منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

قصة الرجل “وجاء من أقصى المدينة”

القصص القرآني وبناء القيم(8)

1
اشترك في النشرة البريدية

في القصص القرآني عبر وعضات كل الأجيال، فهو كتاب خالد كتب الله له الاستمرار وحفظه من كل تغيير يلحقه، كتاب عقيدة وشريعة، كتاب دنيا وأخرى، كتاب عدل وإحسان، كتب الفرد والأمة، فيه خير الدنيا والآخرة، أكيد لمن ألقى السمع وهو شهيد.

نتوقف عند رجل داع وقف في وجه الظلم وساند المرسلين لوحده، ذكره الله في سورة يس وجعله ذكراه مخلدة هناك، نستعرض سياق الآيات في القرآن الكريم ونرى كيف وردت، قال الله تعالى:” وَجَاءَ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعَىٰ قَالَ يَا قَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ”، “عن قتادة في قوله: وجاء من أقصى المدينة رجل يسعى قال: بلغني أنه رجل كان يعبد الله في غار، واسمه حبيب فسمع بهؤلاء النفر الذين أرسلهم عيسى إلى أهل أنطاكية، فجاءهم فقال: أتسألون أجرا؟ فقالوا: لا، فقال لقومه: قال يا قوم اتبعوا المرسلين اتبعوا من لا يسألكم أجرا وهم مهتدون حتى بلغ: فاسمعون قال: فرجموه بالحجارة، فجعل يقول: رب اهد قومي فإنهم لا يعلمون، فلم يزالوا يرجموه حتى قتلوه، فدخل الجنة فقال: يا ليت قومي يعلمون بما غفر لي ربي. حتى بلغ: إن كانت إلا صيحة واحدة. قال: فما نوظروا بعد قتلهم إياه حتى أخذتهم صيحة واحدة فإذا هم خامدون”[1].

الاستجابة الصادقة لدعوة الحق:

“فهذا رجل سمع الدعوة فاستجاب لها بعد ما رأى فيها من دلائل الحق والمنطق ما يتحدث عنه في مقالته لقومه، وحينما استشعر قلبه حقيقة الإيمان تحركت هذه الحقيقة في ضميره فلم يطق عليها سكوتا[2]، استجابة استنار لها قلبه ونشطت جوارحه للحمل الصالح وتحرك الفكر دعوة للآخرين، مؤيدا المرسلين في دعوتهم مبادرا إلى تبليغ رسالة الله بكل ما أوتي من علم.

الدعوة للحق بعد الاقتناع به:

المزيد من المشاركات
1 من 30

بعدما اقتنع بالرسالة انطلق في الدعوة إليها وكله يقين، دعوة بثبات عليها، دعوة على أساس أنه حامل رسالة، دعوة جعلته يكون عبرة لغيره في كتاب رب العالمين،” ولم يقبع في داره بعقيدته وهو يرى الضلال من حوله والجحود والفجور، ولكنه سعى بالحق الذي استقر في ضميره وتحرك في شعوره، سعى به إلى قومه وهم يكذبون ويجحدون ويتوعدون ويهددون، وجاء من أقصى المدينة يسعى ليقوم بواجبه في دعوة قومه إلى الحق، وفي كفهم عن البغي، وفي مقاومة اعتدائهم الأثيم الذي يوشكون أن يصبوه على المرسلين” [3]

تحمل تبعات الكلمة الصادقة:

لم يتوقف الأمر على الدعوة إلى الحق لكن الأمر اقتضى أن يتحمل تبعات هذه الدعوة، وإن كان عليه أن يضحي بالغالي والنفيس من أجل تبليغها، فهو عرف الحق ومن عرف الحق ضحى من أجله فهذا من مقتضيات المعرفة الحقة.

حب الخير والاهتمام بأمر الآخرين:

أي قلب هذا الذي يحمله، يبشره الله بالجنة وهمه مع قومه، لو أنهم صدقوه لكانوا معه في نفس مقامه، حسرة عليهم وحمل لهمهم ودعوة لمن يأتي من بعد، لعله يتعظ ويعتبر بهذه القصة وقد أورها الله في سورة من السور الفاضلة وفيها من العبرة والعضات الكثير، يقول سيد قطب في الظلال:” ونرى الرجل المؤمن، وقد اطلع على ما آتاه الله في الجنة من المغفرة والكرامة، يذكر قومه طيب القلب رضي النفس، يتمنى لو يراه قومه ويرون ما آتاه ربه من الرضا والكرامة، ليعرفوا الحق، معرفة اليقين”.[4]

الموت انتقال من دار إلى أخرى:

في هذه القصة يظهر جليا الانتقال الواضح من الحياة الدنيا والأخرة، فهو انتقال لحظي، بمجرد وفاته تم تبشيره بمقامه في الجنة، “قِيلَ ادْخُلِ الْجَنَّةَ ۖ قَالَ يَا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ”[5]، “وتتصل الحياة الدنيا بالحياة الآخرة، ونرى الموت نقلة من عالم الفناء إلى عالم البقاء، وخطوة يخلص بها المؤمن من ضيق الأرض إلى سعة الجنة، ومن تطاول الباطل إلى طمأنينة الحق، ومن تهديد البغي إلى سلام النعيم، ومن ظلمات الجاهلية إلى نور اليقين”[6]، فالموت إذن انتقال من عالم سفلي إلى عالم علوي، من عالم العمل إلى عالم الجزاء، من غرفة الامتحان إلى غرفة النتائج.

مقالات أخرى للكاتب
1 من 3

في هذه القصة القرآنية المنيرة يظهر بجلاء عاقبة الصدق في حياة هذا الرجل الطيب، الذي ما إن استنار قلبه حتى لبى نداء ربه داعيا قومه إلى الخير الذي أدركه، فقد بين لهم الحق، لكنهم قابلوا ذلك بالعصيان والانتقام منه، لكنه ذكرهم لما بشر بمقعد الصدق عند ربه، وتحسر عليهم وعلى فعلتهم الشنيعة.

[1] السيوطي، الدر المنثور، ج 1، ص339.

[2] سيد قطب، في ظلال القرآن، ج 6 ص.2963

[3] نفس المرجع، نفس الصفحة.

[4] نفس المرجع، نفس الصفحة.

[5] سورة يس، الآية 26.

[6] سيد قطب، في ظلال القرآن، ج 6 ص2965.

اشترك في النشرة البريدية
سجل هنا للحصول على آخر الأخبار والتحديثات التي ستصل مباشرة إلى صندوق الوارد الخاص بك.
يمكنك إلغاء الإشتراك في أي وقت
تعليق 1
  1. حسن حشادي يقول

    جزاك الله خيرا ووفقك لما فيه خير هذه الامة

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.