منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

القصص القرآني وبناء القيم(6):فتية أهل الكهف والصبر في مواجهة جبروت الباطل

0
اشترك في النشرة البريدية

ذكر الله عز وجل أمر فتية الكهف في كتابه وأثنى على صنيعهم في زمن انتشرت فيه العبادة من دون الله، واتخذوا قرار اعتزال قومهم ولجأوا إلى الله عز وجل، من أجل أن ينجوا بإيمانهم بعدما عزت مواجهة الباطل الجاثم على صدور الناس،”فأما تصحيح القيم بميزان العقيدة، فيرد في مواضع متفرقة، حيث يرد القيم الحقيقية إلى الإيمان والعمل الصالح، ويصغر ما عداها من القيم الأرضية الدنيوية التي تبهر الأنظار”[1].

نتوقف عند أهم القيم التي وردت في القصة:

.1اتخاذ القرار عوض الإمعة:

عم الكفر المكان وحمل الحاكم الجميع على عبادته من دون الله، وجعل الخروج عليه عقابه الموت أو السجن، ولم يكن يجرؤ أحد على الخروج عليه وعصيان أوامره، لكن الفتية كان لهم رأي واتخذوا قرار المواجهة،فمع الإيمان يتحول الضيق إلى سعة، والكروب إلى رحمة من الله، والوحشة إلى أنس به سبحانه وتعالى،”فإذا الكهف فضاء فسيح رحيب وسيع تنتشر فيه الرحمة وتتسع خيوطها وتمتد ظلالها، وتشملهم بالرفق واللين والرخاء، إن الحدود الضيقة لتنزاح، وإن الجدران الصلدة لترق، وإن الوحشة الموغلة لتشف، فإذا الرحمة والرفق والراحة والارتفاق”[2].

.2القومة عوض الخنوع:

المزيد من المشاركات
1 من 30

قال الله تعالى:”إِذْ قَامُوا فَقَالُوا رَبُّنَا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَن نَّدْعُوَ مِن دُونِهِ إِلَٰهًا ۖ لَّقَدْ قُلْنَا إِذًا شَطَطًا”[3]، فقد قاموا قومة رجل واحد، واتفقوا على الخروج عن حاكم ذلك الزمان الذي حمل الناس على الكفر، وهذا أمر يحتاج إلى عزم وإرادة قوية “والقيام حركة تدل على العزم والثبات”[4]، والقومة عزم مستمد من صحبة تمنحك فضاء للتواصل والتبادل والتآخي في الله.

.3الصحبة الصالحة:

كانوا فتية وكانت لهم مكانة لكنهم اختاروا جوار الله عز وجل، وصحبوا بعضهم في الله، رغبة في الثبات على الأمر ومواجهة الكفر، هذه الصحبة ترسخت مع القضية الواحدة التي يحملونها وخرجوا من المدينة من أجل أن يجدوا الفضاء الرحب الذي يسمح لهم بممارسة شعائرهم دون أن يمنعهم قومهم وخصوصا وأنهم فتية ليس لهم ما يمنعهم ويكون لهم جارا عند قومهم، لتبقى سنة الصحبة مستمرة إلى يوم الدين، لكل فن مفاتيحه ولكل خير دُلال عليه، الصاحب ساحب والجليس الصالح مفتاح لكل خير، و جليس السوء مفتاح لكل سوء، وهي قاعدة في كل العلوم والفنون في الحياة.

.4اليقين في أمر الله:

كان يقين الفتية قويا في الله عز وجل، فهم يعرفون تمام المعرفة أنه قادر على حمايتهم، فهو وليهم في السراء والضراء، لذلك واجهوا الباطل وخرجوا على قومهم وقاموا فقالوا “ربنا الله”، وأعلنوها في وجه كل من عبد غيره وتولى عن عبادته دون أن تكون لهم بينة أو حجة على صنيعهم المخالف لأمر الله عز وجل، وهو حال المؤمنين في كل زمان، غايتهم الله عز وجل، فمهما بدت الظلمات محيطة بهم، والمصائب مهما اجتمعت عليهم.

وقد جمعت قريش في غزوة الأحزاب وألبت على المسلمين كل القبائل، لكن الله عز وجل فرق شملهم وهزمهم وحده سبحانه وتعالى، لتبقى راية الإسلام مرفرفة في العالمين، ليدخل الله هذا الدين كل البيوت، بيوت حضر أو بيوت مدر، شرقا وغربا بسبب و بغيره ان شاء الله تعالى.

5.العناية الإلهية بعباده:

مقالات أخرى للكاتب
1 من 3

مهما بدت السبل مبهمة أمام عباد الله عز وجل فإن أمر الله بالغ لا محالة وعنايته حاضرة، قال الله تعالى:”وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا”[5]، كانت هداية الله لهم وتوفيقهم معهم، قال الله تعالى:”وَإِذِ اعْتَزَلْتُمُوهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ فَأْوُوا إِلَى الْكَهْفِ يَنشُرْ لَكُمْ رَبُّكُم مِّن رَّحْمَتِهِ وَيُهَيِّئْ لَكُم مِّنْ أَمْرِكُم مِّرْفَقًا”[6]، فهذا أملهم أن ينشر الله لهم من رحمته و يهيئ لهم المكان الآمن، عناية خاصة منه سبحانه وتعالى، وتزيد العناية وهم في نومهم لا يدرون ما يُفعل بهم، تكون العناية تحيط بهم وترعاهم وتحفظهم من كل سوء، قال الله تعالى:”وَتَرَى الشَّمْسَ إِذَا طَلَعَت تَّزَاوَرُ عَن كَهْفِهِمْ ذَاتَ الْيَمِينِ وَإِذَا غَرَبَت تَّقْرِضُهُمْ ذَاتَ الشِّمَالِ وَهُمْ فِي فَجْوَةٍ مِّنْهُ ۚ ذَٰلِكَ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ ۗ مَن يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ ۖ وَمَن يُضْلِلْ فَلَن تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُّرْشِدًا”[7] عناية تامة من كل الجوانب، عناية مستمرة في كل الأوقات، عناية ربانية المصدر لا يخشى معها العبد شيئا، عناية الحفظ والستر والمحبة، إنه الله تعالى وهم عباده وكفى!.

لا زالت قصة فتية الكهف متلوة في القرآن الكريم نبراسا لكل طالب للمعالي، مشمر على اقتحام العقبات، عقبة النفس الأمارة بالسوء، المنكفئة على النكوص الراضية بالخنوع، وعقبة الإمعة الذي يسير مع الجمع مهما كانت وجهته دون الوقوف على حقيقة الأشياء، فاقتحام الأولى يحتاج صدقا في الطلب وعكوفا على باب الحق واقتحام الثانية تيسرها الصحبة في الله المبنية على نواظم المحبة والنصيحة والشورى والطاعة، صحبة تحمل الفرد ليكون حاملا هم الأمة من أجل بناء الخلافة الموعودة.

[1]سيد قطب، في ظلال القرآن، ج 4 ص2259.

[2]نفسه.

[3]سورة الكهف، الآية 14.

[4]سيد قطب، في ظلال القرآن، ج 4 ص 2263.

[5]سورة الطور، الآية 48.

[6]سورة الكهف، الآية 16.

[7]سورة الكهف، الآية 17.

اشترك في النشرة البريدية
سجل هنا للحصول على آخر الأخبار والتحديثات التي ستصل مباشرة إلى صندوق الوارد الخاص بك.
يمكنك إلغاء الإشتراك في أي وقت

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.