منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

الاعتذار من أخلاق الإسلام

مصطفى العبسي

0
اشترك في النشرة البريدية

بسم الله الرحمن الرحيم

لا أحد يجادل في أهمية ومركزية الأخلاق في الإسلام، ويكفي للدلالة على ذلك أمرين اثنين:

  • أولهما: تحديد الرسول صلى الله عليه وسلم الغاية الأولى من بعثته عليه الصلاة والسلام، في إتمام مكارم الأخلاق، فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول صلى الله عليه وسلم “إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق”(رواه الإمام أحمد)
  • ثانيهما: جعل تحقيق جملة من الأخلاق الفاضلة في المكلفين، مقصد من مقاصد وغايات مجموعة من العبادات التي شرعها الله عز وجل على المسلمين، ويكفي أن نسوق مثالا واحدا للتمثيل لا للحصر، وهو الصلاة وهي عماد الدين و ركن من أركان الإسلام، حيث يقول الحق سبحانه وتعالى “وأقم الصلاة إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر” (سورة العنكبوت الآية4 )، “فالابتعاد عن الرذائل، والتطهير من سوء القول والعمل، هو حقيقة الصلاة”(كتاب خلق المسلم ص 8).

لكن الملاحظ عند بعض المسلمين هو ذاك التمييز والتفاضل بين الأخلاق، حيث بالغوا في إعطاء الأهمية والقيمة دعوة وتأليفا لبعض الأخلاق في مقابل أخرى، وأظن أن في ذلك فقدان لجمالية الإسلام وكماله وتناسقه.

وحديثي اليوم سيكون حول أحد هذه الأخلاق التي يقل الحديث عنها، رغم أهميته ودوره المهم إن على المستوى الفردي أو المؤسساتي أو الجماعي، وخاصة مع أقرب الناس إلينا وفي ظل هذا الحجر الصحي، ألا وهو خلق الاعتذار.

المزيد من المشاركات
1 من 14

فما المقصود بخلق الاعتذار، وهل نحتاجه أصلا، وكيف نتحقق به، وما آثاره؟

ما المقصود بخلق الاعتذار؟

لغة: مصدر فعل اعتذر، اعتذر إلى صديقه، اعتذر لصديقه: تأسف له وطلب الصفح والسماح ورفع اللوم.

اعتذر عن فعله واعتذر من فعله: عبر عن أسفه، تأسف عنه. (اللغة العربية المعاصرة. )

إذن فالاعتراف عبارة عن اعتراف بالخطأ ورجوع عنه.

هل نحتاج إلى الاعتذار؟

إذا كان الاعتذار كما أشرنا سابقا، هو في شطره الأول اعتراف بالخطأ، فمن منا لا يقع في الخطأ، سوى المعصوم عليه الصلاة والسلام، فالإساءة منا واردة إن في حق الله تعالى أو في حق الغير، وقد ضرب لنا القرآن الكريم مثالا في ذلك في قصة يونس عليه السلام، قال تعالى “وَذَا النُّونِ إِذ ذَّهَبَ مُغَاضِبًا فَظَنَّ أَن لَّن نَّقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَىٰ فِي الظُّلُمَاتِ أَن لَّا إِلَٰهَ إِلَّا أَنتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ الظَّالِمِينَ “(سورة الأنبياء الآية 86). ثم كيف كان الجزاء من بعد، فكيف بنا نحن ؟

لكن هناك البعض يعتقد أن الاعتذار نقطة ضعف، فهم إما يحسبون أنهم ممن لا يخطؤون، بل حتى وان صدر منهم الخطأ فليس بواجب عليهم الاعتذار، وخاصة لمن هم أدنى منهم مرتبة حسب تقديرهم، ومرد هذين السلوكين إما عادات وتقاليد أو أنانية مستعلية، وهما ذهنيتان من الذهنيات الثلاثة المعترضة للمومن في درجات الترقي في مراتب الدين، وهم يكونوا بهذا اتصفوا بصفة ذميمة من صفة الشياطين ألا وهي الكبر والعياذ بالله.

وبالنظر إلى الشطر الثاني في تعريف الاعتذار، وهو الرجوع عن الخطأ، فهو في الحقيقة نوع من أنواع التوبة، التي يحب الله عز وجل أهلها، قال تعالى: “إن الله يحب التوابين ويحب المتطهرين“. (سورة البقرة الآية 220)

وهكذا فالتحقق بالاعتذار اعتراف بالخطأ وهو فضيلة، واعتذار منه وهو فضيلة أيضا، وتجنب للكبر المنكر أهله من قبل الله عز وجل أشد الإنكار.

كيف يتحقق الاعتذار؟

لما كان التحقق بهذا الخلق الفاضل مسألة متعلقة بالنفس التي تسكن بين جنبينا، وهي أكبر وأخطر تحدي للمؤمن قصد تقويمها، لابد من جملة أمور بعضها شروط والآخر مهارات.

أولا: الشروط:

  • لما كان الاعتذار خلقا، فهو الآخر يصدق عليه قول الرسول صلى الله عليه وسلم “إنما العلم بالتعلم وإنما الحلم بالتحلم”( صحيح الجامع )، فلا بد من تدريب وصحبة لمن اتصف بهذا الخلق ف”المرء على دين خليله فلينظر أحدكم من يخالل ” ( رواه أبو داوود والترمذي بإسناد صحيح عن أبي هريرة رضي الله عنه)وكما يقال فان الصاحب ساحب ؛
  • صدق في السعي للتحقق بهذا الخلق الجميل، يتمثل في إرادة داخلية تجبر النفس على اقتحام هذه العقبة حتى تذعن للحق و تتحقق به، وما يلزم ذلك من صبر ومصابرة؛
  • ومعهما وقبلهما وبعدهما توجه قلبي للبارئ عز وجل ذكرا ودعاء.

ثانيا: المهارات:

  • عدم محاولة تبرير الخطأ؛
  • سرعة المبادرة للاعتذار؛
  • اختيار الوقت والحال المناسبين؛
  • اختيار الطريقة المناسبة إذ ليست كل الأخطاء من طينة واحدة؛
  • الصدق في الاعتذار.

لماذا يجب أن نعتذر؟

للاعتذار آثار عظيمة سواء على مستوى الفرد أو الأسرة أو المجتمع، نذكر منها:

  • في الاعتذار نيل لرضا الله إذ هو نوع من أنواع التوبة، ومحبة والقرب من رسول الله صلى الله عليه وسلم القائل”إن من أحبكم إلي، وأقربكم مني مجلسا يوم القيامة أحاسنكم أخلاقا”( رواه الترمذي عن جابر بن عبد الله رضي الله عنه )
  • تخلق بخلق الأنبياء عليهم السلام؛
  • تعزيز روابط المودة والرحمة والمحبة بين أفراد الأسرة الصغيرة والكبيرة؛
  • وضع حد لتطور الخصومات والخلافات المدمرة للعلاقات؛
  • تأليف للقلوب؛
  • أسرة متزنة متوازنة متحابة؛
  • عصمة للمجتمع من الانحلال وصون له من الفوضى.

إشارات مهمة:

في الختام أود التنبيه والإشارة إلى جملة من الأمور المهمة، لها الدور الكبير في تحقيق ما سبق ذكره:

  • إن أرقى أشكال الاعتذار هو اعتذار الكبير للصغير واعتذار القوي للضعيف واعتذار الوالدين لأبنائهم.
  • زرع هذا الخلق في الناشئة وذلك بالقدوة لا بكثرة الحكم والمواعظ، فالمربي “المثالي ” ليس هو الذي لا يخطئ لكنه هو ذاك الذي حين يخطئ يعترف أنه أخطأ ويتدارك.
  • الانتباه كي لا يصبح الاعتذار قولا باللسان فحسب أي مختزلا في كلمة “آسف أو آسفة”، فيصبح عادة، بل يجب أن يكون اعتقاد قلبي، فالاعتذار ندم وأسف وشعور في القلب يولد ألما وحسرة على ما آتاه من فعل يتمنى أن فعله ذاك كان في حكم العدم.

والحمد لله رب العالمين.

اشترك في النشرة البريدية
سجل هنا للحصول على آخر الأخبار والتحديثات التي ستصل مباشرة إلى صندوق الوارد الخاص بك.
يمكنك إلغاء الإشتراك في أي وقت

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.