منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

قاعدة: لا إنكار في مسائل الخلاف

عمر أداوي

0
اشترك في النشرة البريدية

إن من القواعد الفقهية، التي تعبر عن جملة من ضوابط الحياة العلمية والاجتماعية، وتؤصل مسيرة الهدى والرشد

في الشريعة المباركة، قاعدة: (لا إنكار في مسائل الخلاف).. ولكن استعمالها بإطلاق أوقع لبساً كبيراً عند فئتين:

  • فئة حاولت رفضها إجمالاً.
  • فئة حاولت الاستدلال بها مطلقاً.

ولضبط هذه القاعدة الفقهية، بحيث توضع في حاقِّ موضعها، ألف في شرحها وتفصيل المراد بها عددٌ من العلماء منهم: الإمام البدر محمد بن إسماعيل الأمير الصنعاني، الذي ألف رسالةً سماها: (نهاية التحرير في رد قولهم ليس في مُخْتَلَفٍ فيه نكير) وهي رسالةٌ مخطوطةٌ لم تطبع بعد؛ كما تناولها عدد من المعاصرين بالتفصيل والبيان، في محاولةٍ لفهم النفسية الفقهية الجليلة التي انصبغت بها الحياة الإسلامية العلمية على مر القرون..

ومن هذه القاعدة استُنْبِطَتْ قواعد أخلاقية وعلمية انصبغ بها المجتمع الفقهي، المتراحم المتحاور، رواده وطلابه.

المزيد من المشاركات
1 من 26

وهذه القاعدة الفقهية: (لا إنكار في مسائل الخلاف) تختزل كثيراً من تفاصيل تلك المبادئ، وتعبر عن السبق الإسلامي الفقهي، النظري والتطبيقي، لدعوى القبول بالمخالف والتزام الضوابط الشرعية، والأُسس الأخلاقية في ذلك.

ومما يؤكد أهمـية الموضوع، أن المذاهب الإسـلامية الـتي لم تنشأ إلا لتيسير استيعاب الشريعة، والمتانة الفقهية، والتقعيد الأصولي… أصابتها عوارض التعصب بعد حين، مما أحدث عند (بعض الناس) ردة فعل إزاءها فتنكر لها، وحاول تكوين مذهب اللامذهب.

إن الأحكام الشرعية بمجموعها، عقدية كانت أو فقهية… كلها أحكامٌ استنبطها العلماء من أدلتها الشرعية النقلية والعقلية، لا قداسة لنوع منها دون غيرها، ولا سبيل إلى التفريق بينها بسبب ميدانها وموضوعها، إلى ما يجوز فيه الخلاف وما لا يجوز! ذلك لأن محور الخلاف قائم على طبيعة دليل المسألة العلمية، من قطعية أو ظنية، فما كان دليلها قطعياً ثبوتاً ودلالةً، لم يجر فيه الخلاف أبداً، وإذا جرى، فهو مردودٌ على صاحبه أيا كان مع توفر شروط التنزيل في الواقع. وما كان دليلها ظنيا ثبوتاً ودلالة، أو ظنيا في أحدهما، جرى فيها الخلاف، وهو مقبول من صاحبه أصاب فيه أو أخطأ، مادام صادراً عن أهل العلم والاجتهاد في المسألة.
وقد اقتضت حكمة الشارع أن يأتي الدليل الشرعي صريحاً قاطعاً في أمهات المسائل الشرعية، والأصول العلمية، درءاً لمفسدة الخلاف فيها، والافتراق حولها، كما اقتضت أن يأتي الدليل الشرعي غالباً محتملاً، ظنيا في المسائل الفرعية، والفروع العلمية؛ تحقيقا لمصلحة إعمال الرأي والاجتهاد فيها.

ومن هنا: قل الاختلاف نسبياً في المسائل العقدية بين المسلمين، وضاقت دائرة الاختلاف في العقائد عند أهل السنة، وكثر الخلاف في جانب المسائل الفقهية، وتوسعت دائرة الاختلاف فيها اتساعاً كبيراً، مما دعا أهل العلم إلى إطلاق مثل تلك المقولات العلمية؛ )لا إنكار في مسائل الخلاف(اعتماداً على أسلوب التغليب، واعتبارِ الأكثر والأغلب، فقال بعضهم: إن الخلاف بين المسلمين في الفقهيات، لا في العقديّات. وفي غفلة عن مثلِ هذا الأسلوب، وتلك الحقائق، فهمت تلك المقولات فهماً خاطئاً من قبل البعض، فأخذوا القول على إطلاقه دون تنبهٍ إلى الإشكالات العارضة على مثل هذا الإطلاق…
وفي بيان هذه الحقيقة، يقول الإمام ابن حزم -رحمه الله تعالى-: (وأكثر افتراق أهل السنة في الفتيا، ونبذٍ يسيرةٍ من الاعتقادات)[1]وإلا، كيف يقبل عقل المسلم ذلك الإطلاق على حقيقته (بأنه لا خلاف في العقديات) وهو يقف على خلافٍ لبعض الصحابة –رضوان الله عليهم- وغيرهم من علماء السلف –رحمهم الله تعالى- في عدد من المسائل العقدية!!؟
وكيف يسلم الباحث لتلك المقولة، وهو يطلع ويعايش خلافاً علمياً قائماً في مسائل عقدية وغيرها على مدى العصور والأزمان!

وكيف يسلم منهجه في التعامل معه ومع أصحابه، ويتفق موقفه مع موقف سلف هذه الأمة من عدم الإنكار فيه، إذا قبل تلك المقولة على إطلاقها، وأخذ بها حكماً قاطعاً، وحقيقةً مسلمة!؟
بل كيف يفسر مواقف وأقوال عدد من العلماء المحققين في اختلافهم مع غيرهم في بعض المسائل العقدية، وتصريح بعضهم بأن الخلاف العلمي يجري في المسائل الخبرية والعلمية على السواء -كما صرح بذلك ابن تيمية- رحمه الله تعالى- وغيره!

ثم إن البعض ينظر إلى المذاهب الفقهية نظرته إلى الخلاف المشؤوم. فيتصور المذاهب الأربعة خصوماً أربعة يحرص كل منهم على تحطيم خصمه والانتصار عليه، وكأنه لا وجود لهذا مع وجود ذاك، أخذاً مما توحيه تصرفات الذين لا يعرفون عن حقيقة المذاهب إلا الانتساب إليها والتعصب لها من جهة، وأخذاً مما توحيه كلمة ((خصم)) التي اصطلح عليها العلماء في مناقشاتهم ومناظراتهم للآراء الأخرى، تصويراً للمسائل وتمثيلاً لها من جهة أخرى، وقد تترك بعض الاصطلاحات العلمية آثاراً خاطئة في نفوس الناس… جناية المصطلحات.

والله أعلى وأعلم


[1]– الفصل في الملل والنحل 2/111.

اشترك في النشرة البريدية
سجل هنا للحصول على آخر الأخبار والتحديثات التي ستصل مباشرة إلى صندوق الوارد الخاص بك.
يمكنك إلغاء الإشتراك في أي وقت

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.