منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

قراءة في كتاب “فصل المقال فيما بين الحكمة والشريعة من الاتصال”

عثمان الشريف

اشترك في النشرة البريدية

قراءة في كتاب “فصل المقال فيما بين الحكمة والشريعة من الاتصال”

تأليف أبي الوليد ابن رشد الحفيد (1126 -1198م)

هاجس القراءة

انتابني هاجس منهجي وأنا أتهيأ لقراءة كتاب فصل المقال لابن رشد، ذلك أن المدونة الرشدية شكلت منذ النصف الثاني من القرن التاسع عشر، ولا تزال، تربة خصبة لاستنبات عدد لا يحصى من الدراسات والأبحاث والمشاريع العلمية والنقدية، سواء من قبل المستشرقين الذين كانوا سباقين إلى نفض الغبار عن تراث ابن رشد أو من قبل المفكرين العرب المعاصرين، المشارقة منهم والمغاربة سواء بسواء. واللافت للانتباه أن هذه القراءات، على كثرتها، قد رسمت لفكر فيلسوف قرطبة ومراكش صورا مختلفة ومتباينة بل تصل حد التناقض أحيانا. ولعل هذا الواقع أكثر وضوحا في الفكر الفلسفي المغربي المعاصر الذي تراوحت فيه صورة ابن رشد بين “التهويل” و”التهوين”، وشكلت فيه الذخيرة الفلسفية الرشدية سلاحا لحرب وسمها الخفاء والتجلي بين قطبي الفلسفة المغربية، نقصد ههنا الدكتور محمد عابد الجابري والدكتور طه عبد الرحمان؛ فبينما رأى الأول في الرشدية ” خطوة ضرورية في استنبات رشدية عربية إسلامية هي وحدها القادرة في نظره على أن تعطي لحياتنا الثقافية ما هي في حاجة إليه من القدرة الذاتية على التصحيح والتجديد”[1]، لم يألُ الثاني جهدا في بناء مشروع قراءة جديدة مناقضة لا يرى من خلالها أي حاجة أو ضرورة في استرجاع هذه الروح الرشدية وتبويئها مكانة المثال الذي يجب أن يحتذى.

على هذا النحو نبت في الفلسفة المغربية المعاصرة مشروعان، على الأقل، وقفا كطرفي نقيض بخصوص المسألة الرشدية، وشكل أحدهما للآخر مقابلا موضوعيا يختلف عنه في الرؤية والتصور والمنهج؛ فإذا كان الجابري قد استلهم من ابن رشد التراتبية التفاضلية في تصنيف العقل العربي: فجعل العقل البرهاني يعتلي مكانة الصدارة يليه نزولا العقل البياني ثم العقل العرفاني- إذا كان الجابري كذلك- فإن طه عبد الرحمان يقلب التصنيف رأسا على عقب، فيرفع العقل العرفاني المؤيَّد إلى قمة الهرم وينزل العقل البرهاني المجرَّد إلى أسفله جاعلا بينهما العقل البياني المسدَّد[2].

المزيد من المشاركات
1 من 19

إن هذه الثنائية القطبية دفعت العديد من الباحثين والدارسين العرب المشارقة منهم والمغاربة إلى الوقوف والاصطفاف إلى جانب هذا القطب أو ذاك، وأصبحوا بكيفية أو بأخرى “مريدين” يرددون مقولات الشيخيْن ويسعون إلى نشر الطريقة بين الأتباع والأشياع، فطُمست بوعي أو بغير وعي منهم معالم الجدة والأصالة والإبداع الذي يجب أن يتميز به الباحث، فصرنا لا نقرأ إلا مُعارا ومُعادًا من قول ذيْنِك المفكريْن مَكْرُورًا. فهل نقول، والحال هذه، إننا أمام حتمية تاريخية تقضي بأنّ السابقين لم يتركوا شيئا يضيفه اللاحقون، فحصروا الإشكاليات وقتلوها بحثا، ولم يبق على هذه الأرض الرشدية ما يستحق الحياة؟ أم أن الأمر يتعلق بحالة نفسية تصيب الباحثَ بالانبهار بالمُنجَز النقدي فتُحْجِمُه عن الخوض بجرأة في نقد هذا التراث، وتجعله يتهيّب من اقتراح قراءات من خارج الأنساق القائمة؟

إن هذه الأسئلة وغيرها تزداد توترًا وحُرْقَة حينما تنتاب باحثا مبتدئا مثلي لا زال يخطو خطواته الأولى في مجال البحث الفلسفي، ولم تتقو بعدُ مناعته التي تحميه من الوقوع ضحية لتأثير المشاريع والاقتراحات القائمة لتجديد الفكر العربي. ومن ثم كيف السبيل إلى التمرد على سلطة توجيه القراءة التي يمكن أن يمارسه عليه هذا المشروع أو ذاك؟

إنني لا أتوخى في هذه الورقة[3] اقتراح قراءة تدّعي الجِدّة أو الإتيان بما لم يأت به الأوائل، وإنما مبلغ مطمحنا التمرن على إثبات الخصوصية في تناول الموضوع وطرح التصور، والإقدار على التوظيف المنهجي في تتبع المقولات والموازنة بينها، من خلال قراءة عابرة تمر عبر المنجز السابق تحاوره وتستفيد منه دون أن تتقيد بقيوده أو تحتكم لمعاييره أو تستسلم لقناعاته.

صورة ابن رشد بين ” التهويل” و” التهوين”

لقد أشرف الدكتور محمد عابد الجابري على إخراج مشروع يتغيى التعريف بكتب ابن رشد التي كتبها- حسب زعمه- ابتداء وأصالة، وخاصة تلك المؤلفات التي أبدع فيها بعيدا عن الشرح والتلخيص لكتب الأوائل من فلاسفة الإغريق وفي مقدمتهم أرسطو. وهذه الكتب هي فصل المقال والكشف عن مناهج الأدلة وتهافت التهافت والكليات في الطب ثم كتاب الضروري في السياسة.

ولا يمكن بحال من الأحوال إنكار هذا المجهود الفكري المبذول أو تبخيس هذا العمل وإخفاء أثره في إغناء المكتبة الفلسفية العربية المعاصرة. غير أن الجابري صدر في مشروعه الفكري هذا، ومنذ كتابه المؤسس “نحن والتراث”[4]، عن رؤية منهجية متعالية مفرطة في الذاتية وتعاني من نزعة تفضيلية، رأت في المنجزات السابقة عليه التي تناولت الإرث الفلسفي لابن رشد أنها ” تعاني مما يمكن أن نطلق عليه أزمة الفهم وذلك على مستوى العبارة ومستوى قصد المؤلف (أي ابن رشد) “[5]. وهذه النزعة نفسها سبق أن عبر عنها في قراءته لفلسفة ابن سينا المشرقية حينما لاحظ أن القراءات السابقة عليه وقعت في تعميم الأحكام بل في الأخطاء[6].

ويبدو أن هذه القناعة التفضيلية لفلسفة ابن رشد ترسخت لدى الجابري مبكرا منذ نصوصه النقدية الأولى لقراءة التراث الفلسفي العربي حينما جعل النموذج الرشدي يحمل صفة التميز، بل أحدث حسب زعمه ثورة في سيرورة الفلسفة العربية الإسلامية أوصلها حد القطيعة الإبستمولوجية مع نظيرتها المشائية في المشرق، ” قطيعة تمس في آن واحد المنهج والمفاهيم والإشكالية”[7]. ولا يقف الجابري عند حدود الترجيح التفاضلي لمُلْهِمِه بل يتمادى في الانتصار له ويصطف إلى جانبه مهاجما خصومه من فلاسفة المشرق، وفي مقدمتهم أبو حامد الغزالي وبدرجة أقل ابن سينا والفارابي، ولم ير أي غضاضة في التنكيل بهم تنكيلا لا يقل جرأة وتشنيعا عن ذاك الذي ابتدأه ابن رشد نفسه في كتابيه فصل المقال وتهافت التهافت. هكذا لا يرى الجابري في الغزالي مثلا إلا ذلك ” المنظر الإيديولوجي للدولة ضد الباطنية والفلسفة “[8]، ثم لا يلبث أن ينصبه قائدا في” محكمة التفتيش ضد الفلسفة وعلومها “[9]. وفي المقابل يتغاضى عن التصريح بالأدوار السياسية والمهام الإيديولوجية التي أنيطت بفيلسوفه المفضل، بل إنه يعتبر مهمات ابن رشد في السياسة الثقافية للدولة الموحدية على عهد السلطان أبي يعقوب “إسهامات تنويرية “.[10]

على هذا النحو يتأسس لدى القارئ وعي منذ البداية أنه أمام قراءة جديدة و” ناسخة ” تجُبُّ ما قبلها من القراءات السلفية[11]، وتبطل كل الأحكام وتهدم جميع المشاريع وتُعْمي الرُّؤى الفلسفية وتحصد ما نبت من قبل في حقل الدراسات العربية التي عالجت فكر فيلسوف الفردوس المفقود. إن هذا الموقف الذي يتبناه الجابري هو توجيه صريح للقارئ، ونداء لتصويب أشرعة القراءة وتوجيهها نحو المقاصد والغايات التي يبدو أنها محددة مسبقا على خارطة صاحب المشروع، الذي يبدو أنه يتهيأ للإعلان عن فتح غير مسبوق في الدراسات الرشدية، و “حل لألغاز ” استعصت على الاجتهادات المعاصرة التي سبقت مشروعه وكانت ” تستقي إشكالياتها وموجهاتها في الغالب الأعم مما كتبه عن ابن رشد المستشرقون”.[12]

لقد شكل خطاب المقدمات الذي افتتح به الجابري كل حديث له عن ابن رشد وخاصة مؤلفاته التي أشرف على إعادة تحقيقها- شكل- غواية حقيقية للقارئ، تراوده عن نفسه وتأخذ بتلابيبه وتجره جرا للوقوع في أحضان مقصدية الكاتب الذي رأى في ابن رشد وفكره ” المنقذ من الضلال” الذي تاهت فيه الأمة العربية، و” مَهْدِيَّها المنتظر” المخرجَ لها من نفق التخلف والرجعية، ابن رشد ” الحقيقي ” العربي الإسلامي الذي يعيد الجابري اكتشافه، وليس ابن رشد ” المزيف” الذي قدمته الدراسات السابقة. هكذا لم يدخر الجابري جهدا في تهويل ورسم الصورة المثال لفيلسوفه الأثير وتقديمه للقارئ العربي باعتباره “نموذجا للمثقف العربي المطلوب اليوم وغدا، الذي يجمع بين استيعاب التراث وتمثل الفكر المعاصر والتشبع بالروح النقدية، وبالفضيلة العلمية والخلقية “.[13]

لا يخفي الجابري، إذا، حقا يراه مشروعا في رسم صورة مثالية لابن رشد وتبشير القارئ العربي المعاصر بـ” المخلِّص”، كما لا يكف عن الترويج لفكر هذا الرجل الذي عثر فيه على ملامح المثقف المطلوب الذي يجب أن يُحتذى فقها وفكرا؛ لقد أصبغ الجابري على ابن رشد كل ما وسعه من عبارات الثناء  والتعظيم إلى الحد الذي بدت فيه صورة أبي الوليد محاطة بهالة من التبجيل والتقديس؛ فهو الفيلسوف ” صاحب العبقرية الرياضية”[14]، و” المنطقي الذي لا يعرف التملق ولا الحشو”[15]، وفلسفته ” مستقبلية على الرغم من ارتباطها بأرسطو”[16]، وصاحب” فلسفة خاصة وأصيلة.. فلسفة جديرة حقا بهذا الاسم”[17]، وصاحب “عقلانية واقعية”[18].

لقد قرأ الجابري فيلسوف الفردوس المفقود بعين المحب الذي يرى في محبوبه صفات الكمال ويتغاضى عن كشف الهفوات والعثرات ومكامن الخلل. لقد سلط صاحب مشروع نقد العقل العربي الضوء على جسد الفكر الرشدي وأبرز كل التفاصيل التي تخدم مشروعه وحلل كل بنية تتقاطع مع رؤيته الإيديولوجية، وفي المقابل ستر، ما أمكنه ذلك، كل عيوب هذا الجسد ومكامن النقص والقصور فيه وتركها تتدثر بظلال الصمت أو بالتبريرات الإسقاطية، متوسلا في ذلك بقدرة كبيرة على توظيف الطاقات الحجاجية والوظائف التعبيرية للغة التي يمتلكها.

أمام صورة التهويل التي رسمها الدكتور محمد عابد الجابري للفيلسوف ابن رشد، حيث راكم على امتداد سنوات ما استطاع إليه سبيلا من سمات تكوينية استمدها من فلسفة ابن رشد لبناء هذه الصورة حتى تضخمت في الوعي العربي بالشكل الذي حجبت معه كل نموذج آخر أصيل يمكن أن يشكل نواة مشروع نهضة فكرية. – أمام تلك الصورة – نجد الدكتور طه عبد الرحمان يهوِّن من قيمة ابن رشد الفلسفية ويرى أنه لا يستحق كل تلك الضجة التي ملأ بها الجابري الدنيا وشغل الناس؛ إذ لم يكن ابن رشد في نظر طه عبد الرحمان سوى “مقلد”، ” والمقلد لا يمكن أن يعول عليه من يطمح إلى تجديد الفكر الفلسفي الإسلامي العربي”[19].

لقد حصر طه عبد الرحمان كلا من ابن رشد والجابري في زاوية واحدة، وجعل الثاني منهما امتدادا للأول فكرا ومنهجا، لذلك وجه لهما كليهما ضربات النقد اللاذع موظفا في ذلك منهجه الذي انتهى إليه نظره في تقويم التراث، والذي نحى فيه منحى ” غير مسبوق ولا مألوف يقول بالنظرة التكاملية حيث يقول غيره بالنظرة التفاضلية، ويتوسل فيه بأدوات مأصولة حيث توصل غيره بأدوات منقولة”[20]. وليس هذا “الغير” المقصود ههنا سوى الجابري وغيره من المفكرين العرب الذين خاضوا في بحر التراث، فكانوا كلهم في نظره مقلدين متشبهين بغيرهم من فلاسفة الغرب قدماء ومعاصرين، فأفضى بهم النظر إلى” الحكم بالانقطاع عن هذا التراث إن كلا أو جزءا “[21]، بل إنه يرى فيهم ” أصحاب فتنة فكرية، وكأنهم دجاجلة لا أهل تفكير ودهاقنة لا أهل تنوير”[22].

واضحة إذا نزعة ” الأسبقية” و” الأصالة” و” التجديد” في الرؤيا التي يصدر عنها طه عبد الرحمان، وهي لا تختلف ابتداء في شيء عن تلك التي صدر عنها غريمه الجابري. فكلا الرجلين يرى في مشروعه الريادة وفي منهجه التجديد والزيادة..

يُخضع طه عبد الرحمان المتن الرشدي للفحص النقدي تحت مجهر منهجه الذي يراه جديدا في تقويم التراث مشغلا آلية ” التداخل المعرفي”، جاعلا من فلسفة ابن رشد شاهدا أمثل على التداخل الفلسفي. هكذا يمضي المفكر المغربي في تتبع متناقضات فلسفة أبي الوليد باحثا هن مظاهر” النظرة التجزيئية – التفاضلية” التي اعتبرها من العيوب التي اعتورت الفكر الرشدي وحكمت على محاولاته للتقريب التداولي بالفشل. لقد توصل صاحب تجديد المنهج في تقويم التراث إلى مجموعة من الأحكام والمقولات تصب كلها في التهوين من القيمة الفلسفية لابن رشد وتنزع عنها صفة التجديد والإبداع وتلبسها في المقابل لبوس التقليد والابتداع؛ فمن مظاهر هذا التجزيء الشنيع ” تصفية العلوم”[23] وقد اقترف ابن رشد هذا العيب حينما عزل المنطق وصفاه عن علم الأصول في اختصاره لمستصفى الغزالي، ثم نقيصة ” تباين العلوم”[24]، ثم ” القدح في أهل التداخل”[25] وعلى رأسهم الغزالي وابن سينا والفارابي، هذا القدح الذي أوصله مرتبة ” التشنيع الفكري”[26] الذي ناله ابن سينا، و “التشنيع العقدي”[27] الذي رمى به المتكلمين ولاسيما الأشاعرة منهم، ثم ” التشنيع المركب” [28]من الفكري والعقدي وهو أغلظ مراتب التشنيع وقد استحقه الغزالي.

ليس مقصودنا هنا إحصاء المفارقات التي آخذ بها طه عبد الرحمان الخطاب الرشدي، بقدر ما نريد أن نثبت أن صورة هذا الفيلسوف قد نالت نصيبا وافرا من التهوين والتقزيم عند صاحب العمل الديني وتجديد العقل، بل إنه نحا إلى تجريد فيلسوف قرطبة ومراكش من كل خصوصية أو أصالة وجعل فلسفته مجرد اجترار وتكرار لما قرره حكماء اليونان.

هكذا يجد القارئ العربي نفسه أمام صورتين متناقضتين لفلسفة ابن رشد؛ صورة وجد فيها أصحابها من دعاة الحداثة والتنوير بذور الفكر التقدمي الجريء المتسلح بخطاب العلم والمنطق البرهاني، فحاولوا زرعها ونفخ هذه الروح الرشدية في وعي الأمة العربية وضميرها، ورأوا ضرورة تعميم هذه الروح في الأوساط الثقافية والمؤسسات التعليمية لمواجهة ” الإسلام السياسي” و” التطرف الديني”[29]. فكان النسق الناظم في بناء هذه الصورة ينحو منحى الإيجاد والتهويل. وعلى الطرف النقيض نجد صورة أخرى مقابلة لفكر ابن رشد الفلسفي نحا في بنائها صاحبها منحى الإعدام والتهوين، واختار ألا يكون رشديا وأن ينصرف عنه وهو مطمئن لإيقانه التام بأن انبعاث الأمة الإسلامية لن يكون عن طريق فكر ابن رشد، لأن ابن رشد في نظره لم يكن إلا مقلدا متبعا ” بل ليس في فلاسفة الإسلام من هو أشد منه تقليدا لفلاسفة اليونان…ولما كان ابن رشد قد وضع أصول التقليد في الفلسفة… فلا شيء أضر منه مسلكا في حياة الأمة”[30].

 قضايا الكتاب

اعتمدت في تقديم كتاب فصل المقال على النشرة التي أصدرها مركز دراسات الوحدة العربية، وهي الطبعة التي قام بتحقيق نص المقال فيها الدكتور عبد الواحد العسري وصدرت طبعتها الأولى في نوبنبر 1997، مع الاستئناس بالتحقيق الذي أنجزه الدكتور محمد عمارة ضمن سلسلة ذخائر العرب سنة 1969.

الفصل الأول: التكلم بين الحكمة والشريعة

ينصب ابن رشد نفسه في بداية هذا القسم قاضيا أو مفتيا سيتهيأ لإصدار حكم أو فتوى شرعية تقضي بعقد الاتصال بين الشريعة والحكمة أو ببطلان هذا ونقضه، والحقيقة أن ابن رشد اضطلع في هذا الفصل، وفي الكتاب كله، بدور مضاعف فهو بالإضافة إلى كونه فقيها أصوليا وقاضي القضاة، فقد لبس جبة المحامي الذي سينبري للدفاع عن الفلسفة، وتبرير فعلها باعتبارها ” ليس شيئا أكثر من النظر في الموجودات من جهة دلالتها على الصانع بمعرفة صنعتها، وإنه كلما كانت المعرفة بالصنعة أتم كانت المعرفة بالصانع أتم”[31]

ينطلق ابن رشد من مقدمة شرعية يقينية قطعية ثابتة تقضي بوجوب النظر والاعتبار بالعقل وإعمال القياس العقلي، مقتبسا من القرآن الكريم غير ما آية تنص نصا على وجوب استعمال القياس بنوعيه العقلي والشرعي معا كقوله تعالى” فاعتبروا يا أولي الأبصار” وقوله ” أولم ينظروا في ملكوت السماوات والأرض وما خلق الله من شيء” وقوله “أفلا ينظرون إلى الإبل كيف خلقت وإلى السماء كيف رفعت” وقوله ” ويتفكرون في خلق السماوات والأرض”.

يفسر ابن رشد مفهوم الاعتبار الذي يتردد صداه كثيرا في آي القرآن الكريم بكونه ” ليس شيئا أكثر من استنباط المجهول من المعلوم ” فيغدو بذلك مفهوم الاعتبار الشرعي مرادفا ومطابقا لمفهوم القياس العقلي المسمى برهانا. إن التفسير الفلسفي الذي يصدر عنه ابن رشد يجعله يقر، منذ البداية، بأن الاعتبار الذي دعت إليه الشريعة، والبرهان الذي قضت به الحكمة هما صنوان يفيضان من مشكاة واحدة، ويسعيان إلى بلوغ مقصد واحد، وهو إحقاق الحق والمصادقة عليه، فالحق لا يضاد الحق بل يوافقه ويشهده. وهكذا يسمو بالعقل ما كان يسمو بالشرع ولا شيء أسمى من العرفان لله تعالى وسائر موجوداته بالبرهان

هكذا تغدو معرفة الله تعالى وسائر الموجودات بالبرهان مطلبا شرعيا عزيزا ومقصدا شريفا تهفو إليه نفس المؤمن العارف يفرغ له جهده ووكده العقلي، فيكون ذلك تمام الامتثال بالنظر في الموجودات. ولما كان العمل وسائر الأفعال والصناعات تتطلب الآلات والأدوات، كان فعل النظر والفلسفة يتطلب أولا العلم بأنواع البراهين وشروطها وأنواع الأقاويل والأقيسة البرهانية والجدلية والخطابية والمغالطية، وبالجملة أن يعرف المنطق وأنواعه وأجزاءه والمقدمات وأنواعها، فكل هذه الأشياء تتنزل من النظر منزلة الآلات من العمل. وإذن فوجوب اعتبار الموجودات يلزم عنه وجوب تعلم المنطق.

إن ابن رشد يبقى وفيا لخطه الاتصالي ولتصوره التوافقي مقرا ومقررا أواصر القربى وصلة الرحم بين روح الدين وروح الفلسفة لا يحيد عن هذا الخط قيد أنملة، لا يشغله شاغل ولا يزعه وازع، ويرى أن الفقيه المجتهد كما يحتاج في أحكامه وفتاواه إلى معرفة بالقياس الفقهي وأنواعه فكذلك يجب على الفيلسوف العارف العلم بالقياس العقلي بل إن ذلك حري به وأولى.

وينهي ابن رشد هذه الجزئية من فتوى الإبرام متصورا معترِضا مفتَرَضا ينكر عليه القياس العقلي بدعوى أنه لم يكن في الصدر الأول ولم يعمل بمقتضاه الرعيل الأمثل من الصحابة و التابعين؟ وهذه الحجة  يضحدها ابن رشد ويردها على صاحبها بكون النظر في القياس الفقهي لم يكن هو الآخر في الصدر الأول وإنما استنبط بعْدُ ولم يُرَ أنه بدعة، وهكذا يَثبُت للقياس العقلي حكمُه الواجبُ كما ثبت للقياس الشرعي.

وبما أن الفقيه في نظر ابن رشد يتعلم ويستفيد وينقل علوم القياس الفقهي مما شيده أسلافه من الأصوليين، فكذلك يجب أن يضرب الفيلسوف صاحب البرهان بيديه في كتب القدامى ليستفيد مما سبقوا إليه من علوم القياس العقلي(المنطق)، سواء أكان هؤلاء القدماء من المناطقة مشاركين لنا في الملة  والاعتقاد أو غير مشاركين، وهو يقصد بغير المشاركين في الدين “القدماء قبل ملة الإسلام “، أي ما وضعه فلاسفة اليونان وعلى رأسهم أرسطو، لأن علوم المنطق هي جملة أقيسة عقلية وطرائق برهانية تتنزل من النظر منزلة الآلات من العمل، ونحن نتوسل بالآلات في أعمالنا سواء أكان صانعها مشاركا لنا في الملة أو غير مشارك، فالآلة التي تصح بها التذكية نتحرى فيها فقط “شروط الصحة”.

يريد ابن رشد أن يصل من خلال هذه المقدمات التي تبدو متماسكة وسليمة إلى نتيجة مُفادُها أننا إذا كنا نستفيد مما صنعه غيرنا في تدبير وتسهيل شؤون حياتنا العملية، فالأحرى والأولى أن نستفيد مما صنعوه في تدبير شؤون حياتنا الفكرية والعقلية. ثم يورد سببا آخر للاستفادة من علوم الأوائل وهو عدم قدرتنا على إنتاج مثل هذه العلوم ابتداءً من الصفر، فمن غير المعقول “أن يدرك إنسان واحد من تلقاء نفسه علوم التعاليم(=الرياضيات) وصناعة الهندسة ومقادير الأجرام السماوية… ولو كان أذكى الناس إلا بوحي أو شيء يشبه الوحي”.

يظهر من الفقرة أعلاه أن ابن رشد كان مؤمنا بفكرة التراكم المعرفي بين الأمم وتكامل البناء الحضاري وتقاسم المشترك الإنساني وأن يستعين بذلك المتأخر بالمتقدم، ” فيجب علينا إن ألفينا لمن تقدَّمَنا من الأمم السالفة نظرا في الموجودات واعتبارا لها بحسب ما اقتضته شرائط البرهان أن ننظر في الذي قالوه من ذلك وما أثبتوه في كتبهم: فما كان منها موافقا للحق قبلناه منهم وسررنا به وشكرناهم عليه، وما كان منها غير موافق للحق نبهنا عليه وحذرنا منه وعذرناهم “.

يصل القاضي في نهاية هذا القسم إلى إصدار حكم إبرام ونقض: فمن جهة الإبرام  يرى أن ” النظر في كتب القدماء واجب بالشرع إذ كان مقصِدهم هو المقصِد الذي حثنا الشرع عليه…وهو باب النظر المؤدي إلى معرفة الله حق المعرفة “. وأما من جهة النقض فإنه ” ليس يلزم من أنه إن غوى غاو بالنظر في الفلسفة  وزَلَّ زالٌّ أن نمنعها عن الذي هو أهل للنظر فيها إذ ليس يعقل أن نمنع الفقه مثلا لكون فقيه من الفقهاء كان الفقه سببا لقلة تورعه وخوضه في الدنيا “.

هذه إذن هي الفتوى الرشدية بشرعية الفلسفة وهي شرعية وجوب لا ندب، غير أن هذه الشرعية تبقى مشروطة بأمرين: سمى الأول منهما ذكاء الفطرة وسمى الثاني بعبارة ” العدالة الشرعية والفضيلة العلمية والخلقية”.

ولنا أن نتساءل ههنا ما نصيب ابن رشد نفسه من هذه المبادئ والفضائل؟ لقد كال ابن رشد لنظرائه من فلاسفة المشرق ومتكلميهم، في هذا المقال نفسه،- فضلا عن الكتب الأخرى – ما وسعه من التحريض وعبارات التشنيع والتهكم والتكفير.. ومهما كانت مسوغاته ومبرراته في ذلك فإن الإقدام على التجريح المضمر والمظهر يمكن اعتباره خرقا لميثاق الفضيلة الخلقية وارتدادا عن مبدأ الاختلاف المشروع.

الفصل الثاني: أحكام التأويل

يخصص أبو الوليد الفصل الثاني لقضية التأويل محددا معناه ومدلوله وفق ما جرى به الحال على قانون العرب في لسانهم مستعرضا مناسبات التأويل  وموجباته، إذ ما العمل إن أدى النظر والتفكير الفلسفي إلى نتيجة تخالف ما تقرر في الشريعة ؟ يجيب ابن رشد عن هذا السؤال قائلا :” فإن أدى النظر البرهاني إلى نحو ما من المعرفة بموجود ما…قد سكت عنه الشرع أو كانت الشريعة نطقت به بالموافقة، فلا قول هنالك ولا تعارض ولا إشكال”. أما إذا ورد قول أو توصل إلى نتيجة بالأقاويل البرهانية المنطقية تخالف ما دلت عليه ظاهر الشريعة بصورة من الصور، إذاك نلجأ إلى التأويل. ومعنى التأويل، حسب ابن رشد،” هو إخراج دلالة اللفظ من الدلالة الحقيقية إلى الدلالة المجازية من غير أن يخل ذلك بعادة لسان العرب في التجوز”

إن قانون التأويل الذي يراه ابن رشد حلا لتبرير موافقة ظاهر الشرع للأحكام البرهانية هو نفسه القانون الذي يتوسل به الفقيه لتبرير الأحكام الشرعية المستنبطة من النصوص الشرعية، بل إن القياس البرهاني قياس يقيني أعلى درجة وأقوى حجة من القياس الظني الذي يمارسه الفقيه.

على هذا النحو يصبح التأويل ممارسة شرعية، خاصة وأن المسلمين أجمعوا “على أنه ليس يجب أن تحمل ألفاظ الشرع كلها على ظاهرها بالتأويل واختلفوا في المؤول منها وغير المؤول”.

ويعزو ابن رشد سبب تفاوت مستويات الخطاب الذي وردت عليه الشريعة بين ظاهر وباطن وقطعي وظني إلى” اختلاف فطر الناس وتباين قرائحهم في التصديق ” فالإجماع إذن في تأويل النصوص الشرعية، سواء أكان ذلك في مجال العقائد الإيمانية أو في مجال الفقه وأحكام المعاملات ومسائل العبادات، متعذَّر ممتنع، وبالتالي لا يصح أن يقطع بكفر من خرق الإجماع في التأويل.

إن ابن رشد ينكر أن يحصل إجماع في تأويل مسائل الاعتقاد النظرية أي القضايا الميتافيزيقية، لأن طريقة التأويل فيها قطعي لا ظني وإنما يقال “هو الاجتهاد في طلب الحق وفي ما يؤول وما لا يؤل ونوع التأويل”، وبناء عليه وتطبيقا لقاعدة الحكم على الشيء فرع عن تصوره، “لا  يجب التكفير بخرق الإجماع في التأويل إذ لا يتصور في ذلك إجماع”

ولكن ما القول في تكفير الغزالي لفلاسفة المسلمين كالفارابي وابن سينا في المسائل الثلاث المشهورة ؟

يحاول ابن رشد ههنا أن يهون من حكم التكفير الذي أصدره الغزالي مبرئا ساحته من خلال الإشارة إلى كتاب آخر له وهو كتاب التفرقة بين الإسلام والزندقة، الذي صرح فيه أبو حامد بأن ” التكفير بخرق الإجماع فيه احتمال وأنه ليس يمكن أن يتقرر إجماع في أمثال هذه المسائل حتى يقال إن هاهنا خرق للإجماع “.

وقد وقف ابن رشد بشيء من التفصيل عند تلك المسائل التي كفر فيها الغزالي الفلاسفة المشائين:

المسألة الأولى: القول بأن الله لا يعلم الجزئيات.

نفى ابن رشد في هذه المسألة ما نسب إليهم من قولهم عن الله تعالى أنه لا يعلم الجزئيات، بل” يرون أنه يعلمها تعالى بعلم غير مجانس لعلمنا بها “، إذ العلم الإلهي لا يقاس على العلم البشري؛ فعلم الله تعالى للموجودات سابق لحدوثها وهو علة لوجودها، وعلى المقابل يكون علمنا لها لاحق لحدوثها وهو معلول لوجودها، وعليه فهو محدث ومتغير، أما علم الله بها فعلم كمال وتنزيه مطلق، ” فمن شبه العلمين أحدهما بالآخر فقد جعل ذوات المتقابلات وخواصها واحدة وذلك غاية الجهل “. وهنا يخلص ابن رشد إلى تقرير رأيه في هذه المسألة بالقول:” إن علم الله تعالى منزه عن أن يوصف بكلي أو جزئي فلا معنى للاختلاف في هذه المسألة أعني تكفيرهم أولا تكفيرهم”.

المسألة الثانية: قدم العالم و حدوثه

أما المسألة الثانية فتتعلق بمسألة قدم العالم أو حدوثه فقد أرجعها ابن رشد إلى الاختلاف في التسمية بين المتكلمين من الأشاعرة وبين الفلاسفة، وقد فصل في هذه المسألة على النحو الآتي: إن أشياء العالم المادية التي تدرك بالحس مثل تكون الماء والهواء والأرض والنبات وغير ذلك اتفق الجميع من فلاسفة ومتكلمين على اعتبارها محدثة، كما اتفقوا على اعتبار الخالق تبارك وتعالى هو فاعل الكل وموجده والحافظ له وتسميته قديما. وبين هذين الطرفين، القديم والحديث، يوجد حد أوسط ويعني به ابن رشد” العالم بأسره” الذي فيه شبه بالوجود الحادث من حيث إنه معلول لله تعالى، وشبه بالوجود القديم من حيث إنه يصعب تحديد أول وجوده ” فمن غلب عليه ما فيه من شبه القديم على ما فيه من شبه المحدث سماه قديما، ومن غلب عليه ما فيه من شبه المحدث سماه محدثا، وهو في الحقيقة ليس محدثا حقيقيا ولا قديما حقيقيا، فإن المحدث الحقيقي فاسد ضرورة، والقديم الحقيقي ليس له علة ” .وعلى كل حال ” فالمذاهب في العالم ليست تتباعد كل البعد حتى يكفر بعضها بعضا أو لا بكفر “.

ولم يكتف أبو الوليد بهذا التفصيل وحسب، وإنما رد على المتكلمين قولهم وأنكر عليهم الإجماع في مسألة القدم والحدوث، واعتبر مذهبهم مجرد تأويل لما جاء به ظاهر الشرع الذي لم يرد فيه نص قطعي بأن” الله كان موجودا مع العدم المحض “، بل على العكس من ذلك يستقرئ ابن رشد آيات من القرآن الكريم يفيد ظاهرها أن وجودا كان موجودا قبل وجود هذا العالم، مثل قوله تعالى ” وهو الذي خلق السماوات والأرض في ستة أيام ثم كان عرشه على الماء “ تفيد بظاهرها أن العرش والماء كانا موجودين قبل خلق السماوات والأرض. وقوله تعالى ” ثم استوى إلى السماء وهي دخان “ يقتضي ظاهرها أن السماوات خلقن من شيء وهو الدخان.

وعلى هذا الاعتبار يرى ابن رشد أن المختلفين من أهل التأويل لهذه المسائل العويصة سواء أكانوا من المتكلمين أو من الفلاسفة يشبه أن” يكونوا إما مصيبين مأجورين وإما مخطئين معذورين ” وذلك تنزيلا لقوله عليه الصلاة والسلام ” إذا اجتهد الحاكم فأصاب فله أجران وإذا أخطأ فله أجر”. أما إن كان المتأول من غير أهل العلم فلا عذر له.

إن التصور الذي يصدر عنه ابن رشد في إمكانية الوقوع في الخطأ في عملية التأويل مبني بالأساس على فكرة علمية لها سند شرعي مؤداها أن” الخطأ في الشرع على ضربين: إما خطأ يعذر فيه من هو أهل النظر كما يعذر الطبيب الماهر إذا أخطأ في صناعة الطب والحاكم الماهر إذا أخطأ في الحكم، ولا يعذر فيه من ليس من أهل ذلك الشأن. وإما خطأ ليس يعذر فيه أحد من الناس (البتة) وهو الخطأ في مبادئ الشريعة مثل الإقرار بالله تبارك وتعالى وبالنبوات وبالسعادة الأخروية وبالشقاء”.

ويرجع ابن رشد أسباب وقوع الخطأ في تأويل الشرع إلى انقسام الخطاب الشرعي نفسه إلى ظاهر وباطن: فأما الذين ” تلطف الله بهم من عباده الذين لا سبيل لهم إلى البرهان” إما لقصور فطرهم وإما لعدم تمكنهم من أسباب العلم بالطرق البرهانية، فهؤلاء وأشباههم قد خاطبهم الشرع بأن ضرب لهم الأمثال وجعلها طرقا لهم في التصديق، وأما ما وراء الأمثال من معاني باطنية فهي ” لا تنجلي إلا لأهل البرهان” يصلون إليه بالتأويل.

ويستطرد فيلسوفنا في مسألة أصناف القول الشرعي مصنفا ما يؤول منه وما لا يؤول، فيقرر أن هناك ثلاثة أصناف:

الصنف الأول من ظاهر الشرع لا يجوز تأويله فهو بمثابة مبادئ وأصول كالإقرار بوجود الله  وبالنبوات وبالسعادة الأخروية وبالشقاء، فالمتأول بهذه المبادئ كافر.

الصنف الثاني من ظاهر الشرع ” يجب على أهل البرهان تأويله، وحملهم إياه على ظاهره كفر مثل آية الاستواء وحديث النزول” وأما غير أهل البرهان فواجب عليهم أخذه على ظاهره.

والصنف الثالث من النصوص متردد بين هذين الصنفين، أي يقع بين الظاهر الذي لايجوز تأويله والباطن الذي لا يجوز حمله على الظاهر، هذا الصنف من القول هو محل شك و خلاف بين أهل البرهان: ففريق منهم يلحقه بالصنف الأول وفريق آخر يلحقه بالصنف الثاني، ومن أخطأ في تأويله من أهل العلم بالبرهان فهو معذور.

المسألة الثالثة: البعث والمعاد

يطرح أبو الوليد بعد هذا التشريح المسألة الثالثة التي كان الغزالي قد كفر فيها فلاسفة الإسلام وهي مسألة بعث الأبدان، حيث جعلها من الصنف الثالث من أصناف القول الديني، أعني الصنف المختلف فيه بين الظاهر والباطن. وقد انقسم العلماء إلى فريقين: فالأشاعرة ألحقوها بالظاهر من الشرع ومنعوا تأويلها، وأما فريق آخر فيتأولونها ” وفي هذا الصنف معدود أبو حامد وكثير من المتصوفة “.

أما ابن رشد فلا يتسرع كعادته في إصدار الأحكام في أمثال هذه المسائل العويصة، حيث يفصل هذه المسألة تفصيلا دقيقا يستجيب لرؤيته التوفيقية ولمنهجه البرهاني، هكذا يميز بين المعاد كوجود وبين المعاد كأحوال وصفات؛ فيجعل المعاد كوجود أي كحياة أخرى بعد الموت، أصلا من أصول الشريعة وإنكاره جحود وكفر. أما صفات هذا المعاد، أي كيف يكون أيكون، أ بالأبدان والنفوس معا أم بالنفوس دون الأبدان، فمسألة يجوز فيها التأويل” إذا كان لا يؤدي إلى نفي الوجود…ويشبه أن يكون المخطئ في هذه المسألة من العلماء معذورا والمصيب مشكورا مأجورا “.

ويختم ابن رشد هذه المسألة بعتاب يوجهه للغزالي بكونه من العلماء الذين أفشوا التأويل لغير أهل العلم الذين يجب لهم الإيمان بالظاهر ولا يجوز لهم التأويل ولا أن يطلعوا عليه، لأنه قد يؤدي بهم إلى الكفر. والغزالي أخطأ على الشرع والحكمة حينما أذاع التأويل في كتبه الموجهة إلى الجمهور والعامة من الناس. على هذا النحو يدعو ابن رشد إلى أن ” التأويلات لا تثبت إلا في كتب البراهين، لأنها إذا كانت في كتب البراهين لم يصل إليها إلا من هو من أهل البرهان”.

الفصل الثالث: طرق التصديق وأصناف الناس

في الفصل الثالث من المقال يعود ابن رشد إلى قضية التأويل ليصوغ تصورا شموليا يربط فيه أصناف القول الديني بمراتب الناس في الفهم والمعرفة وتفاوت حظوظهم في تحصيل الحقيقة والتصديق بها. فبناء على أن ” طرق التصديق الموجودة للناس ثلاثة: البرهانية والجدلية والخطابية “، يذهب ابن رشد إلى القول بوجود ثلاثة أصناف للناس إزاء هذه الطرق الثلاث، فيقول: “الناس في الشريعة على ثلاثة أصناف:

  • صنف ليس هو من أهل التأويل أصلا، وهم الخطابيون الذين هم الجمهور في الغالب…
  • وصنف هو من أهل التأويل الجدلي، وهؤلاء هم الجدليون بالطبع فقط أو بالطبع والعادة.
  • وصنف هو من أهل التأويل اليقيني، وهؤلاء هم البرهانيون بالطبع والصناعة، أعني صناعة الحكمة”.

ويجد ابن رشد في القرآن الكريم ما يبرر هذا التقسيم لأنماط الخطاب الشرعي في قوله تعالى “اُدْعُ إلى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ”، حيث تغدو الحكمة معادلا موضوعيا لخطاب أهل البرهان والفلسفة، ويكون الجدل منهج المتكلمين، ثم نجد نزولا جمهور الناس وعامتهم الذين هم “مقصد الشرع الأول” ويحصل لهم الاطمئنان والإيمان بواسطة الموعظة الحسنة والأقاويل الخطابية والشعرية.

ويبدو مرة أخرى أن ابن رشد يلح على فكرة حظر التأويل وحصره بين أهل البرهان وتصريفه بين الخواص دون العوام، ويوصي في المقابل بكتمانه عن أهل الجدل ” فضلا عن الجمهور” بسبب افتقارهم ألى الأهلية البرهانية وقصورهم عن إدراك المعاني الخفية والباطنية، لأن التصريح بشيء من هذه التأويلات قد يفضي بالمصرِّح به والمصرَّح له إلى الكفر”. ويكفي، والحال هذه، أن يقال لهم ” إنه متشابه لا يعلمه إلا الله “. وهنا يعود أبو الوليد ابن رشد مرة أخرى إلى الإلقاء باللائمة على أبي حامد الغزالي لأنه صرح بهذه التأويلات للجمهور، وأثبتها في الكتب الخطابية والجدلية، بل إنه يرى أن إذاعة التأويل وبثه للجمهور هو الأصل في نشأة فرق الإسلام “حتى كفر بعضهم بعضا، وبدَّع بعضهم بعضا …فأوقعوا الناس من قِبَلِ ذلك في شنآن وحروب، ومزقوا الشرع وفرقوا الناس كل تفريق”. قبل أن يقرر في النهاية أن أفضل الطرق لتعلم الشريعة للجمهور هي تلك التي نطقت بها الشريعة نفسها، وثبتت في الكتاب العزيز فقط وهي “مشتركة لتعليم أكثر الناس والخاصة”.

ثم يختم ابن رشد كتابه بنفْس متألمة، وإحساس بالانكسار والحزن على ما أصاب الشريعة من “الأهواء الفاسدة” ، وتشتد وطأة المرارة حينما تكون الإذاية من أهل الشريعة أنفسهم ” فإن الإذاية من الصديق أشد من الإذاية من العدو: أعني أن الحكمة هي صاحبة الشريعة والأخت الرضيعة”.


 1 الجابري، محمد عابد. ابن رشد سيرة وفكر، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت، ط 3، 2007، ص 11

 2 يتبنى طه عبد الرحمان تصورا مغايرا لدرجات العقلانية، ويرى أن أعلى مراتبها ما كان مأخوذا من التجربة الإيمانية الحية. انظر تفصيل ذلك في كتاب العمل الديني وتجديد العقل، المركز الثقافي العربي.

[3] – الورقة قُدمت في أصلها عرضا في مادة المكتبة الفلسفية الإسلامية، تحت تأطير الدكتور أحمد الفراك.

3 الجابري، محمد عابد، نحن والتراث قراءات معاصرة في تراثنا الفلسفي، المركز الثقافي العربي، ط 1، الدار البيضاء، 1980

4 الجابري، محمد عابد، مقدمة كتاب فصل المقال، مركز دراسات الوحدة العربية، ط 5 بيروت 2011، ص 7

 5 الجابري، محمد عابد، نحن والتراث، نفس الطبعة والسنة ص 116

 6 نفسه ص 236

 7 الجابري، محمد عابد، المدخل الذي صدر به كتاب فصل المقال، نفس الطبعة والسنة، ص 21

 8 نفسه ص 40

 9 انظر تفصيل الموضوع في كتابه عن ابن رشد سيرة وفكر، مركز دراسات الوحدة العربية، ط 3 بيروت 2007، ص 45-52

[11]  يصف الجابري جميع القراءات السابقة عليه التي انشغلت بالتراث الفكري العربي ومحاولة إحيائه ب” القراءات السلفية ” لكونهم فهموا التراث فهما تراثيا، يستوي عنده في ذلك التيار الديني والتيار اللبرالي والتيار الماركسي. لذلك فهو يقترح إحداث قطيعة إبستيمولوجية تامة مع بنية العقل العربي في عصر الانحطاط وامتداداتها إلى الفكر العربي الحديث والمعاصر.

[12] الجابري، ابن رشد سيرة وفكر، ص 10

[13]  نفسه، ص 11

[14]  الجابري، نحن والتراث، ص 248

[15]  نفسه 248

[16]  نفسه 249

[17]  نفسه، 274

17 نفسه، 283

 [19] عبد الرحمان، طه، حوارات من أجل المستقبل، الشبكة العربية للأبحاث والنشر، ط 1، بيروت 2011، ص 97

[20]  عبد الرحمان، طه، تجديد المنهج في تقويم التراث، المركز الثقافي العربي، ط 4، بيروت 2012، ص 12

[21]  نفسه ص 9

[22]  عبد الرحمان، طه، حوارات من أجل المستقبل، ص 124

[23]  عبد الرحمان، طه، تجديد المنهج في تقويم التراث، ص 125

[24]  نفسه، ص 129

[25]  نفسه، ص 131

[26]  نفسه، ص 197

[27]  نفسه، ص 197

[28]  نفسه، ص 197

 [29] الجابري، محمد عابد، ابن رشد سيرة وفكر، ص 11

[30]  عبد الرحمان، طه، حوارات من أجل المستقبل، ص 125-126

[31]  نشير إلى أن العبارات الواردة بين مزدوجتين “…” هي لابن رشد من كتابه فصل المقال بالتحقيق المشار إليه أعلاه.

اشترك في النشرة البريدية
سجل هنا للحصول على آخر الأخبار والتحديثات التي ستصل مباشرة إلى صندوق الوارد الخاص بك.
يمكنك إلغاء الإشتراك في أي وقت

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.