منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

أفول المصداقية الأخلاقية للغرب

أفول المصداقية الأخلاقية للغرب/د. رشدي بويبري

0

أفول المصداقية الأخلاقية للغرب

بقلم: د. رشدي بويبري

نُسب إلى الأديب الروسي الشهير لوي تولستوي قوله: “إن الذين يتظاهرون بأنهم أكثر الناس تحضُّراً ورُقياً وتقدماً وهنداماً وشكلاً هم في واقع الأمر أبشع وأكثر الناس وحشية وتدميراً وسفكاً للدماء في التاريخ”، وربما تعتبر هذه الحكمة خلاصة تجربة الرجل التي دامت طويلا. وحين نُسقط هذه المقولة على الحضارة الغربية الحديثة نجد تطابقا كبيرا بين معانيها وبين الواقع الذي عانت منه الإنسانية جراء همجية ووحشية الجنتلمانات الغربيين. فقد أذاق ذو البدلات الراقية والياقات المرتبة شعوبا كثيرة ألوانا من الذل وأصنافا من الويلات سواء خلال الحقبة الاستعمارية منذ القرن التاسع عشر أو خلال وقائع القرن العشرين. حروب مدمرة كان الدافع الأساس لإشعالها واستمرارها ضمان هيمنة أولئك المتحكمين في العالم من خلال رعاية تفوق دولهم المارقة ومصالح شركاتهم الجشعة. وهو ما يؤكده الفيلسوف الفرنسي ميشيل أوفري بقوله: “نحن في نظام رأسمالي ينتج يوما بعد آخر الحروب، فالمقولة الشائعة بأن “الرأسمالية تحمل في أحشائها الحرب كما يحمل الليل العواصف”، صارت مقولة صادقة يثبتها الواقع. وهذا ما يجعلنا داخل نظام سياسي واقتصادي وثقافي وأخلاقي منهار ومفلس”. فلو أراد باحث استقصاء حصيلة جرائم الدول الغربية لاحتاج إلى مجلدات كثيرة وضخمة.

ورغم تطور الإنجازات العلمية والتكنولوجية التي حققتها هذه الحضارة في العديد من المجالات إلا أنها لم تتمكن من تجاوز هذا المأزق، فقد بقي البعد الأخلاقي شرخا مترسخا وغير قابل للرتق ويتفاقم باستمرار. ولعل هذا ما حدا بعدد من المفكرين إلى الإقرار بفشل الرأسمالية وفلسفتها الليبرالية وعجزها عن صياغة منظومة أخلاقية تحافظ على إنسانية الإنسان وترقى بوجوده بعيدا عن الحيوان. “فليس ثمة تحليل نقدي وُجِّهَ إلى الفلسفة الاجتماعية الليبرالية إلا وانتبه إلى هامشية القيمة الأخلاقية في رؤيتها لما ينبغي أن ينظم علاقة الأفراد، ونوع القيم التي يجب أن تضبط ترابطهم داخل المجتمع. فنَسْب الأخلاق إلى الليبرالية أمر مشكوك فيه ابتداء”[1].

ساد اعتقاد منذ قرنين، على الأقل، مفاده أن الحضارة الغربية تبلورت حول الإنسان، وأن ما أفرزته من مقولات وقوانين كانت الغاية منها الرقي بوجود هذا الكائن وحماية حقوقه، لكن الواقع كان دائما مِحكّا لمصداقية تلك الادعاءات. ففضلا عن التناقض القيمي وازدواجية المعايير الذي برز جليا من خلال سيادة منطق احتكار القيم وحرمان الشعوب الأخرى منها، أظهرت الأزمات المتتالية ضعف الالتزام بتلك القيم حتى داخل المجتمعات الغربية نفسها، وإن ما أفصحت عنه أزمة فيروس كورونا لخليق بالتأمل والاعتبار. وقد أشار إلى ذلك الفيلسوف أونفري في كتابه “الانحطاط”[2]، الذي اعتبر فيه أن الحضارة الغربية في انهيار متواصل، وتعيش حالة من الهرم.. وقد شكلت جائحة فيروس كورونا المستجد مرحلة جديدة ضمن “انهيار الحضارة الغربية، اليهودية المسيحية”.

لقد فشلت الدول الغربية في امتحان مصداقية المنظومة الأخلاقية لحضارتها، وأثبت الواقع في كل مرة سقوطها ونفاقها وتناقضها، وأظهرت في كثير من الحالات تحيزا صادما لحكوماتها ضد قيمها، خاصة حين تعلق الأمر بحقوق الشعوب الأخرى. وقد أثار الفيلسوف فيليب بينتون، في كتابه النقدي “الاختلال الأخلاقي للغرب”[3] هذه القضية ورأى أن ما تباهى به الغرب باستمرار، صار تحديداً، مصدر الخطر عليه والذي قد يودي به، فقد بدأت الحجب تتكشف مع تصاعد مظاهر التراجع الأخلاقي. لذلك دعا هذا الفيلسوف إلى سياسة جريئة، وأكثر واقعية، تبحث عن التوازن في تطبيق ما اعتُبر من المداميك الرئيسية للحضارة الغربية.

وتظل القضية الفلسطينية معيارا كاشفا لأفول المصداقية الأخلاقية للحكومات الغربية وكثير من منظماتها المدنية والسياسية. فالمآسي التي تعرض لها الشعب الفلسطيني على مدار أكثر من سبعين سنة من قتل وتهجير وترويع واضطهاد، والتي ما يزال يتجرع من كأسها إلى الآن، تبقى شاهدا على النفاق والتناقض البشع بين المقولة والإيمان بها وممارستها في الواقع الذي يفترض أن تتنزل فيه. فلم تكتف الدول الغربية بالتنكر لقيم السلم والتسامح والحرية والكرامة، التي طالما تباهت بها، بل صارت شريكا للصهاينة في خرقها والعصف بها، بل داعما لها بكل الوسائل والإمكانيات. فقد سرّع الوحش الصهيوني، الذي صنعه الغرب على عينه ودعمه بكل وسائل الحياة والبطش، من وثيرة الانهيار الأخلاقي الغربي ووجه أنظار العالم إلى خطورته ومساقاته، وهو ما يجعل البحث عن منظومة حضارية وأخلاقية جديدة تنقذ البشرية وتحافظ على ما بقي لديها من فطرة سليمة، حاجة ماسة وملحة، فقد فشلت الحضارة الغربية في أن تكون حضارةً عالمية نبيلة وعادلة.


1 ـ الطيب بوعزة، في الخلاق الليبرالية.

[2]Michel Onfray ; Décadence ; Editions Flammarion ;2017

[3] –  Philippe Bénéton; Le dérèglement moral de l’Occident ; Editions du cerf Collection Philosophie; février 2017

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.