منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

قصة الشهيد بلبل

قصة الشهيد بلبل/ د. عبير علي محمد النجار من غزة فلسطين

0

قصة الشهيد بلبل
بقلم: د. عبير علي محمد النجار من غزة فلسطين

كنت أشعر بفضله علي بعد الله، لا بفضلي عليه؛ كونه أغلق أفواه كثير من ألسنة الناس بعد إنجاب أربع أميرات.
بلبل، ابني الحبيب بلال كامل محمد محفوظ، كان هدية من الله، فجاءني بعد اختبار، وقد عرض علي أن أقوم بطرق وآليات عند الأطباء لانجاب ذكر، فكانت إجابتي بعد البنت الرابعة وبيقين، يهب لمن يشاء إناثا ويهب لمن يشاء الذكور، ويجعل من يشاء عقيما، وأنا أقبل بهدية الله دون تمني أو طلب،، فكان الحمل الأسرع بعد ريام في بلال، فشعرت أن الله كافأني لأني قبلت هديته،،فكنت أراه هدية الله.

كان وسيما جميلا ضحوك السن، طيب القلب، بل أسيف القلب،، يحمل في صدره قلب عصفور، يحب الأطفال بلا حدود،، وينسجم معهم لدرجة ينسى فيها فارق العمر،، ويكأنها اجتماع البراءة مع الطهر والنقاء الذي عهدته في بلال، لدرجة أنني كنت أسأل كل أخواتي هل طبيعي ما يفعله بلال، هل طبيعي حبه وتعلقه بالأطفال؟؟ كونه ذكر، فكانوا بالإجماع يستغربوا فرط تعلقه بالأطفال، لدرجة أنه وقبل استشهاده بيوم قلت له العب مع الصغار لكن لا تنسى أنك ككبرت،، فضحك وقال: أذكاهم الصغار، أذكاهم، ثم ركض نحوهم ليكمل لعبه معهم،،،فقلت في نفسي،،يبدو أنه لا فائدة
بلبل على صغر سنه، لكنه جمع بين براءة الأطفال ونبل الرجال،،،فكان الكثير من أصحاب زوجي ممن يرونه يرون فيه شيم الرجال، ويسألون زوجي عن سر شخصيته.
حبيب قلبي وقلب أبيه كان واثقا جدا من نفسه، حتى إن أستاذا له أوقفي ذات يوم وقال لي بالله عليكم ماذا تفعلون مع بلال ليكن بهذه الثقة، والله كل المدرسة تقف على رجل واحدة عندما تراني إلا بلال، حتى لو تأخر حصة كاملة يدخل واثق الخطى، لا ترف له عين، ولا يرتجف له قلب، وأذكر أنه حياني ،وشكرني على هذه التربية، بل قال لي والله أغار عندما أرى ثقة بلال ، وأتساءل ما السر وراء هذه الثقة والاعتداد بالنفس.

من أجمل صفات بلال أنه كان صادقا، فلا أسأله عن خطأ فعله إلا وأقر، حتى لو تأخر في الصلاة، أسأله: صليت يا بلبل؟ فيقسم ويشدد في القسم أنه لم يصل بعد!!! فأضحك من فرط صدقه، وأقول: بدون قسم أصدقك خاصة في هذه.
من أنبل صفاته أمانته، فكان أمينا،أمينا أمينا، في قوله وفعله، في حركته وسكونه،، أمينا على السر، أمينا على المجلس، أمينا في المال، لدرجة تدهش كل من يعرفه.

كان كريما معطاءا، يحب أن يطعمني مما يأكل، فقبل الحرب تقريبا بأسبوع، أعطاه زوج صديقتي علبة كولا من شدو ما رآه منهكا في الطريق،، وقد كان يرجع من مدرسته إلى البيت مسافة كبيرة، لكنه آثر ألا يفتحه بالرغم من شدة عطشه إلا بعد وصوله للبيت لأشرب معه، سقاك الله من حوض الحبيب يا حبيب.
كلامه قليل، تعبيره موجز، لكن إذا ما رأى شيئا أعجبه مني أصبح قاموسا في معسول الكلام،، ما أجملك يا بلال
الحبيب بلال كانت أنشودته المفضلة لي،،والتي يفتحها على السماعة بشكل إن لم يكن يومي أسبوعي،، ما أحلاكي يا طيوبة،،، فكان دائما يقول هادي الأنشودة لماما،، لقلبك الطيب ألف تحية وسلااااام يا أطيب من رأيت

كان له حضن غريب، ملئ بالحب، لا بل بالصدق في الحب ، حتى لصديقاتي، وكنت أسمع دائما من كل من يحتضنهم بلال حضنو غريب، لدرجة أنني ذات يوم ذهبت مع زميلتي للسؤال عنه في المدرسة، فاحتضنني كعادته،،،فخرجت من الصف مسرعة، وهي تبكي بكاءا مرا،،فسألتها: شو في خير ان شالله،،قالت لي: حضن ابنك غريب، اقشعر بدني ولم أتحمل.

صحيح أن قلبه كقلب عصفور على الناس ، لكنه على نفسه لا يعبأ بشيء، ولا يهاب الأخطار، مرت على بلال ألوانا شتى وصنوفا من الموت، كالسقوط من الطابق الثالث تارة، وشرب البنزين تارة أخرى، والموت شنقا وراء الكنبة دون قصد وهو صغير، والموت حرقا، أو دهسا تحت مقطورة أو شاحنة أو سيارة،،،وبالرغم من ذلك كانت تحيط ألطاف الله به دائما،، لكن الله قدر الله أن تكون موتته حياة،، وأخذه اصطفاء، كم تليق بك الشهادة يا بلال.
أما عن علاقة بلبل بأبيه فلا تكفي فيها مجلدات،، كان القريب والحبيب والونيس والصاحب والأمين،، يحب أباه حبا غريبا،، يقلده في كل شيء،، ينتظره بعد كل فرض ليتكئ عليه عندما يقوم من الصلاة، لا يرضى أن يحمل أبوه غرضا ولو كانو عشرة أكياس ، يقسم على أبيه قسم الرجال، فيحمله على مرة أو مرات حتى يريحه، يحضر له كل متعلقاته قبل خروجه، حقيبة العمل، الجوال، المفاتيح، النظارة،….، يمسح حذاءه يوميا،،،يشغل سيارته ويتفقدها قبل نزول أبيه، تفاجأت أنه في طريق رجوعه من المدرسة يمر على كل من يعرفهم أنهم أصحاب أبيه ليسلم عليهم، ويقول لهم: يعطيك العافية يا عمو، لبرك بأبيك نادتك جنات النعيم يا حبيب.

أما عن علاقة أبيه به، فكان الحنون، الصاحب، الكريم، السند، الحامي، والمحامي لبلبل،، كان لا يهنأ له طعام إلا معه، ولا يهنأ له نوم إلا وهو يحتضنه، ولا يستمتع بخروج إلا وهو ممسك بيده، يحسده كل من يره على دلاله،، فكم سمعتها من أولاد،، يا ريتنا بلال،،، من فرط حب أبيه ودلاله،،،يوميا له بسكويتة بجانب الوسادة،، حتى لو بات عند أحد أقاربنا يحب معه البسكويت الذي يحبه، ويقول بلبل يستيقظ بالليل من أجل البسكويتة، فلا تنسوا حطوها بجانب الوسادة، إن منعت عته شيئا يعطيه دون علمي، إن قسوت عليه لأربيه، يربت على كتفه ويرضيه، إن اختلف مع أبيه بنظرة عينه يرضيه، وبسيل من عبارات الاعتذار يسترضيه، ربط الله على قلبك يا حبيبي.

كنت دائما أقول أن هذا الولد أخشى عليه من الحياة، لأنه لا يعرف إلا الخير، والخير فقط، فكيف سيواجه هذه الحياة بما فيها من حقد وحسد ولؤم وخبث،،،كما أخته رفيف،،، فكانت الإجابة أن هؤلاء الأنقياء الأصفياء الأطهار لا تليق بهم سوى جنات الرحمن، وصحبة خير الأنام،،، فلم يخطئ قلبي في مكان ابني وابنتي الحقيقي،،، فاللهم قبولا ،،، وإنك تعلم أنهم أصفياء قلبي كما كانو أصفياءك،،،فاللهم لقاءا في جنات النعيم، مع الأنبياء والصديقين والشهداء، وحسن أولئك رفيقا.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.