منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

ملامح المنهج التربوي عند أهم مدارس الفكر التربوي الإسلامي (3) -مدرسة الفلاسفة-

0

   دخلت الفلسفة إلى العالم الإسلامي عن طريق الترجمة في عهد الخليفة المأمون العباسي، الذي أمر بنقل كتب الفلسفة اليونانية إلى اللغة العربية، ولا يهمنا هنا غرض الخليفة المأمون من هذا النقل، وهل هو شغف معرفي؟ أم هدف أيديولوجي من أجل مواجهة الفرق والمذاهب المناوئة له في الحكم والفكر؟.

يقول الإمام السيوطي وهو يتحدث عن الكلام والمنطق والفلسفة: “علوم الأوائل دخلت إلى المسلمين في القرن الأول، لما فتحوا بلاد الأعاجم، ولكنها لم تكثر فيهم، ولم تشتهر بينهم لما كان السلف يمنعون من الخوض فيها، ثم اشتهرت في زمن البركمي، ثم قوي انتشارها في زمن المأمون، لما أثاره من البدع وحث عليه من الاشتغال بعلوم الأوائل وإخماد السنة”(1).

فقد حاول الفلاسفة التوفيق بين الآراء الفلسفية ومسائل الدين، ذلك أن الحديث عن الفلسفة الإسلامية هو حديث عن إشكالية فحواها أن الفلسفة بوتقة للأفكار الوضعية وهي كلمة ارتبطت تاريخيا بالآراء النسبية والآراء التي قد تصيب وقد تخطئ، بينما الدين الإسلامي يعرض حقائق كلية سالمة من النقص والتناقض، باعتبار أن الدين مصدره الوحي لا العقول البشرية، مما يجعل ثوابت وقطعيات الدين الإسلامي “حقائق مطلقة” لمن آمن واستنار قلبه وعقله، وهو الأمر الذي دفع المسلمين إلى إيجاد توافق بين الفلسفة المستلهمة من الثقافة اليونانية، والشريعة الإسلامية التي شكلت الثابت الأساسي للثقافة العربية.

فقد “أعطى الفلاسفة الأولوية للعقل في الوصول إلى معرفة الله أو صفاته ودللوا على وجود الله تعالى عن طريق البرهان الفلسفي البعيد عن الوحي القرآني”(2)، “وقد أدى هذا الأمر إلى الخصومة بين الفلاسفة ورجال الفقه والحديث، وخاصة الأشاعرة ومن على مذهبهم حيث ناصبوا الفلاسفة العداء وظلوا في صراع معهم حتى جاء الإمام الغزالي ففند كثيرا من آرائهم وأبطلها”(3)، فدخول الفلسفة اليونانية إلى الفكر الإسلامي قوبل بانتقادات شديدة ولاذعة من الفقهاء المسلمين، الذين فسقوا وبدعوا كل من تعاطى الفلسفة، أو حتى يقرأ كتبها، ولم يقتصر هجومهم على الفلسفة فحسب، وإنما امتد أيضا إلى علم الكلام ذي الطابع العقلي، حتى قيل “من تمنطق فقد تزندق”.

إن “المدرسة الفلسفية التي اكتملت أدوات فلاسفتها ونضجت مناهجها ومذاهبها وتحدد لها الاتجاه الفلسفي كوسيلة من وسائل الوصول إلى الحقيقة واليقين العقلي…”(4)، اعتبرت المنطق أداة ومعيار في قراءة وتحليل القضايا المعرفية، في حين اعتبر الفقهاء والمحدثون الكتاب والسنة، والإجماع والقياس، أساس النقل والعقل، وفي هذا يقول متى بن يونس: “يكفيني من لغة العرب الاسم والفعل والحرف، وبذلك القدر أتبلغ إلى أغراض قد هذبتها لي اليونان…، فالمنطق آلة من آلات الكلام يعرف بها صحيح الكلام من سقيمه، وفاسد المعنى من صالحه، كالميزان، فإني أعرف به الرجحان من النقصان، والشائل من الجانح”(5).

المزيد من المشاركات
1 من 102

ومن هنا كان الفكر الفلسفي فكرا غريبا على الجمهور الإسلامي، وبالتالي أصبح فكرا انعزاليا محدود التأثير، وهو ما سيؤثر على الإنتاجية التربوية لهذه المدرسة مقارنة بالمدارس التربوية الأخرى، ولذلك “يعد اتجاه الفلاسفة في هذا الموضوع أقل الاتجاهات تأثيرا ونتاجا من الاتجاهات الأخرى، ولعل ذلك يرجع إلى طبيعة نظرة المجتمع الإسلامي للفلسفة والفلاسفة”(6).

 

لم يبتعد أصحاب المدرسة العقلية من المفكرين المسلمين عن نظرائهم أصحاب الإتجاه الفقهي في ربط العلم والتعلم والتعليم بالغاية الدينية، إلا أن الفلاسفة تميزوا عن غيرهم من العلماء “بأن خطابهم لا يتوجه إلى العامة من أبناء المجتمع، وإنما يتوجه إلى الخاصة منهم، وهم العلماء، فهم القادرون على تأويل النصوص لاستنباط المعاني الكامنة فيها، ومنطقهم في ذلك أن النص الشرعي موجه إلى جميع الناس، لكن الناس يتعلمون بطرق مختلفة، ولذلك لا بد من تيسير سبل تعلم مقاصد الشرع لفئة من الناس، الذين لا يصلح لهم إلا طريق النظر العقلي والفلسفة، وطريق التعلم هذا ليس بدعة مستحدثة، وإنما هي واجب بالشرع أو مندوب إليه، واستشهدوا في ذلك بنصوص من القرآن الكريم”(7).

وقد تبنى نفر من الأعلام على امتداد التاريخ الإسلامي سبيل الاستدلال العقلي أو الفلسفة أو الحكمة، في مقابل النصوص الشرعية بدرجات متفاوتة، وما يهمنا في هذا المقام كتاباتهم، التي كانت كثير منها “كتابات تعليمية، وبعضها يحتوي على نصوص خاصة بالتربية والتعليم، اشتركت بعضها مع ما كتب غيرهم من ممثلي الدراسة الفقهية أو الصوفية، أو الكلامية، أو الطبية أو الأدبية، فظهر منهم رواد أصبحوا مشهورين عند المسلمين وعند غيرهم، ومنهم: أبو يوسف يعقوب الكندي (256ه)، وإخوان الصفا (القرن الرابع الهجري)، وأبو نصر الفارابي (339ه)، وأبو علي ابن سينا (توفي: 428ه)، وأبو الوليد ابن رشد الحفيد (595ه)، وصدر الدين الشيرازي (1050ه)، وغيرهم. وكان لكل من هؤلاء الرواد رأيه ونظريته التي قد تقترب وقد تبتعد عما هو معروف من مبادئ الإسلام وأحكامه عند جمهور المسلمين. وقد حفل التاريخ الإسلامي بمناقشات وردود بين علماء المسلمين حول القضايا التي تعرضت لها الفلسفة، وكان كل منهم يحاول أن يدلل على صدق رؤيته، وملاءمة خطابه لفئة من الناس”(8).

 إذ انصرفت جهود الفلاسفة لممارسة مناهج تعتمد بدرجة أكبر على العقل، ذلك أن التطور الذي حصل في المجتمع الإسلامي، أفضى إلى الاعتماد على العقل بدرجات متزايدة، ولا سيما عند دخول الجدل في مجال الاشتغال العقدي ونشوء الفرق الكلامية المختلفة، ثم دخول مصادر فارسية وهندية ويونانية بعد انتشار الترجمة، وكان من أثر ذلك أن دخلت إلى برامج التعليم علوم جديدة، منها علم النفس، والطب، والفلك، والرياضيات، وغيرها.

“لكن الاعتماد على العقل في هذه المدارس لا يعني التهوين من قيمة النقل بمصادره الدينية المعروفة، فالهدف الديني مشترك عند المسلمين جميعهم، والاختلاف يكمن في طريقة الوصول إلى الهدف، فالفلاسفة يدعمون مثلا حقائق الإيمان الدينية بالبراهين العقلية، ليس اجتهادا منهم، بل هو استجابة لأمر الدين حين يطلب القرآن الكريم النظر في المخلوقات: ﴿أَوَلَمْ يَنظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا خَلَقَ اللَّهُ مِن شَيْءٍ﴾ من أجل أن يتمكن أولو الأبصار من تحقيق هدف الاعتبار، ﴿فَاعْتَبِرُوا يَا أُوْلِي الأَبْصَارِ﴾، يرى ابن رشد أن على المسلم بناء على هذه التوجيهات القرآنية: إذا تقرر أن الشرع قد أوجب النظر بالعقل في الموجودات واعتبارها،

وكان الاعتبار ليس شيئا أكثر من استنباط المجهول من المعلوم واستخراجه منه، وهذا هو القياس أو بالقياس، فواجب أن نجعل نظرنا في الموجودات بالقياس العقلي. وبين أن هذا النحو من النظر الذي دعا إليه الشرع وحث عليه، هو أتم أنواع النظر بأتم أنواع القياس وهو المسمى برهانا. وبعد أن يبين ابن رشد حاجة المؤمن إلى معرفة أنواع البراهين وشروطها، وأنواع القياس وأجزاءه ومقدماته قال: فقد يجب على المؤمن بالشرع، المتمثل أمره بالنظر في الموجودات أن يتقدم قبل النظر فيعرف هذه الأشياء التي تتنزل من النظر منزلة الآلات من العمل”(9).

وأطلق على المدارس الكلامية والفلسفية مسمى المدرسة العقلية، كما أطلق على مدارس الفقه والحديث مسمى المدرسة النقلية.

مقالات أخرى للكاتب
1 من 6

أولا: الخصائص والمميزات

 اتسمت المدرسة العقلية بمجموعة من الخصائص المميزة، التي أعطت لها شكلا فريدا، وطبيعة خاصة، جعلتها تبدو مختلفة إلى حد كبير عن غيرها من المدارس والاتجاهات الأخرى في الفكر الإسلامي ومن أبرز هذه الخصائص ما يلي:

 – الاعتماد الكامل على العقل، والاستعانة بالمنطق الأرسطي للوصول إلى المعرفة، واستخلاص النتائج من المقدمات، فلا مجال هنا للنصوص أو النقل، يقول الفرابي: “المنطق لتقويم العقل وتسديد الإنسان نحو الصواب في كل ما يمكن أن يغلط فيه من المعقولات”(10)، فما يميز أتباع المدارس العقلية بصورة عامة هو اعتمادهم على الحس والتجربة والمنطق العقلي في تقديم المادة العلمية للمتعلمين، ولهم طريقتهم المنطقية في فهم الصلة بين العلم والتعليم والتعلم، يقول إخوان الصفا: “العلم إنما هو صورة المعلوم في نفس العالم، وضده الجهل، فهو عدم تلك الصورة في النفس. واعلم بأن أنفس العلماء علامة بالفعل، وأنفس المتعلمين علامة بالقوة، وأن التعلم والتعليم ليسا شيئا سوى إخراج ما في القوة، يعني الإمكان إلى الفعل، يعني الوجود، فإذا نسب ذلك إلى العالم سمي تعليما، وإن نسب إلى المتعلم سمي تعلما”(11)، وفي هذا التعريف تطرح أركان النظرية التعلمية جملة واحدة، فأنفس المتعلمين هي علامة ب”القوة”، أي قادرة على التعلم واكتساب المعرفة أو مستعدة لذلك، أو أنها بالاصطلاح التربوي المعاصر “قابلة للتعليم”، وعملية التعليم ماهي إلا التحول بهذا الاستعداد للتعلم إلى تعلم فعلي، أي إمكانية التحول بنفس المتعلم من نفس علامة بالقوة إلى نفس علامة بالفعل، وإن العملية التعليمية في نهاية الأمر ما هي إلا فن التحول بالقدرات الإنسانية إلى قوى أو مكتسبات سلوكية. 

– الاهتمام بالقضايا الميتافيزيقية، فقد اشتغل الفلاسفة “بالبحث في المسائل الميتافيزيقية أكثر من اشتغالهم بالعلم العملي التطبيقي، مخالفين روح الإسلام التي تهدف إلى التطبيق العملي للعلم والمعرفة في سائر شؤون الحياة”(12)، فبحثوا في الوجود والعدم، والخلق والخالق، والعقل والنفس، والحركة والثبات، …إلخ، ويبدوا أن ذلك كان بسبب كونها – أي الفلسفة الإسلامية-  أجنبية المصدر، حيث نقلت موضوعاتها وقضاياها من الفلسفة اليونانية، التي كانت مهتمة بمثل تلك القضايا العقلية المجردة.

“ويرى الفلاسفة أن الهدف من المعرفة الفلسفية هو تكميل النفس الإنسانية لكي يحيى الإنسان سعيدا… “(13)، وهذا يتطلب أن تكون موضوعات التعليم شاملة لما يسمى العلوم الدينية والعلوم الدنيوية، بما في ذلك ما يكون من علم النفس سبيلا إلى معرفة خالقها، وعلوم اللغة لحاجة العلوم الدينية إليها، وعلوم الطب والحساب لأن حياة البشر لا تقوم بدونها، وسائر علوم الحرف والصنائع التي هي أساس بناء المجتمع البشري، فالخلاص الفردي للإنسان لا ينفعه إذا لم يكن له موقع في المجتمع يستفيد من غيره فيما يعجز عن توفيره منفردا، ويستفيد منه الآخرون في المجتمع بما تخصص به من حرفة أو صناعة. 

لأن معنى استخلاف الله للبشر وخلافتهم عن الله في الأرض يتطلب طاعة المستخلف طاعة كاملة، فكان لا بد لهؤلاء المستخلفين من التراحم والتعاون في العمل والإنتاج بدون تخصيص، أو تمييز البشر في الجنس أو اللون أو العنصر، بالتسابق في الخيرات كلها دنيوية وأخروية، وتوفير أسباب المعيشة والتنافس المشروع في كسبها، فعلى الناس في واقع الحياة: “أن يجتمعوا في زمان واحد على تحصيل هذه السعادات المشتركة لتكميل كل واحد منهم بمعاونة الباقين له، فتكون الخيرات مشتركة، والسعادة مفروضة بينهم، فيتوزعونها حتى يقوم كل واحد منهم ويتم للجميع، بمعاونة الجميع، الكمال الأنسي وتحصل لهم السعادات الثلاث التي شرحناها في كتاب الترتيب، ولأجل ذلك وجب أن يحب الناس بعضهم بعضا، لأن كل واحد يرى كماله عند الآخر، ولولا ذلك لما تمت لهذا سعادته، فيكون إذن كل واحد بمنزلة عضو من أعضاء البدن، وقوام الإنسان بتمام أعضاء بدنه”(14).

ثانيا :أهم المؤسسات والمراكز التعلمية للمدرسة الفلسفية

“لا تختلف المراكز التعليمية في العصور الإسلامية الأولى عند معظم المدارس التربوية عما كان عليه الحال عند غيرهم، وتكاد تتلاقى بعض هذه المدارس في حلقاتها ومراكزها لتشمل أكثر من مدرسة تربوية، خاصة مدارس الفقه والحديث والتفسير والعقائد، ولكن الشيء الذي يكاد يميز أصحاب هذه المدرسة في هذا الشأن هو ابتعادهم عن المساجد في حلقاتهم التعليمية، فليست تصلح المساجد لأمثال هذه العلوم التي يهتمون بها، ولا تصلح كذلك الزوايا ولا الكتاتيب التابعة للمساجد، ولا أماكن الرباط التي يرابط فيها المجاهدون، أو ربط الصوفيين لمناقشة بعض الأعمال كالفلك والطب والهندسة وغيرها”(15).

وعلى الرغم من استمرار هذه المؤسسات التعليمية في دورها، إلا أنها لم تبلغ تمام نشاط بعض المؤسسات الأخرى التي اضطلعت بنصيب كبير في دعم الحركة العلمية، والتوسع في نشر العلم والثقافة الأدبية.

و”لهذا عمد كثير من رواد هذه المدرسة إلى أن تكون بيوتهم، أو قصور الأمراء، أو دكاكين الوراقين، أو المكتبات العامة والخاصة هي أماكن حلقاتهم ومراكزهم التعليمية، ومن ذلك ما جاء عند ياقوت الحموي قال: كان بكركر من نواحي القفص ضيعة نفيسة لعلي بن يحيى بن المنجم وقصر جليل فيه خزانة عظيمة يسميها خزانة الحكمة، يقصدها الناس من كل بلد، فيقيمون فيها ويتعلمون منها صنوف العلم. والكتب مبذولة في ذلك لهم، والصيانة مشتملة عليهم، والنفقة في ذلك من مال علي بن يحيى، فقدم أبو معشر المنجم من خراسان يريد الحج وهو إذ ذاك لا يحسن كبير شيء من النجوم، فوصفت له الخزانة فمضى ورآها فهاله أمرها، فأقام بها وأضرب عن الحج وتعلم فيها علم النجوم”(16)، وفي الأدب التربوي الإسلامي الكثير من الأخبار التي تؤكد كون العلماء كانوا يستقبلون طلبة العلم في منازلهم وتعليمهم.

“ولم تكن حوانيت الوراقين بمثابة أماكن لنسخ الكتب وبيعها فحسب، بل كانت تدار فيها بعض النقاشات والاطلاع على الكتب، وكان عدد من الوراقين أدباء، يشجعون على القراءة والاطلاع، وكان الجاحظ كثير الجلوس في حوانيت القراء، وكذلك كان ياقوت الحموي، وابن النديم وغيرهم”(17)

و”تعد هذه المؤسسة غير المتخصصة أحد الوسائط التربوية التي لا يمكن إغفالها في دراسة معاهد التربية الإسلامية، ومما يرفع من شأنها ويبرز أثرها التربوي براءتها من شوائب التعصب التي شابت عديدا من المؤسسات الأخرى”(18)، فما فتئت دكاكين الوراقين ملتقى للعلماء والأدباء والمثقفين ومحبوهم من كل مكان، وكان بعض أصحاب هذه الدكاكين من العلماء والمثقفين، وكانوا كثيرا ما يشاركون العلماء في مناقشاتهم ومحاوراتهم، وأصبحت الاجتماعات التي تتم فيها مسرحا للثقافة والأدب والحوار العلمي الهادف.

“ولعل في وجود أفاضل العلماء وأماثل العلماء في طائفة من الوراقين…ما يلقي الضوء على عمق ماكان يدور في حوانيت الوراقين من محاورات، ومناظرات ومناقشات ذات صبغة علمية وأدبية هامة ويؤيد ذلك ما يلاحظه الدارس لتاريخ هذه المؤسسة الذي يظهر أن الثقافة العلمية والأدبية لم تكن قاصرة على العلماء وطلاب العلم وأصحاب المكتبات ودكاكين الوراقين وحدهم بل شمل النشاط الثقافي والعلمي حوانيت البيع والشراء العادية “(19).

ومما يفسر ازدهار الحركة العلمية وتعدد “المكتبات التجارية في عواصم البلاد الإسلامية وكثرتها كثرة تدل على إقبال المسلمين على العلوم والآداب الدينية ونشر الثقافة والتربية والتعليم في جميع أنحاء الامبراطورية الاسلامية…”( 20). الأمر الذي كان من نتائجه شيوع الثقافة الإسلامية بين أكبر عدد من قطاعات المجتمع وفئاته في هذه الفترة من الزمان.   

 

ثالثا :أبرز شخصيات مدرسة الفلاسفة، وأهم مصنفاتهم.   

لقد تطور العلم في التاريخ الإسلامي تطورا كبيرا ولا سيما في العصر الذهبي للإسلام، إذ نبغ الكثير من العلماء المسلمين الذين أثروا في التطور العلمي والحضاري بشكل كبير على العالمين الغربي والعربي، ومن العلوم التي ازدهرت في التاريخ الإسلامي هو علم الفلسفة، فقد تناول المسلمون ما وصلهم من الفلسفة الإغريقية بالدراسة وصبغوها بالصبغة الإسلامية، وتراثهم في هذا يعد جزء لا يتجزأ من التاريخ الثقافي للبشرية، لكن نجاح نقل الفلسفة العربية إلى أوروبا كان مصحوبا بظاهرة: عدم ذكر الأسماء.. وهكذا بات الجميع يستعمل أدوات الفلسفة في القرون الوسطى – العربية بشكل خاص – من دون أن ينسب أحد شيئا إلى أصحابها وهم عشرات كانوا يعيشون في فضاء شاسع من قرطبة إلى بغداد.

ومن هؤلاء العظام:

  • مسكويه (توفي: 421ه):

وهو “أبو علي أحمد بن محمد يعقوب، أصله من الري وسكن أصفهان وتوفي بها، لا يعرف الكثير عن حياته، وثمة خلاف حول اسمه هل هو مسكويه إذا كان هذا الاسم لقبا له، أو ابن مسكويه إذا كان لقبا لأبيه أو جده”(21)، و”لا يعرف على وجه التحديد تاريخ ميلاده، وكان ابن مسكويه طبيبا ولغويا ومؤرخا وباحثا، اشتغل بالفلسفة والكيمياء والمنطق، ثم أولع بالتاريخ والأدب والإنشاء، وكان قيما على خزانة كتب ابن العميد، ثم عضد الدولة ابن بويه، ولذلك لقب بالخازن، وقد ألف في التربية والنفس، وكان متأثرا في تناوله للموضوعات التي يعالجها بالفكر والفلسفة اليونانية”(22)

قال عنه أبو حيان في جملة وصفه: “لطيف الألفاظ، سهل المأخذ، مشهور المعاني، شديد التوقي، ضعيف الترقي، يتطاول جهده ثم يقصر، وله مآخذ وغرائب من الكذب – كذا –  وهو حائل العقل لشغفه بالكيمياء”(23).

ومن أهم مؤلفاته:
  1. تهذيب الأخلاق وتطهير الأعراق 
  2. تجارب الأمم وتعاقب الهمم
  3. ترتيب العادات
  4. طهارة النفس
  5. كتاب أدب العرب والفرس

وقد وضع ابن مسكويه آراءه المتعلقة بالأدب والسلوك في كتابه “تهذيب الأخلاق وتطهير الأعراق”، حيث نجده “قد قسم منهج التعليم إلى ثلاث مراحل: المرحلة الأولى: مرحلة الغرائز والحاجات الجسمية الموازية للطفولة، فيتعلم ما يحتاج إليه فيها كآداب الطعام والنوم وغيره. والمرحلة الثانية: مرحلة النمو الانفعالي والوجداني الموازية للمراهقة، فيتعلم فيها ما يناسبها وما يحتاج إليه في هذه المرحلة، فيتعلم الكرامة وما يتصل بالدين والأخلاق وفضائلها، مع حفظ بعض الأشعار التي تقوي الاتجاهات الإيجابية وتنبذ ما يعزز الاتجاهات السلبية. والمرحلة الثالثة: مرحلة النمو العقلي والديني الموازية لسن الرشد، فيتعلم ما يستفاد بتقويم الشوق للعلوم والمعارف، وفيها يدرس الحساب والهندسة حتى يتعود صدق القول، وصحة التفكير، وبالتدريج يصل إلى مرتبة الإنسان السعيد الكامل”(24).   

والذي جعل كتابه “تهذيب الأخلاق” من أكثر مؤلفاته شهرة وتداولا هو اهتمامه بمجال الأخلاق والفلسفة الأخلاقية، إذ فصل أصولها، وضبط أنواعها، وحدودها وقابليتها للتحول والتغيير، وميز بين الجبلي فيها والكسبي، وموقع الأديان والشرائع منها، ودورها في تنميتها وتوجيهها، وتحدث عن الفضائل وأصنافها وحاجة الإنسان إليها ففيها كمال سعادته في الدنيا والآخرة وأساس تعايشه مع غيره باعتبار مدنيته.

“إن تركيز مسكويه على الأخلاق لا تختص بمرحلة محددة من عمر الإنسان، بل في سائر  حياته، ففي الصبا:…فمن اتفق له في الصبا أن يربى على أدب الشريعة، ويؤخذ بوظائفها وشرائطها حتى يتوعدها، ثم ينظر بعد ذلك في كتب الأخلاق حتى تتأكد تلك الآداب والمحاسن في نفسه بالبراهين، ثم ينظر في الحساب والهندسة حتى يتعود صدق القول وصحة البرهان فلا يسكن إلا إليها، ثم يتدرج كما رسمناه في كتابنا الموسوم ب”ترتيب السعادات ومنازل العلوم”، حتى يبلغ إلى أقصى مرتبة الإنسان فهو السعيد الكامل. ثم يقول: وهذه الآداب النافعة للصبيان، وهي للكبار من الناس أيضا نافعة، ولكنها للأحداث أنفع، لأنها تعودهم محبة الفضائل وينشؤون عليها”(25).     

وأكد على قيمة العلم والتعليم والمعرفة والحكمة في إدراك الفضائل وتفعيلها، ومن ثم “يعلي مسكويه من مقام المعلم، ويطلب من التلميذ أن يحب معلمه، لأنه يربيه بالفضيلة التامة ويغذيه بالحكمة البالغة، ويسوقه إلى الحياة الأبدية في النعيم السرمدي. والمعلم هو السبب في كل وجودنا العقلي، وهو المربي لنفوسنا الروحانية”(26)

  • أبو علي الحسين بن عبد الله ابن سينا (توفي 428ه):

فقد اتصل بعلماء عصره، من أمثال مسكويه الفيلسوف، وأبو الريحان البيروني الرياضي اللغوي الأديب، وأبو الفرج بن طيف الطبيب، وكان لهذه الاتصالات أثرها في إثراء فكره وتخصيب معارفه، يقول ابن سينا واصفا حاله وشغفه بالعلم وتحصيله:  “لازمت العلم، وكلما أحار في مسألة ترددت إلى الجامع، وصليت، واتجهت إلى مبدع الكون، حتى يفتح المغلق ويتيسر المتعسر، وكنت أشتغل ليلا في داري بالكتابة والقراءة، فإن غلبني النوم، حلمت بالمسائل التي كنت أعالج حلها، حتى إن كثيرا منها اتضح لي في المنام”(27).      

ألف ابن سينا الكثير من المؤلفات من أهمها:
  1. القانون في الطب 
  2. الشفاء في الفلسفة
  3. الإشارات والتنبيهات 
  4. رسالة السياسة
  5. هدية الأمير في القوى الإنسانية
  6. لسان العرب

وغير ذلك من المؤلفات، وتعد “رسالته القصيرة “كتاب السياسة” أنموذج لإسهام الفلاسفة في مجال التعليم والتربية، فاشتملت على كثير من موضوعات التربية بما في ذلك الصفات اللازمة للمعلم، والتدرج في موضوعات التعليم، وأساليب التعليم ومسألة الثواب والعقاب، ومراعاة الفروق الفردية، وغير ذلك. ومن الملاحظ كذلك أن المعرفة الفلسفية والطبية أثرت في الطريقة التي صاغ فيها ابن سينا كلامه عن التربية”(28).

ومن أهم ما ذهب إليه فيما يتعلق بالمجال التربوي والتعليمي ما يلي:

          التعليم في المدرسة أفضل، حيث يتعلم الصبيان من بعضهم البعض ويتحملون مسؤولية ذلك، فتحسن عاداتهم، وتتهذب أخلاقهم، يقول ابن سينا: “وينبغي أن يكون مع الصبي في مكتبه صبية من أولاد الجلة، حسنة آدابهم، مرضية عاداتهم، فإن الصبي عن الصبي ألقن، وهو عنه آخذ وبه آنس، … ثم إنهم يترافقون ويتعاوضون الزيارة وكل ذلك من أسباب المباراة والمباهاة والمساجلة والمحاكمة، وفي ذلك تهذيب لأخلاقهم وتحريك لهممهم وتمرين لعاداتهم”(29).

         التوجيه السليم مهمة المعلم، ولذلك وجب مراعاة استعداد المتعلم، وميولاته، وقدراته

النفسية والجسدية، لأنه “ليس كل صناعة يرومها ممكنة له مواتية، لكن ما شاكل طبعه وناسبه”(30).

         المعلم هو القدوة والأسوة، فقد أدرك ابن سينا دور القدوة في حياة المتعلم، وأن الدور الذي يلعبه المعلم يتجاوز حدود عرض المعلومات على المتعلم، ولذا رأى أنه ينبغي أن يكون المعلم “عاقلا ذا دين، بصيرا برياضة الأخلاق، حاذقا…، وقورا، رزينا، بعيدا عن الخفة والسخف، قليل التبذل”(31)

         مراعاة الحالة النفسية للمتعلم، ولذا يجب على المعلم أن “يتأمل كل وقت ما يشتهيه ويحن إليه، فيقرب منه، ومن الذي يكرهه، فينحى عن وجهه، لا استجابة لأمره، ولكن تيسرا عليه”(32).       

         التوازن الدقيق في استخدام أساليب الترغيب والترهيب، دون شطط أو إخلال.

ويمكن القول إن المدرسة الفلسفية اعتمدت طرقا عدة في تربية الإنسان المسلم، طرقا تراعي الفروق الفردية بين المتعلمين، وتحترم طاقاتهم ومواهبهم، وتعمل على تنميتها، كالاهتمام بتوجيه العقل ومساعدة الطلاب على الابتكار في المجالات العلمية والعملية، ومراعاة القدرات العقلية لدى الأطفال والعمل على تنميتها في كل سن بما يناسبه. 

وأخيرا، فإن التربية الإسلامية لديها من الفلاسفة والمربين المسلمين ما جعلها متميزة في التراث التربوي الإنساني، ونظرا لكثرة طرق التعلم المعتدة في هذه المدرسة من قبل روادها الكثر واختلافهم في حصرها، فإن المقام لا يتسع لبحثها كلها.

 

الهوامش:

 

  • السيوطي، جلال الدين عبد الرحمان بن أبي بكر، صون المنطق والكلام عن فني المنطق والكلام، تحقيق: علي سامي النشار وسعاد علي عبد الرزاق، مجمع البحوث الإسلامية بالأزهر،سلسلة إحياء التراث، القاهرة، ط2، 1970م، ص45،44.

 

    1. بهي الدين زيان، الغزالي ولمحات عن الحياة الفكرية الإسلامية، مكتبة نهضة مصر، القاهرة، 1958م، ص22.

 

  • نفس المرجع، ص30.
  • حسن عبد العال، التربية الإسلامية في القرن الرابع الهجري، دار الفكر العربي، القاهرة، 1978م، ص 99.
  • أبو حيان التوحيدي، علي بن محمد بن العباس، الإمتاع والمؤانسة، المكتبة العصرية، بيروت، ط1، ص115.
  • إبراهيم عبد المجيد اللبان، الفلسفة والمجتمع الإسلامي، مكتبة النهضة المصرية، القاهرة، 1954م، ص176.
  • فتحي حسن ملكاوي، التراث التربوي الإسلامي: حالة البحث فيه، ولمحات من تطوره، وقطوف من نصوصه ومدارسه، والكتاب هو الأول من ثلاثة كتب لدراسة التراث، المعهد العالمي للفكر الإسلامي، هرندن، فرجينيا، الولايات المتحدة الأمريكية، الطبعة الأولى، 1439هـ / 2018م، ص 310.
  • نفس المرجع، ص309، وما بعدها.
  • فتحي حسن ملكاوي، (مرجع سابق)، الطبعة الأولى، ص 395.
  • أبو نصر الفارابي، إحصاء العلوم، تحقيق: عثمان أمين، مكتبة الأنجلو، القاهرة، ط3، 1968م، ص68.
  • إخوان الصفا، رسائل إخوان الصفا وخلان الوفا، دار صادر، بيروت، ج1، ط3، 2011م، ص263.
  • علي سامي النشار، نشأة الفكر الفلسفي، دار المعارف، القاهرة، ج1، ط1، 1962م، ص36،35.
  • بهي الدين زيان، (مرجع سابق)، ص 20.
  • أبي علي أحمد بن محمد بن يعقوب مسكويه، تهذيب الأخلاق،  تحقيق: عماد الهلالي، منشورات الجمل، بغداد وبيروت، ط1، 2011م، ص247
  • فتحي حسن ملكاوي، (مرجع سابق)، الطبعة الأولى، ص 315، وما بعدها.
  • نفس المرجع، 316.
  • فتحي حسن ملكاوي، (مرجع سابق)، الطبعة الأولى، ص 316.
  • سعيد إسماعيل علي، أصول التربية الإسلامية، (مرجع سابق)، ص 475.
  • نفس المرجع، 478.
  • نفس المرجع، 476.
  • فتحي حسن ملكاوي، (مرجع سابق)، الطبعة الأولى، ص 316.
  • خير الدين الزركلي، الأعلام، دار العلم للملايين، بيروت، ج1، ص 204.
  • محمد ناصر، الفكر التربوي العربي الإسلامي، وكالة المطبوعات، الكويت، 1977م، ص119.
  • فتحي حسن ملكاوي، (مرجع سابق)، الطبعة الأولى، ص 315.
  • فتحي حسن ملكاوي، (مرجع سابق)، الطبعة الأولى، ص 318.
  • نفس المرجع، ص318.

 

    1. القفطي، عيون الأنباء في طبقات الأطباء، دار الكتب العلمية، بيروت، 1998م، ص220 

 

  • فتحي حسن ملكاوي، (مرجع سابق)، الطبعة الأولى، ص 319.
  • ابن سينا، أبو علي الحسين بن عبد الله، كتاب السياسة، تقديم وضبط وتعليق: علي محمد إسبر، بدايات للطباعة والنشر، ط1، 2007م، ص34.
  • ابن سينا، كتاب السياسة،(مرجع سابق)، ص15.
  • نفس المرجع، ص32.
  • نفس المرجع، ص16.

 

 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.