منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

صـدق الدعاء؛ جامع أسباب رفع البلاء

بقلم: الدكتور أحمد الإدريـــسي

اشترك في النشرة البريدية

بسم الله الرحمن الرحيم

الابتلاء سنة الله في خلقه، والبلاء قدر الله، وهو سبحانه يفعل في ملكه ما يشاء، لكن وجب على العبيد اتخاذ الأسباب والتضرع إليه سبحانه بالدعاء، ومن أسباب رفع البلاء، أذكر ما يلي:

* الرجوعُ إلى الله تعالى، قال الله عز و جل: ( ففروا الى الله اني لكم منه مبين

* التعرُّفُ إلى الله تعالى في الرخاء، والدعاء في الرخاء عدة ليوم الشدة، الدعاء سلاح المؤمن، فعن أبي هريرة رضي الله عنه قوله صلى الله عليه وسلم: “من سره أن يستجيب الله له عند الشدائد والكَرب فليكثر الدعاء في الرخاء”. أخرجه الترمذي والحاكم بإسناد صحيح.

وأخرج الترمذي وغيره من حديث ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال له: “احفظ الله يحفظك، احفظ الله تجده اتجاهك”، وفي رواية: “احفظ الله تجده أمامك، تَعَرَّفْ إلى الله في الرخاء يعرفْك في الشدة”؛ ولهذا قال بعض العلماء: من عرف الله في الرخاء عرفه في الشدة.

المزيد من المشاركات
1 من 16

* التوبةُ إلى الله تعالى، قال عز وجل: (فَإِن يَتُوبُواْ يَكُ خَيْراً) [التوبة:74].

وقال سيدنا علي بن أبي طالب رضي الله عنه: “ما نزل بلاء إلا بذنب ولا رفع إلا بتوبة”.

* الاستغفارُ؛ فإن الاستغفار مرضاة للرب، ومنجاة من سخطه، قال الله عز وجل: (وَمَا كَانَ اللهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ) [الأنفال:33].

ومن لزم الاستغفار جعل الله له من كل هم فرجاً، ومن كل ضيق مخرجا، ورزقه من حيث لا يحتسب.

* التوكلُ على الله تعالى، وحقيقة التوكل تفويض الأمر إليه، مع فعل الأسباب المشروعة والمباحة، والجزم بأن الله على كل شيء قدير، الذي له الخلق والأمر، والذي يقول للشيء: كن؛ فيكون، والذي ما شاء كان، وما لم يشأ لم يكن؛ فعلى المسلم دائما و أبدا أن يعلق قلبه بالله عز وجل رغبة و رهبة، وخوفاً ورجاء، ومحبة، فمن توكل على الله كفاه ما أهمَّه من أمر دينه ودنياه: (وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْراً) [الطلاق:3]، (وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللّهِ فَإِنَّ اللهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ) [الأنفال:49].

* تقوى الله تعالى، قال الله عز وجل: (وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجاً وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ) [الطلاق:2]. وقال ابن الجوزي رحمه الله: “من أراد دوام العافية فليتق الله”. وقال أبو سليمان الدراني رحمه الله: “من أحسن في ليله كفي في نهاره”. وقيل لرجل من التابعين عند موته: أوْصِنَا. فقال: أوصيكم بخاتمة سورة النحل: (إِنَّ اللهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَواْ وَّالَّذِينَ هُم مُّحْسِنُونَ)[النحل:128].

* الإكثار من المعروف والعمل الصالح، فقد قيل: “صنائع المعروف تقي مصارع السوء”، وصنائع المعروف هي الإحسان إلى عباد الله بعمل المعروف، من قرض حسن، أو بر، أو هدية، أو صدقة، أو إعانة على قضاء حاجة، من شفاعة، أو تحمل دَين، أو بعضه، أو غير ذلك من وجوه الإحسان المتنوعة؛ (هَلْ جَزَاء الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ) [الرحمن:60]،

مقالات أخرى للكاتب
1 من 11

(مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِن سَبِيلٍ وَاللهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ) [التوبة:91].

ولابد من التحذير هنا من العجب بالعمل الصالح، فإن هذا محبط للعمل، ولنا في غزوة حنين، درسا وعبرة، حينما أعجبوا بكثرتهم، وظنوا أنها كافية في نصرهم، قال الله عز وجل: (لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللّهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنكُمْ شَيْئاً وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُم مُّدْبِرِينَ) [التوبة:25]. ولما تابوا ورجعوا إلى الله، نصرهم الله وكشف ما بهم من غمّ.

* الصدقة فإنها تطفئ غضب الله سبحاه وتعالى، فعن معاذ رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: “الصدقة تطفئ الخطيئة كما يطفئ الماء النار”. وروى الإمام الترمذي: “إن الصدقة تطفئ غضب الرب، وتدفع ميتة السوء”.

* التضرُّعُ إلى الله تعالى، قال عز وجل: (فَلَوْلا إِذْ جَاءهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُواْ) [الأنعام:43]،

وقال سبحانه: (وَمَا أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِّن نَّبِيٍّ إِلاَّ أَخَذْنَا أَهْلَهَا بِالْبَأْسَاء وَالضَّرَّاء لَعَلَّهُمْ يَضَّرَّعُونَ) [الأعراف:94].

* الدعاء؛ وهو جامع هذه الأسباب كلها:

دعاءُ الله عز وجل لتفريج الكرب، فقد استجاب الله تعالى للأنبياء وهم أصفيائه من خلقه، وأخبرنا في كتابه العزيز تَضّرعهم وتفضله عليهم لنتلوها ونتأسى بها ونتقرب كما تقربوا.

قال تعالى في سورة الأنبياء: ﴿ ونُوحاً إِذ نَادى من قـَبل فَاستَجبـْنَا لَهُ فـَنَجيـْنَاهُ وأَهلَهُ من الْكْرب الْعظيم﴾. وقال جل من قائل: ﴿َوأَيّوب إِذ نَادى ربّهُ أَنّي مسنِي الضّر وأَنت أَرحم الراحمين فَاستَجبـْنَا لَهُ فَكشْفنَا ما بِه من ضّر وآتـَيـْنَاهُ أَهلَهُ وِمثـْلَهم مَعُهم رحمةً من عندنَا وِذْكَرى لِلَعابِدين﴾ وهم الداعون المتضرعون. وقال: ﴿َ وذَا النّون إِذ ذَّهب مغَاضباً فَظَن أَن لّن نـّْقدَر علَيِه فـنادى فِي الظّلُمات أَن لا إِلَهَ إِّلا أَنت سْبحانَك إِنّي كنت من الظّالِمين فَاستَجبـْنَا لَهُ ونَجيـْنَاهُ من الْغَم وَكذلِك نُنجي الْمومنِين.﴾ ثم قال سبحانه: ﴿ وَزَكِريّا إِذ نَادى ربّهُ رب لا تَذْرنِي فـَرداً وأَنت خيـْر الْوارثِين فَاستَجبـْنَا لَهُ وَوَهبـْنَا لَهُ يَحيَى وأَصلَحنَا لَهُ زْوَجهُ﴾.

هذه هي الرابطة القوية بين العبد المقرب وربّه، وهي أمتن الروابط، وأقرب القَرب، لذلك أعطى هؤلاء الأنبياء الله سُؤلهم وزيادة.

خــاتمـة:

قال بعض العلماء: عجبت لأربعة كيف يغفلون عن أربعة:

– عجبت لمن أصابه ضر كيف يغفل عن قوله تعالى: (وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ* فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَكَشَفْنَا مَا بِهِ مِن ضُرٍّ وَآتَيْنَاهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُم مَّعَهُمْ رَحْمَةً مِّنْ عِندِنَا وَذِكْرَى لِلْعَابِدِينَ) [الأنبياء:83-84]؛

– وعجبت لمن أصابه حزن وغم كيف يغفل عن قوله تعالى: (وَذَا النُّونِ إِذ ذَّهَبَ مُغَاضِباً فَظَنَّ أَن لَّن نَّقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَن لَّا إِلَهَ إِلَّا أَنتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ الظَّالِمِينَ* فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذَلِكَ نُنجِي الْمُؤْمِنِينَ) [الأنبياء:87-88]؛

– وعجبت لمن يمكر به الناس كيف يغفل عن قوله تعالى: (وَأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللهِ إِنَّ اللهَ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ) [غافر:44]، والله تعالى يقول : (فَوَقَاهُ اللهُ سَيِّئاتِ مَا مَكَرُوا) [غافر:45]؛

– وعجبت لمن كان خائفاً كيف يغفل عن قوله تعالى: (حَسْبُنَا اللهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ) [آل عمران:173]، والله تعالى يقول: (فَانقَلَبُواْ بِنِعْمَةٍ مِّنَ اللّهِ وَفَضْلٍ لَّمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ) [آل عمران:174].

الدعاء عُدة المؤمن، ومنجاة في الدنيا والآخرة، عن أنس رضي الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: “لا تعجزوا في الدعاء، فإنه لن يهلك مع الدعاء أحد.” أخرجه ابن حبان والحاكم وصححه. وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: “الدعاء سلاح المؤمن، وعماد الدين، ونور السماوات والأرض”. أخرجه الحاكم وصححه.

إن الله لا يرد مَن دعاه، ولا يخيب مَن رجاه، فادعوا الله تعالى، وتضرعوا إليه. “وَلاَ تُفْسِدُواْ فِي الأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاَحِهَا وَادْعُوهُ خَوْفاً وَطَمَعاً إِنَّ رَحْمَتَ اللهِ قَرِيبٌ مِّنَ الْمُحْسِنِينَ”. [الأعراف:56].

اشترك في النشرة البريدية
سجل هنا للحصول على آخر الأخبار والتحديثات التي ستصل مباشرة إلى صندوق الوارد الخاص بك.
يمكنك إلغاء الإشتراك في أي وقت

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.