منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

ثمرة صحبة الأخيار في الدارين | سلسلة خطبة الجمعة

بن سالم باهشام

0

ثمرة صحبة الأخيار في الدارين | سلسلة خطبة الجمعة

بن سالم باهشام

خطيب الجمعة بمسجد أم الربيع خنيفرة المغرب سابقا

 

عباد الله، إن في مصاحبة الصالحين الأخيار فوائد كثيرة، منها: النجاة يوم القيامة، فقد روى البخاري، ومسلم، عن عَبْد اللَّهِ بْن مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قال : (جَاءَ رَجُلٌ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، كَيْفَ تَقُولُ فِي رَجُلٍ أَحَبَّ قَوْمًا وَلَمْ يَلْحَقْ بِهِمْ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: المَرْءُ مَعَ مَنْ أَحَبَّ) [ رواه البخاري (6169) ، ومسلم (2640) ] ، وروى البخاري، ومسلم، عَنْ أَنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ : ( أَنَّ رَجُلًا سَأَلَ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنِ السَّاعَةِ، فَقَالَ: مَتَى السَّاعَةُ ؟، قَالَ: وَمَاذَا أَعْدَدْتَ لَهَا؟ قَالَ: لاَ شَيْءَ، إِلَّا أَنِّي أُحِبُّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
فَقَالَ: أَنْتَ مَعَ مَنْ أَحْبَبْتَ، قَالَ أَنَسٌ: فَمَا فَرِحْنَا بِشَيْءٍ، فَرَحَنَا بِقَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أَنْتَ مَعَ مَنْ أَحْبَبْتَ! قَالَ أَنَسٌ: فَأَنَا أُحِبُّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَأَبَا بَكْرٍ، وَعُمَرَ، وَأَرْجُو أَنْ أَكُونَ مَعَهُمْ بِحُبِّي إِيَّاهُمْ، وَإِنْ لَمْ أَعْمَلْ بِمِثْلِ أَعْمَالِهِمْ ). [روى البخاري (3688) ، ومسلم (2639)]، فهذا الحديث ورد في المحبة الإيمانية الشرعية، التي أمر الله بها عباده، وندبهم إليها، وهي من عرى الإيمان، بل من أوثق عرى الإيمان وعلاماته: أن يحب الرجل أخاه، لا يحبه لدنيا ولا مال ولا جاه ؛ إنما يحبه لله جل جلاله، فقوله صلى الله عليه وسلم: (إِنَّكَ مَعَ مَنْ أَحْبَبْتَ) أَيْ: مُلْحَقٌ بِهِمْ حَتَّى تَكُونَ مِنْ زُمْرَتِهِمْ “، [فتح الباري، لابن حجر العسقلاني (10/ 555) ] من ، وكذلك في عباد الله، ومن فوائد مصاحبة الصالحين الأخيار: النجاة من فزع يوم القيامة، لقوله تعالى من سورة الزخرف: ( الْأَخِلَّاء يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ * يَا عِبَادِ لَا خَوْفٌ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ وَلَا أَنتُمْ تَحْزَنُونَ) [سورة الزخرف67-68]، ثم الانتفاع بدعائهم بظهر الغيب، ثم الانتفاع بمحبة الله لمحبتهم؛ لأن الله قال في الحديث القدسي الذي رواه أحمد، ومالك في الموطأ واللفظ له، والطبراني: ( قال اللهُ عزَّ وجلَّ وجبت محبتي للمتحابِّين فيَّ، والمتجالسين فيَّ، والمتزاورين فيَّ، والمتباذلين فيَّ.) [رواه أحمد (22030)، ومالك في الموطأ (2/953) واللفظ له، والطبراني (20/80 (150).]

عباد الله، ومن فوائد مصاحبة الصالحين الأخيار: بركة المجالس والخير الذي يعم، (… قالَ: فيَقولونَ: رَبِّ فيهم فُلَانٌ عَبْدٌ خَطَّاءٌ، إنَّما مَرَّ فَجَلَسَ معهُمْ، قالَ: فيَقولُ: وَلَهُ غَفَرْتُ، هُمُ القَوْمُ لا يَشْقَى بهِمْ جَلِيسُهُمْ.) [رواه مسلم  2689] ، فهذا الصنف من الخطائين لا يحرم من الفضل وإن جاء لحاجة، ما دام جلس مع الأخيار، فلا بد أن يناله نصيب، قوم يذكرون الله يناديهم المنادي من السماء: (…قوموا مغفورٌ لَكم، قد بدِّلت سيِّئاتُكم حسناتٍ…) [أخرجه أحمد (12453)، والبزار (6467)، وأبو يعلى (4141) ] ، فما أعظم النعمة بالجلوس معهم، إذا كانوا سيقومون وقد غفر لهم.

عباد الله، إن جلساء الخير يعرّفونك على إخوان الخير، فتزداد المعرفة، فصاحب الخير يدلك على صاحب الخير، وهكذا تزيد الاستفادة، وكذلك؛ فإن التشبه بهم ثمرة من ثمار مصاحبتهم، وإذا كانوا على خير صرت على خير، وكذلك؛ فهم يحفظون الوقت والعمر من الإهدار.

عباد الله، من فوائد مصاحبة الصالحين أن مجرد رؤيتهم تُذكر بالله تعالى،  (سُئِلَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: مَنْ أَوْلِيَاءُ اللهِ؟ قَالَ:  الَّذِينَ إِذَا رُءُوا ذُكِرَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ) .[أخرجه المروزي في زوائد الزهد لابن المبارك، و الطبراني في الكبير، و أبو نعيم في أخبار أصبهان]. وقد كان القعنبي رحمه الله- وكان من أهل الحديث- إذا خرج عليهم قال الناس الذين يرونه من صلاحه: لا إله إلا الله.

عباد الله، إن مصاحبة عباد الله الصالحين، هم الزينة في الرخاء، والعدة في البلاء، هذه هي العدة التي يحتاجها الإنسان، وخير معين على تخفيف الهموم والغموم، وكم في حياتنا هذه من غموم وهموم، وكم فيها من شدائد يحتاج الواحد إلى شخص يسمعه، ربما يبحث عن شخص يستمع إلى شكواه فلا يجد، ولو كان لا يريد منه شيئاً إلا مجرد السماع؛ لأن في بث الشكوى راحة، فبعض الناس من النعم التي حرموها أنهم لا يجدون أحداً يسمع شكواهم لفقد صديق الخير، صاحب الخير لو ما سمع إلا الشكوى لكان في ذلك تنفيساً وراحة، فكيف إذا كان سيعين ويساعد بعقله ومشورته، أو بماله وجاهه، ومساعدته.

عباد الله، هذا الصحابي الجليل عبد الله بن مسعود رضي الله عنه، خرج مرة على أصحابه فقال: (أنتم جلاء أحزاني، أنتم يا إخواني جلاء أحزاني). وهكذا فعلاً يكون الإخوان تسلية وتسرية، يكون لقاء الأحبة مصفياً ومنقياً، يكون طارداً للهم والغم.

عباد الله، إن من أعظم النعم بمصاحبة الصالحين إن أحسن الاختيار تعلم العلم الشرعي، والإقبال على الدين، وتكميل الشخصية، والعون على العبادة، والحماس للطاعة، والنصرة في الحق، والإعانة على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والسمو فوق عالم المادة، والنجاة من اليأس، والرأي السديد، والتخلص من العادات السيئة، والبركة كما قال النبي ﷺ: (الْبَرَكَةُ فِي ثَلَاثَةٍ: فِي الْجَمَاعَةِ، وَالثَّرِيدِ، وَالسُّحُورِ.). [رواه البيهقي في ” الشعب ( 2 / 426 / 2 )].

عباد الله، لا يكفي التحفيز على صحبة الأخيار، بل لابد من الدلالة عليهم، إذ الكثير سيتساءل، أين أجدهم؟ فنقول: من مظان وجود الصالحين على الإطلاق بيوت الله تعالى، فالمنطلق من المسجد، وهكذا يعرف الإنسان الإخوان وينتقيهم، ثم إذا قال: إنني وجدت منهم عدداً فأيهم الذي أصاحب؟ والجواب: نرجع فيه إلى ما قاله السلف، فإنهم كانوا يفاضلون بين الأشخاص بأي شيء؟ بالعلم، والسنة، والعبادة، وخدمة الدين، والخلق، ولذلك؛ فإن الإنسان لا يعدم من الموازنة التي تقوده إلى صاحبه الذي يخالطه ويتابعه ويعاشره ويأوي إليه، فانظر فيهم من أزكى علماً، وأشد اتباعاً للسنة، وأحسن خلقاً، وأكثر حرصاً على خدمة الدين والدعوة إلى الله، فعند ذلك تعرف من تخالط، ولذلك قال ابن الجوزي رحمه الله: (فالعجب ممن يترخص في المخالطة، وهو يعلم أن الطبع يسرق، وإنما ينبغي أن تقع المخالطة للأرفع والأعلى في العلم والعمل ليستفاد منه، فأما مخالطة الدون، فإنها تؤذي؛ إلا إذا كانت للتذكير والتأديب). وتأملوا في علاقة الإمام أحمد رحمه الله، بمحمد بن نوح، كيف كانت متبادلة من الأعلى إلى الأدنى، ومن الأدنى إلى الأعلى، قال الإمام أحمد رحمه الله عن محمد بن نوح الشاب: (ما رأيت أحداً على حداثة سنه، وقدر علمه، أقوم بأمر الله من محمد بن نوح، إني لأرجو أن يكون قد ختم له بخير)؛ لأنه لما أخذا معاً إلى المأمون في فتنة خلق القرآن مقيدين، مات محمد بن نوح في الطريق، فغسله الإمام أحمد رحمه الله وكفنه وصلى عليه، وقال هذا الكلام في شأنه، (إني لأرجو أن يكون قد ختم له بخير)، قال الإمام أحمد رحمه الله عن محمد بن نوح الشاب: (قال لي ذات يوم: يا أبا عبد الله، إنك لست مثلي، أنت رجل يقتدى بك، قد مد الخلق أعناقهم إليك لما يكون منك، فاتق الله واثبت لأمر الله، قال: فمات وفك قيده، وصليت عليه ودفنته يرحمه الله).

عباد الله، أحذر نفسي وإياكم من أهل السوء، فإن الله تعالى حذرنا منهم، فقال في سورة الأنعام: (وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُواْ فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ، وَإِمَّا يُنسِيَنَّكَ الشَّيْطَانُ فَلاَ تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ) [سورة الأنعام68]، فيا من تعاشر صاحب سوء، وأهل السوء، لا تقعد بعد الذكرى مع القوم الظالمين، لا تقعد بعد الذكرى مع أهل السوء، فإن الله نهاك عن ذلك، فهؤلاء هم الذين يتبرأ بعضهم من بعضهم، ويقول الواحد منهم يوم القيامة: ( يَا وَيْلَتَى لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلَانًا خَلِيلًا) [سورة الفرقان28]؛ ولذلك كان ﷺ يستعيذ في دعائه من صاحب السوء كما قال: (اللَّهُمَّ إنّي أعُوذُ بِكَ مِنْ يَوْمِ السُّوءِ، وَمِنْ لَيْلَةِ السُّوءِ، وَمِنْ سَاعَةِ السُّوءِ، وَمِنْ صَاحِبِ السُّوءِ، وَمِنْ جَارِ السُّوءِ في دَارِ الْمُقامَةِ (؛[ أخرجه الطبراني في الكبير، 17/294، برقم 810، والديلمي، 1/461، برقم 1873. قال الهيثمي في الزوائد، 10/144: (ورجاله رجال الصحيح]. فصاحب السوء، لا يمكن أن تأمنه على شيء، لا على عرض، ولا على مال، ولا على سر، ولا يعينك على خير، ويزين لك المعصية، ويحثك على الخبث، فلا خير في صحبة من إذا حدثك كذبك، وإذا ائتمنته خانك، وإذا ائتمنك اتهمك، وإذا أنعمت عليه كفرك، وإذا أنعم عليك منَّ عليك.

عباد الله، ينبغي على كل واحد منكم أن يختبر الناس قبل مؤاخاتهم، عند الهوى إذا هوى، وعند الغضب إذا غضب، وعند الطمع إذا طمع، لينظر ما حاله في هذه المواقف الثلاثة، فالناس كأسراب القطا، مجبولون على تشبه بعضهم ببعض، ولا تقل: إنه لا يضرني، فالصاحب ساحب، والتشبه حاصل، وكل قرين بالمقارن يقتدي. من الذي علم أصحاب المخدرات المخدرات؟ ومن الذي جر الفحش إلى كثير من أهل الفحش؟ ومن الذي أعطى القصص الخالعة وروايات السوء إلى من تأثر بها؟ ومن الذي جلب إليهم الأفلام الخليعة؟ ومن الذي سافر معهم إلى بلدان الشر والفساد؟ ومن الذي ضيعهم عن أهليهم؟ ومن الذي جعلهم يضيعون أماناتهم وزوجاتهم، وأولادهم؟ إنهم قرناء السوء، أثرهم واضح في الواقع، يضيعون العمر، إنهم مرض وهمّ، إنهم غم وعجز.

فيا عبد الله، أيها المسلم، قد تكون أنت من أهل الخير، ولكن في نفسك شيء من الهوى إلى الجلوس إلى بعض أهل السوء، فإياك إياك، وإذا أخذك إلى مكان يأخذك إلى أي مكان؟ صاحب الخيّر؛ فسيأخذك إلى مسجد، وإلى حلقة علم، وإلى زيارة نافعة، وإلى عبادة وطاعة، وإلى قربة، ويصحبك في حج أو عمرة؟

عباد الله، إن الذي دمر حياة كثير من الناس، صحبة الأشرار، فهل من توبة، وهل من عودة، وأقل ما في صحبتهم ضياع الأوقات.

عباد الله، كثير من الناس لا يغيرون العلاقات السيئة، لقدم العهد، وجريان العادة، فهم لما تعودوا على هذه الفئة، لا يريدون مفارقتهم، إن هناك جاذبية، إن سريان الوقت قد جعلهم متعلقين بهم، فانتشال النفس من بينهم، يحتاج إلى مجاهدة وإرادة قوية لا يرزقها الله إلا لمن أخلص النية لله من أجل الخلاص، فيا أيها الأب: ساهم في توجيه ولدك إلى أهل الخير في الوقت المبكر، فإن الولد إذا كبر فبنى علاقاته بنفسه، فإنه يصعب عليك جداً أن تغيرها أنت، اختر له قبل أن يختار هو، فإذا رأيته مال إلى أهل الخير فشجعه وأيده وانصره، لأنه فيه صلاح دينه ودنياه، وبعضهم يقول للأخيار: أدفع لكم نقوداً وخذوا ابني، وبعضهم اعتبر بضياع الولد الأول، فلا يريد أن يضيع الثاني، والذي رأى تجارب غيره، لا يحتاج أن يجربه، وهذه من مسؤوليات الآباء في اختيار الأولاد الصالحين لمرافقة أبنائهم منذ السن المبكرة، وأن يتعاون الجميع على أن يوجدوا بيئات صالحة، فإيجاد البيئات الصالحة مسؤولية عظيمة وصدقة جارية، والذي يوجد مجموعة صالحة، يعيش فيها ولده، وولد غيره، وولد جاره، تعتبر صدقة جارية تكون له في كل علم اكتسبوه، وخلق انتفعوا به. والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.