منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

الأضحية بين قصد الشارع والـواقع

الأضحية بين قصد الشارع والـواقع/ جمال أيت بوجمعة

0

الأضحية بين قصد الشارع والـواقع

بقلم: جمال أيت بوجمعة

 

الأضحية؛ من شعائر الله تعالى التي شرعها لحكم وغايات جمة، وقد أمر بتعظيمها وإجلالها كسائر الشعائر والعبادات التي تعبّدنا بها فقال:” ومن يعظم شعائر الله فإنها من تقوى القلوب“.(الحج 32)،

ومن علامات تعظيم شعيرة الأضحية التي يكثر الحديث عنها كلما دنا زمنها؛ الالتزام بما يتعلق بها من آداب وأحكام وشروط وواجبات، كما هو الأمر بالنسبة لسائر العبادات والطاعات والقربات التي يتقرب بها المؤمن إلى ربه جل جلاله، وقد حدد الشارع الحكيم السّن الذي يجب أن يراعى في الأضحية ووقت ذبحها وطريقة توزيعها، وبين الشروط التي يجب أن تتوفر فيها، وذلك بأن تكون سالمة من العيوب التي ذكرها النبي – صلى الله عليه وسلم – في حديث مشهور ومتداول، وهو حديث البراء بن عازب – رضي الله عنه -، قال مبينا إياها:” سئل رسول الله – صلى الله عليه وسلم – ما ذا يتقى من الضحايا؟ فأشار بيده وقال:” أربعٌ، وكان البراء يشير بيده ويقول: يدي أقصر من يد رسول الله – صلى الله عليه وسلم – العرجاء البين ظلعها، والعوراء البين عورها، والمريضة البين مرضها، والعجفاء التي لا تنقي“. (أخرجه الإمام أحمد في مسنده). هذه الشروط العدمية التي يجب أن تكون الأضحية خالية منها هدفها التقرب إلى الله تعالى بذبيحة سالمة من الآفات والعيوب؛ ليحصل المسلم على ثوابها وفضلها وجزائها كاملا. وقد سأل الصحابة رضوان الله عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم عنها وعن الهدف منها ولماذا تذبح؟، أسئلة يرددها البعض اليوم استنكارا ورفضا وتشكيكا، وأما الصحابة – رضوان الله عليهم- فقد سألوا عنها سؤال رغبة في المعرفة وزيادة علم وفهم وتوضيح؛ ليزيد إيمانهم وتعلقهم بها، وليحرصوا على إتقانها بما ينسجم ويوافق مراد الله جل جلاله، فعن زيد بن أرقم – رضي الله عنه – قال:” قال أصحاب رسول الله – صلى الله عليه وسلم -: يا رسول الله، ما هذه الأضاحي؟ قال: سنة أبيكم إبراهيم – عليه السلام -، قالوا : فما لنا فيها يا رسول الله؟ قال: بكل شعرة حسنة. قالوا: فالصوف يا رسول الله؟ قال: بكل شعرة من الصوف حسنة“. (رواه الإمام أحمد وابن ماجه).

هكذا كان الصحابة ينظرون إلى شعائر الله تعالى، نظرة تعظيم وإجلال وامتثال، فقد فهموا أن الهدف منها تحقيق التقوى ونيل مرضاة الله واكتساب الأجر والحسنات، وإحياء سنة نبي الله إبراهيم عليه السلام، والاقتداء برسوله محمد صلى الله عليه وسلم.

إن الإشكالات التي يطرحها البعض اليوم حول الأضحية ليست حديثة جديدة، بل هي قديمة قدم هذه الشعيرة العظيمة، لكن طرحها اليوم هدفه تشكيك المسلمين في دينهم وعباداتهم، وزعزة إيمانهم وثقتهم بشرع الله لتزل أقدامهم بعد ثبوتها، ومن مظاهر التشكيك في هذه الشعيرة العظيمة التي تذكرنا بحدث الاستسلام المطلق لحكم الله؛ صرف القلوب عن أهدافها وثوابها وفضلها، وتوجيه الأنظار إلى ثمنها والهدف منها، وعقد مقارنة بينها وبين ثمن اللحوم في السوق لتنفير المؤمن منها، واعتبار ذلك مضيعة للمال وطريق الوقوع في أزمة مادية، هذا الإشكال الوهمي لم يكن مطروحا عند الصحابة ولا الأجداد، لأن قلوبهم كانت متصلة بشرع الله اتصالا كليا وشموليا، ومعظمة لشعائره، مستسلمة لأمره، وقد علم الله ما في قلوبهم من خير فوفقهم لطاعته وأداء شعائره كل على قدر استطاعته، لكن لما ساد الربح الفاحش والمنطق المادي وطغى جانبه عند البعض؛ وغلبت الحظوظ النفسية؛ واستُحكمت المظاهر الزائفة في العادات والعبادات؛ ظنوا أنها من أوجب الواجبات، وأن مكانة الشخص الاجتماعية تحدد بناء على ثمن الأضحية وشكلها وحجمها، وتنافسوا في ذلك تنافس الصالحين في الطاعات وفعل الخيرات، ففسدت التصورات والنيات في العبادات وشعائر الله، ومن نتائج هذه التصورات الخاطئة التنافس على الدنيا والتباهي بالمسكن والمأكولات والمشروبات والملبوسات، وسلوك طرق غير مشروعة للحصول عليها.

إن الله تعالى عندما شرع هذه العبادة شرعها للتقرب إليه وتحقيق التقوى والعبودية له، وكل عبادة دخلها رياء وسمعة أفسدها وأضر بها، فالواجب على المسلم الحرص على الإخلاص في الطاعات وفهم غاياتها وقصد الشارع منها، والقيام بما أوجبه الله ورسوله صلى الله عليه وسلم في هذه العبادة العظيمة، والشعيرة الخالدة، من ذلك على سبيل المثال ما يلي:

1 – الحرص على توزيعها بالطريقة المطلوبة شرعا لا عادة، وعدم إقحام العقل والفرضيات والتبريرات الواهية في ذلك، لأن العقل البشري محدودة مداركه، كما أن العبادات تستلزم الإتيان بكل ما يتعلق بها من أحكام مع سلامة القلب من الاعتراض، وعدم التخيير والانتقاء منها، ومما يؤكد ذلك قول الله جل جلاله:” وما كان لمومن ولا مومنة إذا قضى الله ورسوله أمرا ان تكون لهم الخيرة من امرهم“.(الأحزاب36). وقد بينت السيدة عائشة – رضي الله عنها – طريقة تقسيمها فيما روته عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال مبينا ذلك:” كلوا وتصدقوا وادخروا“.(رواه مسلم). وهذه الطريقة في التقسيم تبين أن الأضحية عبادة لا يقدر عليها جميع العباد، لأن الله جلت قدرته خلق الناس وجعل فيهم الغني والفقير لحكمة يعلمها، وشرع الإنفاق والزكاة لتلبية حاجيات الفئات المعوزة، والحد من الفوارق الاجتماعية وتقليلها. وحتى لا يحرم الفقير من التوسعة على عياله في اليوم العاشر من شهر ذي الحجة الحرام أمر الله بإعطائه من الأضحية ما يدخل به الفرح والسرور على نفسه ومن يعوله، ولم يكن هذا الأمر محل انتقاص وتقليل من مكانة الشخص وازدرائه عند السابقين، لكن لما اقحمت العادات والتقاليد والمظاهر الخداعة في العبادات والشعائر طالها ما طال التوراة والإنجيل.

2 – الحرص على الإخلاص وابتغاء وجه الله تعالى، لأن من شروط قبول العبادات والأعمال الصالحة الإخلاص، قال تعالى:” وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين“.(البينة 5). والتباهي بثمن الأضحية وبها ونشر ذلك علنا في وسائل التواصل الاجتماعي مما يفسد هذه العبادة ويوقع في الرياء وينقص من ثوابها وفضلها، ويفسد العلاقات ويسيء إلى الآخر المسلم، ويغيظ المؤمنين الفقراء والمساكين ويستفز مشاعرهم، وقد كان السلف الصالح أحرص الناس على الإخلاص في العبادات والطاعات، حتى إن بعضهم كان يخفي طاعته وعبادته عن أهله، وهذا كله يدخل في قوله صلى الله عليه وسلم:” ورجل تصدق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه“.(رواه البخاري).

3 – موافقة هذه الشعيرة لهدي رسول الله صلى الله عليه وسلم، وذلك بذكر اسم الله عليها ومراعاة زمن ذبحها، ويكون ذلك بعد الصلاة، لقوله صلى الله عليه وسلم:” إن أول ما نبدأ في يومنا هذا أن نصلي، ثم نرجع فننحر، فمن فعل ذلك فقد أصاب سنتنا، ومن نحر قبل الصلاة فإنما هو لحم قدمه لأهله، ليس من النسك في شيء“.(رواه البخاري)، بالإضافة إلى استحضار الآداب والأحكام وسائر الشروط التي يجب أن تتوفر فيها، ومنها ما سبق ذكره، مع الحرص على أن تكون من مال حلال طيب، لأن الله تعالى طيب لا يقبل إلا طيبا، بالإضافة إلى الاعتقاد الجازم بأنها من العبادات والأعمال الصالحة التي رتب الله عليها ثوابا وجزاء عظيما. إن المسلم حينما يستحضر هذه الأمور ينأى بنفسه عن أسباب الرياء وفساد العبادات والأعمال والقربات.

هذه الكلمات هدفها الدعوة إلى إعادة النظر في علاقتنا مع شعائر الله تعالى، لأنها لم تشرع لإفساد المجتمعات وإلحاق الضرر والحرج بالناس، وإقحام العادات والتقاليد والأهواء فيها، وتأزيم النفوس والنفور منها، لكن لما تحولت بعض الشعائر إلى مواسم ومناسبات لجني الأموال وتحقيق الأرباح الخيالية على حساب الضعفاء وأنّاتهم تغيرت نظرة بعض الناس إليها، وصار حديثهم عنها في هذه السنوات الأخيرة على النحو التالي: (العطلة أو الإجازة الصيفية وعيد الأضحى والدخول المدرسي شيء لا يطاق، لأنه استنزف جيوبنا وأرهقنا وأتعبنا، فما إن نخرج من مناسبة حتى تنسينا التي بعدها ألمها ومعاناتها وهمومها وغمومها، وقد نضطر إلى شراء الأضحية دينا إرضاء للأولاد وإلجام الجيران عن الكلام)، وهذا الأمر الذي فرض على المجتمع؛ سببه التنافس الزائد المذموم على الدنيا وزينتها، وعدم التمييز بين مراتب العبادات وأحكامها، وتحديد الأولويات في كل شيء. ولخطورة التنافس على الدنيا وجمع الأموال ولو على حساب الضعفاء والمحتاجين وآلامهم قال رسول الله – صلى الله عليه وسلم -:” أبشروا وأملوا ما يسركم، فوالله ما الفقر أخشى عليكم، ولكني أخشى أن تبسط الدنيا عليكم كما بسطت على من قبلكم فتنافسوها كما تنافسوها فتهلككم كما أهلكتهم“.(رواه الترمذي وقال حديث صحيح).

جعل الله هذه الأيام أيام خير وبركة على عباده، وتقبل منهم طاعتهم وأعمالهم الصالحة، والحمد لله رب العالمين.

 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.