منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

الرحلة من الدنيا دار الفناء إلى الدار الآخرة دار الخلود

بن سالم باهشام أستاذ العلوم الشرعية

0

بسم الله الرحمن الرحيم، وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد وآله وصحبه، ومن اهتدى بهديه إلى يوم الدين.

1 – العلم الحقيقي الواجب على كل مسلم ومسلمة

قيمة وأهمية العلم تتحدد من خلال المعلوم، وكل علم لا يكشف حقيقة الدنيا، و يغيب الدار الآخرة دار الخلود، لا يسمى علما في الميزان الرباني الصحيح، وإن سماه الناس علما، قال تعالى في سورة الروم: (وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ * يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ) [الروم: 6 – 7]، وبما أننا جميعا في رحلة إلى الدار الآخرة، دار الخلود، لابد أن نكون على كامل العلم بأمورها كما جاء في القرآن والسنة، وهما المصدرين الوحيدين لذلك، ولا ثالث لهما، من قبر: وهو أول منازل الآخرة، ونفخ في الصور: بما فيها نفخة الفزع، ونفخة البعث، والبعث، والحشر، والشفاعة، والحساب، وتطاير الصحف، والميزان، والحوض، وامتحان المؤمنين، والصراط، والنار، والقنطرة، والجنة.

2 – رحلات الدنيا والرحلة إلى الآخرة

إذا تدبر كل واحد منا في حياته، وحياة من حوله من البشر، فسيجد أننا نقوم بنوعين من الرحلات: رحلة نقوم بها من مكان إلى مكان، عبر وسيلة من وسائل النقل، إما على الأقدام، أو على البهائم، أو وسائل النقل الحديثة والتي تبدأ بالدراجة العادية إلى الصاروخ، مرورا بالدراجة النارية والسيارة والباخرة والطائرة، وهذا النوع من الرحلة يمكن أن يؤجل عن موعده، بسبب كوارث طبيعية، أو أمراض، أو غيرهما، كما يعيشه العالم اليوم بسبب فيروس كورونا كوفيد 19 المستجد، والذي عطل جميع الرحلات البحرية والجوية والبرية، والنوع الثاني من الرحلات، رحلة لا دخل للبشرية كلها فيها، ولو أرادت منعها أو تعطيلها فلن تستطيع، ولا يستثنى منها أحد، إنها الرحلة من بطن أمهاتنا إلى العالم الدنيوي، ومن عالم الدنيا إلى الحياة البرزخية، والتي هي القبر، ومن القبر إلى الحياة الأخروية، والتي تأتي بعد البعث، قال تعالى في سورة المؤمنون : (وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ طِينٍ * ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَكِينٍ * ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ، فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ * ثُمَّ إِنَّكُمْ بَعْدَ ذَلِكَ لَمَيِّتُونَ * ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ تُبْعَثُونَ * وَلَقَدْ خَلَقْنَا فَوْقَكُمْ سَبْعَ طَرَائِقَ، وَمَا كُنَّا عَنِ الْخَلْقِ غَافِلِينَ ) [المؤمنون: 12 – 17]، لاحظوا كيف أن الله تعالى أطال في تفصيل الحياة البطنية رغم قصر مدتها التي لا تتجاوز التسعة أشهر،  وفي الانتقال من رحلة البطن إلى الدار الآخرة، لم يزد على قوله تعالى دون تفصيل: (ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ * ثُمَّ إِنَّكُمْ بَعْدَ ذَلِكَ لَمَيِّتُونَ)، من هنا نعلم أن الدنيا دار ممر إلى دار مقر، (ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ تُبْعَثُونَ * وَلَقَدْ خَلَقْنَا فَوْقَكُمْ سَبْعَ طَرَائِقَ وَمَا كُنَّا عَنِ الْخَلْقِ غَافِلِينَ)، ومزرعةَ أعمال، وفرصة إمهال؛ لنتزود منها بصالح الأعمال إلى دار المآل.

المزيد من المشاركات
1 من 34

أيام تمضي من عمرنا، وسنونَ تنقضي، وأعمار تنتهي، كلمح البصر، ولا يبقى إلا العمل بعد انقضاء الأجل، سبباً للسعادة، أو للشقاوة.

3 – مدار كل الأعمال على التقوى

إذا كان الله تعالى قد جعل مدار الدين كله على التقوى، وغير التقي لا يقبل الله منه صرفا ولا عدلا، بدليل قوله تعالى من سورة المائدة: ﴿إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾ [المائدة: 27]، فإنه سبحانه جعلها هي وصية جميع الأنبياء عليهم السلام لأقوامهم، قال تعالى في سورة النساء: ﴿وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ﴾ [النساء: 131]، وهي الزاد الوحيد لكل الأفراد في هذه الرحلة إلى الدار الآخرة، قال تعالى في سورة البقرة: ﴿وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى وَاتَّقُونِ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ﴾ [البقرة: 197]، فالتقوى سبب كل هناء، وذهاب كل شقاء، فيا فرحة المتقين يوم لقاء رب العالمين، في نهاية هذه الرحلة، قال تعالى في سورة القمر: ﴿ إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ * فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِندَ مَلِيكٍ مُّقْتَدِرٍ﴾ [القمر: 54-55].

فيا أيها المسافرون، في سفرة الحياة الدنيا، الراحلون من الدنيا والعابرون طريقَ المهلة القصيرة والمحددة في عمر كل أحد منا، يا من لا تزالون على السبيل سائرين، يوشك أن تصلوا. فإنا لله وإنا إليه راجعون.

4 – وقفة محاسبة قبل فوات الأوان

لنقف جميعا ونحن في شهر رمضان شهر التوبة والغفران، وفي فترة حجر صحي عام، وقفة محاسبة قبل فوات الأوان، كم من غافلٍ في هذه السفرة لم يفكر في وجهة سفره، وكم قد قطع في مسيرته، وكم قد بقي لاقتراب استيطانه ووصول غايته. وكم ذهب من الأيام فما اتعظ الأنام، وما استيقظ النيام، إلا عند مفاجأة الحِمام والتي هي الموت، والتي لا تأتينا إلا بغتة. وكم من حريص على بقاء دنياه، فما بقيت له، ونهمٍ في جمع أعراضها وهي تُعرِض به عما ينفعه، وتعرِّضه لما يضره، فالدنيا ملعونة ملعون ما فيها إلا ما تعلق بالله تعالى، أخرج ابن ماجه وغيره عن أَبي هريرة – رضي الله عنه – قَالَ: سَمِعْتُ رسول الله – صلى الله عليه وسلم –  يقول: ( أَلاَ إنَّ الدُّنْيَا مَلْعُونَةٌ ، مَلْعُونٌ مَا فِيهَا، إِلاَّ ذِكْرَ اللهِ تَعَالَى، وَمَا وَالاهُ، وَعالِماً وَمُتَعَلِّماً) [أخرجه ابن ماجه ( 4112 )، والترمذي ( 2322 ) وقال: حديث حسن غريب].  واللعن هو الإبعاد، فالدنيا مبعَدَة من الله، ومُبعِدة عن الله. وأَخْرَجَ مُسْلِمٌ في صحيحه عَنْ أَبِى سَعِيدٍ الْخُدْرِيّ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ – صلى الله عليه وسلم- :« إِنَّ الدُّنْيَا حُلْوَةٌ خَضِرَةٌ ، وَإِنَّ اللَّهَ مُسْتَخْلِفُكُمْ فِيهَا فَنَاظِرٌ كَيْفَ تَعْمَلُونَ فَاتَّقُوا الدُّنْيَا وَفِتْنَةَ النِّسَاءِ ». [أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ فِى الصَّحِيحِ مِنْ حَدِيثِ أَبِى مَسْلَمَةَ عَنْ أَبِى نَضْرَةَ] .

وكم متمَنٍّ فيها قطعته أمانيه، فأوصلته إلى مهاويه. والعجب أن يوقن الناس بالزوال وعدم البقاء في اعتقادهم وأقوالهم، ولكنَّ أفعالهم تأبى ذلك، فيستجمعون قواهم في بناء الزائل الفاني، ويهدمون بذلك الدائم الباقي. وفي حوار توجيهي تربوي بين التابعي حسن البصري، وهارون الرشيد حاكم البلاد آنذاك، رحمهما الله ، إذ قال هارون الرشيد للتابعي: ما بالنا نخاف من الموت، قال له الحسن البصري: ” لأنكم عمرتم دنياكم، وخربتم آخرتكم، فأنتم تخافون الانتقال من العمار إلى الخراب”.

مقالات أخرى للكاتب
1 من 35

5 – غفلة أكثر الناس عن ذكر الموت  والاستعداد له في رحلتهم إلى دار الخلود

تجد أغلب الناس يفكرون  في أشياء كثيرة، ولكنهم قليلاً ما يفكر  في شيء واحد: قليلاً ما يفكرون في الموت وما أعدوا له، وحتمية الرجوع إلى الله تعالى، بحيث أنك تجدهم يعدون كل متطلبات رحلة قصيرة إلى مكان طبيعي في ضواحي المدينة، ولا تجد أحدا منهم  إلا من رحم الله، أعد الكفن في بيته لرحلة الخلود، لأننا نخاف الموت الذي لا مفر منه، قال سبحانه في سورة الأنعام: ﴿ ثُمَّ رُدُّواْ إِلَى اللّهِ مَوْلاَهُمُ الْحَقِّ، أَلاَ لَهُ الْحُكْمُ وَهُوَ أَسْرَعُ الْحَاسِبِينَ ﴾ [الأنعام: 62].

6 – أهمية ذكر الموت في رحلة الإنسان إلى الآخرة

الموت حقيقة سيذوقها كل حي، وثوب سيلبسه كل متحرك بحياة، لا مناص من لقائه، ولا مفرّ ينجي من هجمته، قال تعالى في سورة الأنبياء: ﴿ كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ، وَنَبْلُوكُم بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً، وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ ﴾ [الأنبياء: 35].

فمن تذكر الموت صغُرت الدنيا في عينيه، وكبرت فيهما الآخرة، فإن كان في ضراء وضيق انفسح أمله، وقل كدره، وهانت عليه مصائبه. وإن كان في سراء وسعة تنغّص عيشه، وقل تلهّيه، وانتبهت فكرته، وضعفت شهواته، فلم يركن إلى لذائذه ومسراته؛ فهي عما قريب إلى زوال، وهو عما قليل إلى ارتحال. فما ذُكِر الموت في كثير إلا قلّله، و لا ذُكِر في قليل إلا كثّره. ومن جعل الموتَ نُصبَ عينيه استيقظت همته، واستعدت نفسه، وهيّأ زاد النجاة، وعُدةَ السلامة للملاقاة، فإن نزل به الموت قال: مرحباً بحبيب جاء على موعد.

و يا سعادته يوم يسمع في تلك الحال ما جاء في حديث الصحيح الذي رواه مسلم عَن أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ: (إِذَا خَرَجَتْ رُوحُ الْمُؤْمِنِ تَلَقَّاهَا مَلَكَانِ يُصْعِدَانِهَا – قَالَ حَمَّادٌ فَذَكَرَ مِنْ طِيبِ رِيحِهَا وَذَكَرَ الْمِسْكَ قَالَ – وَيَقُولُ أَهْلُ السَّمَاءِ: رُوحٌ طَيِّبَةٌ جَاءَتْ مِنْ قِبَلِ الْأَرْضِ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْكِ، وَعَلَى جَسَدٍ كُنْتِ تَعْمُرِينَهُ، فَيُنْطَلَقُ بِهِ إِلَى رَبِّهِ عَزَّ وَجَلَّ، ثُمَّ يَقُولُ: انْطَلِقُوا بِهِ إِلَى آخِرِ الْأَجَلِ…) [صحيح مسلم: 2872]،] والمقصود بآخر الأجل، أي إلى سدرة المنتهى [شرح محمد فؤاد عبد الباقي]، قال الله تعالى في سورة فصلت: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنتُمْ تُوعَدُونَ ﴾ [فصلت: 30].

أما الغافلون عن هذا المصرع المحتوم، فما أشد ضرهم في ضرائهم، ومصيبتهم في مصائبهم! انسدت عليهم آفاق الأمل، وأظلمت في أعينهم المسالك، وتاهوا في مهامه البلاء من غير دليل أو مسلِّ مخفِّف. وإن كانوا في نِعمٍ ومنح فليس لغفلتهم غاية، ولا للهوهم نهاية، يحسبون أنهم غير متحول عنهم نعيمهم أو زائل عنهم فرحهم ولهوهم. فما حالهم حين يبغتهم هادم اللذات، وتنزل بهم سكراته، وتحل عليهم آلامه؟! ماذا سيقولون، وكيف ينجون؟ إنهم يتمنون الرجوع إلى الدنيا، ويكرهون القدوم على الآخرة؛ لأن بضاعتهم مزجاة، وأيديهم من تقديم عمل مُنجٍ خالية. قال تعالى في سورة السجدة: ﴿ وَلَوْ تَرَى إِذِ الْمُجْرِمُونَ نَاكِسُو رُؤُوسِهِمْ عِندَ رَبِّهِمْ، رَبَّنَا أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا، فَارْجِعْنَا نَعْمَلْ صَالِحاً إِنَّا مُوقِنُونَ ﴾ [السجدة: 12].

إن وراء الموت لدارين لا ثالث لهما هما: الجنة والنار، فيهما نهاية رحلة الدنيا، وموطن الاستقرار. وفيهما تحط الرحال.

وفي هذين الدارين تظهر نتائج أعمال الدنيا، وتنكشف الأحوال على حقيقتها، وهناك الحياة التي لا موت بعدها، والعمر الذي لا أمد له، قال الله تعالى في سورة العنكبوت: ﴿ وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ ﴾ [العنكبوت: 64]. جاء في صحيح مسلم عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم : (يُؤْتَى بِالْمَوْتِ كَهَيْئَةِ كَبْشٍ أَمْلَحَ، فَيُنَادي مُنَادٍ: يَا أَهْلَ الْجَنَّةِ، فَيَشْرَئِبُّونَ، وَيَنْظُرُونَ، فَيَقُولُ: هَلْ تَعْرِفُونَ هَذَا؟ فَيَقُولُونَ: نَعَمْ، هَذَا الْمَوْتُ، وَكُلُّهُمْ قَدْ رَآهُ، ثُمَّ يُنَادِي: يَا أَهْلَ النَّارِ، فَيَشْرَئِبُّونَ، وَيَنْظُرُونَ، فَيَقُولُ: هَلْ تَعْرِفُونَ هَذَا ؟ فَيَقُولُونَ: نَعَمْ، هَذَا الْمَوْتُ، وَكُلُّهُمْ قَدْ رَأَوْهُ، فَيُذْبَحُ، ثُمَّ يَقُولُ: يَا أَهْلَ الْجَنَّةِ، خُلُودٌ فَلا مَوْتَ، وَيَا أَهْلَ النَّارِ، خُلُودٌ فَلا مَوْتَ، ثُمَّ قَرَأَ: “وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ إِذْ قُضِيَ الأَمْرُ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ وَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ”) [أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ، عَنْ أَبِي كُرَيْبٍ ، عَنْ أَبِي مُعَاوِيَةَ ، عَنِ الأَعْمَشِ]

7 – قد تبين الرشد من الغي

الوجهة متضحة، والمصير بيِّن معلوم، ولكل دار عمل وزاد مطلوب، وسبيل مطروقة، وعلى كل طريق سالكون، ولكل دار ملؤها. ألا هل من منتبهٍ من رقاد الغفلة، ومتحرك من سكون الهمة، إن الأمر جِد وما هو بالهزل. ألا فليسمع الآبقون عن سيدهم الرحيم، والشاردون عن ربهم الكريم، إن مولاهم يحذرهم من سخطه، وهم يسارعون إلى مساخطه، وينذرهم غضبه وهم يبتعدون من رحمته، لو أن عاقلاَ فكر وتأمل فيما هو مقدم عليه لا محالة، لأعد للسلامة أماناً وزادا، ومن الهلاك وقاية وابتعادا؛ فإنه قبيح بالعبد أن ينسى أو يتناسى تلك النار المتقدة، وذلك السخط المستعر الذي أُعد لمن تنحى عن طريق الاستقامة، وخبَّ وأسرع في طريق الغواية فيا عجباه لعبد يخاف النار وهو يقدحها بسوء عمله، ويشتاق إلى الجنة وهو يهرب منها بإعراضه وكسله!

الخاتمة

على كل مسلم ومسلمة، أن يكون مستعدا للسفر الصادق إلى دار الخلود، بالمسارعة إلى مرضاة الله، والإبطاء عن مساخطه، حتى إذا فاجأنا الموت، أتانا ونحن ننتظره، فيا فرحةَ المسافر إلى أحبابه بقدوم المبشِّر بقرب الوصول إلى ذلك المأمول، إلى جنة عرضها السماوات والأرض أعدت للمتقين.

فاللهم وفقنا للتوبة النصوح، واجعلنا من الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وتقبل منا الصيام والقيام، واجعلنا من المعتقين من النار في هذا الشهر العظيم، اجعل هذه الساعة ساعة إجابة، واجعلها ساعة إنابة يا رب العالمين.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.