منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

تقديم كتاب “الأنا و الآخر في القرآن الكريم”

0

إنّ القول بأنّ الإنسان مفطور على الاجتماع، و بأنّه كائن اجتماعي قد بيّنة الإسلام بوضوح، و دّعمته الدّراســـات الإنســانيّة بمختلف اتجـــاهاتها، و تّنوع أســـاليبها: الفلسفيّة، و النّفسية، و الاجتمـــاعية، و الاقتصادية، القديمة، و الحديثة.

فالإنسان خلق مدنّيا بالطّبع، لأنّه لا يمكن بحال أن يحقّق الأفراد مصالحهم إلاّ بالاجتماع و التّعــاون، و لا تنتظم للإنسان مصالحه إلاّ عند وجود مدنّية تامّة، حتّى أنّ هذا يحرث، وذلك يطحن، وذلك يخبز، وذلك بنسج، و هذا يخيط، فيكون كلّ واحد منهم مشغولا بمهمّ، و ينتظم من أعمال الجميع مصالح الجميع، فثبت أنّ الإنسان مدنّي بالطّبع. و هذا يعني وجود ما يسّمى  بالعلاقات الإنسانيّة التي تكوّن المجتمع الإنساني، فقد تعرّض الإسلام إلى هذه الصّلات تعرّضا يفيد أنّها عديدة كمّا وكيفا، فهي صلات الآباء بالأبناء، و صلات الأبناء بالآباء و صلات الأقارب بالأقارب، و صلات المؤمنين بغير المؤمنين، و صلات الرّاعي بالرّعيّة إلى غير ذلك مّما لا يدخل تحت حصر.

غير أنّ تلك العلاقات على الرّغم من حاجة المجتمع الإنساني إليها، و على الرّغم من كونها المقوّم الأساسي في تكوين الاتحاد، الذي لولاه لما استطاع الإنسان أن يحافظ على بقائه، و لا أن يكونّ لنفسه حضارة، فإنّها معرضة للاعتداءات و الاضطرابات. لاسيّما إذا أنّ الفساد كثيرا ما يبعد الإنسان عن الفطرة، فيتحّول إلى كائن عدواني، تنطبق عليه مقولة ” الإنسان للإنسان عدّو، والإنسان للإنسان ذئب.”

فكان لا بدّ من وجود قوانين و أنظمة و توجيهات و قواعد إلزامية تحدّد و تحمي العلاقات الإنسانية، وقد سبق الإسلام الفكر الإنساني بصفة عامّة في اعتبار هذه الأنظمة و القوانين أمرا لازما. إذ أنّه بمجرد مـــا التأمت للمسلمين جماعة قوّية، و تهيّأت لهم الظّروف لإقامة مجتمع متميّز، بدأت الأوامر و التّشريعات القاضية بإقامة و تأسيس السّلطة و القوانين التي تضبط سلوك الأفراد، و تحدّد حقوقهم، و تبّين واجباتهم. و انتشرت من جهة أخرى التّوجيهات الإسلاميّة في القرآن و السنّة، كل ذلك من أجل بناء علاقات إنسانيّة سليمة.

وفي هذا المضمار أشير إلى رغبتي في دراسة هذه العلاقات الإنسانيّة من خلال القرآن الكريم أعبّر عن حاجتي لأن أتدبّر الآيات القرآنية، و أن أنكبّ على تحليلها، باحثا عن القواعد و المبادئ التي سنّها القرآن الكريم حماية للعلاقات الإنسانية ممّا يفسدها، و تحقيقا للألفة بين البشر و حتى تستقيم الحياة على منهجها القويم.

المزيد من المشاركات
1 من 17

وإيمانا منّي بضرورة الاهتمام أكثر بموضوع العلاقات الإنسانيّة سعيت إلى إبراز جوانب أخرى من هذا الموضوع، و التي لم يقع تناولها في كتب السلّف مثل الجانب النّفسي و الجانب الأخلاقي و الجانب الاقتصادي… فحاولت الرّجوع إلى كتب التّفسير مثل: “تفسير التّحرير و التّنوير لابن عاشور”، و إلى كتب الأخلاق مثل :”كتاب الأخلاق”، و إلى كتب الفقه مثل: “كتاب الحلال و الحرام ليوسف القرضاوي”، و إلى كتب المعاصرين مثل:”كتاب نظام الأسرة في الإسلام”، و إلى كتب القانون المدني: “مثل كتاب الموسوعة الجنائيّة”… للاستعانة بها، و لعلّي أجد فيهما مبتغاي.

فما يمكن قوله هو أنّ محاولة دراسة  هذا الموضوع من عدّة جوانب، من شأنه أن يضفي على الدّراسات نوعا من الحداثة التي نحن في أمسّ الحاجة إليها الآن، ذلك أنّ هذه الآيات القرآنية تحتاج إلى نظرة جديدة تتماشى مع مقتضيات العصر، لأنّها مصدر متجدّد و صالح لكل زمان و مكان.

ومن أهمّ القضايا المتّصلة  بموضوع العلاقات الإنسانية التي استخرجتها بعد قيامي بالدّراسة التحليليّة للآيات القرآنية و التي جعلتها على شكل فصول.

الفصل الأول:  علاقة المسلم بالبشر عامّة، و يتضمّن هذا الأخير مبحثين:

  • أوّلا: كيف يمكن أن نحمي العلاقات الإنسانيّة ممّا يفسدها كالكذب، وقول الزّور، وبذاءة اللّسان، و التّحاسد و التّدابير.
  • ثانيا: ما هي السّبل الكفيلة بتوطيدهــا و تنميتها و نذكر منها: الخلق الكامل، و التّعاون الإنســاني، و المعاملة الحسنة.

الفصل الثاني: علاقة المسلم بالمسلمين، و الذي سأتناول فيه.

أوّلا: يتعلّق بدعوته صلى الله عليه وسلّم إلى حماية الأنفس، و المحافظة على الأعراض و الأموال و أمّا الثّاني فيتعلّق بالأسس التي سنّها الرّسول صلّى اللّه عليه و سلّم لتنظيم العلاقة بين المسلم و المسلمين هذه النّعمة الجديرة بالتنّويه، إذ بوجودها بين النّفوس تزول الأحقاد، و تنمحي البغضاء، و تتوارى الخلافــات و يذهب شبح الهلاك إلى غير رجعة، و ينشأ عنها حتما وحدة إنسانية لا تنفصم.

الفصل الثالث: علاقة المسلم بمحيطه و التي سأتناول فيها بالدّرس خمسة مباحث: من رفق بالزّوجة، ودعوة للبرّ بالوالدين، ورحمة بالأولاد، وصلة لذي الرّحم، وحسن جوار للجيران، فالشّعور بالاستقرار الذي يجده المسلم في محيطه، يعدّ حقلا خصبا لتنمية العلاقات و إنعاش و تغذية الصّلات الإنسانيّة.

و الله المستعان وهو ولي التّوفيق

و أخيرا، أتوجّه بالشّكر و الحمد إلى الله العزيز القدير الذي وفّقني إلى إتمام هذا البحث و أكرمني به. كما أتوجّه بالشّكر إلى كل من ساعدني في هذا الموضوع ولو بعبارة أو نصيحة فلهم منّي جزيل الشّكر، ولهم

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.