منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

جدلية اللغة والأنوثة في “زمن المؤنث”

جدلية اللغة والأنوثة في "زمن المؤنث"/د.عبد الغني العجان

0

جدلية اللغة والأنوثة في “زمن المؤنث”

د.عبد الغني العجان
لغوي وناقد أدبي- المغرب

تفتح مجموعة (زمن المؤنث) القصصية الصادرة حديثا (في طبعتها الأولى 2022) للقاص المغربي مجيد فلوح فرصة للتداول والنقاش حول الأنثى والأنوثة، من جهةٍ ما زالت، في تقديري، في حاجة ماسة إلى المزيد من تسليط الضوء هي الزاوية النقدية اللسانية الاجتماعية. ولعل الاستناد إلى هذا المنحى اللساني في قراءة النصوص الأدبية وتحليلها، سيقلل من ميل الحكم النقدي إلى أحكام القيمة والمشاعر الخاصة، كما سيجنبنا التكلف في البحث عن المقاصد المفترضة للمؤلف.

لذلك أقول إن (زمن المؤنث) هو نص دال لاختبار فرْضية جدلية العلاقة بين اللغة وجنس الأنثى. ومن ثم، فإن هذه المقالة ليس دراسة جمالية فنية في هذه المجموعة، ولكنها سؤال في اللغة، أو بحث في تلك العلاقة بين الأنثى واللغة. ومؤشري على ذلك بعض العناصر اللغوية التي وجدت لنفسها الفضاء للتحرك والتعبير على لسان الأنثى في هذه المجموعة القصصية. ومن أجل ذلك، سأختزل الحديث في ثلاث قضايا:

1- القضية الأولى: في الضمير الأنثوي

نعلم أن الخطاب السردي يشتغل عبر آليات تفصح عن مكنون الشخصية، منها آلية الضمير التي لا تخلو من اصطناع وإبداع في مجال السرديات. وعموما ففضلا عن الوظيفة التركيبية (شغل موقع المركب الاسمي التركيبي- شغل موقع المعمول لعامل…) تنطوي الضمائر على أبعاد اجتماعية، كإبراز مستويات الأفراد في المجتمع.

بيد أن ما يعنينا في القضية عند تتبع إحالات الضمائر في (زمن المؤنث) يتضح أن الإحالة على الأنثى، يكون أحيانا بصيغة المذكر، مع وجود اختيار التعبير بالضمائر المؤنثة. وأنا لا أريد بهذا أن أناقش الكفاءة اللغوية للقاص، وقد ألَّفَ وتحدث بمنطق لغوي عربي فصيح؛ إذ نعلم أن من سُنن العرب تذكير المؤنث وتأنيث المذكر في الجمع “وقال نسوة في المدينة”، ” قالت الأعراب آمنا”، وحملهم اللفظ على المعنى في تذكير المؤنث وتأنيث المذكر “فأحيينا به بلدة ميتا”، ولم يقل ميتة لأنه حمله على المكان. “السماء منفطر به” فذكَّر السماء وهي مؤنث، لأنه حمل الكلام على السقف. (الثعالبي، فقه اللغة، ص. 331.)
نرجع إلى (زمن المؤنث) لقراءة هذا النص: “أزعجني زواجها! ولا أدري هل لغيرتي من رفيقها الجديد؟ أم فقداني صاحبا عزيزا؟ أم خوف عليها كان ينتابني؟” ( ص. 66) نلاحظ أن صاحب الخطاب (وهو فتى) في هذا النص يتحدث عن أنثى. وسياق التركيب في قوله: “أم فقداني صاحبا عزيزا؟” يقتضي الإحالة إلى التأنيث.

ومثل هذه الإحالة جرت في سياقات لغوية أخرى في (زمن المؤنث)، حيث نرى مثلا- بطلة نص (كْرِيمْبُوشْ) تتكلم عن علاقاتها بصديقاتها من الجيران: “أتذكر أني كنت مريضة ونبت في رأسي أفواج من الدماميل والأمراض الجلدية ما دفعهم إلى حلق رأسي، ولكني لم أتعرض لأي تحرش، وكان لي صديقات من الجيران ألاعبهن…” (زمن المؤنث، ص. 69).
ولئن كان غرضنا في هذه الفقرة إثارة مسألة تحويل وجه اللغة من التأنيث إلى التذكير بتأملها ثقافيا واجتماعيا من داخل سياج اللغة، فهل حقا لا يمكن للأنثى أو المرأة أن تحسن التعبير والإفصاح عن ذاتها إلا إذا تحدثت بضمير التغليب اللغوي؟

2- القضية الثانية: في أنثوية نص (زمن المؤنث)

موضوع “أنثوية الكتابة” نوقش في مساحات مهمة من التأليف الثقافي المعاصر، وبخلفيات متعددة – وليس لدينا الفسحة الكافية لإثارة ما قيل في الموضوع. لكن أقول سريعا إن: نص (زمن المؤنث) هو نص أثوي ليس في بطولته وشخوصه فحسب، وإنما في طبيعته اللسانية واللغوية التي نحت منحى العبارات والكلمات المهذبة أو الملطفة. ولعل هذه الفكرة تجد صداها ضمن فرضية من فرضيات اللسانيات الاجتماعية تربط في الغالب الخشونة والجرأة في القول، والتلفظ باللفظ المحظور بالذكور والرجال.

ويتم تفسير هذا المنحى اللغوي بنظريتين: الأولى هي نظرية “السيادة والتسلط” التي تَعُد فئة النساء فئة مهمشة ومضطهدة من قبل الرجال. بينما تركز النظرية الثانية على فكرة أن النساء يختلفون عن الرجال في الثقافة ومن ثم يختلفون في اللغة. والمِثال المَاثلُ أمامنا ما يعرف بالمحظور اللفظي. فقد دلت العديد من الأبحاث السوسيولسانية على أن النساء يعمدن في حديثهن لإيجاد عبارات أو كلمات مهذبة أو ملطفة عكس الرجال.
لكن في حالة نص (زمن المؤنث) تُطرح أمامنا قضية غاية في الأهمية هي أن مؤلفه هو رجل محسوب على صنف الذكور. والسؤال هاهنا: هل كان مجيد فلوح مؤلفا أم مسجلا لأصوات النساء التي ضمتها مجموعته القصصية؟ الجواب عن سؤالٍ من هذا القبيل هو غاية في الدقة. ومن ثَمَّ لست أدعي فيه إجابات دقيقة وفاصلة وحاسمة. بيد أنه ومن خلال بعض الرصد للغة نص (زمن المؤنث) يبدو أن التأليف يأخذ برقاب التسجيل، ومن ثم تتقلص مساحة التعبير الأنثوي في لغة النص بين الفينة والأخرى.

لنلاحظ التصريح الأنثوي الآتي (على لسان بطلته): “حين بلغ عمري أربعة عشر سنة فاق طولي كلَّ أخواتي، وكنت أصغرَهن، وكنت الشقراء الوحيدة في العائلة، ذاتَ شعر ذهبي طويل مرسل، منسدل على ظهري، أتفنن في إظهاره، وفي طرق تصفيفه.” (ص. 74). إن هذا التعبير تقلصت فيه مساحة التعبير الأنثوي، بمسوغ تركيزه على الوصف الشكلي المادي من كيان الأنثى. وهذا بناء على بعض ما قيل: إن ذائقة الإنسان العربي تهتم كثيرا بالملموس من صفات المرأة. وأعتقد أن السارد لم يغب عن وعييه هذا بقوله :”تغنت العرب بالظفائر والغدائر، وبسواد الشعر كما فعل ابن الرومي، والمتنبي حين تغزل بالتي:

كَشَفَتْ ثَلاثَ ذوائبٍ من شعرها في ليلة فأرتْ ليالــي أربــعا

… (و) بالتي كبلقيس محبوبة نزار قباني اذي قال فيها:

ولكل عِقد من عُقودك قصَّتان
حتى ملاقط شعرك الذَّهَبي
تغمرني، كعادتها بأمطار الحنان (ص. 74).

3- القضية الثالثة: في بذاءة اللفظ في الأدب

أعتقد أن الخلفية اللغوية اللسانية الاجتماعية التي انطلق منها لا تسمح لي بمناقشة مسألة البذاءة في الأدب والبحث عن بديل لها. لذا ينبغي الانتباه إلى إمكانية أن تتحول أدواتنا التحليلية إلى آليات وصفية تبريرية، وعامل استمرار وضعيات لغوية ولو على حساب قيم عليا من قبيل الارتقاء بالذوق العام والسمو به التي هي من وظائف الأدب. ولعل مناسبة هذا الكلام أن مؤلِّف المجموعة القصصية (زمن المؤنث) لم يجعل شخصياته تتحدث بألفاظ خارجة عن اللياقة أو الذوق العام سواء ضمن السياقات الرومنسية التي يقتضيها السرد، أو في سلوك الشخصيات التي لا تعرف للحديث والتعبير محظورا ولا حدودا.

جاء في مجموعة (زمن المؤنث): “تلقيت رسالة من أحد أبناء الرافعي تطلب يدي، أنسبه إلى الرافعي لأنه مغرم بوحي قلمه…” (ص. 88). وفي سياق آخر من المجموعة ذاتها: “أذكر أبي مرة في الحجرة المجاورة لغرفتي، يختطها ذهابا وإيابا، منتفخة أوداجه يضرب يمناه بيسراه، ويضرب الأرض برجله كما تفعل الفرس الهوجاء، يلعن ويشتم ويردد “مينة حافيا”، ثم يقول كلاما لا تسمح الرقابة بنشره.” (ص. 22).

لقد ذكرتني هذه العناية الخاصة بالمفردة والعبارة المنسابة بجاذبية الألفاظ “الرفيعة” بعبارات لزوجة دوستويفسكي آنا غريغوريفنا في سردِيَّتها السيرية الذاتية الغيرية: “لن أنقل تلك الكلمات المفعمة بالحب، التي قالها لي فيدور ميخائلوفيتش (دُوسْتْوِيفْسكي) في تلك اللحظات التي لا تنسى: فهي مقدسة بالنسبة لي…” (دوستويفسكي في مذكرات زوجته، ص.62). وتقول أيضا: “أذكر أنني بينما كنت عنده ذات مرة رحت أتصفح إحدى الروايات الفرنسية التي كانت على مكتبه، فاقترب مني وبكل هدوء أخذ الكتاب من يدي. قلت له: ولكنني أفهم الفرنسية فاعطني هذه الرواية أقرِؤها. ليس هذه، فما حاجتك لتدنيس مخيلتك… فكنت أحتج بقولي: لماذا تقرؤها أنت؟ لماذا تدنس مخيتك؟

– إنني إنسان عركته الحياة، وأنا بحاجة إلى بعض الكتب كمادة لعملي، يجب أن يعرف الكاتب الكثير، ويجرب الكثير، ولكن أؤكد أنني لا أتمتع بالمشاهد الماجنة، وغالبا ما تثير التقزز لدي.” (دوستويفسكي في مذكرات زوجته، ص. 91).

ولعل السؤال الذي نضعه للتأمل والاختيار: هل نريد أدبا ينزع عن الرجل والمرأة “لباسهما ليرهما سواءتهما”، أم نريد أدبا يخلع على الناس أردية الذوق وحلل الكياسة والجلال والجمال؟ سؤال في شقه الثاني لا ينفك عن ماهية الأدب وجوهره النفيس.

– نشر بــ “إيطاليا تلغراف”.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.