منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

القصة من البداية

القصة من البداية/عادل زروق

0

القصة من البداية

بقلم: عادل زروق

لا أعرف إن كانت عادة المسلمين في الفلبين أن يستقبلوا كل غريب في المسجد بالتحية والمصافحة، ولكن في مسجد كورون يستقبلك المصلون أول يوم كوارد جديد على دين الإسلام، يبالغون في الترحيب والمصافحة، ولا أكتم سرا أنني أحسست يومها كأنني مطالب بنطق الشهادة أمامهم عقب الصلاة.

و سأحكي لكم قصتي في هذا المسجد من أول زيارة، سألني رجل عند الباب قبل الدخول: هل أنت مسلم؟ قلت نعم. ابتسم ومد يده بالمصافحة، كانت يده الخشنة توحي بمشقة المهنة في الحياة، ومع تلك الخشونة كانت مصافحته تنبض بمعاني الترحيب، وكانت ملامح وجهه توحي برغبة في تعارف طويل، وأعترف أنني لست من هواة التعارف، ولست ممن يحسن الحوار في أول لقاء.

حاولت أن أبدو منشغلا في نزع الحذاء، لكنه بقي واقفا وسألني: من أي البلاد أنت؟ ما لبثت أن أجيبه، حتى أردف السؤال الثاني والثالث، و ومن وراء الرجل كان هنالك صف من سبعة أشخاص تقريبا، كانوا جميعا على استعداد بمد أياديهم بالمصافحة، ولسان حالهم يقول مهما اختلفت أعمارنا و لغاتنا وألواننا فنحن جميعا إخوة في الدين.

سلمت على الواقفين، وذهبت طوعا نحو الجالسين في المسجد، سلمت عليهم واحدا واحدا، كان ذلك في اليوم الأول، سلمت على بضع وعشرين رجلا وطفلتين، وعلى قدر الدهشة والحرج، كنت سعيدا بهذا الاستقبال الرمضاني الجميل.. وقلت ربما هو مدد وفأل حسن، وترحيب من فوق سبع سماوات.. اللهم آمين يارب.

كان ذلك في اليوم الأول من رمضان، وكان الازدحام مبررا، والمعتاد أن إقبال الناس على المساجد في الأيام الأولى من رمضان يكون أكثر، أما اليوم فأغلب الظن أنني سأجد المسجد أقل ازدحاما، وخصوصا أنه لم يحن بعد موعد أذان العشاء.

في الطريق أسرعت الخطى مسرورا، أمني النفس والقلب بجلسة ذكر ماتعة في هذا المسجد الصغير، وما أجملها الكلمة الطيبة في بلد اسمه الفلبين. وصدق الطاهر الأمين الذي أخبرنا أن هذا الدين سيصل مشارق الأرض ومغاربها.

إلى الآن أبتسم كلما تذكرت لحظة دخولي إلى المسجد، كانت لحظة إحراج جميل، ولست أرفض أن أصافح المصلين واحدا واحدا، ولكن الحقيقة أنني بالإضافة إلى التعب، أشعر برهبة وحرج اجتماعي في مثل هذه التجمعات، ولا أكون في أحسن حالاتي عند الزحام، وكلما قل عدد الناس زادت عندي الطمأنينة، لا أعرف سبب هذا الشعور، من أجله أتجنب المناسبات العامة، وربما من أجله أسافر من بلد إلى بلد جديد.

دخلت باب المسجد، وجدتهم هناك كالعادة، نفسها الوجوه تقريبا، حاضرة ناظرة مستبشرة، بعضهم كان يجلس في الصف الأول تجاه القبلة، وسبعة أو ثمانية في الوسط، يتهامسون، وكأنهم يتكلمون في حديث أسرار، لا ينبغي لها أن تعلن جهرا للعوام.

وضعت حذائي على الرف، خطوت خطوتين وأنا أسترق النظر إلى جلاس المسجد، كنت أشعر أنهم على استعداد للنهوض، بدأ قلبي يخفق من جديد، وكنت أعلم أنني في نظرهم مثل الحريص على صلاته، المبكر لصلاة العشاء، وفي الحقيقة كنت أكثرهم تقصيرا وإنما جئت إلا لقضاء ما فاتني من صلاة.

قلت بسم الله ودخلت، بادرت رجال المسجد بالتحية من بعيد، أكتفي بالقول قبل أن ينهض إلي أحدهم بتحية اليد. قلت بصوت مسموع: السلام عليكم ورحمة الله، فإذا هم جميعا واقفون، وصدق من قال أن الشيء الذي نخشاه يتحقق.. وها هو قد تحقق.

وقفت مدهوشا لهذا الأدب في الحرص على المصافحة، هنالك ذكرت وصية النبي صلى الله عليه وسلم حين قال : إن المؤمن إذا صافح أخاه، تناثرت خطاياهما، كما يتناثر ورق الشجر.

عقدت عزمي وهزمت خوفي، واتجهت نحو المصلين أسلم عليهم من جديد، واحدا واحدا..
ومن الناس أثناء المصافحة من يضغط حتى تختلف أصابع يدك، ومنهم من يسلم عليك بالأصابع فقط، ومنهم من يهز يده أثناء السلام ثلاث مرات كأنه ينفض الغبار، ومنهم من كانت مصافحته لا تنسى، يلقاك بنظرات شوق كأنه يعرفك منذ زمن بعيد.

أثناء السلام سألني شاب عن اسمي، أخبرته وأعربت عن سعادتي بلقائه، لكنه سألني بعدها عن بلدي واسم الفندق ومدة الإقامة، وسألني حتى عن الوجهة القادمة، ولأنه كان منشرح الصدر للتعارف، قاطعته وسألته بدوري عن اسمه وعمله، وسألته عما يحفظه من القرآن الكريم، عملا بالقاعدة التي تقول : خير طريقة للدفاع هي الهجوم.

نظرت إلى لوحة أوقات الصلاة المعلقة في المسجد، وقفت أتفحصها وأحاول فك رموزها، وقفت أمامها كفنان خبير يتأمل لوحة الموناليزا.

كان على اللوحة عشرة دوائر تشير كلها إلى أوقات الصلاة، وإلى حد علمي أن عدد الصلوات المكتوبة علينا إنما هي خمسة فقط، ولا يمكن أن يصليها أهل الفلبين عشرا، وقلت ربما من أثر العياء وكثرة السلام قد قل تركيزي، أو ربما أخذ مني الجوع مأخذا، فبدأت أرى من الدوائر ضعفها.

تركت لغز اللوحة معلقا، واتجهت نحو القبلة أقضي ما علي من صلوات فائتة.

ما كدت أقول الله أكبر، حتى جاء شيطان الصلاة يخبرني مبشرا بحل أحجية الدوائر العشر، وأخبرني أن ثلاجتي في الفندق فارغة، وأن المخبزة ستقفل أبوابها، وبقي معي شيطاني يحدثني أثناء الصلاة، حتى شككت في وضوئي قبل المجيء إلى المسجد.

ما كدت أسلم وأختم صلاة المغرب حتى رفع الأذان معلنا صلاة العشاء، كنت جالسا في الصف الأول أنتظر في زمرة المنتظرين، وعن يساري مباشرة جلس المؤذن، سألني بصوت خافت: هل أنت عربي؟ قلت نعم، ابتسم ونظر نظرة إعجاب، كنت أريد أن أسأله عن بلده كذلك ؟ لكن هذا السؤال سيذهب بتلك النظرة الجميلة، حافظت على كرامتي بالصمت، وخفضت رأسي أنظر إلى محل السجود مثل الذاكرين الذين شغلهم الذكر عن الخلق، ولكنني في الحقيقة كنت أفكر في موضوع الخبز و المخبزة، ولا شيء غير ذلك.

يقولون أن الانتظار واحد من أشد أنواع العذاب، ولكن انتظار الصلاة عند أهل الله روح وريحان وجنة نعيم، وانتظار الفرج عبادة، و الذاكرون في انتظار الصلاة ينعمون و يأنسون ويرابطون.

كنت جالسا في المسجد مع الذاكرين في انتظار الصلاة، كنت معهم جسدا لا روحا، كنت قفصا بلا طائر، القفص في المسجد، والطائر يحلق هنالك حول المخبزة.

بدات أجاهد نفسي بالأوراد، ولكن عقلي الضعيف كان يفر من نعيم الذكر إلى هموم البطن، لا يفكر إلا في المخبزة، هل أجدها مفتوحة عقب الخروج من الصلاة؟!

تلك المخبزة الجميلة قرب المسجد هي الوحيدة التي أعرفها ويعجبني خبزها، ويعجبني من الخبز ما كان فيه شعير وقمح، والحق يقال البحث عن الخبز والمطاعم الحلال في الفلبين مهمة متعبة، والخبز المالح في هذه الجزيرة عملة نادرة، لأنهم في الفلبين يأكلون الأرز، ويخلطون الخبز بالسكر، بل و “يدردرون” سنيدة على أنواع الخبز بسخاء، كما نفعل نحن بالزنجلان على الشباكية.
تخيل معي، يضعون السكر في كل أنواع الطعام، ويجعلونه حتى مع البهارات في الطهو، لا أعرف من أوحى لهم بهذا الفهم! ومن يدري، ربما قد شبعوا من الملوحة أثناء السباحة، فاستبدلوا في الخبز مذاق الملح بالسكر.

لولا أنني كنت جالسا في الصف الأول قرب المحراب، لعزمت أن أخرج من المسجد وأرجع بخبز الشعير أضعه أمامي وأنتظر إقامة الصلاة.

حاولت أن أنسى موضوع الخبز بأذكار المساء وأدعية التحصين ودعاء الرابطة، ولكن صوت أبواب المحلات وهي تقفل كان يجرني إلى الموضوع.

بدأت أحرك الأصابع بالاستغفار والتسبيح، و أسترق النظر إلى مأموم الصلاة الذي كان ينظر إلي كأنه يقرأ أفكاري. وفي مسجد الحي، إذا تأخر المأموم عندنا في إقامة الصلاة بدأ الناس يتحركون و يسعلون تكلفا.. ولكنهم هنا لا يتحركون، ولم يسعل منهم أحد.

ارتفع صوت أبواب المتاجر وهي تقفل أبوابها، وتساءلت ماذا يفعل الإمام، ولماذا يجلس في هدوء. أحببت أن اطمئن على حاله، ربما نام الإمام، أو ربما قد ناله التعب.. نظرت إليه فوجدته في صحة ويقظة، بل وتبسم في وجهي، وقلت يا ليتني لم ألتفت إليه، ويا ليته لم يبتسم، فإنه لا يبتسم في وجه المنافق إلا ولي عارف.

كان الإمام نحيف الجسد، وتخيلته مثل المشايخ الزاهدين، يضحك على حالي ويقول:” أيها الزنديق في صورة صديق، حالك لا يخفى علينا، اثبت في مكانك حتى تنبت، وإنا لن نقيم هذه الصلاة حتى يسكت حديث نفسك ويستريح قلبك، ويحك يا غلام، تأتي لحضرة الملك الوهاب وقلبك مشغول بكسرة خبز”.

الوقت يمر بطيئا كالسلحفاة، ولازال شيطان نفسي يراودني بفكرة خبز الشعير، و زين لي صورته كما زين فاكهة الجنة لآدم عليه السلام، و وسوس إلي الهوى مفتيا أن الطعام يسبق الصلاة عند أهل الفهم، فقررت أن أستجيب لنداء البطن وأخرج من المسجد، وقلت لنفسي مواسيا: لا عيب ولا حرج، أخرج من المسجد هرولة، أشتري الخبز وأرجع، أفوز بالخبز وصلاة الجماعة، ثم إنه لا خير في صلاة مخلوطة بالخبز والشعير.

عقدت عزمي و استويت للنهوض من الصف الأول معلنا شعار “حي على الخبز”، ولكنني ما إن وقفت حتى وقف المأموم معي وهو يقيم الصلاة، وأشار إلي بيده إلى المحراب، ووضع الإمام يمينه على ظهري يدفعني هو كذلك إلى الأمام.

تلك واحدة من عادات مساجد الفلبين، الأئمة يتعاملون بوقار مع العرب، يقدمونهم إلى المحراب، تعظيما لهم، ومحبة في القرآن ولغة القرآن.
اعتذرت للإمام و المأموم، ولسان حالي يقول يا قوم، إنما وقفت للخروج، كنت أريد الخبز لا إمامة الصلاة.
لم أخرج من المسجد طبعا، ولم أصل بالناس إماما، ولكنني بكيت في هذه الصلاة على غير عادتي، ولا أدري أهي دموع جوع وحسرة على ضياع الخبز، أم هي دموع حياء من الله عالم السرائر.

– يتبع إن شاء الله- 🙂

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.