منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

قراءة في كتاب”إشكالية الاستبداد والفساد في الفكر والتاريخ السياسي الإسلامي”

امحمد ورزوق

2

في ظل متلازمة الاستبداد والفساد التي يعيشها العالم الإسلامي، من خلال استئثار رجال السلطة بمختلف القرارات على مستوى جميع المؤسسات السياسية والاجتماعية والتربوية، ونتيجة لضعف الوعي لدى جمهور الأمة، يأتي كتاب “إشكالية الاستبداد والفساد في الفكر والتاريخ السياسي الإسلامي” الذي ألفه د. عبد الحميد أحمد أبو سليمان، في سياق الثورات العربية التي عرفتها بعض البلدان العربية، يأتي هذا الكتاب لتوجيه وعي الأمة بأهمية إعادة تشكيل مؤسسات الدولة من خلال دعوته جمهور الأمة إلى إعادة قراءة مضامين القرآن الكريم للتنبه إلى مجموعة من المفاهيم وتنزيلها في سبيل بناء مؤسسات الدولة الإسلامية من قبيل الشورى، الدعوة، التعليم الديني.. وغيرها من المفاهيم التي يدعو إلى استثمارها في بناء مؤسسات اجتماعية مستقلة عن السلطة التنفيذية كمؤسسة الشورى، ومؤسسة التعليم، والتربية الدينية، ومؤسسة الإعلام ومؤسسة الأسرة…

فإذا أرادت الأمة كسر شوكة استبداد رجال السلطة والحكم وفساد مؤسسات الدولة، يرى الكاتب أن تعيد الأمة بناء الرؤية الكونية والحضارية للدولة الإسلامية في مؤسسات اجتماعية مختلفة مع سلامة منهج الفكر وتنقية الثقافة وإصلاح أساليب مؤسسة التعليم ومناهجها وجعل المسجد قلب مؤسسة الدعوة.

كما يكون لكل مؤسسة اختصاص واستقلال تام في وضع مناهجها، مع اختيار قاداتها من قبل جمهور الأمة، دون أي تحكم للسلطة التنفيذية، ولا أي رقابة من قبل أي سلطة إلا رقابة الأمة.

وقد فسر الكاتب أسباب النتائج السلبية التي آلت إليها الدولة الإسلامية من صراعات سياسية وتدهور حضاري بعد عهد النبوة والخلافة الراشدة إلى عدم الفصل بين الأدوار التي جمعت في شخص الرسول صلى الله عليه وسلم بعد الحقبة النبوية، وتركها مجتمعة في يد واحدة، والتمسك بترتيبات الصدر الأول للدولة الإسلامية، مما أدى إلى استحالة نظام الحكم إلى الحكم العاض ومتعلقاته.

وإذ يدعو الكاتب إلى الفصل بين سلطة الحكم ومؤسسات التربية والدعوة، فإن ذلك لا يعني دعوة إلى الفصل بين الدولة والدين حسب حد قول الكاتب، كما هو الشأن في منظور الدولة الديمقراطية العلمانية، بل لتحرير هذه المؤسسات من سيطرة رجال السلطة وإبعادها من الإساءة إلى الدين والقيم والقداسة، ومن ثمة تحويلها إلى يد جمهور الأمة، في إطار نظام الدولة الإسلامية المدنية باعتبار الدين والقيم الدينية الإسلامية محتوى وجوهر فكر الأمة ومنبع قراراتها واختياراتها والتزام الترتيبات الاجتماعية والإنسانية التوافقية بين مختلف فئات المجتمع.

المزيد من المشاركات
1 من 20

ورغم ما يوجد من تشابه بين النظام الشوري الإسلامي والنظام الديمقراطي العلماني من ضرورة التزام نظام الانتخابات للتعبير عن رغبات الشعوب، واعتبار جمهور الأمة مرجعية أساسية لاتخاذ القرارات، واعتماد نظام فصل السلط بحيث يكون الجهاز التنفيذي مستقلا عن الجهاز التشريعي ومنفصلا عن الجهاز القضائي، غير أن النظام الديمقراطي العلماني يتحول فيه مفهوم الحرية إلى إشكالية تعني الفوضى الاجتماعية والأخلاقية مما يؤدي إلى الانهيار القيمي والأخلاقي والاجتماعي وبالتالي تصبح الذاتية الحيوانية هي المرجعية.

أما النظام الشوري الإسلامي فيعتبر الرؤية الكونية الإسلامية بمبادئها وقيمها ومفاهيمها ومقاصدها حاجة ضرورية، ومن تم تكون خياراته وقراراته وفق هذه الرؤية بحيث لا يسمح لأحد بالخروج عنها.

وعليه فالكاتب يرى” أن السبيل إلى تحقيق مشروع الإصلاح السياسي الإسلامي يعتمد وينطلق ويبدأ من وعي رجال الإصلاح الإسلامي ومفكريه، ومن تصميمهم المستند إلى سلامة الرؤية وسلامة المقاصد والمفاهيم الهادفة إلى تمكين الأمة من بناء مجتمع السلام والعدل والإعمار والسلم، وذلك بتجلية الفلسفة الإسلامية وببناء المؤسسات التي تحقق الأداء، وتسد الباب أمام ممارسات الاستبداد والفساد”

وحتى لا يتم استغلال الشباب غير الناضجين نضجا تاما من ضعف الوعي وتسلط الشهوات وانحراف الإعلام يرى الكاتب أن يكون سن خمسة وعشرين سنة الحد الأدنى لممارسة حق التصويت السياسي، حتى يتم الحصول على المشاركة الناضجة الواعية في صنع القرار.

ولكي تعرف الأمة طريقها إلى الإصلاح وإعادة بناء الرؤية بمناهجها وفكرها ومتعلقاتها، وجب البدء من المفكرين والتربويين والدعاة والإعلاميين ومن الآباء والأمهات، مع تحميل القسط الأكبر من المسؤولية لمؤسسات الدعوة والحركات الإسلامية، فإن أحسنت خطاب جمهور الأمة كان ذلك أضمن لبناء النظام الإسلامي، وإلا فلن ينفع ما ستسود به أضايير الدساتير، كما يدعو إلى ترك مهمة العمل السياسي لأصحاب الرؤى السياسية من الشباب دون التدخل من قبل الحركات والمؤسسات الدعوية، بل يكون عملها هي الدعوة الخالصة إلى قيم الإسلام ومبادئه من غير الانحياز لأي حزب إسلامي دون آخر بحيث تكون الأحزاب الإسلامية متعددة بتعدد الرؤى وإن اتفقت في المبادئ والأهداف.

ومن تم فإن علاج متلازمة الاستبداد والفساد يكون بتحرير مؤسسات الدعوة والتعليم من أيدي رجال السلطة وفصلها عن العمل السياسي، مع تكثيف الجهود لإعداد كوادر الأمة وقياداتها ليكون الأداء منزها عن السلطوية والتجهيل وبعيدا عن الظلم والاستبداد.

2 تعليقات
  1. لحسن وحي يقول

    في الصميم أستاذي . . تأويل رائع

    1. امحمد ورزوق يقول

      شكرا لك أيها الرائع

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.