منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

 الطريق إلى القدس| سلسلة خطبة الجمعة

الشيخ عبد الله بنطاهر التناني

0

 الطريق إلى القدس| سلسلة خطبة الجمعة
بقلم:الشيخ عبد الله بنطاهر التناني

الحمد لله الذي أكرم الأنبياء بمعجزات لا ترد ولا تقصى، فأيد سيدنا موسى عليه السلام بمعجزة العصا، وأسرى بعبدهﷺ ليلا من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى، وأشهد أن لا إله إلا الله أسبغ علينا من النعم ما لا يعد ولا يحصى، وأشهد أن سيدنا محمدا عبده ورسوله الذي أمر بكل خير وأوصى، صلى الله وسلم عليه وعلى آله وأصحابه وأتباعه صلاة وسلاما عدد التراب والحصى.

أما بعد فيا أيها الإخوة المؤمنون؛ أوصيكم ونفسي أولا بتقوى الله وطاعته.

تمر بنا في هذه الأيام أحداث في بيت القدس وأكناف بيت القدس هي جرائم لم يسجل التاريخ مثلها بشاعة وشناعة، جرائم كبرى بكل ما تحمل الكلمة من معنى، يبكي لها ويتألم من أجلها كل من كان في قلبه مثقال ذرة من الإنسانية، ومن باب أولى من كان في قلبه مثقال ذرة من الإيمان.
ولكن المسلم يجب أن يكون على كل حال متفائلا والله تعالى يقول: {يَٰعِبَادِيَ ٱلَّذِينَ ‌أَسۡرَفُواْ عَلَىٰٓ أَنفُسِهِمۡ لَا تَقۡنَطُواْ مِن رَّحۡمَةِ ٱللَّهِ}؛ ولكن التفاؤل وحده لا يكفي؛ لا بد من العمل لتحقيق الأمل، فالإنسان يعيش بين الماضي والحاضر والمستقبل؛ فالحاضر هو عبارة عن قنطرة أحد طرفيها واقف على الماضي، والطرف الآخر على المستقبل؛ فلا بد أن نتعلم من الماضي ونعمل في الحاضر من أجل المستقبل؛ فإن أول فتح للقدس كان على يد عمر بن الخطاب رضي الله عنه فلا بد من الرجوع إليه من أجل التحسيس والتأسيس؛ تحسيس الناس بضرورة العمل الجاد المثمر، من أجل التأسيس للأمل الكبير؛ فتح القدس من جديد، وما ذلك على الله ببعيد.

أيها الإخوة المؤمنون؛ إن الطريق إلى القدس رسمه لنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه في ذلك اليوم التاريخي الذي تسلم فيه مفاتيحها من يد بطريق الروم، فصور لنا بكيفية عملية ملموسة، أسس الانتصار والفلاح، ودعائم الفوز والنجاح، إنه رضي الله عنه جاء إلى القدس على بهيمة يتناوب مع خادمه الركوب، وعليه ثوب مرقع أربع عشرة مرة، والمسافة بين المدينة المنورة عاصمة الإسلام والقدس طويلة (1207 كم)؛ فتارة يركب عمر، وتارة يركب الخادم ويمشي عمر، وتارة ينزلان ويمشيان معا رحمة بالبهيمة.

لقد كشف لنا رضي الله عنه بهذا التناوب عن أولى دعائم النجاح وأسس الانتصار، وهو العدل والمساواة، فنصيب عمر من الركوب هو نفس نصيب الخادم؛ فالعدل والمساواة هو أعظم أسباب الفتح والانتصار، وأن التمييز الطبقي مصدر هلاك الأمم والشعوب، والرسولﷺ يقول فيما روى الشيخان: «إنما هلك من كان قبلكم إذا سرق فيهم الشريف تركوه، وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد، وأيم الله لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها»، «لا فضل لعربي على عجمي ولا لأبيض على أسود إلا بالتقوى»، {إِنَّ ‌أَكۡرَمَكُمۡ عِندَ ٱللَّهِ أَتۡقَىٰكُمۡ}؛ وهو الذي أطلق رضي الله عنه في المساواة قولته المشهورة: «متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارا»؛ فحري بحاكم عدل هذا شأنه أن ينتصر ويحرر المقدسات.
أما حين يمشي عمر بن الخطاب مع خادمه لتستريح البهيمة، فذلكم هو أساس آخر من أسس الفوز والانتصار، عنصر الرأفة والرحمة حتى بالحيوانات؛ فكيف بالإنسان؟! فكيف بالإنسان المسلم؟! فكيف بالمسلم المرابط في أكناف بيت المقدس؟! والرسولﷺ يقول: «ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء» ويقولﷺ فيما روى البخاري ومسلم: «من لا يرحم لا يرحم»، وهل النصر إلا رحمة مهداة من الرحمن الرحيم؟ والرسولﷺ الذي أرسله الله رحمة للعالمين قال: «إن في كل ذي كبد رطبة أجرا».

أما ثوبه المرقع أربع عشرة مرة، فذلكم هو أساس آخر من أسس الفتح المبين، ألا وهو التواضع؛ والرسولﷺ يقول: «من تواضع لله رفعه» وأي شيء أرفع من النصر على الأعداء.
ولما وصل رضي الله عنه إلى الشام استقبله قائد جيش المسلمين أبو عبيدة بن الجراح الذي قال فيه الرسولﷺ: «أمين هذه الأمة»، فقال له الناس: يا أمير المؤمنين لو ركبت جوادا بدل بعيرك هذا، ولبست ثيابا بيضا عوض ثوبك المرقع هذا! فاستجاب لهم في البداية ونزل عند رغبتهم، فارتدى لباسا أبيض وركب برذونا هُيِّئَ له، “والبرذون: دابة خاصة لا تكون إلا من الخيل”(1) وتبعه المسلمون بعشرات الآلاف، إذا به يستشعر تميزا لا يرضى به، فيفاجئ الجميع حين نزل عن البرذون مسرعا فقال بكل صدق ووضوح وصراحة وشفافية: كاد أميركم أن يهلك بما دخل من العجب والكبر في قلبه يقصد نفسه، وإني سمعت رسول اللهﷺ يقول: «لا يدخل الجنة من في قلبه مثقال ذرة من الكبر»، ولقد كاد أن يهلكني ثوبكم الأبيض وبرذونكم الـمُهَمْلِج (أي: المتبختر في مشيته)، ثم نزع ما كان عليه من الثياب البيض، فعاد إلى لباسه المرقع.

وهنا يكشف لنا بشكل عملي عن أساس آخر من أسس الانتصار ألا وهو معاملة الناس بالصدق والوضوح والصراحة والشفافية؛ فالأمر الذي أحس به في قلبه نطق به لسانه فبادر بإصلاحه فورا؛ والله تعالى يقول: }يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وكونوا مع الصادقين{.
وحينما توجه إلى القدس وجد في طريقه واديا مليئا بالمياه، فنزل عن بعيره ونزع خفيه وخاض الوادي حافي القدمين، فأنكر عليه أبو عبيدة بن الجراح ذلك، وهنا يثور عمر رضي الله عنه تلك الثورة العمرية المعهودة ويضرب أبا عبيدة بيده في صدره ضربة خفيفة، ويقول له قولته المشهورة: «لو غيرك يقولها يا أبا ‌عبيدة لأوجعته ضربا؛ كنتم ‌أقل ‌الناس وأحقر الناس وأذل الناس فأعزكم الله بالإسلام؛ فمهما تطلبوا العزة بغيره أذلكم الله»(2).
وبهذا علمنا رضي الله عنه الجد والصرامة في الأخذ بالأمور، وأن العزة لا تكون إلا بالإسلام، إنها -والله- كلمة موجزة جامعة مانعة، لو وقف المسلمون اليوم عند حدودها والتزموا بها لأتاهم النصر بحذافره، وهذا غير بعيد لو اتحد المسلمون على توحيد الكلمة وكلمة التوحيد، لو نظَّموا شوارعهم ومشارعهم بشريعتهم، ولو صدقوا في مشاعرهم وشعائرهم، لو نصروا الله في معاملاتهم لنصرهم الله على أعدائهم، والله تعالى يقول: {يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ إِن ‌تَنصُرُواْ ‌ٱللَّهَ يَنصُرۡكُمۡ وَيُثَبِّتۡ أَقۡدَامَكُمۡ}.

ثم تقدم سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه فتسلم بشكل سلمي مفاتيح مدينة القدس من بطريقها ورئيسها آنذاك، ثم كتب عهدا بين المسيحين والمسلمين سمي في كتب التاريخ “العُهدة العمرية”، ثم بعد ذلك دعاه البطريرك لتفقد كنيسة القيامة، فلبّى دعوته، وأدركته الصلاة وهو فيها، فالتفت إلى البطريرك، وقال له: “أين أصلى؟”، فقال: “صلِّ مكانك”، فامتنع عمر من ذلك قائلا: “أخشى أن يأتي المسلمون من بعدي ويقولون هنا صلى عمر ويحولون الكنيسة مسجدا”، ثم ابتعد عنها رمية حجر، وفرش عباءته وصلى؛ وفعلا قد بُني مسجد “عمر” في البقعة نقسها التي صلى فيها.
أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم ولسائر المسلمين أجمعين والحمد لله رب العالمين.

الحمد لله رب العالمين…
أما بعد فيا أيها الإخوة المؤمنون؛ هكذا علمنا سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه أن النصر لا بد أن يبنى على أسس عملية وأن من الأسس العملية للانتصار ما يلي:
• العدل والمساواة؛ فلا فضل لأحد على أحد إلا بالتقوى.
• الرأفة والرحمة حتى بالحيوانات؛ فكيف بالإنسان؟!
• التواضع؛ ومن تواضع لله رفعه.
• معاملة الناس بالصدق والشفافية والصراحة والصدق يهدي إلى البر.
• أخذ الأمور بالجد والجدية والصرامة.
• العزة لا تكون إلا بالإسلام؛ والله تعالى يقول: {وَلِلَّهِ ‌ٱلۡعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِۦ وَلِلۡمُؤۡمِنِينَ وَلَٰكِنَّ ٱلۡمُنَٰفِقِينَ لَا يَعۡلَمُونَ}.
ألا فاتقوا الله عباد الله وأكثروا من الصلاة والسلام على رسول اللهﷺ…


(1) تاج العروس من جواهر القاموس للزبيدي: (34/246).
(2) ‌‌المستدرك على الصحيحين للحاكم: (3/88).

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.