منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

يناسبني؟

الأستاذ مجيد فلوح

0

يناسبني؟

بقلم: الأستاذ مجيد فلوح

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

“الحُبُّ كَاللِصِّ لا يُدريكَ مَوعِدهُ

لَكِنَّهُ قَلَّما كَالسارِقِ اِستَتَرا ..”

إيليا أبو ماضي

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

ها قد حان عودة الطلاب إلى المدرسة، وها أنذا أجلس إلى أختي الصغيرة وقد بزغ من أنوثتها ما يثير الذكور، كلهم، الطاهرة قلوبهم، والسيئة نواياهم.

جلست إليها أفتش في عقلها قبل قلبها عن ردة فعلها إذا أقبل عليها من يرغب فيها.

وفاجأتني، وأنا القريبة من عمرها، وكان بيني وبينها أقل من عقد من الزمن، أن سؤالي جاء متأخرا، وأن الرغبات والطلبات أقبلت منذ الإعدادي !

هي الآن في الثانوي، وقد استعدَّت في المرحلة السابقة.

واسترسلتْ، كأني وضعت لها إناء ترغب أن تصب فيه من إنائها، والقلوب أوعية تنتظر من يملؤها، وفي أحايين من يفرغها.

والعجيب أن هوايتها أن تصدهم وتردهم، وتبدع في ذلك وتتفنن.

قلت: عسى خشية الله تدفعك لذلك؟

قالت: تلك منزلة لا أدعي الحلول بها، وكسوة لا أمتلكها.

– ما الدافع إذن؟

قالت: أستمتع بذلك، وإني أجد في ذلك حلاوة؛ وقع ذلك عندما وَجَدَتْ كل الجميلات من بنات قسمي خليلا تنادمه، وتفرقوا عني ولم تبق في خلتي إلا كل قبيحة، ولم تكن الجميلات لتنافسنني لو لم يغلبني الخجل، وقد تلقيت دعوات كثيرة، وكنت لا أردها صراحة، فالحياء كان سيفا على رقبتي من جهتين، من جهة أن خروجي مع الذكور يخدش الحياء الذي تعلمته في بيتي، وأن رد دعوتهم يخدش الحياء الذي يُلزمني به المجتمع الصغير الذي أعيش بينه في قسمي.

أقول لمن طلب صداقتي؛ دعوني أفكر ثم أجيبكم.

كان هذا كافيا لصدهم، لأن كبرياءهم كان يمنعهم من تكرار المحاولة.

إلا سعد، لم يكن من شلة أولئك الذين تتراقص أعينهم حول البنات، وتلوك ألسنتهم أعراضهن.

كان يشبهني، يقع بين الحياءين، قلت أكسره حتى يتوب وينصرف إلى ما يصلحه، كنت أشفق عليه أن ينزل إلى دركات الشلة المعلومة، والعصابة المذمومة.

وبعدها أُعجِبتْ صديقاتي بفعلي، الأقل جمالا منهن وجدن فيما صنعتُ الانتقام المناسب ممن لم تسول له نفسه الاقتراب منهن، وحتى الجميلات طلبن حرفتي الجديدة ليزددن دلالا وخيلاء.

أخرستني أختي، ونقلتني من مرتبة الأستاذة إلى منزلة الطالبة.

ورجعت إلى نفسي أسألها، ماذا أفعل في طلب الزواج الذي عُرض عليَّ؟

قبل أيام معدودة … تلقيت رسالة من أحد أبناء الرافعي تطلب يدي، أنسبه إلى الرافعي لأنه مغرم بوحي قلمه وإن كان بينه وبين رقة عبارة الرافعي مثل ما بينهما من أجيال أو أكثر.

ولكن الروح واحدة.

في الحقيقة، لم أتردد، أخبرته أني غير متحمسة.

الآن بعدما استمعت لأختي أتساءل؛ هل لهذا الرد نفس الفعل؟ هل الجينات المشتركة بيني وبين أختي تصنع منا جنسا واحدا؟ هل نشترك في المقصد كما نشترك في الفعل؟

ماذا سيظن الرجل؟ هل يشترك مع سعد في الجينات؟

على الفور، انتعلت حذائي الرياضي، وضعت حقيبتي الصغيرة على كتفي، ولبست مفتاح سيارتي على سبابتي كخاتمي، وانطلقت أقود في اتجاه أحب صديقاتي إلى قلبي، أختي التي لم تلدها أمي، أختي التي كانت سندي ومنادِمَتي، أفضل مما تنادم الخمرة عقل من يعاقرها، أختي صندوق أسراري وأمانتها.

في الطريق اتصلت بها أخبرها أني سائرة إليها، لا أحتاج إلى موعد لمجالستها، تستقبلني على كل أحوالها، لا كلفة بيني وبينها، يكون المطبخ أفضل ناد يجمع بيننا.

أريد أن أفرغ من وعائي في قلبها، وأفيد من عقلها، عسى أطلق نفسي من عقالها.

أجلستني صديقتي، مريم، سندي ومددي، على أريكة مريحة، وقدمت لي فنجان القهوة الذي أحب، وأرخت قلبها قبل أذنها للإصغاء إلى فضفضتي.

أخبرتها أنه قال لي: “كوني لي كحواء لآدم، ولا بأس أن أنزل معك من الجنة، فقد أنبت حبك لي أجنحة”، ثم يقول: “… خطيئتي أني لم أذق من شجرة حبك، ولا مركب لجنة قربك إلا حبك…”.

وأتساءل هل يتشبب هذا الفقيه، هل يعيش حياة مزدوجة؟

على حسابه على الفيسبوك أدعية وحكم، ويجله القوم ويشهدون بحسن خلقه !

أخبرني أن قلبه لم يعرف الحب من قبل، عاش تحت ظل الواجب…

حتى أخبار المحبين التي كان يقرأها، كان لا يتذوقها، حتى الدعاء الذي كان يردده “اللهم إني أسألك حبك، وحب من يحبك، وحب العمل الذي يقربني إلى حبك” يتساءل عن معناه، ويبحث عن حلاوته.

تأكد أنه لن يحب الله قبل أن يتعلم الحب، أقبل على أشعار الأدباء، على روايات المحبين، يلتمس بين كلماتهم دقات العشق في قلوبهم.

اكتشف أنه لم يتجاوز عتبة الواجب في زواجه الأول، في عبادته وتبتله، في ورده وذكره، في تأليفه ودعوته، حتى في مجالسه مع إخوانه.

إن كان الرافعي يعتبر “أن النابغة في الأدب لا يتم تمامه إلا إذا أحب وعشق… وأن ملكة الفلسفة في الشاعر من ملكة الحب؛ وإنما أولها وأصلها دخول المرأة…” فإن صديقي العزيز، هكذا صار يناديني، صديقتي العزيزة، يعتبر حبي نافذته إلى الحب، مسباره إلى المعرفة، مسلكه إلى الله.

استغربَ كثيرا من جواب الشيخ محمد الغزالي، الفقيه والأديب، على سؤال أحد الصحفيين، هل زواجه كان على حب؟ أنهم لم يكن لهم فائض وقت لذلك !

يقول صديقي العزيز؛ هل يحتاج الحب إلى وقت، هو الوقت، هو دقات الساعة، هو لذتها، هو روحها، الوقت بغير حب عدم.

الرافعي بعكس الغزالي تزوج عن حب، وأنجب من حبه الأول أول دواوينه.

فهل يريد صديقي أن أنجب له الأشعار والدواوين؟ هل سأكون مثل محبوبات الرافعي، لأنه كان يفتش عن عشيقة جديدة لكل مولود جديد، وكُنَّ أيضا يفتشن عنه ليكتب عنهن.

هل سأكون قصيدة من أشعاره أطوى مع ديوانه؟

لم يترك صديقي فرصة لطيش أفكاري، حتى أخبرني أنه ليس أديبا، ولا يحب أن يكون كذلك، حسِبه ناس مُؤدبا، ولا يريد ذلك أيضا، فقط يريد أن يحب، ويتحرك قلبه بالعشق.

قال لي أن الفقهاء يتحدثون عن السكن، سكن الزوجين لبعضهما، ولكنهم لن يعرفوا ذلك حتى يذوقوا الحب، حتى يسكن الواحد منهما الثاني.

في بعض أساطير الهنود الحمر، يأخذ الحبيب يد حبيبته ويضعها على صدره، ويقول خذي قلبي، وتفعل هي نفس الشيء، وتقول خذ قلبي.

هكذا لن تحتاج وقتا للحب، هو الذي يسكنك، ويجعل لحياتك معنى، لفعلك روحا، تصبح ابتسامتك، رسالتك، ألفاظك، حركاتك، بوثقة من نور، نافذة المريدين، مقصد الطالبين.

أليست هذه أوصاف الأولياء الصالحين، أليست هم من تُنْهِضُ أحوالهم، ألم نقرأ أنهم لا يحتاجون إلى أقلام العلماء، ولا إلى نون سحنون، فقط الهمة منهم تنهض العزم، أليس جوهرهم الحب، أليس سيفهم الحب كما أخبر البنا رحمه الله.

أليس الحب من فتح لقلم الرافعي نافذة الوحي، ولولاه لما حاز لقب “نابغة الأدب، وحجة العرب”، ألم يشهد فيه محمد عبده رحمه الله في رسالته إليه بقوله: “ولكني أَعُدّك من خُلَّص الأولياء، وأُقدم صفك على صف الأقرباء..”

يا مريم !

أخشى، يا أختي العزيزة، أن أفقد حريتي، أنت تعرفين أن زوجي الأول جعل من قراني سجنا، ومن بيتي قفصا.

أختي لا أريد أن أدخل قفصا وإن كان ذهبيا، لقد جربت الحرية، واكتشفت ذاتي المنسية.

آه ما ألذ العبودية مع الحرية، الآن أعرف خشوع الصلاة، وعفة الحجاب، وسمو الأخلاق، الآن بعدما أفعل ذلك لله، لا لإرضاء عبد الله.

سألت “مَيّْ” العقاد لماذا يخاطبها بـ”أنتي” ولا يقول “أنت”، فأجابها أنه لا يريد أن يكسرها حتى في رسم مخاطبتها.

أخبرني صديقي العزيز معقبا على مقالة العقاد، لا أريد أن أكسر أنوثتك، ولا أن أقيد حريتك، أريدك أنت، كما أنت.

أختي، يا مريمتي، إني أخشى أن أجرح كبرياءه وأندم بعد ذلك، أخشى أن أكون كـ “فلانة” التي أحبها الرافعي !

أحبها حبا فَطَمَهُ عن الكتابة، “كان يلتمس مثل هذا الحب من زمان ليجد فيه ينبوع الشعر وصفاء الروح، وقد وجدهما، ولكن في نفسه لا في لسانه وقلمه …”

“تحابا؛ وتراءيا قلبا لقلب، وتكاشفا نفسا لنفس، ومضى الحب على سنته…”

حتى جرحت “فلانة” كبرياءه بغير قصد، وزاد صممه سوء الفهم بينهما.

ولم ينزل عن كبريائه بعدما أرسلت رسالة معتذرة، فارتفع كبرياؤها أيضا، فهي الأديبة والشاعرة والفيلسوفة، ألهذا يقولون أن ليس للعقلاء حب؟ !

طال الجفاء بينهما سنين، سنوات كان يملؤها ندم يكتمه الكبرياء.

فأثمر الندم هذه المرة أحزانا دونها الرافعي في رسائله، وضمن فيها أيضا ندم “فلانة”.

أخبرني صديقي العزيز أنه لن يسمح لكبريائه أن يرميه في الأحزان، ولن تكون رسائله إلا رسائل حب.

وأنه سينتظر.

أختي، أحتار بين أن أصدقه، فهذا الكمال أبعد من التصديق، لا أظنه يَصْدُقُنِي، وإنما يستهويني بجميل عبارته، ثم يغدر بي حين أقع في شراكه.

أليس الجن قرناء الشعراء، لعل صديقي هذا شيطان يتزيى بزي الملائكة.

لم أتجرأ أن أسأله عن عيوبه، ولا عن محاسنه، ولن أفتح له بوثقة  يظن من خلالها أني أرغب فيه.

ولكن أين سيذهب بي هذا التفكير؟ وفي أي منزل يضعني عقلي والتدبير؟

إني أخشى، أختي، أن يصدق علي قول الرافعي: “… وكما ينشأ الكفر أحيانا من عمل العقل الإنساني إذا هو تحكم في الدين، يأتي البغض من هذا العقل بعينه إذا هو تحكم في الحب !”

هل يصدق في قول دوستوفسكي؟

“أن المرأة التي تقرأ لا تستطيع أن تحب بسهولة .. إنها فقط تبحث عن نظيرها الروحي الذي يشبه تفاصيلها الصغيرة”.

لم يتجرأ صديقي أن يسألني؛ هل أحبه؟

ولكنه وضع قولة لـ “نيرو مصطفى” على قصصه على الفايسبوك.

“إذا أردت أن يعشقك الرجل ويلتصق بك كظلك، ولا يكل ولا يمل عن ملاحقتك وفعل المستحيل للفوز بقلبك، وعدم النظر للنساء من حوله، وتمني نظرة واحدة منك فقط !

فما عليك سوى فعل شيء واحد فقط لا غير…

” لا تحبيه”!

هل يقصدني بهذه الرسالة؟

أرسل لي يوما قول ابن مفلح رحمه الله:

“الرجل يكتم بغض المرأة أربعين يوماً، ولا يمكنه أن يكتم حبها يوما!

والمرأة تكتم حب الرجل أربعين يوماً، ولا يمكن أن تكتم بغضه يوما!”.

وقال: أنتظرك بعد الأربعين ما دمت تكتمين بغضك، وسأسمح لنفسي بالانجراف نحو ما أحب، لأنني أفعل ذلك من باطن روحي، ولأنه نهر يتحرك في داخلي، ولأنني مبتهج بفعل ذلك.

ولن أقبل بالصمت، وسأغامر من أجل من أحبه، ولن تشغلني أحلام الحب عن الحب.

أختي، لا أظن أن هذا رجل يطلب طعاما يشبعه، وفراشا يدفئه، كما كانت أمي تختصر حاجة الرجل، كل رجل.

لا أتجرأ أختي أن أنتقل من هذه المدينة التي يداعبني شاطئها، لا حجاب بيني وبينه، أزوره دون دعوة، وألبي إذا ناداني.

كيف أستبدل حبا مجهول الحقيقة، بحب إخواني وأخواتي، بحب أبي؟

هل أسمح لقلبي أن يميل إليه، أم أكتفي بدعواته الصالحة التي أخبرني أنها أصبحت من ورده؟

أخبرتك أختي سابقا، حين سألتني عن رغبتي في الزواج، أنني سأفعل إذا عثرت على من يناسبني.

أختي، هل هذا الرجل يناسبني؟

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.