منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

التمايز بين اللغة واللهجة واقع تفرضه الأدلة العلمية

محمد الزعيم

0
اشترك في النشرة البريدية

نشر هذا المقال في الكتاب الجماعي (اللغة واللهجة: قضايا وإشكالات)، ويمكنكم تنزيل الكتاب من هذا الرابط.

كما يمكنكم قراءة وتنزيل المقالة بصيغة pdf من هذا الرابط: التمايز بين اللغة واللهجة واقع تفرضه الأدلة العلمية – محمد الزعيم

تقديم:

الجدل حول الفرق بين اللغة واللهجة والعلاقة بينهما والأفضلية بينهما طويل جدا، لم يحسم بعد، بل لعل الحسم فيه ربما يكون أمرا مستبعدا؛ ببساطة لأنه يتناول قضية شائكة لا يمكن فصلها عن الإنسان وهويته وثقافته ووجوده وكينونته، فكل جماعة لسانية تنظر إلى لغتها أو لهجتها نظرة الإجلال والإكبار وترى لسانها أجدر الألسن بالتقديم والحُظوة، وهذه النظرة التي تربط اللغة بالهوية والثقافة نقلت النقاش من الحقل العلمي إلى الحقل الإيديولوجي والسياسي فاستعصى الحل على العلماء وعز الدواء. ولا نرى لهذه القضية حلا إلا إذا تمت العودة إلى العلم الصحيح المتجرد من الأهواء والخلفيات والأحكام المسبقة. ومن هذا المنطلق العلمي سيعالج هذا البحث إشكالا مهما هو: الفرق بين اللغة واللهجة، وأيهما أصل وأيهما فرع؟ والإجابة عن هذا الإشكال ستقودنا إلى إشكالية أخرى متعلقة بها وهي إشكالية تصنيف الأمازيغية، وفي أي دائرة يمكن وضعها في دائرة اللغات أم في دائرة اللهجات؟

وقد فرضت علينا طبيعة الإشكالية منهجا تحليليا منطقيا حجاجيا، جريء في الطرح أحيانا، يتعامل مع الظواهر والنصوص بالتحليل والمقارنة، ليستخلص منها النتائج والخلاصات.

اللغة واللهجة: الأصل والفرع

المزيد من المشاركات
1 من 16

قبل إعطاء الرأي الذي نراه أقرب إلى الصواب، سنبدأ نقاشنا لهذا الموضوع من نقطة نعتبرها تمهيدا جيدا له، إنها مسألة انتشار اللغات وما يترتب عن هذا الانتشار من نتائج.

إن لانتشار اللغات أسبابا عديدة نذكر منها على سبيل المثال لا الحصر:

  • الصراع اللغوي: يحدث ذلك حين تدخل لغة ما في صراع مع لغة أو لغات أخرى، فتفرض اللغة الغالبة هيمنتها على اللغات الأخرى. وهذا الصراع اللغوي هو بالتأكيد مظهر لصراع آخر يسبقه وهو الصراع العسكري أو السياسي، فالمنتصر عسكريا أو سياسيا يفرض هيمنته اللغوية على المهزوم، وهذا واقع مُشاهَد لا يحتاج إلى دليل.
  • الهجرة: يحدث عندما ينتشر أفراد شعب معين بسبب الهجرة أو الاستعمار في بلاد بعيدة عن أوطانهم، فيتكاثرون بهذه البلاد مما يؤدي إلى توسع لغتهم وانتشارها.[2]

وعندما تنتشر لغة ما وتتسع يصبح من العسير جدا ــ إن لم نقل من المستحيل ــ أن تحتفظ بشكلها الأول سواء على المستوى الصوتي أو التركيبي أو غير ذلك، ومن هنا تبدأ اللغة في الانقسام إلى لهجات، ثم تسلك كل لهجة طريقا مختلفا تماما عن الطريق الذي سلكته اللهجات الأخرى، ومع تطاول الزمن تتسع الشُّقة ما بين تلك اللهجات حتى تصبح كل منها لغة متميزة ومستقلة. والجدول أسفله يقرب الأفكار السابقة بشكل أكثر وضوحا:

اللغة
لهجة1لهجة 2لهجة3لهجة4لهجة5
لغة1لغة2لغة3لغة4لغة5

مثال واقعي:[3]

اللاتيني
لهجة1لهجة 2لهجة3لهجة4لهجة5
الفرنسيةالإسبانيةالإيطاليةالبرتغاليةلغة رومانيا

فالراجح علميا أن تكون اللغة هي الأسبق وهي الأصل، وأن تكون هذه الكثرة المُهْوِلة للهجات مَرَدُّها إلى أصل واحد مشترك هو اللغة الأم؛ لغة الإنسان الأول التي انفصلت عنها كل اللهجات وكل اللغات، تماما مثل الإنسان الذي انحدر من أصل واحد وبلغ من الكثرة المبلغ الذي نعرفه جميعا.

أما اللهجة فهي فرع واحد من بين فروع كثيرة تتفرع إليها اللغة نتيجة اتساعها في الرقعة الجغرافية، أو هي إحدى العاميات التي تخرج من اللَّحن الذي يصيب اللغة،[4] وحين تنضج اللهجة وتتطور تتحول بالتدريج إلى لغة، أي أن اللغة هي الغاية التي تسعى إليها اللهجة في مسار تطورها الطويل، فاللهجة تسعى لتصبح لغة، ومعلوم أن التطور لا يكون إلا في اتجاه الأرقى والأكمل؛ لذلك تجد آداب الأقوام وتراثها وعلومها وفنونها تُدوَّن باللغة وليس باللهجة.

وأما اللغة فالواقع الجغرافي والاستعمالي هو الذي يفرض عليها الانقسام إلى لهجات، وهذا الانقسام يُعتبر بدوره تطورا نحو الأفضل والأكمل، ليس باعتبار تحول تلك اللغة إلى لهجات كثيرة، ولكن باعتبار تطور تلك اللهجات نفسها وتحولها فيما بعد إلى لغات، ما يجعلنا نقول بأن تطور اللغة يكون بتحولها إلى لغات أخرى كثيرة تكون اللغة الأولى هي الأصل المشترك لها جميعا.

وقد يحدث أن تندثر اللغة الأم وتفنى في خضم ذلك الانقسام والتفتت، وقد يُكتب لها الصمود كما حدث مع اللغة العربية، التي تفرعت إلى لهجات كثيرة، لكنها مع ذلك بقيت محافظة على كينونتها فلم تندثر كما حدث مع اللاتينية مثلا.

وكأني باللغة كائن حي يجري عليه ما يجري على الأحياء؛ تولد وتنمو وتنضج وتتكاثر ثم تموت.

وقد بحثنا في بعض المعاجم عن معنى اللغة واللهجة والفرق بينهما فظفرنا ببعض الإشارات، فقد عرف ابن فارس اللغة بقوله: لغي بالأمر، إذا لهج به. ويقال إن اشتقاق اللغة منه، أي يلهج صاحبها بها”[5]

أما ابن منظور فقد عرف اللهجة بقوله: ” اللهجة اللسان..والهاجَ اللبنُ الهيحَاجا: خَثُرَ حتى يختلطَ بعضه ببعض ولم تتم خثورته. وكذلكَ كلُّ مختلط. والهاجتْ عينُه: اختلط بها النعاس. والفصيل بلهج أمه إذا تناول ضَرعها يمتصه. ولهج الفصيل بأمه يلهج إذا اعتاد رضاعها، فهو فصيل لاهج. ولهج بالأمر لَهَجا، ولَهْوَجَ، وأَلْهَجَ كلاهما: أُولِعَ به واعتاده. ويقال فلان مُلهَج بهذا الأمر أي مولع به. واللَّهْج بالشيء: الولوع به. واللهجة واللَّهَجة. ويقال: فلان فصيح اللَّهْجَة واللَّهَجَة، وهي لغته التي جبل عليها فاعتادها ونشأ عليها.[6]

الملاحظ من خلال كلام ابن فارس أن الفعل (لهج) مُتضمن في الفعل(لغا)، وبالتالي يمكن القول إن اللهجة مُتَضَمَّنَة في اللغة ومنصهرة فيها، أو هي موجودة في حالة سكون تنتظر الفرصة المناسبة لتخرج من تحت سيطرتها وتنطلق لتكون لغة مستقلة. وهذا يثبت أن اللغة أصل واللهجة فرع.

أما كلام ابن منظور فيمكن أن نستخلص منه أن الفعل (لَهَجَ) يحمل معانٍ متعددة تذكر منها: المداومة على الشيء والمثابرة عليه، واختلاط الشيء بغيره وعدم صفائه ونقائه، والتعوُّدُ على فعل الشيء والوُلوعُ به، واللهجة حسب كلام ابن منظور أيضا هي اللغة وهي اللسان.

إن المقصود بلفظة اللسان التي جاءت في بداية كلام ابن منظور هو اللغة، فالعرب لم يكونوا يعبرون عما نسميه نحن اليوم” باللغة” إلا بـ” اللسان”، وقد يُستأنس في هذا الرأي بما جاء في القرآن الكريم من استعمال كلمة” اللسان” وحدها في معنى اللغة في نحو ثماني مرات[7] فاللغة واللسان معناهما واحد عند العرب القدماء.

وفي الموضع ذاته من كلام ابن منظور نجده يقول بأن “اللهجةُ اللسان”؛ أي أن اللهجة هي اللسان أو هي اللغة، فلا فرق إذن بين اللغة واللهجة، وهذا دليل على أن العرب لم تكن تفرق بين اللغة واللهجة، بل أكثر من هذا نجد أن العرب كانوا يعبرون عن ” اللهجة” بلفظة ” اللحن” كذلك.[8]

وفي غياب معنى آخر للفظة اللهجة غير اللغة واللحن، سنلتقط من المعاني الأخرى التي قدمها ابن منظورـــ والتي بيناها سابقا ـــ للفعل (لهج) معنى الاختلاط وسنبني عليه تعريفا مناسبا للهجة. إن ما يفهم من معنى الاختلاط الذي قدمه ابن منظور للفعل (لهج)، هو أن اللغة متى كانت غير خالصةِ الألفاظ؛ أي شابَ معجمَها الاختلاطُ والتداخلُ بين ألفاظها الأصلية والألفاظ الأجنبية الدخيلة، ومتى أصابها اللحن، تحولت إلى لهجة. وهذا ما يفهم أيضا مما ذُكِر سابقا حول تفرع اللغةـ إذا ما كتب لها التوسع والانتشار ـــ إلى لهجات، حيث يُصيبها اللَّحن من جهة، وتتداخل ألفاظها مع ألفاظ المناطق التي وصلتها من جهة أخرى. كل هذا يجعنا نقول بأن اللهجة هي لغة أصابها اللحن فرع واللغة أصل.

وحتى التعريف الذي يُقَدَّم للهجة في الاصطلاح العلمي الحديث يؤكد علاقة التَّضَمُّن بين اللهجة واللغة والتي بيناها فيما سبق، أو بتعبير أدق علاقة العام بالخاص؛ فـ ” اللهجة هي مجموعة من الصفات اللغوية تنتمي إلى بيئة خاصة، ويشترك في هذه الصفات جميع أفراد هذه البيئة. وبيئة اللهجة هي جزء من بيئة أوسع وأشمل تضم عدة لهجات، لكل منها خصائصها، لكنها تشترك جميعا في مجموعة من الظواهر اللغوية التي تبسر اتصال أفراد هذه البيئات بعضهم ببعض، وفهم ما قد يدور بينهم من حديث، فهما يتوقف على قدر تلك الرابطة التي تربط بين تلك اللهجات. وتلك البيئة الشاملة التي تتألف من عدة لهجات، هي التي اصطلح على تسميتها باللغة.”[9] فاللغة في رحلة توسعها تتأثر بخصائص البيئة التي تنتقل إليها، وبخصائص لغات أهل تلك المناطق، فتبدأ في الانقسام والتفتت إلى لهجات مختلفة، لكنها رغم اختلافها تجمعها علاقات داخلية تشدها إلى اللغة الأم، وهذه العلاقات الداخلية هي التي تضمن التواصل السليم بين الناطقين بتلك اللهجات على اختلافها، يشبه هذا الأمر الفرق الذي تحدث عنه ” دوسوسير” بين اللغة والكلام، فاللغة هي ذخيرة من الانطباعات مخزونة في دماغ كل فرد من أفراد مجمع معين: ويكاد ذلك يشبه المعجم الذي توزع منه نسخ على كل فرد في المجتمع، أما الكلام فهو التحقق الفردي للغة على أرض الواقع، فهو ليس وسيلة جماعية بل هو مظاهر فردية للغة،[10] وهذا التحقق الفردي لا بد أن يترك أثاره على اللغة؛ لذلك فـ” الصفات المميزة للهجة تكاد تكون منحصرة في الأصوات وطبيعتها، وكيفية صدورها.”[11] والأصوات وطبيعتها وكيفية صدورها، تدخل في دائرة اشتغال المتكلم؛ فالتغييرات الصوتية التي تحدث في الأصوات في أثناء الكلام لها أثر عميق في مستقبل اللغة، كما اعترف بذلك دوسوسير.[12] بعبارة أخرى المتكلم هو العامل الأساس في انتقال اللغة إلى لهجة.

إذا ثبت أن اللغة هي الأصل وأن اللهجة ما هي إلا بنت واحدة من بين بنات كثيرات لها، وهي في ذات الوقت مشروع مستقبلي للغة أخرى مستقلة، وإذا ثبت أيضا أن العلاقة بين اللغة واللهجة هي كالعلاقة بين العام والخاص، ثَبَتَ أن التفاضل موجود بالفعل وأن اللغة أفضل من اللهجة، والتفاضل سُنَّة راسخة في الكون، فالأشياء ليست متساوية في القيمة، وهذا التفاوت في القيمة تابع للوظيفة التي وُجدت من أجلها الأشياء، فلا يُصَدِّق عاقل أن الذهب مُساوٍ للتراب مثلا، أو أن الحرير معادلٌ للصوف، أو ألاّ أفضلية للإنسان على الحيوان…، لكن هذا التفاوت والتفاضل لا يُلغي المفضول، ولا يجعل الفاضل مَلِكا مُتَوَّجا، بل إن علاقة التفاضل تلك مبنية على أدوار معينة ينبغي أن يؤديها الفاضل والمفضول سواء بسواء، وأكثر من هذا يمكن القول: إن مسؤولية الفاضل أجلُّ وأكبر من مسؤولية المفضول، وفي حالة اللغة واللهجة، فإن وظيفة اللهجة هي بناء تواصل سليم بين أفراد جماعة لسانية معينة لا غير، أما وظيفة اللغة فأجَلُّ وأعظم ليس التواصل سوى جزء يسير منها، أما جزؤها الأعظم فهو حِفظ تراث الأمة وصونُه من الضياع، ونقلُه مكتوبا سليما من جيل إلى جيل. وتلك مهمة جليلة ومسؤولية جسيمة تتحملها اللغة.

الأمازيغية: لغة أم لهجة؟

إن التمايز بين اللغة واللهجة حاصل بالفعل، وهو تمايز يفرض نفسه، ويفرضه الواقع، لكن هذا التمايز لا يعطي الحق لأحد ليوظفه توظيفا إيديولوجيا يسعى من خلاله إلى بث الفرقة والخصومة والنزاع بين أبناء المجتمع الواحد، ولا يعني البتة الاحتقار والتنقيص، ذلك أن لكلٍّ وظيفته ولكلِّ مهمته التي وُجد من أجلهاـ لذلك سنبين موقفنا الواضح من الأمازيغية قبل أن نحاول علميا إثبات ما إذا كانت لغة أم لهجة، دون أن تكون النتيجة التي سنتوصل إليها في النهاية مَدعاة إلى التنقيص منها أو من أي لسان غيرها. إن موقفنا من الأمازيغية هو نفسه موقفنا من أهلها،؛ هم الإخوة والأصهار والأصدقاء والزملاء، نحبهم ونحترمهم ونرفض ونَرُد كل ما من شأنه التنقيص منهم أو النيل من هويتهم وثقافتهم، ذلك موقفنا من الأمازيغية والأمازيغ دون مجاملة ودون مُداهنة، وإذا كانت النتيجة التي توصلنا إليها سابقا( أفضلية اللغة على اللهجة) تتعارض مع المبدأ اللساني المعروف القائل بعدم المفاضلة بين اللغات والألسن، فإننا نقول بأن هذا المبدأ ليس مُسلَّمة مطلقة علينا الإيمان بها دون مناقشة، فالمفاضلة قائمة شئنا أم أَبَيْنَا، والعجيب أننا نريد إخفاء هذه القضية الثابتة بغطاء يدَّعي العِلْمية والموضوعية وهو ذاته يخرق مبدأ الموضوعية والعلمية، فالمفاضلة موجودة وقائمة، ولكن الذي ينبغي أن يوجد إلى جانبها هو مبدأ الاحترام، فالألسن وعاء الثقافات واحتقار الألسن هو احتقار لتلك الثقافات.

نعود الآن لنبحث في إشكالية تصنيف الأمازيغية، ونطرح السؤال بشكل واضح: في أي خانة يمكن وضع الأمازيغية أفي خانة اللغات أم في خانة اللهجات؟

الجواب يستدعي منا العودة إلى الكلام السابق الذي بدأنا به هذه الورقة، والذي بينا فيه أن اللغة بفعل اتساعها الجغرافي تتحول إلى لهجات كثيرة وهذه الأخيرة تتطور مع مرور الزمن إلى لغات، إذا فالمعيار الفاصل بين اللغة واللهجة هو قابلية اللغة للتفتت إلى لهجات وعدم قابلية اللهجة لذلك، لنعرض هذه القاعدة على الأمازيغية ولْنَرَ هل للأمازيغية بنات صُغريات تفرَّعن عنها بحيث تكون هي بمثابة الأم لهن؟ واقعيا نظن أنه بالفعل توجد للأمازيغية بنات( لهجات) تَفَرَّعْنَ عنها، لكننا لن نتسرع ونقول بأن الأمازيغية لغة وليست لهجة، لأن ثمة معيار آخر للتصنيف وهو معيار تدوين العلوم والآداب والفنون باللغة وليس باللهجة، هنا سنجد أنفسنا أمام إشكالية حقيقية، ذلك أنه لم يثبت تاريخيا ـــ حسب علمنا المتواضع ــ أن ثمة علوما وآدابا وفنونا دُوِّنَت بالأمازيغية، والتدوين يحتاج إلى خط وَرَسْمٍ وحتى هذا تصطدم فيه الأمازيغية بإشكال لم يتمَّ الحسم فيه بعد؛ ونعني بذلك إشكال “تيفيناغ”، نحن أمام نتيجتين تُقَوض كل منهما الأخرى، فالأولى تَجُرُّ الأمازيغية إلى دائرة اللغات، بينما الثانية تحاول دفعها بعيدا عن تلك الدائرة. هكذا يبقى الإشكال مطروحا، لكن في غياب أبحاث أنتروبولوجية جادة تحاول البحث في السؤال الثاني (سؤال تدوين الآداب والعلوم والفنون…) نحكم مبدئيا بانتماء الأمازيغية إلى دائرة اللغات، لكنها مع ذلك تبقى لغة محدودة في حيز جغرافي محدود، مثلها مثل لغة الإينو التي يتكلم بها سكان جزر هوكايدو وسخالين، واللغة الليتونية التي يتكلم بها الباسكيون في فرنسا وإسبانيا. أو في أحسن الأحوال مثل اللغة الفارسية والحبشية اللتان انتشرتا، لكن بصورة متوسطة.[13] ويبقى على الباحثين محاولة إثبات تدوين العلوم والآداب والفنون الأمازيغية باللغة الأمازيغية لكي يَنْحَسِم النقاش تماما.

على سبيل الختم:

كانت تلك وجهة نظرنا المتواضعة حول الموضوع، ونؤكد على أنها تحتمل الخطأ مثلما تحتمل الصواب، وحسبنا أن نفوز بأحد الحسنيين، فإما أن نُصيب الأَجْرَين؛ أجر الاجتهاد وأجر إصابة الصواب، وإما أن نصيب أجر الاجتهاد، ويمكن تلخيص النتائج التي قادنا إليها هذا التحليل السريع لبعض المعطيات اللسانية المتعلقة باللغة واللهجة فيما يلي:

  • التمايز بين اللغة واللهجة موجود لكنه ليس مَدعاة للتنقيص من شأن اللهجة، إذ لكل منهما وظيفته الخاصة؛
  • وظيفة اللهجة تواصلية أما وظيفة اللغة فهي حفظ تراث الأمة وصونه من الضياع؛
  • اللغة إذا توفرت لها أسباب الانتشار والتوسع الجغرافي تتفرع إلى لهجات دون ان تفقد بالضرورة أسباب وجودها؛
  • المتكلم هو العامل الأساس في انتقال اللغة إلى لهجة.
  • اللهجة هي بنت صغرى للغة وهي مشروع للغة مستقبلية؛
  • الأمازيغية لغة ــ بنوع من التجوز ـ وهي شبيهة باللغات المحصورة في حيز جغرافي ضيق، أو باللغات المنتشرة انتشارا محدودا؛ كلغة الإينو واللغة الليتونية، واللغة الفارسية والحبشية.
  • المبدأ الضامن للتعايش اللغوي هو مبدأ الاحترام لأن احترام لغة الآخر هو احترام لثقافته والعكس أيضا صحيح؛
  • يبقى التدليل على هذا الادعاء (كون الأمازيغية لغة) محتاجا بشدة إلى تعمق الباحثين والدارسين لإثباته.

البيبليوغرافيا

  • ابن فارس (المتوفى:395ه)، مقاييس اللغة، (لغو)، تح: عبد السلام محمد هارون، الناشر: دار الفكر، عام النشر: 1399ه، 1979م.
  • إبراهيم أنيس، في اللهجات العربية، ط2، 1952.
  • تاريخ الادب العربي، مصطفى صادق الرافعي، (ت=المتوفى: 1356ه)، الناشر: دار الكتاب العربي.
  • محمد بن مكرم بن علي، أبو الفضل، جمال الدين بن منظور الأنصاري الإفريقي، دار صادر، بيروت.
  • علي عبد الواحد وافي، علم اللغة، نهضة مصر للطباعة والنشر، ط9، 2004.
  • فردينان دي سوسور، علم اللغة العام، ترجمة: يوئيل يوسف عزيز، آفاق عريية، 1985.

[2] علي عبد الواحد وافي، علم اللغة، نهضة مصر للطباعة والنشر، ط9، 2004، ص171

[3] علم اللغة، ص 173(بتصرف)

[4] مصطفى صادق الرافعي، تاريخ الأدب العربي، مجلد1، ص198، تحدث الرافعي عن هذه المسألة تحديدا في معرض كلامه عن اللغة العربية الفصحى، ونحن لا نرى ما يمنع تعميم هذه الخاصية بالنسبة للغات كافة.

[5] ابن فارس، مقاييس اللغة، (لغو)، ج5/ 255.

[6] محمد بن مكرم بن علي، أبو الفضل، جمال الدين بن منظور الأنصاري الإفريقي، دار صادر، بيروت، ط3، 1414هـ، عدد الأجزاء 15، ج2، ص359

[7] إبراهيم أنيس، في اللهجات العربية، مكتبة الأنجلو مصرية، ط2، 1952، ص15/16

[8] في اللهجات العربية، ص15

[9] إبراهيم أنيس، في اللهجات العربية، ص15

[10] ـفردينان دي سوسور، علم اللغة العام، ترجمة: يوئيل يوسف عزيز، آفاق عريية، 1985، ص38

[11] ـفي اللهجات العربية، ص16

[12] علم اللغة العام، ص 37

[13] علم اللغة، ص169

اشترك في النشرة البريدية
سجل هنا للحصول على آخر الأخبار والتحديثات التي ستصل مباشرة إلى صندوق الوارد الخاص بك.
يمكنك إلغاء الإشتراك في أي وقت

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.