منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

بيع المرابحة للآمر بالشراء، وتطبيقاته في البنوك الإسلامية.

اشترك في النشرة البريدية

عمد الفقهاء المعاصرون والمتخصّصون في الاقتصاد الإسلامي إلى تطوير بيع المرابحة لمقابلة احتياجات توظيف الأموال في البنوك الإسلامية، ويتضمن هذا النوع من التعامل وعدا من العميل بشراء السلعة حسب الشروط المتفق عليها، ووعداً آخر من المصرف بإتمام هذا البيع بالشروط المتفق عليها. هذا العقد هو ما يسمى ب” بيع المرابحة للآمر بالشراء”. والبنوك الإسلامية تزاول هذه العملية للعملاء في السلع التامة سواء من سوق محلية (مرابحة محلية) أو السوق الخارجي (مرابحة خارجية).

فهل هذا البيع جائز شرعا؟ وكيف تكون تطبيقاته في البنوك الإسلامية؟.

أولا: بيع المرابحة ومشروعيته.

1- تعريف المرابحة:

المرابحة في اللغة: مصدر من الربح وهو: (النماء والزيادة، تقول ربح في تجارته إذا أفضل فيها، وأربح فيها؛ أي صادف سوقا ذات ربح. وأربحت الرجل إرباحاً؛ أعطيته ربحا)[1].

المزيد من المشاركات
1 من 63

واصطلاحاً: هو: (بيع ما ملكه بما قام عليه وبفضل. فهو بيع للعرض أي السلعة، بالذي اشترى به مع شيء معلوم من الربح)[2]. وهو أيضا: نقل كل المَبِيع إلى الغير، بزيادةٍ على مِثْل الثَّمن الأوَّل. قال ابن رشد: (أجمع جمهور العلماء على أن البيع صنفان؛ مساومة ومرابحة، وأن المرابحة هي: “أن يذكر البائع للمشتري الثمن الذي اشترى به السلعة ويشترط عليه ربحا ما للدينار أو الدرهم”)[3]. وقال ابن قدامة: (معنى بيع المُرَابَحَة: هو البيع برأس المال وربحٍ معلوم، ويشترط علمهما برأس المال، فيقول: رأسُ مالي فيه – أو هو عليَّ – بمائة، بِعْتُكَ بها، ورِبْحُ عشرةٍ، فهذا جائزٌ، لا خلاف في صحَّته، ولا نعلم أحدا كرهـه)[4].

ويعرفه فقهاء الاقتصاد: “عقد بيع سلعة معينة موجودة أو تحت التشغيل وبمواصفات محددة ويتفق المشتري مع البائع على أن يدفع المشتري قيمة تكلفتها الفعلية والمحددة بمعرفة البائع مضافاً إليه نسبة مئوية من الربح متفق عليها، ويجوز تسديد قيمة الشراء على أقساط”[5].

2- مشروعية بيع المرابحة:

بيع الرابحة جائز في المذاهب الأربعة، بشروط خاصة؛[6]. فهي تدخل ضمن العقود المباحة.  ومما يدل على صحة المرابحة؛ ما ثبت بالنصِّ العام والقاعدة الكليَّة،

أما النصُّ؛ فقوله تعالى: (وَأَحَل اللهُ الْبَيْعَ وَحَرمَ الربَا)[7].

وأما القاعدة؛ فهي: “الأصلُ في المعاملات الإباحة”[8].

يقول الإمام الشافعي رحمه الله: (وإذا أرى الرجلُ الرجلَ السلعة، فقال: اشتر هذه وأربحك فيها كذا. فاشتراها الرجل: فالشراء جائز، والذي قال: أربحك فيها: بالخيار، إن شاء أحدث فيها بيعا، وإن شاء تركه. وهكذا إن قال: اشتر لي متاعا – ووصفه له – أو: “متاعا أيَّ متاع شئت”، وأنا أربحك فيه: فكل هذا سواء، يجوز البيع الأول، ويكون هذا فيما أعطى من نفسه بالخيار. وسواء في هذا ما وصفت إن كان قال: أبتاعه وأشتريه منك بنقد أو دين: يجوز البيع الأول، ويكونان بالخيار في البيع الآخر، فإن جدداه جاز)[9].

مقالات أخرى للكاتب
1 من 13

ثـانيا: بيع المرابحة للآمر بالشراء؛

1- تعريف بيع المرابحة للآمر بالشراء:

هي أن يطلب شخص من آخر أن يشتري له شيئا عينه له، ليأخذه منه بثمن مؤجل، مع زيادة معلومة. فـبيع المرابحة للآمر بالشراء يتضمن: بيعا بالمرابحة ووعدا بالشراء.

والفرق بينه وبين بيع المرابحة أن بضاعة المرابحة مملوكة للبائع حال البيع. أما في ـبيع المرابحة للأمر بالشراء فالبضاعة لا تُمتلك إلا بعد الأمر بشرائها.

2- مشروعيته:

ثار الجدل بين العلماء حول بيع المرابحة للآمر بالشراء، فبعضهم رأى أنه لا يختلف عن القرض الربوي، وبعضهم رأى أنه بيع فقد بعض الشروط، وآخرون ذهبوا على أنه بيع صحيح استوفى كل الشروط. وكان الجدل أشد حول الوعد الذي يصدر من العميل للمصرف من حيث الإلزام أو عدمه[10]. ولعل الذين ذهبوا إلى أنه لا يختلف عن القرض الربوي رأوا أخطاء في التطبيق دفعتهم إلى هذا الرأي، غير أن الفتاوى التي صدرت جعلت لهذا البيع شروطاً متى التزم بها البنك اتضح أنه بيع، ولا يمكن بحال أن يكون من الربا المحرم.

انعقد مؤتمر للمصرف الإسلامي في الكويت في عام 1403هـ، الموافق 1983م، وبحث هذا النوع من البيوع باستفاضة، ثم قام بتوضيحه من خلال قراره الجماعي الذي انتهى إليه والذي قرر فيه: “أن المواعدة على بيع المرابحة للآمر بالشراء بعد تملك السلعة المشتراة وحيازتها ثم بيعها لمن أمر بشرائها بالربح المذكور في الوعد السابق هو أمر جائز شرعا طالما أنه كانت تقع على المصرف ‏الإسلامي مسئولية الهلاك قبل التسليم وتبعة الرد فيما يستوجب الرد بعيب خفي”[11]. ثم صدر قرار مجمع الفقه بمنظمة المؤتمر الإسلامي عام 1409هـ وأجاز الإلزام بالوعد لضمان حق كل من البنك والزبون.

وقد أجاز كثير من الفقهاء المعاصرين بيع المرابحة للآمر بالشراء، وعلى رأسهم الدكتور يوسف القرضاوي[12]. فحددوا له شروطا وضوابط لتطبيقه وتنزيله.

3- ضوابط بيع المرابحة للآمر بالشراء؛

* تحديد مواصفات السلعة وزناً أو عداً أو كيلاً أو وصفاً تحديداً نافياً للجهالة.

* أن يكون العقد الأول صحيحاً.

* أن يعلم المشتري الثاني بثمن السلعة الأول الذي اشتراها به البائع.

* أن يكون الربح معلوماً لأنه بعض الثمن سواء كان مبلغا محدداً أو نسبة من ثمن السلعة المعلوم.

* ألا يكون الثمن في العقد الأول مقابلاً بجنسه من أموال الربا.

* أن يتفق الطرفان على باقي شروط المواعدة من زمان ومكان وكيفية التسليم.

ثـالثا: تطبيقات بيع المرابحة للآمر بالشراء في البنوك الإسلامية؛

1- صورة بيع المرابحة للآمر بالشراء:

صورته أن يتقدم الزبون إلى البنك طالباً منه شراء سلعة معينة بالمواصفات التي يحددها على أساس الوعد بشراء تلك السلعة اللازمة له فعلاً مرابحة بالنسبة التي يتفق عليها ويدفع الثمن مقسطاً حسب إمكاناته، على أن يدعم هذا الطلب بالمستندات اللازمة، ومنها على سبيل المثال عرض أسعار للسلعة موضوع المرابحة، ويقوم المصرف بعد ذلك بالإجراءات اللازمة للحصول على السلعة المتفق عليها ودفع قيمتها، وبعد وصول البضاعة يُخطر العميل لإتمام إجراءات البيع.

2- الوفاء بالوعد والالتزام به:

وقع خلاف حول مدى التزام الآمر بالشراء وهل هو ملـزَم أم لا. وحول ضرورة وفاء الواعد بالشراء بالتزامه وردت نصوص كثيرة، الظاهر منها أن الوعد سواء كان بصلة وبِـر، أم بغير ذلك واجب الوفاء به، إذ لم تفرق النصوص بين وعد ووعد.

وقد تبين من الواقع العملي أن بعض البنوك الإسلامية تأخذ بالرأي الذي يقوم بالتزام الطرفين بالوعد الذي قطعه كل منهما للآخر، فالآمر بالشراء ملزم بشراء السلعة طالما هي مطابقة للمواصفات المحددة، والبنك ملزم ببيع السلعة للآمر بالشراء.

3- مجالات تطبيق بيع المرابحة للآمر بالشراء:

– الاستعمال الشخصي مثل شراء سيارة أو بيت أو الأجهزة والأثاثات المنزلية.

– القطاع الحرفي: عن طريق شراء الآلات والمعدات اللازمة للورش.

– القطاع المهني: عن طريق شراء الأجهزة الطبية للأطباء ومستلزمات المهن الأخرى.

– القطاع التجاري: عن طريق شراء البضائع سواء من الداخل أو الخارج.

– القطاع الزراعي: عن طريق شراء آلات الزراعية الحديثة.

– القطاع الصناعي: عن طريق شراء المعدات الصناعية الضخمة.

– القطاع الإنشائي: عن طريق شراء معدات البناء.

خــاتـمة:

لقد وفّـرت “صيغة بيع المرابحة للآمر بالشراء” للبنوك الإسلامية وسيلة تمويلية تمكنها من الوقوف أمام البنوك التقليدية وتحقيق الأرباح، حيث أن هذه الصيغة قد سدت احتياجات التجار والصناع الذين لا يرغبون في الدخول مع المصارف في المشاركة بكل ما تستلزمه من كشف للأسرار والمعلومات.

والجدير بالذكر أن المرابحات تمثل الجانب الأكبر من الاستثمارات إذ قد تصل إلى أكثر من80 % من حجم الاستثمارات في بعض البنوك الإسلامية.

وختاما نؤكد على أمور مهمة، منها:

* يجب على الرقابة الشرعية للبنوك التشاركية أن تتأكد من العمليات التي تتم، وتنظر في ملفات كل عملية، لترى الخطوات التي تمت سليمة أو لا، فإذا وجد الخطأ يصلح من البداية.

* على البنوك التشاركية تفعيل وظيفة المدقق الشرعي الداخلي الذي يتأكد من تطبيق الخطوات كاملة.

* من حق الزبون أن يطلع على الوثائق التي سيوقعها، وأن يتعرف على تفاصيل كل عمليات هذا العقد.

* لتجنب أخطاء التطبيق على البنوك التشاركية أن تضع خطوات عملية مفصلة لكل معاملة حتى تكون ميسرة على الموظف فيتجنب الأخطاء.

والحمد لله رب العالمين.

 

[1] – ابن منظور، لسان العرب، (دار الفكر الطبعة الثالثة: 1414هـ-1994م.). ج: 2 / ص: 442-443. والفيومي، المصباح المنير، (مكتبة لبنان، طبعة: 1987م) الصفحة: 82. والــفيروز أبادي، القاموس المحيط، ضبط وتوثيق: يوسف الشيخ محمد البقاعي. (دار الفكر طبعة: 1416هـ -2005م). الصفحة: 279.

[2]– نزـيه حمـاد، معجم المصطلحات المالية والاقتصادية في لغة الفقهاء، الصفحة: 408-409.

ود.محمود عبد الرحمان عبد المنعم، معجم المصطلحات والألفاظ الفقهية، ج: 2 / ص: 412-413.

[3]– ابن رشد القرطبي، أبو الوليد محمد بن أحمد، بداية المجتهد ونهاية المقتصد. (مكتبة المعارف-

الرباط، طبعة 1419هـ). ج: 2 / ص: 216.

[4] – ابن قدامة المقدسي، المغــنـي، ج: 5 / ص: 392.

[5]– نزـيه حمـاد، معجم المصطلحات المالية والاقتصادية في لغة الفقهاء. الصفحة: 408-409.

[6] – الإمام الجزيري، عبد الرحمان بن محمد عَوض، الفقه على المذاهب الأربعة، ص: 562-564.

[7] – البقرة : 275.

[8] – الأستاذ الندوي، علي أحمد، القواعـد الفقهية. (دار القلم، دمشق، الطبعة العاشرة: 1432هـ-2011م). الصفحة: .

[9]– الإمام الشافعي، أبو عبد الله محمد بن إدريس، كتاب الأم ، خرّج أحاديثه وعلّق عليه محمود مطرجي، (دار الكتب العلمية في لبنان، الطبعة الأولى 1413هـ). ج: 3 / ص: 39. والموطـأ، كتاب البيوع، باب: بيع المرابحة. الصفحة: 412-413.

 

[10] – د. علي السالوس، موسوعة القضايا الفقهية المعاصرة. الصفحة: 600.

[11] – يُـنظر: الفتوى الصادرة عن المؤتمر الثاني للمصرف الإسلامي بالكويت في المدة ما بين:6 و 8 جمادى الآخرة عام 1403هـ الموافق 21 – 23 آذار 1983م.

[12] – يُـنظر: د. القرضاوي، “ببيع المرابحة للأمر بالشراء كما تجريه المصارف الإسلامية”. (مكبة وهبة، طبعة: 1415ه-1995م). الصفحة: 102 وما بعدها.

اشترك في النشرة البريدية
سجل هنا للحصول على آخر الأخبار والتحديثات التي ستصل مباشرة إلى صندوق الوارد الخاص بك.
يمكنك إلغاء الإشتراك في أي وقت

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.