منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

فلـــــسفة الوجــــــع

فلـــــسفة الوجــــــع/سلوى الغنامي

0

فلـــــسفة الوجــــــع

بقلم: سلوى الغنامي

ولعل الخير في طيات ألمك فلا تألم، ولعل النور قابع في عمق مصيبتك فلا تياس …

سمعنا كثيرا هذه العبارات في لحظات حزننا، وفي اوقات فشلنا، سمعناها بآذاننا لكنها مع كامل الأسف؛ لم تكن تبلغ مقصدها؛ ويبقى الحزن يحجب عن أفئذتنا المكلومة مدلولها الذهبي … وكم ظننا أن قائلها يجهل الجرح ويخطِئ في وضع المرهم الملائم لنا، لكونه لم يُصٓبْ بما أصابنا، إذ تجتاحنا حينها مشاعر مختلطة ممزوجة بالأسى؛ وكأنها تهمس في أذننا قائلة: “

إن الحياة لم تستهدف بأسلحتها القاصفة سواك، فبعثرت أوراقك وكسرتْ مجاذيفك، بل وحطمتْ قاربك الجميل الذي رسمتٓ داخله رحلة ممتعة شراعها الأمل والسمو “ذاك الدمار الشامل الذي هز كياننا ؛ وأوقعنا أرضاً في معركة الحياة …ذاك الشعور الملطّخ بدموع الحزن والكدر….كيف له ان يُشفى بعبارة تقال له بكل برودة ..؟!! هكذا تُحٓدثنا أنفسنا في زحمة الوجع …لكن هل نحن محقين في الظن بأن من عزّونا في أمانينا بهذه العبارات يٓحيوْن دون معاناة تُذكر،وهل لوحة حياتهم رُسِمتْ بريشة الفرح المطلق وألوان السعادة الدئمة ؟؟!!

أليست الحياة تذيقنا جميعاً من نفس الكأس المرّ؛ حتى وإن اختلفت الظروف والأوقات وطبيعة المصٓابِ؟؟!! أليست الدنيا دار ابتلاء وكبد ومشقة؛ نتجرع مرارتها جميعاً ؛ولا راحة لنا فيها!!؟؟

في حقيقة الأمر عندما أتأمل وجوه الناس؛ أجد أن جُلّ العيون تختزن أوجاعاً، لو تفرغت لها لما سٓعِدتْ؛ ولا ارتسمتْ على محيّاها ابتسامة أٓبد الدهر ،ففي كل وجه حكاية معاناة تطول فصولها ،وتتشابك خيوط الوجع الكامن في جوفها ،ولو أنصتٓت أذنٓاك الى ما تٓلُـوكُــه ألسنتهم بمرارة، لعلِمْت أن لهم من الهموم ما يُشيب الرأس…

ففي تجاعيد المسنين وتنهيدتهم كهف من الاحزان مستتر ،وفي نظرة المحتاجين والمحرومين بئر من الاحداث العكرة، واللحظات الكدرة ،إنه ظلام دامس تناسوه ليبحثوا من جديدٍ عن النور، إنه جثة في مستودع الأوجاع الميتة،تلك الأوجاع التي وإن لم تكن على قيد الحياة فهي لم تدفن بعدُ…..
وصفوة القول أنهم يحاولون التعايش مع مامضى مهما كان قاتما وحِـدّة سهمه موجعاً، ليواصلوا الحياة التي مازال في جعبتها الكثير من الأقراح، وقليل من الفرح ينثر بين الفينة والأخرى حبوبه ..
ففلسفة الحياة قائمة على الوقوف بعد السقوط؛ والإخضرار بعد الإصفرار؛ والغيث بعد القحط والجفاف، وهذه الدنيا مجبولة على النقص لا الكمال ،إنـها ممٓرُّ وليس مستقر، إذ لا تعدو عن كونها محطة من محطات حياة الإنسان، يقضي فيها ما قدره الله له ثم يرحل عنها ليجد ما عملت يداه ساء أم حٓسُـنٓ.

ومن الجدير بالذكر أن الطفل عندما يبدأ التدرب على الوقوف والمشي يقع ويسقط كثيرا؛ ولكنه ينهض ويتعلم من كل سقوط شيئا جديداً للمرة القادمة، يبكي بعد السقوط ولكنه لا ييأس من المحاولة؛ التي تتكلل في النهاية بابتسامة بريئة معلنة أولى الخطوات في هذه الدنيا …. ومن البديهي أن الله سبحانه وتعالى الذي أوجد هذا الطفل _من عدم، ثم من نطفة، ثم من علقة، ثم من مضغة ،ثم كساه لحما وعظماً وهيأ له سبل الخروج إلى الدنيا _، ماكان ليعجزه سبحانه أن يجعل هذا الطفل يقف مستقيماً؛ ويمشي منتصبا منذ اليوم الأول من ولادته دون وقوع ولا بكاء ولا جرح …لكن العبرة التي أستنبطها بجلاء :أننا نسير في هذه الحياة مثل هذا الطفل في أولى محاولاته للمشي ثم الجري فالقفز، إني أراه صورة مصغرة وجِدُّ واقعيةٍ لمشوارِ حياتنا، تلك الشهور التي تمثل في ظاهرها بداية الحياة، تحمل في مغزاها وجوهرها عمق الحياة وفلسفتها …إنها إن صح التعبير ملخص قبلي مصغر لمضمون بعدي أعظم.
واذا كانت الحياة دار ابتلاء وتمحيص، كما أخبرنا بذلك سبحانه وتعالى في كتابه العزيز :
“الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا ۚ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ” سورة الملك .
“أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُوا أَن يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ ۝ وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ ۝ أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ أَن يَسْبِقُونَا سَاء مَا يَحْكُمُونَ [سورة العنكبوت:1-4]
فإن علينا إذن خوض الاختبار والصمود بكل رضى وطاعة ومسؤولية؛ أمام الأمانة التي تحملناها؛
قال تعالى:” إِنَّا عَرَضْنَا ٱلْأَمَانَةَ عَلَى ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ وَٱلْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا ٱلْإِنسَٰنُ ۖ إِنَّهُۥ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا”
مستحضرين بيقين إيماني راسخ أن عِظم الأجر مع عِظم البلاءِ، وأن أشد المصائب وجعاً في القلوب هي أثمنها ثواباً وغفراناً للذنوب .

إن عمرنا دون ان نشعر في ازديادٍ، وكلما زاد نقصٓ، والدنيا ممر ومهما طال بنا العمر سنرحل يوما، لأننا لانعدو عن كوننا ضيوفاً أو عابرِي سبيل على أرضها ،فإن لم نرحل اليوم فغداً وإن لم نرحل غدا فبعد غدٍ ،وهنا نلمس عمق قوله صلى الله عليه وسلم :” ما لي وللدنيا؟، ما أنا في الدنيا إلا كراكب استظل تحت شجرة، ثم راح وتركها”. رواه الترمذي، وقال: حديث حسن صحيح.

أيها الكسيرُ، إن الحياة تسيرُ، وعليك ان تواصل المسيرٓ، اُنظر الى تفتح الزهور وذبولها، وشروق الشمس وغروبها، انظر إلى تسارع الأيام وتعاقب الفصول، لاشيء في الكون يتوقف في انتظار أن تكفكف دموعك الساخنة الممزوجة بألم الانهيار…،فٓـطبْ نفساً رغم الأسٓى ودٓعِ ابتسامتكٓ تكون اكثر إشراقا من شمسِ الغدِ.

قال الشافعي رحمه الله:” دع الأيام تفعل ما تشاء وطب نفساً إذا حكم القضاء، ولا تجزع لحادثة الليالي، فما لحوادث الدنيا بقاء “.
وهذا لا ينافي الإصرار والعزيمة وقوة الإرادة والشكيمة، فاعلم أن السعي في الحياة مطلوب والإلحاح في طلب المقصود من الآمال المشروعة محبّذ ومُرغّٓب فيه من المنظور الشرعي، فالله يحب العبد الملحاح،وكلما علتِ الهـِمّة سٓـهُـلتِ المـهمّةُ ،والمؤمن القوي بإرادته وهمته ومبادرته خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف فيهما .

عن أبي هريرة رضي الله عنه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “المؤمن القوي، خيرٌ وأحٓب إلى الله من المؤمن الضعيف، وفي كلٍّ خيرٌ، احْرِصْ على ما ينفعك، واسْتَعِنْ بالله ولا تَعْجِزْ، وإن أصابك شيء، فلا تقل لو أني فعلت كان كذا وكذا، ولكن قل قَدرُ الله وما شاء فعل، فإن لو تفتح عمل الشيطان”.
[صحيح] – [رواه مسلم]

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.