منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

دور الأخلاق في تكريم المرأة وتدعيم الأسرة

دور الأخلاق في تكريم المرأة وتدعيم الأسرة/د. البشير قصري

0

دور الأخلاق في تكريم المرأة وتدعيم الأسرة

د. البشير قصري

باحث في الفكر الإسلامي المعاصر، ومقاصد السياسة الشريعة

   يولي الإسلام عناية كبيرة للطفل والمرأة، للأم وطفلها، فدور المرأة المسلمة الأبرز أن تكون محورا للسعادة، لذلك كان مكانها الصدارة أما وبنتا وأختا وزوجة، وكان العمل الجاد والصادق لانتشالها من براثن الظلم والإهمال إلى فضاء التكريم والاحترام أولى الأولويات، ولن يتحقق ذلك ما لم نمكن للأخلاق كقيم حاكمة ناظمة داعمة للعلاقات داخل الأسرة. وحول هذا الموضوع أدندن في هذه الإشارات الست.

1- الأخلاق: المبنى والمعنى

الأخلاق هي جمع خُلق وهو السجية، والخُلُق والخُلْق هو الدين والطبع والسجية والمروءة، وحقيقته أنه صورة الإنسان الباطنة، أي نفسها وأوصافها ومعانيها المختصة بها، بمنزلة الخَلْق لصورته الظاهرة وأوصافها ومعانيها، واصطلاحا هي: “عبارة عن هيئة للنفس راسخة تصدر عنها الأفعال بسهولة ويسر من غير حاجة إلى فكر ورويَّة، فإن كان الصادر عنها الأفعال الحسنة كانت الهيئة خُلقا حسنا، وإن كان الصادر منها الأفعال القبيحة سُمِّيت الهيئة التي هي مصدر ذلك خلُقا سيئا”، وبناء على هذا التعريف فالخلق أقوال وأفعال صادرة عن حال نفسي مقيم، بمعنى أنه ليس بخلق ما يأتي الأعمال على تكلف، أو على سبيل النذور، أو تظاهرا، أو اقتصار على العلم به ومعرفته، والإحاطة بحقيقته دون التحقق به وتثبيته.

2- الأخلاق دعامة مهمة للبناء الأسري

يقول الأستاذ عبد السلام ياسين: «الخلق عماد ثان في شخصية المومن والمؤمنة، وأحاديث المصطفى صلى الله عليه وسلم تدل على أنه قد يكون في الرجل والمرأة بعض تدين، لكن نقصه في ميزان الأخلاق والمروءة لا يؤهله لصلاحية الحفاظ على الفطرة إنجابا وتربية، ومن أجل تحقيق هذين الهدفين شُرع الزواج بالجامع بين الدين والخلق والجامعة بينهما»

     بل يذهب إلى أبعد من هذا فيقول:

«إننا لن نكون مسلمين إن أبطلنا في حساب الرجولة خلق الرجل والمرأة وعقلهما ومروءتهما، أي إنسانيتهما بما تعارفت عليه الإنسانية من شيم فاضلة، إن البكائين في المساجد العاكفين على التلاوة والذكر لن يكونوا هم أهل النور والربانية إن لم يكن سلوكهم العملي مع الناس، الأقرب فالأقرب، سلوكا أخلاقيا مروئيا، يزنون بميزان العقل واللياقة والكفاءة والجدوى وحسن الأداء كل أعمالهم». فالأسرة في حاجة إلى دعامات أخلاقية لإنشائها بالزواج، ولاستمرارها بالمعاشرة وحتى إن قُدر لها الانتهاء بالطلاق.

3- كرامة المرأة

الإنسان أشرف خلق الله، وهو خليفته في الأرض، وهو أمين خزائنه، وسخر الله له جميع ما في الأرض لينتفع به، وكرمه الله تكريما، وقد نوزع الإنسان في هذا التكريم والتشريف، وحسد عليه بداية من طرف إبليس، واستمرارا من طرف أعوانه وإخوانه وجنده، فإذا كان آدم عليه السلام امتُحن فأثبت أحقيته بالتشريف والتكريم، فإن الامتحان مستمر يفرض على الإنسان في كل وقت وحين أن يثبت سيادته وريادته، وبالتالي يستعيد كرامته المسلوبة.

وحقيقة الكرامة بتعبير الدكتور عبد الله دراز “إنها قبل كل شيء سياج من الصيانة والحصانة، هي ظل ظليل، ينشره قانون الإسلام على كل فرد من البشر: ذكرا أو أنثى، أبيض أو أسود، ضعيفا أو قويا، فقيرا أو غنيا، من أي ملة أو نحلة… ظل ظليل يصون به دمه أن يسفك، وعرضه أن ينتهك، وماله أن يغتصب، ومسكنه أن يقتحم، ونسبه أن يبدل، ووطنه أن يخرج منه أو يزاحم عليه، وضميره أن يتحكم فيه قسرا، وتعطل حريته خداعا ومكرا”.

إن المفاضلة بين الرجل والمرأة على أساس من الجنس قد ألغاها الإسلام وصرف النظر عنها، فحظ المرأة في الميراث مثلا ليس مقياس التكريم، ولا يعكس قيمة المرأة في الإسلام، وإنما هو أسلوب الإسلام في توزيع الأدوار والمهام الاجتماعية، كما يعكس أسلوبه في تحديد الوظيفة الاجتماعية للمال ابتغاء تحقيق العدالة في نهاية المطاف، لأن المساواة التي ينادي بها أنصار النسوية اليوم شعار استهلاكي وليس حقيقة ماثلة، ولا واقعا ملموسا.

4- المرأة والأسرة والحق الطبيعي

في تعريفه للحق الطبيعي يقول هوبز: «المعرفة تنتج عن الإحساس، وهكذا لا يكون الشر والخير في مجال الحق إلا مرادفين للذة والألم»، اللذة ولو كانت عابرة عنده مرغوبة مطلوبة ولو ترتب عليها من الآلام ما يهلك الحرث والنسل ويستمر على الدوام، والألم في نظرهم العقيم لا يقتحم، ولو خلفه عز الدهور، إنها لذة الذل، وهوى الهوان.

وبشيوع هذه الأفكار، وانتشارها -إذ لكل ساقطة لاقطة- برزت كارثة فصل الحقوق عن القيم والأخلاق، وإخضاع الحقوق للنزعة الفردية وتحكم الأهواء، حيث جاز لكل فرد فعل ما يريد للتمتع بحياته الخاصة، (قانون الغاب) أو الحرب المستمرة بين بني الإنسان (الإنسان ذئب للإنسان، ولو كان زوجا أو أخا أو أبا …).

 وكان من نتائج ذلك:

  • التفكك، والعنف، والزنى والاغتصاب، وهلم جرا.
  • النظر إلى الزواج باعتباره سجنا للمرأة وإخضاعها رسميا لنزوة الرجل، (التلهي الذكوري بالمرأة).
  • أمسى الفرد في مواجهة ضد المجتمع (التحرر من جميع القيود).
  • سعت المرأة إلى فرض وجودها باعتبارها فردا مستقلا، وليست لبنة في مؤسسة الأسرة، وهذا ما جعلها تتخذ موقفا معاديا للرجل، وخروجها –على خلفية الصراع والندية- للعمل لإثبات الذات، (عمل منتج !!!).
  • تناقص عدد الزيجات.
  • ارتفاع معدلات الطلاق.
  • أمهات دون أزواج.
  • أطفال دون أم أو أب، أو هما معا.
  • ارتفاع عدد الأشخاص الذين يعيشون على انفراد.
  • ارتفاع نسبة أسر المعاشرة، وتزايد نسبة انتحار المراهقين.

وهكذا لم تعد الأسرة من هذا المنظور القائم على اللذة والمتعة تلكم المؤسسة التي تجمع بين السكن والمودة والرحمة والإنجاب، بل أصبح بإمكان هذه الوظائف أن تستقل كل بذاتها، فقد تتزوج امرأة واحدة أربعة ذكران: واحد لثروته، وتعشق في نفس الوقت شابا لجماله، وتمارس الجنس مع ثالث لفحولته، ومع رابع للإنجاب.

5- من ظلم المرأة، وكيف أُهدرت كرامتها؟

ما ظُلمتِ المرأة عبر التاريخ إلا بفعل فاعل، وتلبيس إبليس، ومكر ماكر، وانخداع نساء، وبناء على نظرة تاريخية واقعية نجد أن كرامتها انتهكت:

      – عندما ساومت الحضارةُ الغربية على أمومتها.

      – وعندما تاجرت الرأسمالية بأنوثتها كدمية معبودة مكدودة.

      – ظلمها الرجل لما تخلف وانحط أخلاقيا.

      – ظلمها المجتمع لما كبلها بقيود التقاليد، وصوره هذه التقاليد بصورة الدين، فصارت المرأة كما مهملا.

      – ويبقى أبشع الظلم هو الذي يقع عليها حاليا، والذي يتم باسم الدفاع عنها، إذ تتسارع الخطا، وتتوالى المؤتمرات ظاهرها المناداة باحترام حقوق المرأة، وباطنها سلخ المرأة من أنوثتها ثم من إنسانيتها، وبعد هذا لا تسأل عن الوجود المأساوي لبني آدم على هذه البسيطة.

      – ظلمت نفسها عندما قبلت أن تحل محل دمية في عروض أزياء، ورضيت أن تكون من بين الأشياء.

6- الأخلاق الداعمة للأسرة

من مقاصد الاجتماع الأسري: الإحصان العفاف السكن التراحم حفظ النسل…

فالأسرة مصنع الإنسان الأول، والعمران هو التجلي للعمل الإنساني على الأرض، وارتقاء العمران مرتهن بصلاح الإنسان، وصلاح الإنسان مرتبط وجودا وعدما بأخلاق الأسرة وصلاحها. فما هي أبرز أخلاق الأسرة؟

الأسرة التراحميةالأسرة التعاقدية
-مصالح تضامنية تراحمية

– تكامل المصالح

– تعددية لتعزيز الهوية في الحياة العامة

– مصالح تنافسية تصارعية

– توازن المصالح

– تعددية متنافرة متصارعة انشطارية

التراحم

إن الاجتماع الأسري في الإسلام يتأسس على الرحم، ويقوم على التراحم، وكلما تخلق المرء بأخلاق الرحمة انعكس ذلك على آصرة الرحم فزادها صلابة وقوة، فالأسرة جماعة تراحمية بالأساس، قبل أن تكون تعاقدية، فينهما بون كبير كما هو مبين في الجدول الآتي:

الرفق

كلمة رفق الغنية بدلالاتها تتطلب ترجمتها استحضار كل مفاهيم القرآن والسنة، إضافة إلى المثال الحي الذي قدمه الأنبياء عليهم الصلاة والسلام في سيرتهم، وهذه بعض معانيه: الحلم واللين والسماحة، والطيبة والعطاء والعفو والشفقة، فما كان الرفق في شيء إلا زانه.

الإحسان

نقابل الإساءة بالعدالة، ونقابل الإحسان بالإحسان، فلأجل استقرار الأسرة وتماسكها لا بد من كف الأذى، وبذل الندى، وغض الطرف، والتغافل أحيانا، وهذه حقيقة الإحسان.

 ومن الإحسان الوصية الخالدة الناجعة المؤكدة بالتجربة، «تهادوا تحابوا»، وحاجة الأسرة إلى المودة والمحبة اليوم أشد، فالحب هو الجواب الصحيح عن مشكلة الوجود البشري، لأنه اهتمام بالآخر، عطاء لا أخذا، وطوعا لا كرها.

العدل

الأمر بالعدل مع العدو، وإنصاف الخصوم القريب والبعيد، يكفي دليلا على تأكده في حق الأقارب، وذوي الرحم، فأقبح الظلم ظلم ذوي القربى، يورث أضغانا وأحقادا لا تبلى ولا تنسى، تتجدد بالصبح والمسا. والعدل خلق شامل: العدل في المعاملة، العدل بين الزوجات، العدل بين الأبناء.

التعاون على فعل الخير

اشتراك وإشراك، ومشاركة في العمل من أجل إسعاد الآخرين، فمن شأن التحلي بهذا الخلق، واستحضار هذه القيمة أن يفضي إلى تقوية الذات، وتوحيد القصد، وترسيخ الانتماء للأسرة، لأن الأسرة الصالحة هي: رجل صالح وامرأة صالحة وعمل صالح، وهذه معادلة استمرار الحياة الزوجية سعيدة ما أمكن.

خلاصات:

  • احترام النفس البشرية قضية ثقافية، ومن الثقافات من تستبيح القتل لأبسط الأسباب، ومنها من قد تحترم الحياة إلى أبعد حد.
  • المسلمون يمتلكون في المجال الاجتماعي قيما أخلاقية متكاملة لا ينقصها إلا التطبيق الفعلي.
  • ضبط وتهذيب السلوك الاجتماعي ليس قضية قانونية، وإنما هي بالأساس تربوية.
  • الركيزة الأساسية للأسرة هي المرأة: زوجة ودود توفر السكن، وأم حنون تربي الأجيال.
  • التربية أنبل الوظائف.
  • المجتمع وحدة متجانسة ومتكاملة، وليس ذرات متناثرة يسعى كل فرد إلى إثبات ذاته وتحقيق مصلحته الخاصة.
  • صلاح المرأة في نفسها وتأثيرها في وسطها الاجتماعي هو صلاح الأمة.
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.