منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

القصص القرآني وبناء القيم(4): نبي الله موسى وأخيه هارون عليهما السلام

0
اشترك في النشرة البريدية

ذكر الله عز وجل قصة موسى عليه السلام في مواضع كثيرة من كتابه الكريم، ذكرها مفصلة أحيانا، وذكر منها جزءا لأخذ العبرة، حيث بدأت القصة قبل ميلاه عليه السلام وحادثة الرؤيا التي أفزعت فرعون ذلك الزمان، وهي رؤيا منذرة بنهاية ملكه وزواله على يد أحد شباب بني إسرائيل كما هي سنة الله من الطغاة في كل زمان ، يملهم قليلا لعلهم يتعظون ثم يأخذهم أخذ عزيز مقتدر، ثم ميلاه المعجز وترعرعه في بيت عدوه مستقبلا، فهجرته إلى مدين قوم نبي الله شعيب عليه السلام فزواجه من ابنته، ورحلة عودته لدعوة قومه وتبليغ الرسالة بعدما أكرمه الله بها في جبل الطور، لتبدأ رحلة مواجهة فرعون وحاشيته في مقابل مسار البناء مع قومه من أجل إعداد الرأسمال البشري القادر على قيادة التغيير في الأمة، وهنا واجهته تحديات كثيرة مع قومه فكان في حاجة ماسة إلى أخ بجانبه يحمل معه أعباء الجهاد والتبليغ.

في قصة موسى وأخيه هارون عليهما السلام نتوقف عند القيم التالية:

  الاعتراف بنقاط الضعف:

جاء على لسان موسى عليه السلام في قول الله تعالى:” وَأَخِي هَارُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِسَانًا فَأَرْسِلْهُ مَعِيَ رِدْءًا يُصَدِّقُنِي ۖ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُكَذِّبُونِ”[1]، اعترف موسى عليه السلام بقلة الفصاحة مقارنة مع أخيه هارون الذي رُزقَ فصاحة في القول وهي الإبانة في الكلام وبلوغ الهدف منه، وذلك راجع لما حدث لموسى عليه السلام في صباه في بيت فرعون، ذلك أنه ما ميز بين الجمر والتمر، فوضع التمرة في فيه، فكان أن أصابته لثغة في لسانه، فسأل الله أن يكون هارون وزيرا له، متحدثا باسمه مبينا فصيحا لما يريد أن يبلغه إلى قومه، “تحتاج الدعوة إلى ناطقين بالصدق والصواب في عصر “الصحوة الإسلامية” التي كثرت فيها الأعناق المشرئبة إلى الـمُعَمَّمِ الخطيب، ولفَظَتْ فيها المطابعُ الإنتاج الغزير، وسجلت فيها مكائن اليابان خليطا من جيد الكلام ومن الثرثرة الـمُتَفَيْهِقَة. وقلَّ العالم الـمُعَلم الورع الذي يقول: لا أدري، ففات الـمُتَعالِمَ نصفُ العلم بزعمه أنه كنزٌ للعلوم لا ينضُب، وفات المستفتين والسامعين والقارئين كلُّ العلم لأنهم يَرِدون مِنْ بحر لا ساحل له من الدعوَى الهائمة”[2].

  أهمية العمل الجماعي:

المزيد من المشاركات
1 من 28

قال الله تعالى:” وَاجْعَل لِّي وَزِيراً مِّنْ أَهْلِي، هَارُونَ أَخِي، اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي، وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي، كَيْ نُسَبِّحَكَ كَثِيراً، وَنَذْكُرَكَ كَثِيراً، إِنَّكَ كُنتَ بِنَا بَصِيراً”[3]، سأل موسى عليه السلام الله عز وجل أن يجعل أخاه سندا له، يشد به أزره ويشركه في أمره، من أجل أن يكونا من المسبحين والذاكرين، هذه دلالة واضحة على ضرورة التعاون على فعل الخير وبناء الأمة وتبليغ الرسالة وفق الشكل المطلوب، بما يجعلها رسالة قوية مسموعة في الآفاق، له سند وصيت وقوة خطاب وحكمة في التبليغ، وإذا ما نظرنا للخطاب القرآني وجدنا أن أغلب الآيات جاءت بصيغة الجمع في خطاب المؤمنين، “يا أيها الذين آمنوا”، وفي السنة أول فعل قام به النبي صلى الله عليه وسلم أن آخى بين الأنصار والمهاجرين.

  التعاون أساس الدعوة:

تحتاج الدعوة إلى قوة الجماعة من أجل تكوين الرهط المدافع عنها، الذي سيدفعها بها إلى الأمام بالجماعة تحمي الدعوة وتكون عصبة في مواجهة الباطل وجبروته، قال الله تعالى:” وَلَوْلَا رَهْطُكَ لَرَجَمْنَاكَ ۖ وَمَا أَنتَ عَلَيْنَا بِعَزِيزٍ”[4]، في قصة شعيب عليه السلام تأكيد على أهمية الرهط في مواجهة الباطل وهدم أركانه.

  التكامل بين الأخوين:

كان موسى عليه السلام قوي المراس، شديد الخطاب في مواجهة كل خطأ من أجل أن الدين ويبلغ الرسالة لقومه، لا يهاب الصعاب مهما اشتدت العقبات، في المقابل كان أخوه هارون لين الجانب يتألف القوم ويجمع كلمتهم، وكان هذا تكاملا بين الأخوين بما يجمع قومهما ويحافظ على نقاء العقيدة وصفاء الفطر في مواجهة جبروت فرعون وحاشيته.

  الإخوة هبة ربانية:

من حرص موسى عليه السلام على الأخوة سأل الله عز وجل أن ييسر له أخا يعينه على تبليغ الرسالة، وكان سؤاله محددا بشكل دقيق، فقد سأل الله عز وجل أن يكون ذلك الوزير هو هارون أخوه عليه السلام، وهذا في غاية الدقة والطلب، فالدعاء هو ما يملك والقلوب بيدي ملك الملوك يصرفها كيف يشاء، وقد جاد عليه بذلك الأخ الطيب السليم الصدر، الفصيح اللسان الذي له القدرة على الإبانة في المواقف الصعبة.

مقالات أخرى للكاتب
1 من 2

  الدعاء بتيسير الأخوة:

قال الله تعالى:” قَالَ رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي، وَيَسِّرْ لِي أَمْري، وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِّن لِّسَانِي، يَفْقَهُواْ قَوْلِي، وَاجْعَل لِّي وَزِيراً مِّنْ أَهْلِي”[5]، في هذا الآيات تسليم تام لأمر الله، وتفعل بالدعاء وتوكل على الله عز وجل، فهو الواهب الذي يمد العبد بالسند والقوة ويهبه التيسير في الأمور كلها، فموسى عليه السلام يعرف نقاط ضعفه ويسأل الله أن يفتح له أبواب القوة والتمكين، “لقد طلب إلى ربه أن يشرح له صدره، وانشراح الصدر يحول مشقة التكليف إلى متعة، ويحيل عناءه لذة ويجعله دافعا للحياة لا عبئا يثقل خطى الحياة”[6].

هذه قواعد أخوة صادقة مبنية على الإيمان، والتعاون من أجل تبليغ الرسالة، وتآزر في مواجهة الباطل، وثبات في اللحظات العصيبة التي تتبدى فيها قوة وجبروت المفسدين أمثال فرعون وما شاكله في كل زمان ومكان، فتكون القوة الربانية مع جند الله المتآخين المتحابين فيه، يجمعهم حبه وتكون غايتهم مرضاته.

[1] سورة القصص، الآية 34.

[2] عبد السلام ياسين، الإحسان، ج 3 ص330.

[3] سورة طه، الآية 29.

[4] سورة هود، الآية 91.

[5] صورة طه، الآية 28.

[6] سيد قطب، في ظلال القرآن، ج4 ص 2333.

اشترك في النشرة البريدية
سجل هنا للحصول على آخر الأخبار والتحديثات التي ستصل مباشرة إلى صندوق الوارد الخاص بك.
يمكنك إلغاء الإشتراك في أي وقت

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.