منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

حسن الظن بالله: مقتضيات عملية

د. عبد الرحمان حرور

1

بسم الله الرحمن الرحيم وصلى الله وسلم على سيدنا محمد وآله وصحبه الطيبين الطاهرين.

عند الأزمات ونزول البلاء وتعاظم الابتلاء، يصبح بث الأمل وغرس اليقين في موعود الله، وتغليب حسن الظن به سبحانه، من أولويات خطاب الدعوة إلى الله عز وجل. لذلك كان حسن الظن بالله، من أهم العبادات القلبية التي تقتضي حسنَ العمل وتركَ التواكل، ومخالطةَ الناس والصبرَ على أذاهم. فما هي مقتضياته تعاملا مع النفس ومع الغير وتهمما بمصير الأمة؟ عن هذا السؤال العملي تحاول هذه الورقة التي خرجت مرغمة من بين الزحام، وولدت من رحم المعاناة، بسط عناصر إجابة ولو بعجالة، من خلال تسليط النظر على ثلاثة مستويات.

أولا: في تعامل الإنسان مع نفسه

يقتضي حسن الظن بالله، في تعامل الإنسان مع نفسه، أن لا يقنطها من رحمة الله. وهذا يقتضي منه أن يلزمها الإكثار من الطاعات والمسارعة إلى فعل الخيرات، وأن يرغمها على الابتعاد عن المعاصي وترك المنكرات، وأن يحاسبها على الزلات والهفوات. لقد أخبرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن “الكَيِّس مَن دان نفسه وعمل لما بعد الموت، والعاجز مَن أتبع نفسَه هواها وتمنَّى على الله الأماني”[1].

لكن في نفس الوقت ينبغي أن تكون هذه المحاسبةُ قاصدة، من غير مبالغة أو جلد للذات، فالشيطان ييأس أن يأتي الإنسان من باب الشر فيأتيه من باب الخير. نأخذ بالأسباب ما استطعنا ونحسن الظن بالله. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “لا يموتن أحدكم إلا وهو يحسن الظن بالله»[2].

المزيد من المشاركات
1 من 34

ثانيا: في علاقتنا مع خلق الله

من مقتضيات حسن الظن بالله، اليقينُ في هدايته لخلقه وتيسيره ذلك لهم، فالمؤمن والمؤمنة مدعوان للاشتغال بالدعوة إلى الله، وتحبيب الله عز وجل إلى خلقه، وإبراز حسن أسمائه وجميل صفاته، وتحبيب كتابه وتحبيب نبيه صلى الله عليه وسلم إليهم، ودفع اليأس والقنوط، فالأمور بمآلاتها والأعمال بخواتيمها.

رب رجل أو امرأة، قد تحجب بشريتُهما ما أودع الله فيهما من خير، وهما من أولياء الله، إن لم يكن عاجلا فآجلا، وإن أخفى الله اليوم ذلك، فقد يظهره غدا.

من مقتضيات حسن الطن بالله، في قدرته على هداية خلقه، تجنب الحكم المسبق والتصنيف على أساس المظاهر، إذ ليس كل من لم “يلبس” لحية ضال، ولا كل من لم تضع على رأسها خمارا مارقة. اللحية سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم و”الحجاب” شرع الله عز وجل، والداعي إلى الله والداعية يبشران ولا ينفران، يبلغان دعوة الله ويفوضان الأمر إليه، فمنه الهداية سبحانه، يرميان شبكة الدعاء ويرجعان إلى الرضى.

ثالثا: على مستوى مصير أمة رسول الله صلى الله عليه وسلم

قد يكون من الحزم سوء الظن أحيانا، كما قال سيدنا عمر رضي الله عنه “لست بالخب ولا الخب يخدعني”[3]. لكن حسن الظن بالله يقتضي، في نفس الوقت، اليقينَ فيما وعد به الله عز وجل، عباده المستضعفين من نصر وتمكين، في بقاع الأرض عامة وفي فلسطين خاصة، فقضاؤه ماض إلى قدره. قال الله عز وجل “فإن مع العسر يسرا، إن مع العسر يسرا”. ولن يغلب عسر يسرين، وهل بعد الضيق إلا الفرج؟

من حسن الظن التذكير الدائم بمبشرات الأحاديث، ومنها قول رسول الله  صلى الله عليه وسلم “يبلغ هذا الأمر ما بلغ الليل والنهار، ولا يترك الله بيت مدر ولا وبر، إلا أدخله الله هذا الدين بعز عزيز، أو بذل ذليل، عزًّا يعز الله به الإسلام، وذلًّا يذل الله به الكفر”[4].

مقالات أخرى للكاتب

كما ينبغي التنبيه، في خلاصة هذه العجالة، أن أهم مقتضيات حسن الظن بالله التبكير بالسير إليه، كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم “من خاف أدلجَ ومَن أدلج بلغ المنزلَ ألا إن سلعةَ اللهِ غاليةٌ ألا إن سلعةَ اللهِ الجنة”[5]. الإدلاج السير ليلا،  وتقول العرب “إنما يحمد القوم السرى عند الصباح”،  ويقول الشاعر:

أَحْسِنِ الظَّنَّ بِرَبٍّ عَوَّدَك          حَسَنًا أَمْسِ، وَسَوَّى أَوَدَك (أي قوم اعوجاجك)

إنَّ ربًّا كانَ يَكْفِيكَ الَّذِي           كَانَ بِالأَمْسِ سَيَكْفِيكَ غَدَك

والصلاة والسلام على الرحمة المهداة والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات.

 

عبد الرحمان حرور في 10 جمادى الثانية 1442 / 24 يناير 2021


 

[1]رواه الطبراني وأحمد والترمذي وقال: حسن.

[2]أخرجه مسلم عن جابر رضي الله عنه

[3]  اشتهر نسبة الأثر لأمير المؤمنين، أبي حفصٍ، عُمَرَ بن الخطَّاب رضي الله عنه ولعل ذلك لوقوعها في كتب شيخَيِ الإسلام: أبي العباس، ابن تيمية، وأبي عبد الله، ابن القيم، معزوةً له، فقد وقعت في “مجموع الفتاوى” (5/265)، “وإعلام الموقعين” (3/241)، و”الروح” (ص244)، وكذلك نسبها ابن عبد ربه لعمر رضي الله عنه في أربعة مواضع من “العقد الفريد”. (http://iswy.co/ev62b)

[4]عن تميم الداري ـ رضي الله عنه ـ وقد رواه أحمد، والطبراني في الكبير، وصححه ابن حبان، والحاكم على شرط الشيخين

[5] أخرجه الإمام الترمذي رحمه الله عن سيدنا أبي هريرة رضي الله عنه

تعليق 1
  1. عبدالرحمان السميني يقول

    لا إله إلا الله

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.