منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

مآسي تتكرر وسوء تشخيص يتقرر

0
اشترك في النشرة البريدية

“إلى إخوتي”

“حاولت النجاة وفشلت، سامحوني”

“إلى أصدقائي”

“التجربة قاسية وأنا أضعف من أن أقاومها، سامحوني”

“إلى العالم”

المزيد من المشاركات
1 من 37

“كنت قاسيا إلى حد عظيم ! ولكني أسامح”

كانت هذه آخر كلمات خطتها شابة مصرية بعد أن ضاقت بها الحياة على رحابتها في بلد الرفاهية كندا. وهكذا فبمجرد إعلان خبر الانتحار، انقسم الناس بين موقفين ومُنطلقين كانا ولا يزالا أساسين على ضوئهما يتم التعاطي مع أحداث كهذه. اختار الصنف الأول منطق التشفي لأن الفتاة على ما يبدو قد طلبت اللجوء إلى كندا بعد أن أعلنت إلحادها وكذا ميولاتها الجنسية المرفوضة في مجتمعها. واختار الصنف الثاني منطق الانتصار للفكر التحريري المطلق كمنطلق إنساني لابد منه واختيار وجودي لا حدود له، وانبرى للدفاع عن روح صعدت إلى السماء بأفكار في الهواء لم تلامس أنين الألم الذي اعتصر عقل وقلب وروح الفتاة، والذي أفصحت عنه كلماتها الموجعة قبل أن تقبل على فعل مفارقة الحياة وضنكها. وبين هؤلاء وأولئك احتار صنف آخر حينما وقف موقفا وسطا، تفاعل مع الحدث بتألم وتحسر إنساني على حالة تلخص مشهدا من الحال المجتمعي الذي بات يهضم حياة شباب كُثر من أمة كانت إلى حد قريب عصية على التسلل الخفي لقيم غريبة تنخر مناعة الجسد المجتمعي، بعد أن سقطت المسؤولية وبشكل متعمد من أيادي المسؤولين عن الرعية في شتى البقاع.

ذهبت روح الناشطة النسوية إلى ربها، وابتلعنا الحدث وتراشقنا بكلمات وألفاظ لم تترك أحدا إلا وعنّفته، فلا الفقيدة سلمت ولا الأحياء من هذا التيار أو ذاك. وكأنها معركة حامية الوطيس بين طرفين هما في الحقيقة طرف واحد قسمته وقزمته وديان الكراهية والأفكار المعلبة سواء المستوردة من بعض أقطار الغرب أو بعض أقطار الإسلام الذين جففوا النصوص الدينية وبخّروا عناصر الحياة فيها وقلّموا براعم التجديد منها.

لقد علمتنا بعض نصوص التاريخ أن لكل واقع فقه ولكل حدث حديث ولكل زمان رجال يقرؤون الحال بعيون وعقول تتفاعل مع النصوص دون أن تغفل السياقات الاجتماعية حتى لا يكون التنزيل مجحفا وظالما. سأل هارون الرشيد ذات يوم مستشاريه عن الحكم في حق  سارق سرق بعض القوت من قافلته، فكان الرد بأن حكم السارق قطع يده، ليدلي أعقل المجانين بقولته الشهيرة في الأثر:” إن كان سرق عن مهنة فتُقطع يده، وإن كان عن حاجة فتُقطع رقبة الحاكم”. ليسنّ سُنّة جديدة في التعاطي مع الأحداث والظواهر الاجتماعية والأخلاقية. لقد أحرج وأخرج المستشارين ومعهم علماء القصور من بوتقة التركيز على الحدث والظاهرة والشخص والخطأ ليفتح عيونهم على الأسباب والجذور المؤسسة للمصائب كلها، فردية كانت أو مجتمعية. وما أشبه اليوم بالبارحة.

شخصيا، حينما قرأت الخبر اهتزّ كياني لأمرين تتفرع عنهما أمور كثيرة. ويتعلق الأول بالحدث ذاته، أما الثاني فيتعلق بالثقل الوجودي لكلمات خطتها فتاة لم ترحمها اختيارات ريعان شبابها لتغادر الحياة على شكل، إلى حد قريب، لم يكن مألوفا على الأقل في مجتمعاتنا الإسلامية. لقد حاولت النجاة وفشلت. من ماذا فشلت؟ وما نوع الفشل الذي فشلت؟ وما سر ضعفها في مواجهة التجربة القاسية المفصوح عنها بين ثنايا كلماتها؟ ولماذا كان العالم قاسيا إلى حد عظيم تجاهها؟. ستبقى هذه الأسئلة معلقة في الهواء تترجم حالة الأنين ولا تفصح عن الأسباب الروحية التي دفعت شابة لأن تغادر شساعة الوجود إلى ظلمة اللحود. ستبقى معلقة وبدون أجوبة لأن التشرذم قطّع الناس بعد أن خانت جل النخب أمتها وتاريخها وإرثها الذي يضمن الأمن المادي والروحي للمواطن كإنسان. وستبقى معلقة أيضا لأن جل العلماء مشغولون برضى عتبات القصور فإن لم يكن فإن بعضهم مسجونون أو مهمشون.

جدير بنا كأفراد، وبعلمائنا وحكامنا التفكر مليا في رسائل شباب يعانقون أمواج البحر أو الحبال ليضعوا حدا لحياة عاشوها بين مطرقة البطالة وسندان الغيبوبة القيمية جراء هيجان أفكار الأغيار. وجدير بكل إنسان أن لا يلبس لباس القاضي على الأقل في لحظات الموت لأن الحدث جلل والمصيبة عظيمة ومآلاتنا لا يعلمها إلا الله سبحانه وتعالى. دعك من كل هذا يا صديقي، فالموت لحظة صمت وهذا الصنف من الموت هو في الحقيقة شكل من أشكال موتنا جميعا، لأننا لم نحصّن سفينتنا، فجاءت موجة على حين غرّة فخطفت روحا من بيننا بعد أن غفلنا عن رأسمالنا الرمزي والقيمي، ونُسّينا أو تناسينا بأننا دعاة لا قضاة، فالموقف موقف درس وتأمل وتفكر في مصير أفواج من الشباب وأمواج من القيم الدخيلة لا قبل للجميع بها وبتأثيراتها. وحتى نكون منصفين حق الإنصاف كان لزاما علينا أن نبحث عن أجوبة للأسئلة المحرجة والمقلقة حتى نجلي الغبار عن الأحداث لنصل للأعماق فنستخلص الدروس والعبر بدل أن ننهش في أعراض من هم في القبور.

اشترك في النشرة البريدية
سجل هنا للحصول على آخر الأخبار والتحديثات التي ستصل مباشرة إلى صندوق الوارد الخاص بك.
يمكنك إلغاء الإشتراك في أي وقت

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.