرابعة عشرة: أنْ تبتعِدَ عن المعاصي؛ قال تعالى: (وَمَا أَصَابَكُم مِّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَن كَثِيرٍ) [الشورى: 30].

قال الطبري في تفسيره: “يقول -تعالى ذكره-: وما يصيبكم أيها الناس من مصيبة في الدنيا، في أنفسكم وأهليكم وأموالكم (فبما كسبت أيديكم) يقول: فإنما يصيبكم ذلك عقوبةً من الله لكم، بما اجترمتم من الآثام فيما بينكم وبين ربكم، ويعفو لكم ربكم عن كثير من إجرامكم، فلا يعاقبكم بها”.

وقال النسفي في تفسيره: “(وما أصابكم من مصيبة) غم، وألم، ومكروه (فبما كسبت أيديكم)؛ أي: بجناية كسبتموها … وهو: (ويعفو عن كثير)؛ أي: من الذنوب؛ فلا يعاقب عليه؛ أو عن كثير من الناس؛ فلا يعالجهم بالعقوبة”.

وقال ابن عطاء: “من لم يعلم أن ما وصل إليه من الفتن والمصائب باكتسابه؛ وأن ما عفا عنه مولاه أكثر؛ كان قليل النظر في إحسان ربِّه إليه.”

وقال صلى الله عليه وسلم: (لَمْ تَظْهَرِ الْفَاحِشَةُ فِي قَوْمٍ قَطُّ، حَتَّى يُعْلِنُوا بِهَا، إِلَّا فَشَا فِيهِمُ الطَّاعُونُ، وَالْأَوْجَاعُ الَّتِي لَمْ تَكُنْ مَضَتْ فِي أَسْلَافِهِمُ الَّذِينَ مَضَوْا) [أخرجه ابن ماجه، والبيهقي في الشعب، وحسنه الألباني].

وقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: “مَا مِنْ قَوْمٍ يُعْمَلُ فِيهِمْ بِالْمَعَاصِي، ثُمَّ يَقْدِرُونَ عَلَى أَنْ يُغَيِّرُوا، ثُمَّ لاَ يُغَيِّرُوا، إِلاَّ يُوشِكُ أَنْ يَعُمَّهُمُ اللَّهُ مِنْهُ بِعِقَابٍ” [رواه أبو داود، وصحّحه الألباني].

وقال العلامة السعدي: “إِنَّ المَعَاصِي تُخَرِّبُ الدِّيَارَ العَامِرَةَ، وَتَسلُبُ النِّعَمَ البَاطِنَةَ وَالظَّاهِرَةَ. فَكَم لَهَا مِنَ العُقُوبَاتِ وَالعَوَاقِبِ الوَخِيمَةِ؟ وَكَم لَهَا مِنَ الآثَارِ وَالأَوصَافِ الذَّمِيمَةِ؟ وَكَم أَزَالَت مِن نِعمَةٍ، وَأَحَلَّت مِن مِحْنَةٍ وَنِقمَةٍ؟” [«المجموعة الكاملة» (6/118)، للعلَّامة السعدي].

 

ثانياً: وصفات عند وقوع المصيبة.

* الوصفة الأولى: أنْ تسترجعَ عند حدوث المصيبة؛ قال تعالى: (وَلَنَبْلُوَنَّكُم بِشَيْءٍ مِّنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِّنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ ۗ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ. الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ) [البقرة: 155-156].

قال القرطبي: “قوله تعالى: (قالوا إنا لله وإنا إليه راجعون)؛ جعل الله تعالى هذه الكلمات ملجأً لذوي المصائب، وعصمةً للمُمتحَنين، لِما جمعت من المعاني المباركة؛ فإن قوله: (إنا لِلّه) توحيدٌ وإقرارٌ بالعبودية والملك. وقوله: (وإنا إليه راجعون) إقرار بالهلك على أنفسنا والبعث من قبورنا، واليقين أن رجوع الأمر كله إليه، كما هو له”.

 

* الوصفة الثانية: أنْ يتدرّب على الصبر وتحمّل الصدمات عند بدايتها وقبل أنْ يدخل قلبَهُ الفزعُ، وسواء أكانت هذه الصدماتُ صغيرةً أمْ كبيرةً؛ قال النبيُّ -صلى اللهُ عليه وسلم- :(مَنْ يَتَصَبَّرْ يُصَبِّرْهُ اللهُ، وَمَنْ يَسْتَغْنِ يُغْنِهِ اللهُ، وَمَنْ يَسْتَعْفِفْ يُعِفَّهُ اللهُ، وَمَا أَجِدُ لَكُمْ رِزْقًا أَوْسَعَ مِنَ الصَّبْرِ) [رواه أحمد وإسناده حسن].

وفي رواية أخرى في البخاري ومسلم، أنّ النبيَّ -صلى الله عليه وسلم- قال للأنصار: (مَا يَكُونُ عِنْدِي مِنْ خَيْرٍ، فَلَنْ أَدَّخِرَهُ عَنْكُمْ، وَمَنْ يَسْتَعْفِفْ يُعِفَّهُ اللَّهُ، وَمَنْ يَسْتَغْنِ يُغْنِهِ اللَّهُ، وَمَنْ يَتَصَبَّرْ يُصَبِّرْهُ اللَّهُ، وَمَا أُعْطِيَ أَحَدٌ عَطَاءً خَيْرًا وَأَوْسَعَ مِنْ الصَّبْرِ).

 

وقال -صلى الله عليه وسلم-: (إِنَّمَا الصَّبْر عِنْد الصَّدْمَة الْأُولَى) [رواه البخاري ومسلم].

قال ابن القيم: فإنَّ مفاجئات المصيبة بغتةً لها روعةٌ تزعزع القلب، وتُزعجه بصدمها، فإن صبر الصدمة الأولى انكسر حدُّها، وضعفت قوتُها، فهان عليه استدامة الصبر.” [عدة الصابرين: ص121].

وقال القرطبيُّ فى تفسيره لقوله تعالى: (وبشّر الصابرين): “أي: بالثوابِ على الصبرِ، لكن لا يكونُ ذلك إلا بالصبرِ عند الصَّدمةِ الأولى، أي: إنما الصبر الشاقُّ على النفسِ الذي يعظم الثوابُ عليه إنما هو عند هُجومِ المصيبةِ وحرارتِها؛ فإنه يدلُّ على قوةِ القلبِ وتثبتِه فى مقامِ الصَّبرِ. وأمّا إذا بردَت حرارةُ المصيبةِ فكلُّ أحدٍ يصبر إذ ذاك. ولذلك قيل: يجبُ على كلّ عاقلٍ أن يلتزمَ عند المصيبة، ما لا بد للأحمق منه بعد ثلاث.“

 

* الوصفة الثالثة: أنْ يتذكرَ المرءُ عند المصيبة، عداوة الشيطان، ولقد حذرنا تعالى منه إذْ قال سبحانه: (إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا) [فاطر: جزء من الآية 6].

ومِن مكائد الشيطان عند وقوع المصيبة: الصّدُّ عن ذكر اللهِ، والصَّدُّ عن الاسترجاع عند المصيبة، وتضخيمُ المصائب الدنيوية، وتصغيرُ المصائب التي تصيب الإنسان في دينه وتهوينُها، وتقنيطُ المُصاب مِن الفرج وتغيير الأحوال!

فعلى المرء أنْ يتعوّذَ باللّهِ من الشيطان الرجيم؛ لقوله تعالى: (وَقُل رَّبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَاتِ الشَّيَاطِينِ. وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَن يَحْضُرُونِ) [المؤمنون: 97-98].

قال ابن كثير في تفسيره: “وقوله: (وقل رب أعوذ بك من همزات الشياطين): أمره أن يستعيذ من الشياطين؛ لأنهم لا تنفع معهم الحيل، ولا ينقادون بالمعروف!

وقد قدَّمنا عند الاستعاذة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقول: (أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم، من همزه ونفخه ونفثه)”.

 

* الوصفة الرابعة: أنْ تُحْسِنَ الظّنَّ باللّهِ تعالى؛ قال سبحانه‏:‏ ‏(وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا‏) [الطلاق‏:‏ 2- 3‏].

وقال تعالى في الحديث القدسي: (أنا عند ظَنِّ عبدي بي؛ إنْ ظَنّ بي خيراً فله، وإنْ ظن شراً فله) [رواه أحمد].

قال بدر الدين العيني في «عمدة القاري شرح صحيح البخاري»: “قوله (أنا عند ظن عبدي بي) يعني: إن ظنَّ أني أعفو عنه وأغفر له فله ذلك، وإن ظن العقوبة والمؤاخذة فكذلك، ويقال: إن كان فيه شيء من الرجاء رجاه؛ لأنه لا يرجو إلا مؤمنٌ بأنّ له رَبًّا يجازي، ويُقالُ: إني قادر على أن أعمل به ما ظنَّ أني عامله به، وقال الكرماني: وفيه إشارة إلى ترجيح جانب الرجاء على الخوف”.

 

* الوصفة الخامسة: أنْ تعلم أنّ المصائب لا تدوم، فإمّا أنْ تُفارقَك بذهابها، وإمّا أنْ تفارقَها بذهابك، قال الإمام الشافعي:

ولا تجْزَعْ لحادثَة الليالي ** فما لحوادث الدنيا بقاء.

وقال الإمامُ الرازي -وهو يُعدُّ مِن كبار رُوّادِ العلاج السلوكي المعرفي-: “إنّ الأشياءَ في عالم الكون كثيرةُ التغيرات، وكلُّها زائلةٌ لا محالةَ، فلا ينبغي للإنسان أنْ يستعظمَ ما أُخِذَ منه؛ لأنّ ذلك لا محالةَ واقعٌ، ومَن أحبّ دوام الشيء فقد جلبَ لنفسه الغم”.

وقال أيضأ: “إنّ الإنسانَ لا يدوم غمّهُ على فَقْدِ الأشياء التي ليست ضروريةً في بقاء الحياة، فسرعان ما يجِدُ بديلاً لها، تُسبِّبُ له السَّلْوَة عنها ونسيانها.” [انظر عبداللطيف العبد: مقدمة كتاب «الطب الروحاني»، لأبي بكر الرازي، القاهرة، مكتبة النهضة المصرية، 1978، ص3؛ نقلاً عن مقال بعنوان (آراء العلماء المسلمين في الموضوعات النفسية)، بقلم د. هلا قصير ، بمجلة « منار الإسلام »].

ومِن المفيد أنْ يعلمَ المُصابُ، أنّ المصائب التي تُصيبُه ستُمْسَح من ذاكِرته يوم القيامة، وكأنه لم يُصبْ بأيّة مصيبة! قال النبيُّ -صلى اللهُ عليه وسلم-: (يُؤْتَى بِأَنْعَمِ أَهْلِ الدُّنْيَا مِنْ أَهْلِ النَّارِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَيُصْبَغُ فِي النَّارِ صَبْغَةً؛ ثُمَّ يُقَالُ: يَا ابْنَ آدَمَ هَلْ رَأَيْتَ خَيْرًا قَطُّ؟ هَلْ مَرَّ بِكَ نَعِيمٌ قَطُّ؟ فَيَقُولُ: لَا وَاللَّهِ يَا رَبِّ وَيُؤْتَى بِأَشَدِّ النَّاسِ بُؤْسًا فِي الدُّنْيَا مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ فَيُصْبَغُ صَبْغَةً فِي الْجَنَّةِ فَيُقَالُ: لَهُ يَا ابْنَ آدَمَ هَلْ رَأَيْتَ بُؤْسًا قَطُّ؟ هَلْ مَرَّ بِكَ شِدَّةٌ قَطُّ؟ فَيَقُولُ لَا وَاللَّهِ يَا رَبِّ مَا مَرَّ بِي بُؤْسٌ قَطُّ وَلَا رَأَيْتُ شِدَّةً قَطُّ) [رواه مسلم].

وقال أحمد بن عاصم الأنطاكي:

هَوِّنْ عليك فكُل الأمر ينقطع ** وخلِّ عنك ضباب الهمّ يندفع

فكل هَمٍّ له من بعـده فـرج ** وكل كرب إذا ضاق يتسـع

إن البلاءَ وإن طال الزمان به ** الموتُ يقطعه أو سوف ينقطع

قال الإمام الذهبي في كتابه (تاريخ الإسلام): “عَنْ أَبِي بَكْر بْن عيّاش قَالَ: قِيلَ للبطّال: ما الشجاعة؟ قَالَ: صبرُ ساعة”.

* الوصفة السادسة: انظر إلى مَن أصيبَ بمصائبَ أكبر من مصيبتك؛ عملاً بقوله -صلى اللهُ عليه وسلم-: (انْظُرُوا إِلَى مَنْ هُوَ أَسْفَلَ مِنْكُمْ، وَلَا تَنْظُرُوا إِلَى مَنْ هُوَ فَوْقَكُمْ، فَهُوَ أَجْدَرُ أَنْ لَا تَزْدَرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُم) [مُتَّفَقٌ عليه].

وقال -صلى الله عليه وسلم-: “إذا نظر أحدُكم إلى مَن فُضِّلَ عليه في المال والخَلْق، فلينظر إلى من هو أسفل منه) [متفق عليه].

فإذا نظر المرء إلى مَن مصيبتُه أكبرُ من مصيبتِه، فإنّه سيحمد اللهَ على ما أصابه!

قال علي بن سلطان محمد القاري في «مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح»: (انظروا إلى من هو أسفل منكم) أي: دونكم رتبة (ولا تنظروا إلى من هو فوقكم) أي: مرتبة (فهو) أي: النظر المذكور إثباتا ونفيا (أجدر) أي: أحق وأولى (أن لا تزدروا نعمة الله عليكم) أي: بعدم الازدراء والاحتقار لما قسم الله عليكم في هذه الدار، فإنه يظهر لكم بذلك النظر، أنّ لِلّه تعالى عليكم نعماً كثيرة بالنسبة إلى من دونكم، أو نعما كثيرة حيث اختار لكم الفقر والبلاء، وجعلكم من أهل الولاء، وشبّهكم بالأنبياء والأولياء، وخلصكم عن ظلمة الأمراء وظلمة الأغنياء الأغبياء.”

 

ويكفي أنْ ننظرَ إلى ما يعانيه إخوانُنا المسلمون في فلسطين، وسوريا واليمن، وإلى معانات الأقليات المسلمة في مينامار (بورما)، والصين والهند وغيرها من بقاع العالم.

الوصفة السابعة: أنْ تعلمَ أنّ المصيبة الحقيقية هي تلك التي تصيب الإنسان في دينه وأخلاقه؛ وكَانَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسلّم يقول في بعض دعواته: (وَلاَ تَجْعَلْ مُصِيبَتَنَا فِي دِينِنَا) [جزءٌ من حديث رواه الترمذي، وقال: حسن غريب؛ وصححه الألباني].

فكم من شخصٍ ترك صلاته، وكم من شخص لا يُحافظُ عليها، وكم من شخص خرج من دينه، وكم من شخص ارتمى في مستنقع الإلحاد، وكم من شخص ارتكب من المعاصي والذنوب العظام ما تهتزّ من هوْلها الجبال. وتكون المصيبةُ أعظم عندما يصابُ أحدُهم ببلادة الشعور؛ فلا يشعر أنه أصيب في دينه أو أخلاقه، بل يعتقدُ أنّه على حقّ! قال تعالى عن هؤلاء: (قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُم بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا. الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا. أُولَٰئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ وَلِقَائِهِ فَحَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَلَا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا) [الكهف: 103- 105].

وأكبرُ مصيبةٍ أنْ تُختمَ حياةُ الإنسان بالكفر والإلحاد!

فلْيحمدِ اللهَ من كانت مصيبته في دنياه، لا في دينه، ولْيَدْعُ اللهَ أنْ يرزُقه حُسْنَ الخاتمة.

 

الوصفة الثامنة: شكرُ اللّهِ على المصائب.

 

اشكر اللهَ على مصائبك؛ لأنها تُكفِّر الذنوب وترفع الدرجات، ولأن عددها قليلٌ جدّاً بالنسبة للنِّعم التي تغمُرُك ظاهراً وباطنا، وبدون عدّ ولا حصر، قال تعالى: (وإِن تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا ۗ إِنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ) [النحل: 18].

 

ثالثا: ما بعد الصّدمة.

على المُصاب أنْ يحمدَ اللهَ بعد زوال المصيبة أو تخفيفها؛ ومعلومٌ أنّ من نعم اللهِ علينا رفْعُ الابتلاءات أو تخفيفُها؛ وشكر اللهِ يزيدُ من رفع البلايا والمصائب، لقوله تعالى: (وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِن شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ) [إبراهيم: جزء من الآية 7].

 

تمّ البحثُ، بفضل اللّهِ ونعمته، والحمدُ للّهِ ربِّ العالمين.

 

اشترك في النشرة البريدية
سجل هنا للحصول على آخر الأخبار والتحديثات التي ستصل مباشرة إلى صندوق الوارد الخاص بك.
يمكنك إلغاء الإشتراك في أي وقت

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.