منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

طوفان الأقصى يكشف الهوة الكبيرة بين النظرية والتطبيق في القيم “الكونية”الغربية

حسناء الدويش

0

طوفان الأقصى يكشف الهوة الكبيرة بين النظرية والتطبيق في القيم “الكونية”الغربية

حسناء الدويش

    إننا ونحن نستقرئ سيرورة التأسيس لحقوق الإنسان العالمية، والتي أريد لها أن تكون حقوقا لكل إنسان لمجرد  أنه إنسان، نلاحظ أن الدوافع والأسباب الدافعة لتبني فكرة كونية الحقوق الإنسانية هي دوافع منبثقة من واقع الغرب ومن تاريخه ومن اختياراته الفكرية والسياسية واللادينية، بحيث إن السياق التاريخي والمسار الذي عرفه هذا التأسيس أكد على تفرد الغرب بصياغة الإعلانات والمواثيق وتدبير اللجان المكلفة بمتابعة التنفيذ وفحص التقارير والبيانات المقدمة من الدول التي وافقت على هذه الإعلانات والاتفاقيات، فالقيم “الكونية” الغربية الإنسانية هي قيم متصلة بالقيم الغربية، وهي وليدة لحظة تاريخية غربية  فرضت التفكير في هذا النوع من القيم، وهكذا يمكن أن نقول عن القيم الإنسانية الكونية أنها قيم غربية فرضت على العالم بسلطة الهيمنة الغربية الاقتصادية والسياسية والعسكرية على العالم، بحيث لم تخفِ اللغة التي كتب بها الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الذي يصنف العالم  إلى عالم حر وعالم تحت السيطرة الاستعمارية، ولم يحضرْ إبرام معاهدات سان فرانسيسكو إلا الدول التي انتصرت في الحرب العالمية الثانية، فهي منذ ديباجتها  تقسم الأمم إلى سيدة  ومسودة “ليبذل كل الأفراد وكل المنظمات الاجتماعية المستوحية لهذا الإعلان جهودهم في التعليم والتربية، لينموا احترام هذه الحقوق والحريات، وليُؤَمنوا الاعتراف بها، وتطبيقها العالمي والفعلي بإجراءات تدريجية على الصعيد القومي والدولي، سواء وسط شعوب الدول العضوة نفسها أو وسط الشعوب التي تحت سيطرتها “[1]،فهذه الحقوق بنيت على ميزان  قُوى حضارية قوية عسكريا واقتصاديا، وبالتالي فهي أداة من أدوات السيطرة، فحيثما ظهرت المصلحة تتلكأ هذه الدول وتتراجع عن شعاراتها، فكان عدم  الوفاء  للشعارات جليا حيال النكبة التي أصابت فلسطين  حيث  اصطفت  الدول  الداعمة لحقوق الإنسان إلى جانب  الكيان الصهيوني الجاني، كذلك الأمر بالنسبة لما حصل في أفغانستان والعراق و باناما مثلا، فتاريخ السياسة الخارجية للدول العظمي، يوحي بكون الديمقراطية والمواطنة  وحقوق  الإنسان بضاعة غربية صرفة لا تخص سوى الغرب وغير صالحة للتصدير للبلدان الضعيفة، بحيث يتضح أن حقوق الإنسان العالمية مفصلة على مقايسس معينة لا تتعداها، بل يتبدل معناها من بلد إلى آخر، يقول المهدي المنجرة “في اليوم الذي ستتساوى فيه حياة أمريكي وحياة إسرائيلي مع أي مواطن من ساكنة العالم الثالث بصفة عامة، وحياة عربي ومسلم بصفة خاصة، سنقترب حتما من الكونية التي يتبجحون بها، لكن الاعتداءات الوحشية الإسرائيلية تبين المسافة البعيدة التي تفصلنا عنها”[2] ، وهكذا نجد قصورا بين المبدإ الذي ينطلق من ضمان كرامة الإنسان مطلق الإنسان، وبين التطبيق الذي يقسم العالم شطرين: عالم سيد مصدر الحقوق وراعيها، وعالم مهمته أن يوقع على المواثيق ويقدم التقارير حتى يتجنب العقوبات الدولية، في حين هو تحت رحمة المواثيق والمعاهدات التي تتغاضى عن الانتهاكات التي قد يتعرض لها، فالقيم “الكونية” الغربية التي يراد لها التنزيل على المستوى العالمي باعتبارها ضامنة كرامة كل الناس؛ تعرف تأرجحا بين النظرية والتطبيق، لذلك انبرى من مفكري العالم الغربي من ينادي بقيم كونية تصون كرامة الإنسان بشكل مستقل عن وصاية الدول المسيطرة، من أمثال عالم اللاهوت الكاتوليكي “هانزكونغ”.

إن ما يقع اليوم في غزة من انتهاك صارخ لحقوق الإنسان، من خلال قصف المشافي والمدارس والمدنيين، وتعذيب المعتقلين، واستهداف النساء والأطفال والرضع والأجنة، وكذا قطع الإمدادات، وإغلاق معبر رفع، في وقت يتم السماح لتدفق المساعدات إلى الأرض المحتلة، يعكس هذا التناقض الصارخ بين ما يروج له من حقوق وما يتم تنزيله  على أرض الواقع، وكأن الإنسان المقصود في إعلاناتهم الحقوقية مقصود به الإنسان الغربي فحسب، فغيره لايستحقون هذه الصفة. لقد فضح طوفان الأقصى لاإنسانية الدول المستكبرة، فهي تصم آذانها وتغض أبصارها عن ما يتم نقله عبر وسائل الإعلام من مجازر وحشية، لا تبقى معه ضمانات الإفلات من قصفهم للصحافيين و للأطباء والممرضين وللجمعيات الإنسانية، بل هو قصف جنوني يحركه حقد دفين، وجبن أصيل، ورغبة في اختلاق هيبة لجيش زعم أنه لا يقهر فعرت معركة طوفان الأقصى المباركة عورته، فأذله صمود المجاهدين،  وأغاظه ثبات المقاومين، وحيرته قوتهم في ساحة الحرب وعلو كعبهم في التصدي والهجوم.

إن كيل حكام الغرب بمكيالين أدركته كل الدول التي اكتوت بجبروته، لكن جاءت معركة طوفان الأقصى لتتجلى للشعوب الغربية بوضوح هذه الحقيقة، فهي بين رافض لهذا الميزان الأعوج، وبين مدعم لحق الفلسطينيين في الدعم والمساعدة، وبين مندد بجرائم الصهاينة الغاصبين.


 [1] – الإعلان العالمي لحقوق الإنسان( الديباجة)

[2] –  -المنجرة، المهدي. “قيمة القيم”، ص10

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.