منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

رحلة العودة إلى الله تعالى

1

  المنطلق

ذكر القرآن الكريم قصصا لأنبياء ورسل عليهم الصلاة السلام، جعل الله تعالى فيها دروسا وعبرا كثيرة. ومن هذه القصص قصة سيدنا يونس عليه السلام. فقد بعثه الله تعالى إلى أهل قرية نينوى (بغداد)، فلما دعاهم إلى عبادة الله وحده أبوا الاستجابة لدعوته. فخرج عليه الصلاة والسلام مغاضبا ووعد قومه بالعذاب بعد ثلاثة أيام. ولما علم قومُه بصدق نبيهم في دعائه عليهم وخافوا من العذاب أن يحلّ بهم، خرجوا إلى الصحراء يتضرعون إلى الله ليرفع عنهم العذاب قبل حلوله. أما سيدنا يونس فركب السفينة مع ركاب، ومع القرعة التي كانت تصيبه في كل مرة ألقى بنفسه في البحر. فأرسل الله حوتا كبيرا يشق البحر فالتقمه. أمر الله تعالى الحوت أن لا يأكل لحمه ولا يهشم عظمه لأنه ليس من رزقه بل مجرد سجن له. ولما علم سيدنا يونس بأنه حي سجد مكانه ونادى ربه في الظلمات: [لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين][1]. فاستجاب الله دعوته ونجاه من الكرب والبلاء فطرحه الحوت في العراء. يقول الله تعالى:[ فاستجبنا له ونجيناه من الغمّ وكذلك ننج المؤمنين][2]. وقد جاء الترغيب من قبل النبي صلى الله عليه وسلم في هذا الدعاء فقال:” ألا أخبركم أو أحدثكم بشيء إذا نزل برجل منكم كرب أو بلاء من الدنيا دعا به فرج عنه”. فقيل له: بلى. قال:” دعاء ذي النون: لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين[3].

الخطاب المباشر

يحمل دعاء سيدنا يونس عليه السلام [لا إله إلا أنت سبحانك، إني كنت من الظالمين] خطابا مباشرا. وهذا من عظيم فضل الله على عباده وجميل رحمته أن فتح لهم أبواب خطابه. ولن يكون الإنسان أقرب إلى الله تعالى في حال أفضل من حال الخطاب، ولن يلمس حضور الله تعالى في حال أفضل من حال الخطاب، ولن يجد العبد في لذات القرب والتعامل مع الله تعالى أفضل من لذّة الخطاب.

ويفتح الله تعالى لعبده أبواب الخطاب المباشر من خلال القرآن الكريم، ومن خلال الصلاة، ففي كل صلاة لقاء مع الله وتجديد لهذا الخطاب. وسورة الفاتحة أعظم تعبير لهذا الخطاب. ولذلك قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:” وجعلت قرة عيني في الصلاة“. ومن خلال الدعاء أيضا فهو من أفضل حالات الخطاب بين العبد وربه.

 

المزيد من المشاركات
1 من 64

أليس من بؤس الإنسان أن يفتح الله تعالى على عبده أبواب هذا الخطاب في القرآن وفي الصلاة وفي الدعاء ويرفع الله بينه وبين عبده من الحجب ما شاء، ويدعوه إلى خطابه، ويأذن له، ويعده بالاستجابة، ثم لا يعي هذا العبد قيمة هذا الخطاب ولا يشعر بما يحمله من لذة وحلاوة قرّة العين.

توحيد المفزع

قوله تعالى على لسان نبيه عليه السلام: [ لا إله إلا أنت]، فهذه الكلمة تحمل أنواعا من التوحيد، تحدد بعضها في:

  • توحيد السيادة والسلطان لله تعالى في كونه.
  • توحيد الولاية والسيادة التشريعية لله على حياة الإنسان.
  • توحيد الطاعة لله من قبل الإنسان. ولا يحقّ لإنسان أن يطيع غيره إلا بإذنه وأمره سبحانه.

لكن أيّ توحيد من هذه الثلاثة كان يقصده سيدنا يونس والذي نطق به في بطن الحوت؟

إنه عليه الصلاة والسلام تجاوز هذه الأنواع الثلاثة من التوحيد، ليدلنا على توحيد رابع. وهو توحيد “المفزع”، أو “المآب”، أو “المفرّ”. وهو بمعنى أن يصل العبد في رحلته وسلوكه إلى الاقتناع بأنه لا ملجأ ولا منجى ولا مفرّ من الله إلا إليه عز وجلّ. وذي النون أدرك هذا النوع من التوحيد من جهتين:

  • من جهة الإقرار باستحالة الفرار والهروب من الله تعالى.
  • ومن جهة الإقرار بأنه لا ملجأ ولا منجى من الله إلا إليه.
مقالات أخرى للكاتب
1 من 12

ووعي هذا النوع من التوحيد درجة من درجات الإحسان العالية، ومن أرقاها وأصفاها وأنقاها. وقد سماه بعض أهل الإحسان بالمعراج الروحي. كما وقع لسيدنا محمد صلى الله عليه وسلم. غير أن الاختلاف هو في الكيفية والمكان. فسيدنا يونس كان معراجه بالروح، ونبينا محمد بالروح والجسد. وسيدنا يونس كان معراجه من بطن الحوت إلى السماوات العلى، ونبينا محمد من المسجد الأقصى إلى سدرة المنتهى.

ويشبّه أهل الإحسان هذه الحالة بحالة الطفل الذي تغضب عليه أمّه، فينظر يمينا وشمالا يبحث عن ملجأ يلجأ إليه ليحميه من غضبها، فلا يجد في دنياه الصغيرة ملجأ ومعاذا أكثر أمنا وأكثر حنانا من حضنها، فيعوذ بها منها. وهذه الحالة في علاقة الطفل بأمه من أرقّ حالات الطفولة. فمن قلّة وعي العباد ألاّ يَعُوا في علاقاتهم بالله تعالى ما يعيه ذلك الطفل في علاقته بأمّه من سذاجة وبراءة.

وهي حالة العبد الآبق، الذي خرج من بيت مولاه، فعانى من الضياع والعذاب، ولم يجد من يأويه، ويعطف عليه، ويستره، ويرحمه غير مولاه. فيعود إليه من جديد على استحياء، يطرق الباب ويواجه مولاه على خجل، لا يجد ما يقوله، ولا يعرف عذرا يعتذر به عن إباقه وخروجه من حمى مولاه، إلاّ أن يتشبث بكرمه وعطفه ورحمته.

وذكر أهل الإحسان لهذه الحالة من العودة إلى الله تعالى مفردات من الأدب تتضمن أربعة عشر عنصرا وهي:

1- الاعتراف والإقرار. 2- الاعتذار.  3- الاستحياء. 4- قبول العتبى. 5- حسن الظن بالله تعالى. 6- الذل والانكسار. 7- الطمع في رحمة الله تعالى. 8- الخوف من الله. 9- الندم والعزم على العودة إلى الله. 10- الحزن والبكاء. 11- الاسترحام. 12- الفرار إلى الله والاستعاذة به. 13- الاستغفار. 14- الاضطرار إلى الله.

تسبيح السلوك

قوله عليه السلام: [سبحانك]، هو تنزيه الله تعالى عن كل نقص وعجز وجهل. ينضاف إلى هذا التنزيه الذي يدخل في العقيدة تنزيهٌ آخر يدخل في مجال السلوك وعلاقة العبد بربه. وهو أن كلَّ ما يفعله الإنسان من خير فهو من الله، وكل ما يفعله العبد من شرّ فهو من نفسه. وكلّ جميل في هذه العلاقة مع الله فهو من الله، وكل سوء في هذه العلاقة فهو من نفسه. يقول أهل الله في مناجاتهم:” أنت المحسن وأنا المسيء، فتجاوز يا رب عن قبيح ما عندي بجميل ما عندك“. وقبيح ما عندنا السيئات، وجميل ما عند الله المغفرة والرحمة والإحسان.

قيمة الحال

وقوله عليه السلام: [إني كنت من الظالمين]. في كلامه ما يوحي أن وراء الأعمال والأقوال التي تدخل في علاقتنا بالله تعالى علاقة مهمة يغفل عنها كثير من الناس وهي الأحوال. وهي الأحوال القلبية التي توجّه الإنسان إلى الأفعال والأقوال. والأحوال من منازل رحمة الله تعالى. بمعنى أن رحمة الله تنزل على أحوال الإنسان من خشوع واضطرار وإقبال وخوف وحب وشوق. فإذا رقّ قلب العبد نزلت رحمة الله عليه كما ينحدر الماء إلى الأرض الواطئة، وكما تجذب التربة الهشة الماء. غير أن العلاقة بين الأرض الواطئة وانحدار الماء علاقة مادية محسوسة، وبين رقة القلب ونزول رحمة الله علاقة معنوية غير محسوسة.

 

ومن دون أن ننتقص من قيمة الأفعال والأقوال في العبادات من حيث الإجراء والجزاء. فإن الأحوال هي الأساس في تقييمها. بمعنى أن قيمة الفعل والقول في العبادات تقدّر بمقدار ما يحمل كل منهما من الحال. فكلما كان حظ الفعل والقول في العبادات من الحال أكثر كانت تلك العبادة أقرب إلى القبول وإلى مرضاة الله تعالى.

فقيمة الصلاة عند الله بقدر ما يستحضر فيها المصلي من حال الخشوع والذل والانكسار.

وقيمة الزكاة في حال الإنفاق مما يحبه المزكّي، وفي حال إيثاره لغيره على نفسه. يقول الله تعالى: [لن تنالوا البر حتى تنفقون مما تحبون][4].

وقيمة الابتلاء في الصبر. والله يحب الصابرين، وفي التضرع إلى الله. “إن الله يحب الملحّين في الدعاء“.

فكلما كان الإنسان أكثر وعيا بحاجته وفقره واضطراره إلى الله كلما كان أقرب إلى رحمة الله تعالى وكانت رحمة الله أسرع إليه.

وإذا عرفنا أن هذه الأحوال منازل رحمة الله تعالى، وأنها لا تنال إلا بمقدار ما يحمل صاحبها منها، فمن الضروري أن يعرف أيضا العبد كيف يكسبها. لأن من رزقه الله الحال فقد أعطى له خيرا كثيرا، وفضلا عظيما. ومن حرم منه حرم من خير كثير. وما أجمل قول الشاعر:

لا تطلب المــــــــــــاء      ولكن اطلب الظمأ

حـــتى يتفجر الماء      من كل جوانـــــــــــبك

ولا تقلّ قيمة المحافظة على الأحوال عن قيمة كسبها. فقد يكسب العبد الأحوال بمشقة وعناء ثم يفرط فيها. ومن ضرورة الحفاظ على الأحوال إلى ضرورة تنميتها حتى تصبح مقامات ثابتة. فيستثمرها العبد في الدعاء والتضرع والإلحاح حتى يبقى دائما الباب مفتوحا بينه وبين الله تعالى.

وكثيرة هي العوامل التي تفتح أبواب كسب الأحوال، منها ما هو مرتبط بالزمان، ومنها ما هو مرتبط بالمكان.

فالزمان، مثل الأسحار، ليلة القدر، رمضان المبارك، العشر الأواخر، العشر الأوائل، ساعة يوم الجمعة، ظروف الابتلاء…

المكان: المسجد، بيت الله الحرام، مجالس الذكر والعلم والإيمان…

وفي مقابل العوامل نجد هناك العوائق، منها: الغفلة والذنوب والمعاصي وحب الدنيا والصحبة السيئة…

فاعتراف سيدنا يونس عليه السلام بالظلم لنفسه يحمل كل هذه المعاني التي تستنزل هذه الرحمة الإلهية.

خاتمــــــــــــــة

فلعل ما وقع لسيدنا يونس عليه والسلام قد وقع للكثير منا، وكم هو وجه الشبه كبير بين سجن بطن الحوت لسيدنا يونس وسجن الدنيا للمؤمن، غير أن وجه الاختلاف هو في إرادة ذي النون عليه السلام الخروج منه فلم يعدم الأسباب ولم يفقد الأمل، فعانق الحرية. بينما نحن بضعف الإرادة وغيابها أعدمنا الأسباب على كثرتها، فما زال السجن من نصيبنا بالرغم مما يراودنا من أمل وحلم في التحرر. والتحرر في: [لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين].

 

الأنبياء:87. [1]

الأنبياء:88.[2]

– رواه الإمام النسائي رحمه الله.[3]

– آل عمران:92.[4]

تعليق 1
  1. خديجة الكمري يقول

    مقال جميل نفع الله به كاتبه وقارءه

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.