منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

حقيقة اليهود بين الذلة والمسكنة | سلسلة خطبة الجمعة

الأستاذ بن سالم باهشام

0

حقيقة اليهود بين الذلة والمسكنة | سلسلة خطبة الجمعة

الأستاذ بن سالم باهشام

عضو الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين.

عباد الله، يقول تعالى في سورة البقرة في شأن اليهود: (وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ، ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ، وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ، ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ) [البقرة: 61]

عباد الله، استعمل الحق سبحانه وتعالى في هذه الآية في حق اليهود فعل ضرب، ف«ضُرب» معناها «أُلزم» بالبناء للمجهول في الذلة والمسكنة، فالضرب معناه الإلزام والقسر على الفعل. فعندما قال الحق سبحانه: (وضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذلة)، أي لزمتهم الذلة، ولا يستطيعون الانفكاك عنها أبدا، وكأن الذلة قبة ضربت عليهم، وقالب لهم. أي : ألزمهم الله الذلة ، والصَّغَار.

عباد الله، هذا هو المقصود بالضرب في الآية، أما الذلة التي ضربها الله على اليهود، فهذا خبرٌ مِن الله عن بني إسرائيل، أنه ضُربت عليهم الذلة، فتشمل الذلة القدرية التي قدَّرها الله عليهم، والذلة الشرعية، بمعنى أن الله تعالى أمرنا بإذلالهم، وذلك بضرب الجزية عليهم .قال الطبري رحمه الله في تفسيره : (و ” الذلة ” هي الصغار الذي أمر الله جل ثناؤه عبادَه المؤمنين أن لا يعطوهم أماناً على القرار على ما هم عليه من كفرهم به، وبرسوله، إلا أن يبذلوا الجزية عليهم لهم …وأخبرهم الله جل ثناؤه؛ أنه يبدلهم بالعز ذلاًّ، وبالنعمة بؤساً، وبالرضا عنهم غضباً، جزاء منه لهم على كفرهم بآياته، وقتلهم أنبياءه ورسله اعتداءً وظلماً منهم بغير حق، وعصيانهم له، وخلافاً عليه) . [تفسير الطبري  2/ 136-137]، فالله تعالى قدَّر على اليهود الإذلال بسبب كفرهم، وفسادهم، وحكم به عليهم شرعاً بما ضربه عليهم من الجزية .ومن هذا الباب قول تعالى في سورة الأعراف: ( وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكَ لَيَبْعَثَنَّ عَلَيْهِمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ يَسُومُهُمْ سُوءَ الْعَذَابِ، إِنَّ رَبَّكَ لَسَرِيعُ الْعِقَابِ، وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ ) [الأعراف/ 167] .

قال ابن كثير رحمه الله  في تفسيره: (قوله : “لَيَبْعَثَنَّ عَلَيْهِمْ” أي : على اليهود ، “إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ يَسُومُهُمْ سُوءَ الْعَذَابِ” أي : بسبب عصيانهم، ومخالفتهم أوامر الله، وشرعَه، واحتيالهم على المحارم . ويقال : إن موسى عليه السلام، ضرب عليهم الخراج سبع سنين، وقيل : ثلاث عشرة سنة، وكان أول من ضرب الخراج، ثم كانوا في قهر الملوك، من اليونانيين، والكشدانيين، والكلدانيين، ثم صاروا في  قهر النصارى، وإذلالهم إياهم؛ أخذهم منهم الجزية والخراج، ثم جاء الإسلام، ومحمد عليه أفضل الصلاة والسلام ، فكانوا تحت صغاره وذمته ، يؤدون الخراج ، والجزية). [تفسير ابن كثير  3 / 497].

عباد الله، هذا هو واقع اليهود على مرِّ الأزمان؛ وحتى في هذا العصر الحديث، لا تجد لهم محبة ولا قبولاً في الأرض، وما مذابح الأوربيين لهم في ” أوربا ” ببعيد، وهم يؤمنون بذلك، ولذلك لا يعيشون إلا منعزلين منطوين، أو أذلاء يستجدون النصرة من دول الكفر، والمنظمات الدولية، والذلة المضروبة عليهم كذلك في الشجاعة ، فليس عندهم شجاعة، فهم أذلة، لا يقدرون على مقابلة العدوّ، قال الله تعالى في سورة الحشر: ( لاَ يُقَاتِلُونَكُمْ جَمِيعاً إِلَّا فِي قُرىً مُحَصَّنَةٍ أَوْ مِنْ وَرَاءِ جُدُرٍ ) [الحشر/14].

عباد الله، هذه هي الذلة المضروبة على اليهود من قبل الحق سبحانه وتعالى، أما المسكنة التي ضربت عليهم ، فليست هي ” الفقر”، بل لعلهم أغنى الناس، وهم يملكون أغلب أبناك وبورصات العالم، لكن المسكنة التي ضربها الله عليهم هي إظهار فقرهم، وبُخلهم بما في أيديهم، وقد أخبرنا نبينا محمد صلى الله عليه وسلم فيما رواه البخاري ومسلم، أنه ( لَيْسَ الْغِنَى عَنْ كَثْرَةِ الْعَرَضِ، وَلَكِنَّ الْغِنَى غِنَى النَّفْسِ)،[رواه البخاري (6081)، ومسلم (1051)]، وأنَّى لليهود هذا الغنى ؟!، فليس عندهم غِنى، لا كرماً بالمال، ولا كرماً بالنفس؛ لأن الشجاعة كرم بالنفس، يجود الإنسان بنفسه لإعلاء كلمة الله، والكرم : جود بالمال، ثم – والعياذ بالله – ما حصل لهم هذا، ولا هذا، بل العكس (ضُرِبَت عَلَيْهِم الذِّلَّة)، فلا شجاعة عندهم، وضربت عليهم المسكنة فلا جود عندهم، ولهذا لا توجد أمَّة أفقر من اليهود، ولا أبخل، أي : لا أفقر قلباً منهم؛ وليس مالاً، وإلا فأموالهم كثيرة .

عباد الله، هذه هي الذلة – والعياذ بالله – المضروبة على اليهود، وكذلك المسْكنة، وحتى لا يقول القائل: اليهود اليوم لهم تأثير في العديد من الميادين، وهم متغطرسون؛ يفعلون ما يشاؤون دون رادع، فأين هي المذلة والمسكنة إذن ؟ ولماذا نرى اليهود الآن في هذه الحال؛ غير التي ذكرت الآية من سورة البقرة ؟

عباد الله، الحقيقة أن الآية خبرٌ من الله، وخبر الله حق وصدق، لا يمكن أن يتخلف، إلا أن ما تضمنته الآية الكريمة من ضرب الذلة والمسكنة على اليهود، جاء مفسراً موضحاً ومقيدا في آية أخرى في سورة آل عمران: (ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ أَيْنَ مَا ثُقِفُوا؛ إِلَّا بِحَبْلٍ مِنَ اللَّهِ وَحَبْلٍ مِنَ النَّاسِ، وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ، وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الْمَسْكَنَةُ، ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ، ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ) [آل عمران: 112]، فقد جاء التقييد في الذلة فقط ، لكن المسكنة غير مقيدة، ولذلك فإن اليهود مضروب عليهم المسكنة أينما كانوا، ولا يمكن أن يبذلوا قرشاً إلا وهم في أملٍ أن يحصلوا درهماً، فالمسكَنة مطلقة، والمذلة مقيدة، ( إِلاَّ بِحَبْلٍ مِنَ الله وَحَبْلٍ مِنَ النَّاسِ )، فإذا وصلهم الله تعالى، أو وصلهم الناس، فإن الذلة تزول عنهم، وتكون معهم شجاعة وقوة ، فالحبل من الله هو الإسلام ، – على ما ذكره كثير من أهل العلم -، فاليهود لا يعانون الذلة في حالة وجود عهدٍ من الله، أو عهد من أناس أولي بأس شديد، يقدمون لهم الحماية، فلما كانوا في عهد الله أولاً، وعهد رسوله صلى الله عليه وسلم، عندما دخل رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ المدينة وأعطاهم العهد، كانوا آمنين، ولما خانوا العهد، ولم يُوفوا به؛ ضُربت عليهم الذلة مرة أخرى، رغم الحصون التي بنوها واعتقدوا أنها مانعتهم من الله، فنزل بهم ما نزل، وهو ما حدث لبني قينقاع، ولبني النضير، ولبني قريظة، وليهود خبير.

عباد الله، إن اليهود قد كانوا في عهد مع الله. والكل يعرف أن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ أول ما نزل المدينة بنى المسجد، وعقد العهد بينه وبين اليهود؛ وعاشوا في اطمئنان إلى أن خانوا العهد، فضربت عليهم الذلة. وطُردوا من المدينة، لقد أخذوا العهد من الله من خلال من له الولاية على الناس، فالرسول صلى الله عليه وسلم في عهده كان قائما على أمر المسلمين، وكذلك يكون الأمر معهم في ظل القائمين على أمر الإسلام، ويحدث هذا عندما تسير الأمور بمنهج الإسلام، كما يحتمل أن الله قد يسلطهم على غيرهم؛ عقوبةً لهم ، فتكون لهم الغلبة، عقوبة على الآخرين؛ لعلهم يرجعون إلى الله عز وجل، لا سيما إذا كانوا من أمَّة محمد عليه الصلاة والسلام، نتيجة عصيانهم وابتعادهم عن منهج الله، فإن الله عز وجل يسلِّط عليهم مَن شاء مِن خلقه؛ لعلهم يرجعون، وهذا الأمر هو الواقع اليوم، لو نظرنا إلى الذين جعلوا أنفسهم في مسير هؤلاء اليهود – وهم العرب – ، لوجدنا أكثرهم ضالين – ولا سيما ذوي القيادات منهم – منحرفين عن الحق، بل ربما يصل أمر بعضهم إلى الكفر – والعياذ بالله – ، فلذلك يسلَّط عليهم هؤلاء، ويحصل ما يحصل .

عباد الله، هذا ما يتعلق بالحبل من الله، أما الحبل من الناس، فيكون بما يمده الناس غير اليهود لليهود، فاليهود الموجودون الآن في حبلٍ من الناس، يمدهم النصارى في كل مكان، لأن الله تعالى يقول في سورة المائدة: ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ، بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ ) [المائدة/51 ]، وهذا خبر، والخبر من الله لا يُخلف، فالنصارى تمد اليهود من جميع أقطار الدنيا، إما علناً وإما سرّاً ، وإما مباشراً أو غير مباشرٍ ، فذلك لأنهم لا يملكون أي عزة ذاتية، إنهم دائما في ذلة، إلا أن يبتغوا العزة من جانب عهد وحبل من الله، أو من جانب حماية من الناس. ونحن نراهم على هذا الحال في حياتنا المعاصرة، لا بد لهم من العيش في كنف أحد؛ لذلك؛ فعندما حاربنا «اليهود» في حرب أكتوبر، انتصرنا عليهم، إلى أن تدخلت أمريكا بثقلها العسكري، فلو كانت الحرب بيننا وبينهم فقط ؛لانتهت قوتهم؛ فهم بلا عزة ذاتية، وتكون لهم عزة لو كانوا في جانب حبل من الله، أو حبل من الناس. وقول الحق سبحانه وتعالى: (أَيْنَ مَا ثقفوا)، تفيد أنهم أذلاء أينما وُجدوا في أي مكان. وهذا هو واقع اليهود اليوم، فإن كثيراً من أمم الكفر تمدهم وتعينهم، وتقف إلى جانبهم، وهذا ما يرفع عنهم قدراً كبيراً من الذل، أو يرفع عنهم الذل الظاهر، وأما ذل القلوب والأفئدة، فهو مصاحب لهم لا يفارقهم، قال تعالى في سورة آل عمران: (لَنْ يَضُرُّوكُمْ إِلَّا أَذىً، وَإِنْ يُقَاتِلُوكُمْ يُوَلُّوكُمُ الْأَدْبَارَ ثُمَّ لا يُنْصَرُونَ) [آل عمران:111]، وقال تعالى في سورة الحشر: (تَحْسَبُهُمْ جَمِيعاً وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى، ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَعْقِلُونَ) [الحشر:14] ، وهذا الذل الذي في القلب، يظهر أثره على الوجوه، كما قال الحسن البصري رحمه الله في أهل المعصية: (إنهم وإن هملجت بهم البراذين، وطقطقت بهم البغال، فإن ذل المعصية في وجوهم، أبى إلا أن يذل من عصاه).

عباد الله، بعدها يقول الحق سبحانه عنهم: (وَبَآءُوا بِغَضَبٍ مِّنَ الله)، وهل رأى أحد منا غضبا أكبر من أن الحق قد قطّعهم في الأرض؟ ولنقرأ قول الله في سورة الأعراف: (وَقَطَّعْنَاهُمْ فِي الأرض أُمَماً) [الأعراف:168 ]، فالمكان الوحيد الذي آواهم في زمن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم؛ هو الجزيرة العربية في يثرب، واستقروا قليلا، وصارت لهم سيادة علمية؛ لأنهم أهل كتاب، وصارت لهم سيادة اقتصادية، وكذلك سيادة حربية، وهذا المكان الذي أواهم من الشتات في الأرض، هو المكان نفسه الذي تمردوا عليه.

عباد الله، لقد كان السبب  الأساسي الذي من أجله جاء اليهود المشتتون في الأرض إلى يثرب، هو ما كانوا يجدونه مكتوبا عندهم في التوراة؛ ففي التوراة جاء ما يفيد أن نبيا سيأتي في هذا المكان، ولا بد أن يتبعوه، كالميثاق الذي قال الله عنه في سورة آل عمران: (وَإِذْ أَخَذَ الله مِيثَاقَ النبيين لَمَآ آتَيْتُكُم مِّن كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ، ثُمَّ جَآءَكُمْ رَسُولٌ مُّصَدِّقٌ لِّمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنصُرُنَّهُ، قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ على ذلكم إِصْرِي * قالوا أَقْرَرْنَا، قَالَ فاشهدوا وَأَنَاْ مَعَكُمْ مِّنَ الشاهدين) [آل عمران:81]، وهذا الميثاق يقضي بأن يتولى الرسل بلاغ الأمم التي بُعِثوا إليها، وأن يُبلغ أهلُ الإيمان القادمين من بعدهم بأن هناك رسولا قادما من عند الله بالمنهج الكامل. – واليهود – لم يأتوا إلى يثرب إلا على أمل أن يتلقفوا النبي المترقب ليؤمنوا به، ومن بعد ذلك يكونون حربا على الكافرين بالله، لكن ما الذي حدث؟ إنه سبحانه يخبرنا بما حدث منهم في قوله من سورة البقرة: (فَلَمَّا جَآءَهُمْ مَّا عَرَفُواْ كَفَرُواْ بِهِ) [البقرة:89 ].

 عباد الله، لنا أن نلاحظ أن الذلة في الآية من سورة آل عمران لها استثناء، فهم ينالون العزة لو كانوا بجانب حبل من الله أو حبل من الناس، أما المسكنة، فلا استثناء فيها، لهذا قال تعالى: (وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ المسكنة)، مطلقا وفي كل الحالات، فالمسكنة أمر ذاتي في النفس، فهم مساكين بأمر من الله، أما الذلة فقد يأتي لهم من ينصرهم ويقف بجانبهم؛ والذلة أمر من خارج، أما المسكنة فهي في ذاتيتهم، وعندما تكون المسكنة ذاتية، فلا إنقاذ لهم منها؛ لأنه لا حبل من الله يأتيهم فينجيهم منها، ولا حبل من الناس يعصمهم من آثارها.

عباد الله، ماذا بعد أن باء اليهود بغضب من الله. وبعد أن ختم الله قلبهم بالمسكنة؟ وما السبب؟ إن الإجابة نجدها في تمام الآية من قول الحق سبحانه: (ذلك بِأَنَّهُمْ كَانُواْ يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ الله، وَيَقْتُلُونَ الأنبيآء بِغَيْرِ حَقٍّ)، لقد أرسل الله لليهود الكثير من الآيات العجيبة لعلهم يؤمنوا، ولكنهم كفروا بها، تلك الآيات التي جاءنا ذكر منها في قوله تعالى من سورة البقرة: (وَظَلَّلْنَا عَلَيْكُمُ الغمام وَأَنزَلْنَا عَلَيْكُمُ المن والسلوى كُلُواْ مِن طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ) [البقرة:57 ]، وكثير من الآيات أرسلها الحق لبني إسرائيل، منها ما جاء في قوله الحق من سورة البقرة: (وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطور خُذُواْ مَآ ءاتيناكم بِقُوَّةٍ واذكروا مَا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ) [البقرة:63 ]، وأمامهم ضرب موسى عليه السلام الحجر بالعصا فانفجرت منه عيون المياه ليشربوا، قال تعالى في سورة البقرة: (وَإِذِ استسقى موسى لِقَوْمِهِ فَقُلْنَا اضرب بِّعَصَاكَ الحجر؛ فانفجرت مِنْهُ اثنتا عَشْرَةَ عَيْناً، قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَّشْرَبَهُمْ) [البقرة: 60]، ولكنهم  رغم هذه الآيات الكثيرة؛ تولوا عن الإيمان، وادعوا الكذب على أنبيائهم وقتلوهم، وفي شأنهم قال الحق سبحانه وتعالى: (ذلك بِمَا عَصَوْاْ وَّكَانُواْ يَعْتَدُونَ)، فكَاَنَ العصيانُ سبباً لأن تُضرب عليهم الذلة، وأن يبوؤوا بغضب من الله، وأن تُضرب عليهم المسكنة، وكل ذلك ناشئ من فعلهم.

عباد الله، هناك فرق بين أن يبدأهم الله بفعل، وبين أن يعاقبهم الله على فعل، وحتى نفهم ذلك، فلنقرأ قوله تعالى من سورة النساء: (فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ، وَبِصَدِّهِمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ كَثِيرًا * وَأَخْذِهِمُ الرِّبَا وَقَدْ نُهُوا عَنْهُ، وَأَكْلِهِمْ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ، وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا) [النساء: 160، 161]، لقد حرم الله على اليهود الطيبات بظلم منهم لأنفسهم، لأن معنى تحريم الطيبات أن الله حرمهم متعة في طيب، وذلك لأنهم استحلوا متعة في غير طيب؛ ومرادات الشارع تأتي على عكس مرادات الخارجين عن أمر الشارع.

عباد الله، هؤلاء هم اليهود، وهذه هي حقيقتهم قد كشفها القرآن حتى لا نخدع، وحتى لا تلتبس علينا الأمور، قال ابن القيم رحمه الله في هداية الحيارى في أجوبة اليهود والنصارى في وصف اليهود: ( فالأمَّة الغضبية هم اليهود، أهل الكذب، والبهت، والغدر، والمكر، والحيل، قتلة الأنبياء، وأكلة السحت – وهو الربا، والرشوة – أخبث الأمم طوية، وأرداهم سجية، وأبعدهم من الرحمة، وأقربهم من النقمة، عادتهم البغضاء، وديدنهم العداوة والشحناء، بيت السِّحر، والكذب، والحيل، لا يرون لمن خالفهم في كفرهم وتكذيبهم الأنبياء حرمة، ولا يرقبون في مؤمن إلا ولا ذمة، ولا لمن وافقهم حق ولا شفقة، ولا لمَن شاركهم عندهم عدل ولا نَصَفَة، ولا لِمَن خالطهم طمأنينة ولا أمَنة، ولا لمن استعملهم عندهم نصيحة، بل أخبثهم : أعقلهم، وأحذقهم : أغشهم، وسليم الناصية – وحاشاه أن يوجد بينهم : ليس بيهودي على الحقيقة، أضيق الخلْق صدوراً، وأظلمهم بيوتاً، وأنتنهم أفنيةً، وأوحشهم سجيَّةً، تحيتهم : لعنة،  ولقاؤهم : طيرة، شعارهم : الغضب، ودثارهم : المقت) [هداية الحيارى في أجوبة اليهود والنصارى ( ص 8 ) ]. وهذه صفات اتفق عليها القاصي والداني، والقريب والبعيد، ولذلك لوحقوا، وطوردوا على مر الزمان؛ وحتى في هذا العصر، لا ينعمون بالأمان حتى في دولتهم المزعومة.

والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.