منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

رائعتان فكريتان ولدتا من “رحم” العزلة

د.أحمد زقاقي

0

بسم الله الرحمن الرحيم

(ما نفع القلب شيء مثل عزلة يدخل بها ميدان فكرة) ابن عطاء الله السكندري

يخرج الإنسان إلى صخب الحياة بعد مغادرته لمُعتَزَله “البيولوجي” (رحم الأم)، ولا ينفك عن ذلك الصَّخب إلا بعد دخوله إلى مُعتَزَله “الجيولوجي” (القبر)، وبين المُعتزَلَين يشقى الجسد في السعي لنيل مطالبه، وتشرئب الروح إلى نيل منازل الجمال والكمال، وليست الحضارة إلا محصلة نشاط بشري مادي وعقلي لإحراز مطالب الروح والجسد، وكان كل إنسان يعمل على شاكلته بحسب اختلاف المذاهب والأديان، والملل والنحل، والأعراق والأجناس، كما كانت الحرب سجالا بين نوازع الخير ونوازع الشر، بين المصلحين والمفسدين، بين الأحرار وسدنة المعابد الطاغوتية، بين النفوس الأمارة بالسوء والنفوس اللَّوَّامة والمطمئنة، وفي معمعان الحركة، كانت الأرواح والأجساد تخرج من وطيس المعارك اليومية بهزيمة أو انتصار، بانشراح أو انقباض، بغم أو فرح، بشظية أو رصاصة، بإعاقة حركية حسية، أو نفسية عقلية.

إنه قلَّما تتاح للإنسان لحظات من الصفاء، وأخذ مسافة من الأشياء، للشروع في عملية تفكير تنصب على الأنفس والآفاق – وهذا هو معنى التفكر- لفهم مغزى الحياة والممات، وقياس مسافة الرحلة بينهما، والإجابة عن سؤال: ما هو المصير والمنتهى؟، ومن الأساليب التي تم اتباعها لتحصيل ذلك الصفاء والبعد عما يُشوِّش الفكر، ويشاغب على العقل، ويبلبل الروح: “العزلة”، إما باختيار كما كان الشأن في الكثير من الأديان والثقافات ك”الرهبنة المسيحية”، و”التصوف الإسلامي”، و”التأمل البوذي”، وإما باضطرار كالنفي والسجن والإقامة الإجبارية، والحجر الصحي، على غرار ما سلكه المجتمع العالمي أخيرا للحد من انتشار وباء “كورونا” المستجد COVID-19، منذ أول ظهوره بالصين مطلع عام 2020.

في تاريخ الرسالة، ذكرت عائشة – رضوان الله عليها- أن أول ما بدئ به رسول الله – صلى الله عليه وسلم- من الوحي الرؤيا الصالحة، ثم حُبِّب إليه الخلاء”، فكان يعتزل في غار حراء للتفكر والتأمل، وتقوية القلب لتلقي القول الثقيل (إنا سنلقي عليك قولا ثقيلا) المزمل: 5، والاستعداد لمخالطة الناس والصبر على أذاهم، والضرب في الأرض للتبشير بالمشروع الجديد، وتكوين الرجال والنساء، وتحريرهم من الخوف والخرافة والغفلة والعنف والتعصب والعنصرية، وتنوير القلوب، وتوحيد الشعوب، وكذلك المشاريع العظيمة في تاريخ البشرية، كان يتعين على أصحابها وزعمائها الحفر عميقا في النفس لتأمين “الجبهة الداخلية” لخوض معارك “الجبهة الخارجية”: معارك البناء والتغيير، والاجتهاد والتفكير.

المزيد من المشاركات
1 من 88

ولا شك في أن “الحجر الصحي” الذي يلزم بمقتضاه ثلث ساكنة الأرض بيوتهم اتقاء عدوى “الفيروس الفتاك COVID-19 ” يشكل فرصة لعيش تجربة “العزلة”، والانتقال بها من “عزلة إجبارية” فُرضت ابتداء بقرارات تنظيمية، إلى “عزلة اختيارية” بوضع برنامج حر للذكر والفكر، لاقتناص الحكمة المبثوثة في كتاب الله المسطور، والاطلاع على الكتب العظيمة التي بلورت حضارتنا المغربية والعربية والإسلامية والإنسانية، ومنها رائعتان فكريتان خرجتا من رحم العزلة هما “إحياء علوم الدين” للإمام أبي حامد الغزالي (450هـ-505هـ/1058م-1111م)، و”حديث الطريقة” (أو مقال في المنهج) لرونيه ديكارت (1596م-1650م)، قص الغزالي تجربته في كتاب (المنقذ من الضلال)، وقصها ديكارت في (الطريقة):

1.الغزالي: التَّشكُّك طريق التَّحقُّق

– بدأ شكُّه أولا بعدم الرضا عن النفس، بالرغم مما حققته من الحظوة والجاه بِتصدُّر مجلس التدريس في المدرسة النظامية ببغداد عن جدارة واستحقاق لتضلعه من علوم المعقول والمنقول، إلا أنه أراد التخلص من سحر المكانة الاجتماعية التي تخطف الأنظار، وهي الآفة التي أدرك الشيخ العارف بالله احمد الرفاعي خطورتها فكان يخاطب طلبته قائلا: أنتم أحسن مني: زاحمتكم ذِلَّة التَّلقِّي، وأنا أخذتني سكرة التعليم”[1] (البرهان المؤيد ص 18)

– قام بعملية عصف ذهني فشك في جميع علومه ومعارفه، إذ ظهر له أن كل ما لا يعلمه على الوجه الحقيقي ولا يتيقنه “يقينا ينكشف فيه المعلوم انكشافا لا يبقى معه ريب، فهو علم لا ثقة به ولا أمان معه”[2]، فجرب أولا المحسوسات وظن انها من الجليات، لكن سرعان ما فقد الثقة بها أيضا، لأنها تخدع أحيانا ” فحاسة البصر تنظر إلى الظل فتراه واقفا غير متحرك، وتحكم بنفي الحركة، ثم بالتجربة والمشاهدة، بعد ساعة، تعرف أنه متحرك”[3]، فانتقل إلى تجريب “حاكم العقل” الذي قضى بعدم الوثوق بالمحسوسات، فقلَّب وجوه النظر، وشكَّكه في “العقليات” إشكال المنام إذ ترى النفس أشياء تدرك بعد الاستيقاظ أن لا حقيقة لها، فوقف حائرا لا يستطيع جوابا “قريبا من شهرين أنا فيهما على مذهب السفسطة بحكم الحال، لا بحكم النطق والمقال، حتى شفى الله تعالى ذلك المرض والاعتلال، وعادت النفس إلى الصحة والاعتدال، ورجعت الضروريات العقلية مقبولة موثوقا بها على أمن ويقين”[4].

– حصل صاحبنا الاطمئنان العقلي لكنه لم يحصل الاطمئنان القلبي، لأسباب قال عنها “لاحظت أحوالي فإذا أنا مُنغمس في العلائق، وقد أحدقت بي من الجوانب…ثم تفكرت في نيتي في التدريس فإذا هي غير خالصة لوجه الله تعالى، بل باعثها ومحركها طلب الجاه وانتشار الصيت؛ فتيقنت أني على شفا جُرُف هار”[5].

– بعد تخليص النية، وتأمين قوت الأطفال، وبعد طول تردد، عزم على خوض غمار “العزلة” على مراحل، فبعد أن غادر بغداد خُفية “حذرا أن يطلع الخليفة وجملة الأصحاب”[6]، قصد الشام “وأقمت به قريباً من سنتين لا شغل لي إلا العزلة والخلوة؛ والرياضة والمجاهدة، اشتغالاً بتزكية النفس، وتـهذيب الأخلاق، وتصفية القلب لذكر الله تعالى”[7]، ثم انتقل إلى بيت المقدس، وأغلق باب صخرتها على نفسه، واتجه بعد ذلك إلى مكة والمدينة قاصدا الحج، ثم أخذ منه الحنين إلى الوطن والأطفال مأخذه فرجع إلى بغداد، وبها أيضا سلك سبيل العزلة “حرصا على الخلوة “، ولم يُنكر أن مما كان يُعكِّر عليه صفوها أحيانا “حوادث الزمان، ومهمات العيال، وضرورات المعاش”، وهكذا خلصت له عشر سنين بتمامها من العزلة قال عن نتيجتها: ” انكشفت لي في أثناء هذه الخلوات أمور لا يمكن إحصاؤها واستقصاؤها”[8].

– أودع الغزالي خلاصة تجربته في كتابه الضخم (إحياء علوم الدين)، وهو في حقيقته مشروع لتجديد الدين، وإعلاء شأن العلم والقلم، وتحرير العلماء من قبضة أصحاب السيف والسلطة، احتفل بكتابه الدارسون والمفكرون والباحثون والمستشرقون، والمؤالفون والمخالفون، وتهجمت عليه التيارات التي تجمد على حرفية الأقوال والأفعال، وأبدع أبو حامد في طريقة التصنيف، فجعل كتابه أربعة أقسام، قسم سماه ربع العبادات، وقسم ثان سماه ربع العادات، وقسم ثالث سماه ربع المنجيات، وقسم رابع سماه ربع المهلكات، وكان غرضه تمكين قارئه من معرفتين، معرفة جزئية تتمحور حول الأحكام والآداب، ومعرفة كلية تتمحور حول موضوع إشكالي ابتغى الغزالي من وراء طرقه رفع التهديد الذي كان على وشك أن ينزع من الدين روحه ومقاصده، ويحيله إلى مجموعة من الأحكام الفقهية “القانونية” الجافة والصارمة، أي إحداث انفصام بين “التدين” و”التخلق”، بين “النص” و”الروح”، وقد ظهرت أمارات ذلك الانفصام في ثلاث مجالات:

مقالات أخرى للكاتب
1 من 4

الأول: في علم “الفقه”، إذ لم يعد لطلبته من هم إلا الإحاطة “بالخلاف العالي” وأقوال أئمة المذاهب مع غياب النظرة الكلية والفقه الجامع.

الثاني: في علم “الكلام”، إذ لم يعد للكثير من “المتكلمين” من هم إلا طلب النزال العقدي والمناظرة، وصار التوحيد – يقول الغزالي- ” عبارة عن صناعة الكلام ومعرفة طريق المجادلة والإحاطة بطرق مناقضات الخصوم والقدرة على التشدق فيها بتكثير الأسئلة وإثارة الشبهات” (الإحياء1/33)، وهذا بعكس التلقائية والعفوية والفطرية التي تلقى بها المسلمون الأولون كلمة التوحيد، إذ ما كانوا ينطقون بها، ويدركون أبعادها حتى تراهم ساعين في تغيير النفس والعالم من حولهم، ثم خلف من بعدهم خلْف جعلوا من تلك الكلمة موضوعا لمجادلات عقدية عقيمة نتج عنها ” التعصبات الفاحشة والخصومات الفاشية المفضية إلى إهراق الدماء وتخريب البلاد “[9]، ونصب المتعصبون أنفسهم “شرطة” للعقيدة، لا يسلمون بصحة عقيدة أحد حتى يتبرء بحضرتهم من الجهمية والمعتزلة والخوارج والشيعة والزيدية والمرجئة والماتوريدية والأشاعرة والزنادقة والملاحدة، واستفحل الأمر عندما تحالف “متكلمون ومتسلطون” ناقشوا طويلا “الحرية الإلهية” (وهي تحصيل حاصل في عقيدة المسلم) وسكتوا عن مناقشة حرية الناس في اختيار من يحكمهم ويسوسهم.

  • الثالث: في علم “التصوف”، فكان وُعَّاظ كثيرون يتوسلون “بالسجع المزَخرَف” لإشاعة السلبية والدروشة.

وبذلك اكتملت المعضلة: “الفتوى” و”الجدل” و”اللعب باللغة”، فلم ير المتسببون في هذه المعضلة “ما سوى هذه الثلاثة مصيدة للحرام، واستدراجا للعوام، وشبكة للحطام”[10].

لكن ما هي الأبعاد النفسية للمعضلة؟ يجيب الغزالي بذكر الأسباب الثاوية في أعماق النفس، فما النفس أولا؟وما علاقتها بالبدن ثانيا؟ وبالعقل ثالثا؟ وبالأخلاق رابعا؟

  • أولا: من حيث حقيقتها هي ” الْجَوهر الذِي هو محل المعقولات وَهوَ من عَالم الملكوت: من عَالم الْأَمر”[11]
  • ثانيا: من حيث علاقتها بالبدن، فهي” لَيست منطبعة فِي الْبدن وَلَا قَائِمَة بِهِ فَيجب أَن تكون علاقتها مَعَ الْبدن علاقَة التَّدْبِير وَالتَّصَرُّف”[12]، و”لا تعلق للنفس في الوجود بالبدن بل تعلقه في الوجود بالجود الإلهي”[13]، ولها ميزة الخلود، فهي “لا يتطرق إليها الفناء والعدم، والفساد والهلاك”[14]، ويوافقه ديكارت على هذا النظر، ولا ينفي الغزالي الانفعال بين النفس والبدن، فينيط بالنفس فعلين اثنين: فعلا بِالْقِيَاسِ إِلَى الْبدن وَهُوَ السياسة وَفعلا بِالْقِيَاسِ إِلَى ذَاتها وَإِلَى مبادئها وَهُوَ التعقل، ويؤكد على أن الفعلين ” متعاندان متمانعان فَإِنَّهُ إِذا اشْتغل باحدهما انْصَرف عَن الآخر ويصعب عَلَيهِ الْجمع بَين الْأَمريْنِ”[15].
  • ثالثا: من حيث علاقتها بالعقل، يشرع في بيان حقيقة العقل في الباب السابع من كتاب العلم، فيقسمه إلى أربعة أقسام[16]:
  1. الوصف الذي يفارق الإنسان به سائر البهائم وهو الذي استعد به لقبول العلوم النظرية وتدبير الصناعات الخفية الفكرية… فكما أن الحياة غريزة بها يتهيأ الجسم للحركات الاختيارية والإدراكات الحسية، فكذلك العقل غريزة بها تتهيأ بعض الحيوانات للعلوم النظرية.
  2. هي العلوم التي تخرج إلى الوجود في ذات الطفل المميز بجواز الجائزات واستحالة المستحيلات كالعلم بأن الاثنين أكثر من الواحد وأن الشخص الواحد لا يكون في مكانين في وقت واحد.
  3. علوم تستفاد من التجارب بمجاري الأحوال فإن من حنكته التجارب وهذبته المذاهب يقال إنه عاقل في العادة
  4. عقل به يستطيع الإنسان أن “يعرف عواقب الأمور ويقمع الشهوة الداعية إلى اللذة العاجلة ويقهرها، فإذا حصلت هذه القوة سمى صاحبها عاقلا من حيث إن إقدامه وإحجامه بحسب ما يقتضيه النظر في العواقب لا بحكم الشهوة العاجلة”[17].

فالعقل الأول يحدد الماهية والهوية وهو كامن، والثاني يمثل مبتدأ للعمليات العقلية وهو طبعي، والثالث ينفعل بالمحيط، ويسلك سبيل الملاحظة، ويخوض غمار العمل، فهو عقل تجريبي ظاهر، والرابع به يميز الخطأ من الصواب فهو عقل أخلاقي أو عملي، ويندرج هنا أيضا كلامه عن النفس والأخلاق.

رابعا: من حيث علاقة النفس بالأخلاق، ابتدر الغزالي بيان هذه العلاقة بتوضيح معنى الخُلُق فأفاد بأنه “عبارة عن هيئة في النفس راسخة عنها تصدر الأفعال بسهولة ويسر من غير حاجة إلى فكر وروية” [18]، إلا أن هذه السهولة تنتج عن تربية ومجاهدة إذ إن ” مثال النفس في علاجها بمحو الرذائل والأخلاق الرديئة عنها وجلب الفضائل والأخلاق الجميلة إليها مثال البدن في علاجه بمحو العلل عنه وكسب الصحة له”[19]، وبذلك “يظهر فقه النفس شيئا فشيئا على التدريج مثل نمو البدن وارتفاع القامة”[20]، وحدد أصول الأخلاق الجميلة في أربعة وهي: الحكمة والشجاعة والعفة والعدل، فمعنى الحكمة هو ” حالة للنفس بها يدرك الصواب من الخطأ في جميع الأفعال الاختيارية”[21]، والشجاعة هي انقياد ” قوة الغضب للعقل في إقدامها وإحجامها”[22]، والعفة هي” تأدب قوة الشهوة بتأديب العقل والشرع”، والعدل هو ” حالة للنفس وقوة بها تسوس الغضب والشهوة وتحملهما على مقتضى الحكمة وتضبطهما في الاسترسال والانقباض على حسب مقتضاها”[23]، وحتى تنشط الجوارح والأعضاء للعمل الصالح والعبادة يحتاج العقل في نظر الغزالي إلى مشارطة النفس أولا، ومراقبتها ثانيا، ومحاسبتها ثالثا، ومعاقبتها أو معاتبتها رابعا، فالمشارطة قبل العمل بنفي الرياء، وأثناء العمل باجتناب العُجب، وبعد العمل باجتناب التسميع، والغرض الأساس هو تحقيق الإخلاص.

وأمام أخطار الهلع والخوف والاكتئاب التي تحيق بالصحة النفسية لساكنة العالم – التي تقبع الآن في “عزلة” الحجر الصحي –، يجمل بنا أن ننبه على اللفتات الدقيقة للغزالي – كخبير في آفات العزلة – عند حديثة عن الخوف المرضي، فانطلق من تقسيم ما يلاقيه الإنسان من مكروه ومحبوب “إلى موجود في الحال، وإلى موجود فيما مضى، وإلى منتظر في الاستقبال، فإذا خطر ببالك موجود فيما مضى سمى ذكرا وتذكرا، وإن كان ما خطر بقلبك موجودا في الحال سمى وجدا وذوقا وإدراكا، وإن كان قد خطر ببالك وجود شىء في الاستقبال وغلب ذلك على قلبك سمى انتظارا وتوقعا”[24]، ثم عرف الخوف بأنه ” عبارة عن تألم القلب وإحتراقه بسبب توقع مكروه في الإستقبال”[25]، ويجاوز هذا الخوف حد الاعتدال فيصير خوفا مفرطا “حتى يخرج إلى اليأس والقنوط وهو مذموم أيضا لأنه يمنع من العمل”[26]، وقد يفضي أيضا “إلى المرض والضعف وإلى الوله والدهشة وزوال العقل”[27]، وهذه هي أعراض ونتائج الاكتئاب كما شخصها علم النفس والأطباء النفسيون: الانتظار ثم الانتظار ثم الانتظار هو العنوان الكبير للاكتئاب، وأشار الغزالي إلى أهمية التفكير في اللحظة كوقاية من الخوف المرضي من المستقبل، لأن “من أنِس بالله وملك الحق قلبه وصار ابن وقته مشاهدا لجمال الحق على الدوام لم يبق له التفات إلى المستقبل”[28]، وذكر بأن رسول الله صلى الله عليه وسلم أراد من وراء كثرة ترغيبه في الرجاء أن “يعالج به صدمة الخوف المفرط المفضى إلى القنوط”[29].

2. ديكارت: الله والنفس والوجود

يعتبر الكثيرون من دارسي الفلسفة وتاريخ الفكر أن ديكارت هو أبو الفلسفة الحديثة، قاده اجتهاده الدراسي والعلمي إلى النبوغ في الفيزياء والرياضيات والفلسفة، وما كان له أن يحقق ذلك لولا انخلاعه من ربقة التقليد، واتباعه لنهج التأمل العميق في النفس والطبيعة والعالم، هذا النهج هو الذي كان ينقصه بعد أن أحاط خُبْرا بكل المواضيع التي يتداولها أبناء عصره، وتصفَّح كل الكتب الدارسة للعلوم، إلا أنه قرن إلى التأمل الشك في كل معلوماته ” تعلمت ألا أثق بشيء وثوقا نهائيا من ما لم أتعلمه إلا من التقليد والعادة”[30]، ثم عزم على تعضيد ثنائية الشك والتأمل بالعزلة، إلا أنها عزلة كانت أقرب ما تكون إلى “خلوة في جلوة” أي عزلة شعورية تأملية، ولم يكن يتاح له الانقطاع التام عن الناس والمخالطين إلا قليلا، وعلى هذا النحو قضى عشر سنين (من1619إلى 1628)، قال عنها: ” لم أفعل شيئا سوى الضرب في الأرض بعصا الترحال ساعيا إلى أن أكون مشاهدا لا ممثلا في المهازل التي تدور فيها، كنت أنتزع من فكري كل الأخطاء التي امكنها التسرب غليه في الماضي…ن هدفي لم يتجه بتاتا إلا إلى الظفر باليقين”[31]، و”دفعتني تلك الرغبة إلى الابتعاد عن كل الأماكن التي لي فيها بعض من اعرفهم وإلى الاعتزال هنا، أي في بلد (هولندا) فرض فيه الأمد الطويل الذي دامته الحرب نظما لم تزدها كثرة العساكر المحتشدة إلا ضمانا كي ينعم الناس بثمار السلم”[32]، وتعلمت ” أن أعيش وحيدا كما في أقصى الصحاري”[33]، وانتهى به المطاف إلى ابتكار القواعد الأربع لمنهج وطريقة الوصول إلى الحقيقة في الفكر والعلوم، فلننبه عليها بلسانه:

  • الأولى: “أن لا أقبل ابدا أي شيء على أنه حقيقة دون أن أعرف معرفة جلية أنه كذلك، أي أن أبتعد تمام الابتعاد عن التسرع والظن، وأن لا أشمل بأحكامي أكثر مما يتقدم لفكري بقدر من الوضوح والتميز لا يدع أي فرصة للشك فيه”[34]، هذه الواضحات كان الغزالي يسميها “الجليات”.
  • الثانية: “تقسيم كل من الصعوبات التي أفحصها إلى ما يمكن من الأجزاء وما ينبغي لحلها على أفضل وجه”[35].
  • الثالثة: “في تفسير أفكاري حسب نظام مبتدأ بأبسط المواضيع وأيسرها على المعرفة للارتقاء شيئا فشيئا وحسب التدرج إلى معرفة أكثرها تركيبا ومفترضا وجود نظام حتى بين التي لا تتتابع بصفة طبيعية”.
  • الرابعة: “أن أقوم في كل المواطن بتعددات على درجة من الاكتمال ومراجعات على درجة من الشمول بحيث أكون واثقا أني لم أهمل شيئا”[36]، وحاصل هذه القواعد يشكل الخطوات المتبعة: التماس اليقين فالتحليل فالتركيب فالاستقراء والانتقال من الجزئيات إلى الكليات والقيام بمراجعات ومراقبات ومحاسبات، وهي خطوات يرعاها ما يسميه ديكارت “النور الفطري”، وهي فكرة تُذكِّر بالنور الذي أخرج الغزالي من حيرته خروجا ” لم يكن بنظم دليل وترتيب كلام، بل بنور قذفه الله تعالى في الصدر وذلك النور هو مفتاح أكثر المعارف”[37]، إلا أن هذا النور في الحقيقة ولد من رحم المعاناة والمجاهدة، بهما يستحق الإنسان النور كهبة إلهية لما يعلمه منه من خلوص النية، وصدق التوجه، وقوة العزم، فبين نور البدايات (واقتصر ديكارت على هذا الصنف فقط) ونور النهايات ينتصب العمل شرطا للوصول ونيل المأمول.

ولما كان العلم تقوده الأخلاق، ثَنَّى ديكارت تثبيت القواعد الأربع بذكر ما سماه “الأخلاق المؤقتة”، وقد حددها أيضا في اربع:

  • الأولى: “أن أطيع قوانين بلدي وعاداته محتفظا على الدوام بالدين الذي من على الإله بتلقنه منذ الطفولة”[38].
  • الثانية: “أن أكون أشد ما يمكن عزما في أفعالي وثباتا عليها وأن لا أكون أقل حرصا على اتباع أكثر الآراء ريبة عندما أكون قد قررت اتباعها مما لو كنت شديد اليقين”[39].
  • الثاثة: “أن أسعى دوما إلى مغالبة نفسي لا الصدفة وإلى تغيير رغباتي عوض تغيير نظام الكون”[40].
  • الرابعة: “مراجعة مختلف رغبات الناس في هذه الحياة حتى أحاول اختيار أفضلها، أي أن أسخر كل حياتي لتهذيب عقلي والتقدم قدر المستطاع في معرفة الحقيقة تبعا للطريقة التي وضعتها لنفسي”[41].

فالقاعدة الأخلاقية الأولى ذات خطين: الخط الأول: طاعة قوانين البلد وعاداته، يتجه به إلى السلطة السياسية الزمنية، والثاني الحفاظ على الدين ويتجه به إلى السلطة الدينية و”الإكليروس الديني”، حيث كان الرهبان والقساوسة يتدخلون في كل شيء: في السياسة، وفي طريقة الحياة، وفي طبيعة “الحقائق العلمية” التي يجب على الجمهور اعتقادها والإيمان بها، وتُعرِّض مخالفَها أو مُنكرَها للاتهام “بالزندقة والهرطقة”، لاسيما وأن “ديكارت” يعلم بالمحنة التي طالت “جاليليو” على يد الكنيسة الكاثوليكية، ولذلك تراه في مقدمة كتابه “تأملات في الفلسفة الأولى” يهدي الكتاب لرعاة تلك الكنيسة، وتوجه إليهم بخطاب لا يخلو من كثير من عبارات المجاملة والاستجداء كقوله: “فلا شك عندي أنكم إذا تعطفتم فشملتم هذا الكتاب بعنايتكم”[42]، ويطلب إليهم “تصحيحه ثم إضافة ما ينقصه إليه”[43]، ولا أقل من تنبيهه “إلى ما قد يكون فيه من عيوب حتى أعمل على تصحيحها”[44]، ويدعوهم إلى إقرار ما جاء في مباحث الكتاب من “حقائق” وتأييدها “وإعلان شهادتكم بصحتها ويقينها”[45]، وإن شئنا أن نقيم مقارنة في هذا الباب (موقف أصحاب السيف من أصحاب القلم) نجد أن الغزالي كانت تؤرقه هموم أخرى لم يكن من بينها بتاتا “الحَجر على الاجتهاد والعلم” كما كانت تفعل الكنيسة زمن “ديكارت”، فقد عايش الغزالي أولا التمدد السلجوقي في دولة “الخلافة” وصراعاته مع حركات المعارضة المسلحة، وثانيا النزاعات والاشتباكات الطائفية بين السنة والشيعة، وثالثا الحركات الباطنية التي اختارت نسف الإسلام من الداخل بتقويض بنيانه العقائدي والفكري من خلال تأويلات مغرقة في الرمزية والتحريف، وتسعف التيارات الدموية بالتبريرات والمسوغات “الشرعية”، ورابعا: الهجمات الصليبية العاتية، وكان الفقهاء والعلماء يحثون الناس على المقاومة والمواجهة لدفع العدوان الخارجي، لكن في المقابل زحف عدوان داخلي كان أبعد امتدادا في الزمان، وأشد تأثيرا في النفوس، وأقوى تشكيلا للعقل الفقهي والسياسي هو “الاستبداد”.

في القاعدة الأخلاقية الثانية وبالنظر إلى القاعدة الأخلاقية الأولى التي يراعي ديكارت بمقتضاها “الدين والقانون والأعراف” يتضح أنه يضع موضع الشك الآراء لا المعتقدات، بينما اتجه الغزالي إلى جعل المعتقدات أيضا موضع تساؤل، وعدم الاكتفاء “بتلقينات” الأجداد، إذ رأى “صبيان النصارى لا يكون لهم نشوء إلا على التنصُر، وصبيان اليهود لا نشوء لهم إلا على التهود، وصبيان المسلمين لا نشوء لهم إلا على الإسلام”[46]، فاختط لنفسه مسلكا لدرك حقائق الأمور” فتحرك باطني إلى طلب حقيقة الفطرة الأصلية، وحقيقة العقائد العارضة بتقليد الوالدين والأستاذين، والتمييز بين هذه التقليدات، وأوائلها تلقينات”[47]، إلى أن” انحلت عني رابطة التقليد، وانكسرت علي العقائد الموروثة “[48].

في القاعدة الأخلاقية الثالثة التي يسعى من خلالها إلى مغالبة نفسه، انصبت جل اهتماماته العلمية والفكرية على “معرفة النفس” و”معرفة الله”، وفي هذين العنوانين وافق ديكارتُ الغزاليَ، لكنهما اختلفا في التفاصيل والتفاريع، فلم يتعد مفهوم معرفة الله عند ديكارت إقامة الأدلة على وجوده، بينما لم يكتف الغزالي بذلك بل سلك مسلكا عمليا عماده الأذكار والعبادة والمجاهدة والعزلة، فضيق على نفسه إذ اقتصر على “الحقوق” ولم يلتفت إلى “الحظوظ”، فأتعب في مراد معرفة الله والنفس جسدَه، وخرج من “التجربة الشخصية” برؤية جديدة لفلسفة الدين ومقاصد الشريعة والسياسة الشرعية، وبفقه واسع لطبائع النفوس، وعقبات الطريق، وبشهود مكين على ثقافة عصره.

استخلص ديكارت وجوده من شكه، واستخلص من شعوره بالنقص وجود الكامل المطلق، لأن الإنسان لو كان خالقا لنفسه لمنحها كل الكمالات حتى لا يحتاج إلى أحد، مما يثبت فكرة وجود الله، وهي فكرة اعتقد بأنها وجدت معه مذ خلق، وأنها “واضحة جدا ومتميزة جدا، وتتضمن في ذاتها من الوجود الموضوعي أكثر من أي فكرة أخرى”[49]، لأنه “ما من شيء يقوى على إقناعي اقناعا تاما إلا ما أتصوره واضحا متميزا”[50]، واللافت للانتباه أن ديكارت لم يضع عقيدة التثليت المسيحية موضع تساؤل، فكيف يسوغ رياضيا – وهو العالم بالرياضيات- الاعتقاد بأن الثلاثة تساوي واحدا.

وفي القاعدة الأخلاقية الرابعة: ينتقل ديكارت من تهذيب النفس إلى تهذيب العقل وتنصيبه مصدرا للمعرفة، بتوجيه من “النور الفطري”، الشيء الذي عارضه الفلاسفة الذين جاؤوا من بعده كجون لوك الذي لم يعترف بالقبليات الفطرية ونصب التجربة مصدرا للمعرفة، وكانط الذي جمع بين العقل والتجربة، وسبق الغزاليُ الجميعَ بالقول: ” وَالعقل الغريزي ليس كافيا فِي تفهم مصالح الدين والدنيا وإنمَا تفيدها التّجرِبة والممارسة”[51].

إن العالم اليوم يجد نفسه أمام تحديين كبيرين: تحدي الصحة وتحدي الفراغ[52]، تسبب وباء COVID-19 في حدوث أزمة صحية عالمية لم يسبق لها مثيل منذ الحرب العالمية الثانية، وأوقع أكثر من ثلث ساكنة الأرض في عزلة اضطرارية مكنتها من الحصول على “فائض الوقت”، مما يمثل فرصة لمراجعة النفس، والإجابة عن أسئلة المعنى والمصير، وإعادة النظر في العلاقات الاجتماعية والدولية، وابتكار سلم جديد للأولويات يحتفل أول شيء بإرساء أسس السلام الداخلي على مستوى الأفراد، والسلام الخارجي على مستوى الدول والمجتمعات، وهو سلام تهدده النزعات القومية والشعبوية المتطرفة والإسلاموفوبيا والصهيونية، ويمكن للمسلمين أن يسهموا بجهد وافر في تحقيق هذا السلام إذا هم حرروا عقلهم من فقه القطيعة الذي يقسم العالم إلى دار حرب ودار إسلام، واستفادوا من ثراء منظومة القيم والأخلاق لديهم، لإسماع رسالة المعنى والفطرة لعالم عنيف ظل يراكم السلاح حتى داهمه الوباء فتأخر في إيجاد “اللقاح” حتى أزكمت رائحة الموت الأسود الأنوف، وكم من لقاح يحتاج هذا العالم قصد علاج “فيروسات” الأنانية والعبثية والعنف والظلم والحروب والاستكبار والحداثة المعطوبة، والخروج من سطحية الثرثرة إلى عمق الصمت.


[1] أحمد الرفاعي، البرهان المؤيد ص 18

[2] أبو حامد الغزالي، المنقذ من الضلال، ص 163، دار الكتب الحديثة، مصر.

[3] المنقذ من الضلال، ص 165

[4] م.ن ص168

[5] م.ن ص 173

[6] م.ن ص 175

[7] م.ن ص 176

[8] م.ن ص 178

[9] أبو حامد الغزالي، إحياء علوم الدين 1/42، دار المعرفة، بيروت

[10] م.ن 1/2

[11] أبو حامد الغزالي، معارج القدس في مدارج معرفة الأنفس ص15، دار اآفاق الجديدة، ط 2، بيروت، 1975

[12] م.ن ص 35

[13] م.ن ص 120

[14] م.ن

[15] م.ن ص 34

[16] الإحياء 1/85-86

[17] م.ن 1/86

[18] الإحياء 3/53

[19] م.ن 3/60

[20] م.ن

[21] م.ن 3/54

[22] م.ن

[23] م.ن

[24] الإحياء، 4/142

[25] م.ن 4/155

[26] م.ن 4/157

[27] م.ن

[28] م.ن 4/155

[29] م.ن 4/157

[30] رينيه ديكارت، حديث الطريقة، ص 66، تحقيق وترجمة عمر الشارني، ط1، المنظمة العربية للترجمة، بيروت، لبنان، 2008.

[31] الطريقة، ص 141-142

[32] م.ن ص 152

[33] م.ن

[34] م.ن ص 94-95

[35] م.ن ص 98

[36] م.ن ص 99-100

[37] المنقذ من الضلال ص 115.

[38] الطريقة ص 118.

[39] م.ن ص 123.

[40] م.ن ص 127

[41] م.ن ص 133-134

[42] رينيه ديكارت، تأملات في الفلسفة الأولى، ص45، ترجمة عثمان علي، المركز القومي للترجمة، القاهرة، 2009

[43] م.ن

[44] م.ن

[45] م.ن

[46] المنقذ من الضلال ص 110

[47] م.ن

[48] م.ن

[49] التأملات ص 154

[50] م.ن ص 217

[51] إحياء علوم الدين 2/241

[52] في الحديث النبوي الصحيح (نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس: الصحة والفراغ).

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.