منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

هيبة الأبوة وهيبة الأمومة وأثرهما التربوي

حسن لبويز

1
اشترك في النشرة البريدية

بعد التطورات التي شهدها العالم العربي في العصر الحديث، وخروج المرأة للعمل، برز مفهوم “الهيبة” في الواجهة، وتحدث الناس عن انحدار ملحوظ في طبيعة وسلطة الأب وعن تحديات لقِيَمِه التي يؤمن بها (1)، وتحدثوا عن أثر ذلك الانحدار على العمل التربوي والتوازن الأسري.

“الهيبة” لغة هي الإجلال والتعظيم والوقار. يهاب التلميذ معلمه أي يعظمه ويوقره. (2) والرجل المَهوب والمُهاب العظيم القدر، الذي يجد الناس لكلامِهِ وقعٌ في القلوب.

والهيبة مكوِّن أساسي في صفة كل مربي ومربية. فهيبة المربي تجعل الناس يتلقون كلامه بمزيد من التعظيم والوقار. وهي كذلك مكون أساسي في صفة الأبوة وصفة الأمومة. وأهميتها تكمن في دورها الكبير في ضبط سلوك الأبناء والسلوك الأسري عامة. إنها قيمة أخلاقية تجمع بين البشاشة في التواصل والحكمة في التدبير والحزم في التسيير. وتشير إلى مستوى منسوب الاحترام والتقدير المرتبط بشخصية الأب وشخصية الأم وشخصية المربي والمربية بصفة عامة داخل مجتمع ما. وتعكس المسافة بينهم وبين والهوان في عيون الآخرين.

وهي صفة مكتسبة، تبنى على مجموعة من المبادئ الدينية السلوكية والأخلاقية والفكرية المقبولة اجتماعيا، يستوي فيها المقام والمقال، فتصبح طبيعية عبر الزمن. وقد تختلف هذه المبادئ من مجتمع لآخر. ولا يمكن تحقيقها عن طريق المال أو المناصب أو التحايل أو بغير ما أنزل الله عز وجل. والهيبة المزيفة تقوم على التصنع، وتستند على أسباب القوة، وتطلب الطاعة العمياء. ولا تفيد تربويا. «يشعر صاحبها بعُقمها وزيفها. ولكنه في كثير من الحالات يسعى لإيجاد مبررات يقنع بها نفسه بهدف التقليل من نزيفه الداخلي، في المراحل الأولى قبل شلل أو موت الضمير »(3).

يرتبط مفهوم “الهيبة” بالثقافة السائدة وبالأنماط السياسية والاقتصادية والاجتماعية. فالمجتمعات اللبرالية التي أعْلَتْ مكانة الفرد على مكانة الجماعة، وجعلت الإنسان يحرص على إبراز مكانته داخل الأسرة وداخل المجتمع، يرتبط عندها مفهوم الهيبة بقوة شخصية الفرد وفاعليته الإيجابية في المجتمع.

المزيد من المشاركات
1 من 7

أما المجتمعُ الإسلاميُّ فيرتبط هذا المفهوم بتكريم الله عز وجل للإنسان منذ خلقه. وقد بلغ هذا التكريم أن أمر الله عز وجل الملائكة لتسجد لسيدنا آدم، بل وغضب الله على إبليس بسبب رفضه السجودَ. وهذا ما أشار إليه الله عز وجل في قوله: « وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا. إِلَّا إِبْلِيسَ لَمْ يَكُنْ مِنَ السَّاجِدِين»(4). واستمر تكريم الله عز وجل لِبَنِي آدم في الدنيا بما حباهم به الله من علم وخيرات مختلفة. نجد ذلك بوضوح في قوله تعالى: « وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ، وَرَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ، وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَىٰ كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا »(5). تكريم وتفضيل وأرزاقٌ، مكانةٌ خصَّ بها الله عز وجل الإنسان المؤمن.

هذا التكريم وهذه المكانة هي مصدر هيبة المؤمن. تزداد هيبته بمقدار مهابته لربه، وبمقدار تقواه وخوفه من الله عز وجل وقربه منه. ولا تتحقق الهيبة في الإسلام بالعرق أو اللون أو المال، أو القوة أو الادعاء، إنما تتحقق بالتقوى لقوله عز وجل: « إن أكرمكم عند الله أتقاكم»(6). ويؤكد ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم في قوله: ( لا فضل لعربي على أعجمي ولا لأبيض على أسود إلا بالتقوى) (7). وفي ذلك يقول ابن القيم: « المهابة أثر من آثار امتلاء القلب بعظمة الله ومحبته وإجلاله. فإذا امتلأ القلب بذلك حل فيه النور، ونزلت عليه السكينة، وأُلْبِسَ رداء الهيبة، فاكتسى وجهه الحلاوة والمهابة، بأخذ بمجامع القلوب محبة ومهابة، فحنت إليه الأفئدة، وقرَّت به العيون، وأنست به القلوب. فكلامه نور، ومدخله نور، ومخرجه نور، وعمله نور، وإن سكت علاه الوقار، وإن تكلم أخذ بالقلوب والأسماع »(8). فخضوع المسلم لشرع الله عز وجل وتقديم المؤمن الخدمات لإخوانه وللمجتمع تقربا لله هو أساس العزة والمهابة. يقول الفضيل بن عياض رحمه الله: “إنما يهابك الخلق على قدر هيبتك لله عز وجل”(9). والتقوى لا يتم بالعبادة وحدها وإنما أيضا بإقامة العدل والعمل بإحسان.

والهيبة في المؤسسة الأسرية محكومة من المنظور الإسلامي بقوله تعالى: « الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ. فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ حَافِظَاتٌ لِلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ اللَّهُ»(10 ). فالله عز وجل وزع القدرات الخَلْقِيَّة والمؤهلات النفسية بين الرجل والمرأة، وأثبت ذلك في قوله عز وجل: « وليس الذكر كالأنثى»(11). ولذلك أعطى صفة القوامة للرجل، وجعل أداء متطلباتها بالإحسان مصدر هيبته، وأعطى صفة الحافظية للمرأة، وجعل أداء متطلباتها بالإحسان مصدر هيبتها كذلك. وجعل التكامل بالعدل بينهما، بما يتضمنه من صفات الرفق والتسابق بالخيرات في أداء المهام الأسرية، مصدرا للهيبة الأسرية. «المومنات والمومنون أكفاء في شرع الله المنزل بميزان العدل. لا ترجح كفة الرجل ولا كفة المرأة إلا بالتقوى.» (12). والدرجة التي منحها الله للرجال على النساء « هي ترجيح لكفة الرجال في ظاهر الأمر. وهي إنما هي تثقيل لميزان الرجل بمثاقيل المسؤولية، وتخفيف عن أعباء المرأة….» (13).

أداء متطلبات القوامة ومتطلبات الحافظية تحددان هيبة الرجل وهيبة المرأة، هيبة الأبوة وهيبة الأمومة. والمجتمع، في زمن ضعف شرع الله عز وجل في نفوس العباد، أولى الأهمية لهيبة الرجل ودورها التربوي وأغفل الحديث عن هيبة المرأة، اجترارا لثقافةٍ شَيَّأتِ المرأة وهضمت حقوقها وغيبت دورها المجتمعي. فلا غرابة إن شَنَّتْ حركة التحرر النسائي حملة جريئة على الرجل الذي هضم حقوق المرأة وعلى هيبته التي تُهِلُّه. ولا غرابة، في ظل الوعي الحقوقي، أن تتحدث عن الرجل الشريك بكل ما تعني الكلمة من الندية، مغيبة سنن الله عز وجل في خلقه.

فما هي التحولات التي ضيعت هيبة المرأة ووَضَعَتْ هيبة الرجل، على وجه الخصوص، على المحك؟ وكيف تحولت هيبة الرفق والتسابق بالإحسان إلى هيبة القوة والطغيان والندية، أصبح فيها القوي صاحب القرار لا يراجعه أحد؟

الهيبة والسياق التاريخي:

إن التحولات التاريخية في البلدان المسلمة وما ترتب عنها على المستويات السياسية والاقتصادية والاجتماعية غيّرت طبيعة العلاقات المجتمعية. فالحاكم في البنية الفكرية الإسلامية مطالب بالعدل بين المسلمين. ولكن بعد الانكسار التاريخي للخلافة الإسلامية تغيرت نظرة الحكام لأنفسهم شيئا فيشيئا، وتغيرت نظرتهم للمجتمع، وتغيرت معها العلاقة بين الحاكم والمحكوم. وأثر ذلك على منظومة القيم وأنماط تمثلها. فأفرزت، في العهود الأخيرة أنماطا جديدة من العلاقات، قد لا تتقيد بالكتاب ولا السنة النبوية. فكان العدل ما يراه اصحاب القرار، والإحسان مِنَّةً منهم لمن يخدم مصالحهم. ولا غرابة أن نجد مفهوم “هيبة الدولة” مرتبط باحترام مصالح أصحاب القرار. ومن تمة فإن الخطاب السياسي يستحضر هذا المفهوم المركب لنَعْتِ خصوم الدولة بالجرأة الزائدة على القانون. وهكذا تحول مفهوم الهيبة ليصبح رمز القوة والهيمنة.

مقالات أخرى للكاتب

لقد تأثر الناس، عن وعي وبغير وعي، بتلك العلاقة. وأصبح تَمَثلهُم للهيبة مرادف لمعاني القوة والسلطة. تناقله الآباء وورثه الأبناء عبر الأجيال، فأصبح مكونا ثابتا في مخزون اللاوعي الجمعي. ولكن شتان، على مستوى النتائج، بين هيبة الرفق والرحمة وهيبة القسوة والعنف والقهر والقمع. شتان بين هيبة الحزم مع البشاشة وهيبة الطاعة العمياء وتطويع الأضعف. هذه تستعين بالحوار وحسن الإصغاء لتبني شخصية متماسكة تحترم قوانين البيت، والأخرى تستعين بالتقريع والتوبيخ لتبني شخصية الخضوع والخنوع لكل قوي مستبد، داخل البيت أو خارجه.

برز سؤال “الهيبة” بقوة، في المجتمع المسلم، بسبب إحساس الإنسان بالخدش في كرامته والمساس بمشاعره وبالهوان بعد أن كرمه الله عز وجل وأعزه. وتأثرت العلاقات الأسرية وتربية الأبناء بذلك. فكانت المرأة الضحية الأكثر تضررا من تصورات ابتعدت عن شرع الله، وغيبت هيبة الأمومة بشكل واضح.

إن عزة المؤمن وهيبته تكمنان على الدوام في تقوية علاقته بربه وبإخوانه المؤمنين. وهذه العلاقة تضمن الاحساس بالكرامة والطمأنينة بين الناس. لا تُخدش سمعة المؤمن ومكانته بالعلاقات الدنيوية ما دام متمسكا بشرع الله عز وجل. يحبه الله عز وجل « فَيُحِبُّهُ أَهْلُ السَّمَاءِ،… ثُمَّ يُوضَعُ لَهُ الْقَبُولُ فِي الْأَرْضِ » (14). حبٌّ وقبولٌ بهما « يَغْبِطهُمْ بِمَكَانَتِهِم النَّبِيونَ والصِّدِّيقُونَ وَالشُّهَدَاء»(15). ومن استهان بشرع الله وتمادى في المعاصي والفواحش أهانه الله عز وجل، وسلط الله عليه من يستخف به ويُذِله صغيرا. تسقط هيبة الله في عين الإنسان، فيُبْغِضُه الله عز وجل، وتوضع له البغضاء في الأرض (16)، ثم تسقط هيبته في عيون من حوله من الناس.

( 2 )

الهيبة الأسرية والدور التربوي:

 “الهيبة”، باعتبارها احترام وتقدير وإجلال ووقار، صفة ضرورية في أي عملية تربوية. وهي أساسية في صفة الأبوة وصفة والأمومة، يقدفها الله عز وجل في قلوب الأبناء، فتجعلهم ينصتون بقلوبهم وعقولهم فينضبطون، ويستوعبون ما يقال ويرجحون، فيتشربون المعاني التربوية ويمتثلون ويقتدون. وحضور الدور التربوي الدائم للأبوين وتدخلهما بالرفق والبشاشة وبالحزم في اللحظة اللازمة، وقدرتهما على الحفاظ على جو الحوار والاستقرار، له أثر كبير في الحفاظ على هيبة الأبوة وهيبة الأمومة. والغياب المستمر لهما عن البيت والقسوة وبال عليها.

هيبة الأبوة وهيبة الأمومة منبعها، بَعْدَ شرع الله، نسيمُ المحبة المتبادلة والتعاون والتقسيم العادل والواضح للمسؤوليات والمهام المشتركة. فبقدر ما تُبنى العلاقة الزوجية على الإيمان بالله ورسله، ويُترجم الإيمان إلى سلوك يومي بين الزوجين والأبناء، يطبعه التشاور والإحسان في أداء المهام وتنفيذ المسؤوليات ويطبعه التسابق بالخيرات، بقدر ما يحس كل فرد من أفراد العائلة بالكرامة التي هي أساس استقرار العلاقة الزوجية وأساس الإحساس بالهيبة الوالدية. وبذلك المقدار تكتسي هيبة الأسرة رمزيتها في الوسط الاجتماعي.

تخدم الهيبة الوالدية دورا تربويا مفيدا وتضمن الوالدة الاستقرار الأسري حين تكون طبيعية. فالعلاقة بين الوالدين تلعب دورا كبيرا في الحفاظ عليها بعد حفظ شرع الله عز وجل. تكبر هيبة الأبوة في عيون الأبناء أو تتقلص تبعا لتقدير الأمِّ للأب، وتبعا للصورة التي تنقلها عمدا أو بغير وعي للأبناء عن أبيهم، بما تخبرهم عنه من أوصاف وإنجازات. وتكبر هيبة الأم أو تتقلص تبعا للتقدير الذي يلمسه الأبناء من أبيهم لأمهم، في كلامه وتصرفاته معها. فالاحترام المتبادل بين الزوجين والنظرة الايجابية لسلوك الآخر، وعدم تبخيس منجزات بعضهما البعض مهما كانت، يبني صورة إيجابية لكل منهما في ذهن الأبناء. وهذه الصورة لها دور كبير في تشكيل الهيبة المطلوبة تربويا.

تضمن الهيبة الوالدية للأبناء الإحساس بالاحتضان بما يزخر به من دفء نفسي وطمأنينة وأمن وأمان وحماية وعناية. فهي أداة انضباط سلوكي وسط التيارات والأمواج المذهبية التي تخترق المجتمع. و« يكون الوالدين مؤثرين جدا إذا حافظا على نغمة دافئة ومتفائلة »(17).

وفي ظل وجود الهيبة فقط يمكن الحديث عن اقتداء الأبناء بأبويهما في السلوك المستقيم، وتَشَرُّبُهما للقيم الإسلامية السوية، واتباعهما الأوامر والنواهي الإسلامية التي تصلهما عبر الوالدين. ويمكن الحديث عن بناء أجيال قادرة على إعادة المجد والسؤدد للأمة المسلمة. وفي غيابها تصنع وازعاج.

أسباب غياب الهيبة والأثر التربوي لذلك:

القضايا التي تَحُدُّ من هيبة الأبوية وهيبة الأمومة مرجعها الأساسي هو البُعد عن شرع الله، تترتب عليه تبعات علائقية سلبية، نذكر منها:

1 – إخلال الرجل بالقوامة إما بالقيام بسلوك مخالف لشرع الله عز وجل، أو بالتفريط في مسؤوليته في أهله، بعدم الإنفاق على عياله، أو بالسقوط في الاقتراض، أو بعدم القدرة على حماية الأسرة. فالبعد عن شرع الله هو خروجٌ من عباءة التكريم الإلاهي للإنسان. أما عدم الانفاق على العيال مع وجود الوفرة فهو بخل منهي عنه في الإسلام، يخلق مشاكل أسرية تذهب بالهيبة. والاستدانة والاقتراض من الغير يكشف الضعف التدبيري للأب والأم ويكشف الضعف الأسري. وحين تعجز الأسرة عن سداد الديون تقع تحت الضغوط، فتنهار الهيبة بالتطاول على حرمة المؤسسة الزوجية.

2 – إخلال المرأة بالحافظية، إما بعدم حفظ شرع الله عز وجل، أو بعدم حفظ مصلحة الأبناء، أو ممتلكات البيت العائلي، أو الأسرار العائلية. تسود الفوضى واللامبالاة داخل البيت، وتفقد الأم التقدير والاحترام اللازم.

3 – إخلال من الجانبين في ظل التوافق الزوجي قد يحدث حين يتهور الزوج ولا يحسم الأمور في تسيير الأسرة، ويقابله تهور الزوجة وسوء تنظيمها لبيتها. تهور من الجانبين، في ظل الرغبة الشديدة في المحافظة على جمع شمل الأسرة. ينتج عن هذا الوضع تباين المواقف واختلاف المعايير وصعوبة تفسير سلوك الطرف الآخر. فيكون السلوك مقبولا لدى أحد الزوجين ليعزز موقفا معينا، ويكون مرفوضا لديه ليعزز موقفا مخالفا. ينتهي الخلل بتهور الأسرة وفقدان مكانتها في المجتمع.

4 – سوء توزيع مهام الحياة المشتركة بين الزوجين، وذلك بتحمل أحد الزوجين الكثير من الأعباء مقابل اللامبالاة الزوج الآخر. غياب العدل في تحمل المسؤولية يؤدي إلى استبطان النوايا السلبية وغياب البشاشة. فلا تنجز المهام بسبب الاتكالية أو التملص من الخدمة، وفي ظل التملص من المسؤولية يكثر اللمز والغمز فيقِلّ الحياء والتقدير المتبادل، وتتراكم الثغرات فتضيع العيبة الوالدية والهيبة الأسرية.

5 – استقواء الرجل على زوجةٍ لا حيلة لها، بسبب سوء فهْمِ مقاصد شرع الله عز وجل. ينتج عنه إلغاء رأي المرأة، ووضعها تحت أهواء الرجل ونزواته. تظلم إذاً وتستعبد. فتضيع مكانة وهيبة الأمومة في عيون أبنائها، ويضيع الأثر التربوي المطلوب. يخلق هذا السلوك جوا نفسيا خانقا للحريات داخل البيت، فلا يجرؤ أحد على إبداء رأيه، فتضيع هيبة الظالم والمظلوم.

6 – استقواء المرأة ماديا على زوجٍ متهور، فتصبح هي الآمرة الناهية. تحاسب زوجها وتتجرأ عليه. وقد تصبح مصدرا للمشاكل بين الزوج وأهله. تنقلب المعايير فتستأثر المرأة بالقوامة وتضيع الحافظية. تفرض سلطتها على من في البيت، فتصبح مواقف الزوج هشة ضعيفة لا تقدم ولا تؤخر. يسكت رغبا ورهبا ويخضع لسلطة الزوجة، وقد يستدرج في تنازلات حتى يفقد هيبة الأبوة، ويفقد الدور التربوي المطلوب منه.

حدوث الصراع بين الوالدين يفجر الاستعلاء والاستقواء على الآخر من الجانبين. في ظل هذا الوضع يتمسك كل من الزوجين بحريته واستقلاليته، ويكون غامضا في تصرفاته. تُبْخَسُ الجهود، ويوظف الأبناء في الصراع، ويقع التطاول على اختصاصات، وتنتهك الحقوق. تنهار قوانين الحياة الزوجية، ويسود سلوك سلبي مثل الشك وفقدان الثقة وغياب العدل والاحتقار. يصبح التستر على الأمور بين الزوجين سلوكا طبيعيا، فينقسم أهل البيت إلى حِلفَيْن: حلف الأب والأبناء، وحلف الأم والبنات. في هذا الوضع تكثر الأسرار، فلا تصل أسرار الأم وبناتها إلى الأب، ولا تصل أسرار الأب وأبنائه إلى الأم. تتكسر الهيبة وتذهب أدراج الرياح فتعوج تربية الأبناء.

7 – التعامل بمعايير مختلفة مع الأبناء (الفرزيات )، بحيث يقوم أحد الأبوين بالتفضيل العاطفي لأحد الأبناء على الآخرين لسبب أو لآخر. وهذا الفعل يخلق الغيرة لدى الأبناء، فيشعر أحدهم أنه غير محبوب. وقد تكون النتيجة حرمان من يستحق ومكافأة من لم يقدم أي مجهود، فيشك الأبناء في عدالة أحد آبائه، ويجدون في أنفسهم ما ينتقص من الهيبة الوالدية.

في هذه الحالات كلها تتقلص هيبة الأبوة وهيبة الأمومة، ويتقلص معها التقدير والاحترام والإجلال الواجب لهما. يتقلص الدور التربوي للأب فلا يملك قدرة التأثير والتوجيه التربوي، ويفقد القدرة على اتخاذ القرار في البيت. تنحط مكانة الزوجة، فتسقط هيبتها في عيون أبنائها ولا تستطيع أن تقدم ولا أن تؤخر. وإذا انهارت هيبة الزوجة يتقلص دورها على مستوى اتخاذ القرار وتتخبط الأسرة بأكملها، ويتقلص دورها التربوي أو يفقد جدواه. فإذا انهارت هيبة الأمومة تنهار معها هيبة الأبوة، وإذا انهارت هيبة الأبوة تنهار معها هيبة الأمومة.

 

الأثر التربوي السلبي:

إن الآباء والأمهات يتمتعون بهيبة أبنائهم لهم حين يحسون بالأمن الأسري والاحتضان الدافئ. فهُم بحاجة إلى من يمنحهم الحب والتقدير والاحترام والدعم النفسي، لأن ذلك يعينهم على التوازن الداخلي، وقد يثورون حين يفتقدونه. إن غياب الاحترام المتبادل بين الوالدين يخلق صورة سلبية لدى الأبناء عن والديهم فتكون تلك الصورة، بشكل غير واع، مصدرا لتغذية السلوك المزعج. تنهار الهيبة الوالدية في عيونهم الأبناء ويفقدون الإحساس بالأمن، فيتمردون ويدوسون هيبة المربي أبا كان أو أما. وفي غيابها يغيب الاحتضان الدافئ. فلا تشرب ولا اتباع ولا اقتداء يُذكر.

وقد يتم الحفاظ على الهيبة الوالدية في ظل الصراع الزوجي بإصرار الطرفين على استمرار الحياة الزوجية بينهما، ولكنها تبقى هيبة القسوة والعنف والقهر، وهي تربويا لا تثمر استقامة ولا معرفة الله عز وجل، وتربي الأطفال على الخضوع والخنوع والاستسلام.

ولإرساء أسرة متماسكة يتمتع فيها الأبناء بالأمن والكرامة وحرية التعبير، فإن الزوج والزوجة مدعوان كلاهما للحفاظ على الاستقرار الأسري، ودعم هيبة بعضهما البعض. تُصان القدوة وتُصان المرتكزات الأخلاقية للميثاق الأسري

الهوامش:

1 – أحمد عبد الحكيم بن بعطوش، التخطيط العائلي وتأثيره على القيم الاجتماعية. دراسة ميداني. أطروحة لنيل الدكتورة. 2014 – ص 144 ).

2 – المعجم العربي الأساسي. جماعة من كبار اللغويين العرب. منشورات المنظمة العربية للثقافة والعلوم. ص: 1280.

3 – عبد الحميد برتو، الهيبة قوة عملية أيضا. الموقع الإلكتروني: الحوار المتمدن.23.09.2019.

4 – سورة الأعراف. الآية: 10.

5 – سورة الإسراء. الآية: 70.

6 – سورة الحجرات. الآية: 13.

7 – رواه الإمام أحمد عن أبي نظرة.

8 – شمس الدين ابن القيم، الروح. دار الكتب العلمية، لبنان. ص 316.

9- أبو نعيم الأصبهاني، حلية الأولياء وطبقات الأصفياء. المجلد الثامن، دار الفكر للطباعة والنشر. القاهرة، ص: 110.

10 – النساء. الآية: 34

11 – سورة آل عمران. الآية: 36.

12 – الأستاذ عبد السلام ياسين، تنوير المومنات. الجزء الأول، مطبعة الأفق. الدار البيضاء، ط 1. ص: 203.

13 – نفس المصدر. ص: 203.

14 – رواه مسلم عن أبي هريرة.

15 – رواه الإمام أحمد وابن حبان والحاكم والقضاعي عن عبادة بن الصامت رضي الله عنه.

16 – رواه مسلم عن أبي هريرة.

17 – مصطفى أبو سعد، التقدير الذاتي للطفل. الطبعة الأولى، الكويت. ص:127.

اشترك في النشرة البريدية
سجل هنا للحصول على آخر الأخبار والتحديثات التي ستصل مباشرة إلى صندوق الوارد الخاص بك.
يمكنك إلغاء الإشتراك في أي وقت
تعليق 1
  1. Lahcen iggouch يقول

    سلمت أناملك 💞 مقال ممتع مزيدا من العطاء والتألق👍

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.