منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

القصص القرآني وبناء القيم(7): قصة أصحاب الجنة وعاقبة البخل

0
اشترك في النشرة البريدية

ينوع الله عز وجل القصص في القرآن الكريم لعل الناس تتعظ منها بما يفيدهم في حياتهم، فتارة يحكي قصص الأنبياء والرسل عليهم السلام، وتارة يقص علينا قصص الأمم الغابرة وكيف تعاملت مع أمر الله، وتارة يأتينا بقصص مقتضبة بهدف تبليغنا بأمر عن طريقها، تسهيلا للفهم وضربا للمثل من الواقع.

ضرب الله المثل في سورة القلم لقريش الذي أنعم الله عليهم بنعم كثيرة، نعمة الإطعام ونعمة الأمن كما في سورة قريش، والنعمة العظمى سيدنا محمدا صلى الله عليه وسلم المبعوث رحمة للعالمين، فقابلوا النعم بالكفر وجحدوها، فجاءت قصة أصحاب الجنة تبين عاقبة نكران وجحود النعم، خلاصة القصة كما أوردها ابن كثير في تفسيره، القصة تحكي عن مجموعة من الأبناء، “كان أبوهم قد خلف لهم هذه الجنة، وكانوا من أهل الكتاب، وقد كان أبوهم يسير فيها سيرة حسنة، فكان ما استغله منها يرد فيها ما يحتاج إليها، ويدخر لعياله قوت سنتهم، ويتصدق بالفاضل. فلما مات ورثه بنوه، قالوا: لقد كان أبونا أحمق إذ كان يصرف من هذه شيئا للفقراء، ولو أنا منعناهم لتوفر ذلك علينا. فلما عزموا على ذلك عوقبوا بنقيض قصدهم، فأذهب الله ما بأيديهم بالكلية، ورأس المال، والربح، والصدقة، فلم يبق لهم شيء”[1].

من القيم والمبادئ التي يمكن استنباطها من القصة:

1.لكل عبد جنته:

إن المتأمل في الحياة يجد أن لكل إنسان جنة في حياته، وهي بخلاف جنان الآخرين، فالله عز وجل أنعم على كل إنسان بنعم خاصة تختلف عن نعم الآخرين، تكريما منه سبحانه وتعالى لعباده، وهيأهم لعبادته حق العبادة وشرع لهم شرائع تحفظهم من الضلال والزيغ، لكن الإنسان خلق هلوعا، طبعه النظر في نعم الآخرين ونسيان النعم التي بين يديه، فلا هو حمد الله عليها واستمتع بها شكرا لله، ولا هو أدرك النعم التي في أيدي الآخرين، فزاده ذلك حسرة.

المزيد من المشاركات
1 من 30

2.الجنة مستمرة لمن له إرادة:

أكرم الله عز وجل بالخلق القويم، وبعث الرسل والأنبياء من أجل أن يرسموا له الطريق والصراط المستقيم، من أجل أن يحيا حياة طيبة، “مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَىٰ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً ۖ وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ”[2]، وعد من الله وتصديق من الرسول الكريم، فالجنة من الميلاد إلى الموت، ثم جنة في البرزخ، ثم جنان في الآخرة لكل مؤمن صادق الإيمان، وقد دُعيَ الإنسان لاقتحام العقبة وحثه الله على اختيار السبيل القويم وصحبة الذاكرين المنيبين من أجل بلوغ القصد.

3.جنة الامتنان:

من الجنان العجيبة التي وهبنا الله عز وجل، جنة الامتنان والفرح بنعم الله عز وجل مهما كانت دقيقة، “قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَٰلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ”[3]، ويؤكدها قول النبي الكريم صلى الله عليه وسلم: “مَنْ أَصْبَحَ مِنْكُمْ آمِنًا فِي سِرْبِهِ، مُعَافًى فِي جَسَدِهِ، عِنْدَهُ قُوتُ يَوْمِهِ، فَكَأَنَّمَا حِيزَتْ لَهُ الدُّنْيَا”[4]، فالفرح بنعم الله عز وجل محمود ما كان بالعمل المحمود، وإلا صار نكرانا وجحودا للنعم، فشكر النعم يقيدها ويحفظها من الزوال، فالمؤمن يفرح بالنعم مهما دقت ويشكر عليها، و من لم يشكر الناس لم يشكر الله، ومن أسدى إليكم معروفا فكافئوه، كلها وصايا نبوية من أجل نشر الامتنان والاحتفاء بالمعروف مهما كان بسيطا، وفي ذلك دعوة إلى نشر الخير ومباركته وتعليمه الناس في كل زمان ومكان حتى تصبح القاعدة هي الخيرية بين الناس.

4.الجزاء من جنس العمل:

كانت سيرة الأب معروفة لدى الناس، فهو كريم جواد بما جاد الله عليه، يحتفل بقدوم الفقراء إليه يوم الحصاد، فهو يعرف أن الأمر قرض بين الله وعباده، وقد وعد الله عز وجل أن يكرم الكريم في قوله تعالى:” مَّن ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ وَلَهُ أَجْرٌ كَرِيمٌ”[5]، وفي المقابل ذم البخلاء وذكر عاقبتهم في قوله تعالى:” هَا أَنتُمْ هَٰؤُلَاءِ تُدْعَوْنَ لِتُنفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَمِنكُم مَّن يَبْخَلُ ۖ وَمَن يَبْخَلْ فَإِنَّمَا يَبْخَلُ عَن نَّفْسِهِ ۚ وَاللَّهُ الْغَنِيُّ وَأَنتُمُ الْفُقَرَاءُ ۚ”[6]، فالاختيار بيد الإنسان إما أم يكون كريما فينال كرامة الدنيا والآخرة، أو يكون بخيلا فتكون العاقبة عليه ويبوء ببخله.

بتلاوة القرآن الكريم مرات ومرات تترسخ لدى القارئ التالي لآيات الله عز وجل قيم الجمال والصفاء والنقاء، قيم تجعله يعيش حياة طيبة شعارها الامتنان بكل جميل، وهو يردد مقولة الشاعر: كن جميلا ترى الوجود جميلا.

مقالات أخرى للكاتب
1 من 3

[1] تفسير ابن كثير، ج 8 ص196.

[2] سورة النحل، الآية 97.

[3] سورة يونس، الآية 58.

[4] رواه البخاري في “الأدب المفرد” (رقم/300).

[5] سورة الحديد، الآية 11.

[6] سورة محمد، الآية 38.

اشترك في النشرة البريدية
سجل هنا للحصول على آخر الأخبار والتحديثات التي ستصل مباشرة إلى صندوق الوارد الخاص بك.
يمكنك إلغاء الإشتراك في أي وقت

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.