منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

القصص القرآني وبناء القيم(2): نبي الله نوح عليه السلام وابنه

0
اشترك في النشرة البريدية

خلق الله سيدنا آدم عليه السلام في أحسن تقويم، وجعل له زوجا وجمع بينهما في مودة ورحمة، ووهب لهما ذرية تؤنسهما ويستمر بها نسلهما عبر التاريخ، وجعل تربية الأبناء مسؤوليتهما، من أجل أن يواصل الخلف إعمار الأرض والحفاظ على الأمانة التي حملها الله عز وجل، كما في الآية: ” إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنسَانُ ۖ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا [1]”، وكانت أهم طريقة لبناء القيم لدى الأبناء هي النموذج والقدوة الحاضرة أمامهم التي تملأ عليهم قلبهم وعقلهم ووقتهم.

في قصة نبي الله نوح عليه السلام العديد من القيم التي عايشها مع ابنه وزوجه وقومه، فقد عاش سنين طويلة يحاول تبليغ الرسالة بكل أشكال التبليغ المتاحة، وقد سجل الله عز وجل قصته في العديد من سور القرآن الكريم وخصه بسورة باسمه عليه السلام، وجعلها متلوة إلى قيام الساعة، وكان نبي الله نوح عليه السلام من الرسل أولي العزم لما حباه الله من قوة في العزم وصبر على تبليغ رسالته رغم العقبات والصعوبات التي واجته من الأقربين الزوجة والابن ومن قومه، فذلك قوله تعالىوَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَىٰ قَوْمِهِ فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عَامًا فَأَخَذَهُمُ الطُّوفَانُ وَهُمْ ظَالِمُونَ”[2]، وكانت قد كثرت فيهم المعاصي ، وكثرت الجبابرة وعتوا عتوا كبيرا ، وكان نوح يدعوهم ليلا ونهارا ، سرا وعلانية ، وكان صبورا حليما ، ولم يلق أحد من الأنبياء أشد مما لقي نوح ، فكانوا يدخلون عليه فيخنقونه حتى يترك وقيذا ، ويضربونه في المجالس ويطرد ، وكان لا يدعو على من يصنع به بل يدعوهم ويقول : ” رب اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون ” فكان لا يزيدهم ذلك إلا فرارا منه ، حتى إنه ليكلم الرجل منهم فيلف رأسه بثوبه ، ويجعل أصبعيه في أذنيه لكيلا يسمع شيئا من كلامه ، فذلك قوله تعالى : وَإِنِّي كُلَّمَا دَعَوْتُهُمْ لِتَغْفِرَ لَهُمْ جَعَلُوا أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ وَاسْتَغْشَوْا ثِيَابَهُمْ وَأَصَرُّوا وَاسْتَكْبَرُوا اسْتِكْبَارًا”[3]،  وقال مجاهد وعبيد بن عمير: كانوا يضربونه حتى يغشى عليه فإذا أفاق قال: ” رب اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون [4].

نتوقف عند الحوار الذي دار بين نوح وابنه، في الآيات التالية:” وَنَادَىٰ نُوحٌ ابْنَهُ وَكَانَ فِي مَعْزِلٍ يَا بُنَيَّ ارْكَب مَّعَنَا وَلَا تَكُن مَّعَ الْكَافِرِينَ قَالَ يَا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ ۖ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ ۖ فَلَا تَسْأَلْنِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ ۖ إِنِّي أَعِظُكَ أَن تَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ ، قَالَ رَبِّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَسْأَلَكَ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ ۖ وَإِلَّا تَغْفِرْ لِي وَتَرْحَمْنِي أَكُن مِّنَ الْخَاسِرِينَ، قِيلَ يَا نُوحُ اهْبِطْ بِسَلَامٍ مِّنَّا وَبَرَكَاتٍ عَلَيْكَ وَعَلَىٰ أُمَمٍ مِّمَّن مَّعَكَ ۚ وَأُمَمٌ سَنُمَتِّعُهُمْ ثُمَّ يَمَسُّهُم مِّنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ”[5] من هذه الآيات نستخلص مجموعة من القيم:

1.مناداة الأبناء بأحب الأسماء:

نرى هذا النداء الأبوي اللطيف “يا بني اركب معنا”، فالنداء هو مبتدأ الخطاب والتواصل، والكلمة الأولى هي الحكم في بقية الحوار، فنبي الله نوح عليه السلام نادى ابنه بكل أدب وبأحب الطرق ونسبه إليه، “ونوح الوالد الملهوف يبعث بالنداء تلو النداء. وابنه الفتى المغرور يأبى إجابة الدعاء، والموجة الغامرة تحسم الموقف في سرعة خاطفة راجفة وينتهي كل شيء، وكأن لم يكن دعاء ولا جواب!”[6]، العلاقة الأبوية تكون مبنية على محبة صادقة، محبة تمنح دون مقابل، وبتفان كبير من طرف الأبوين، يحضنان الأبناء بكل ما أوتوا من قوة، تراهم يحرصون على أبناءهم بحنان أحيانا وبشدة أحيانا أخرى خوفا عليهم من الانحراف ومن تحديات الحياة.

المزيد من المشاركات
1 من 57

2.حرص الآباء على الأبناء:

نسبه إليه رغم العصيان، قائلا: “رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي”[7]، نادى نوح عليه السلام ربه ونسب ابنه إليه رغبة أن يشفع له ذلك، لكن العمل الذي أتاه كان عظيما أخرجه من دائرة الإيمان إلى عالم الكفر، وبذلك فقد الصلة والرابطة القلبية مع أهل الإيمان ولو كانوا أقرب المقربين إليه، وبذلك حسم الله عز وجل في الأمر، فحرص الآباء مهمتهم الرئيسية لتربية جيل متميز، لكن المسؤولية ملقاة على عاتق الأبناء أيضا إذا بلغوا سن التكليف.

3.رابطة الدين أوثق من رابطة الدم:

في هذه القصة تأكيد على قيمة رابطة الدين، وأن الدم رابطته محدودة لا تنفع، وأن حرص الآباء الشديد يعضضه حرص الأبناء، وأن تفعل الأبناء بما يصلح حالهم في الدنيا والآخرة مطلوب، وأن المسؤولية ملقاة على عاتقهم حالما ينتهي دور الآباء في التوجيه والنصح وإعطاء النموذج، فإذا بلغوا سن الرشد انتصلت المسؤولية إليهم، وأصبح دور الأب المرافقة لا المراقبة، والدعم المتواصل لا الحرص الشديد المفتي إلى ضهور عادات سيئة مثل: الكذب كحل للتهرب من قول الحقيقة.

4.الجزاء من جنس العمل:

قاعدة مشهورة تلك التي تقول: الجزاء من جنس العمل، فحرص نبي الله نوح عليه السلام على ابنه وعلى نجاته بالهداية والتحاقه بركب السفينة حتى ينجو ويكون عونا لأبيه على أداء المهمة في الدعوة والإصلاح، هو ما جناه من كونه أبو الأنبياء فقد نسب الله له كل مؤمن من بعده في قوله تعالى:” وَلَقَدْ نَادَانَا نُوحٌ فَلَنِعْمَ الْمُجِيبُونَ وَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ “[8]، فنسب الله له كل من في السفينة وجعلهم من أهله تخفيفا من مصابه في ابنه وفلذة كبده.

وفي الأخير نشير إلى مجموعة من القواعد لبناء علاقة قوية مع الأبناء:

مقالات أخرى للكاتب
1 من 2

الأولى: الحوار أساس كل علاقة مع الأبناء، إذا اختل الحوار اختلت نتائجه.

الثانية: الحرص على الآخرة أكثر من الحرص على الدنيا.

الثالثة: مهمة تربية الأبناء هي مهمة مستمرة عبر الزمن وصدقة جارية غير منقطعة بموت الشخص.

الرابعة: التربية الإيجابية للأبناء مساهمة في بناء صرح الخلاقة الموعودة عن طريق إعداد جيل الخلافة.

الخامسة: التربية تعاون بين الأبوين في تناغم تام وتوافق على غايات التربية ووسائلها بشكل متكامل.

 

[1] الأحزاب، الآية 74.

[2] العنكبوت، الآية 14.

[3] نوح، الآية 7.

[4] تفسير القرطبي، دار الفكر، ج 9ص40.

[5] هود، الآيات 45 و46 و47 و48.

[6] سيد قطب، في ظلال القرآن، ج4ص1878.

[7] هود، الآية 45.

[8] الصافات، الآية 75و76.

اشترك في النشرة البريدية
سجل هنا للحصول على آخر الأخبار والتحديثات التي ستصل مباشرة إلى صندوق الوارد الخاص بك.
يمكنك إلغاء الإشتراك في أي وقت

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.