منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

العالقون زمن كورونا

0

الجزء الأول:

أسندت ظهرها إلى كرسي الحافلة التي ستنطلق إلى اسبانيا قبيل ساعات من إغلاق إيطاليا لحدودها ..أغمضت عينيها مسترجعة بذاكرتها كل ما جرى لها..بكثير من الحسرة و الندم..

جاءت لإتمام إجراءات أوراق الاقامة بعد زواج آبنها بايطاليا وحصوله على الجنسية ..لكن زواج الشراكة الذي بين ابنها والايطالية.. جعلها تشعر بالاحراج ..كل شيء بينهما مناصفة و أي شيء يشتريانه مشتركَيْنِ في ملكيته ..لكل منهما نصفه ..فأصبحت تشعر ..كأنها تعيش معهما نصف حياتها ..نصف جسد..نصف روح..نصف متعة..لذلك كانت تجلس في نصف مكان ..و تأكل نصف وجبة.. وتترك النصف الآخر لِكَنَّتِها حتى لا يقال تأكل لها لقمتها ..أو تسرق لقمتها من فمها ..لكن فيروس كورونا حل بِغَير ميعاد و بَعْثر كل الأوراق..وأربك كل الحسابات..

جلست وحيدة تفكر وتعيد الحساب وتقلب المسألة على كل الوجوه..والنتيجة واحدة.. أن تعيش في الحجر الصحي مع كنتها في بيت واحد رغم انها لا تطيقها و لاتطيق الحديث معها ..الى حين حصولها على الاقامة ..مقدور عليه ..أن تعيش مع نصف ابنها وهو بلا شخصية ولا ارادة و لا قرار …قد تبتلعها بجرعة ماء ..لكن أن تدفن في ايطاليا في حالة وفاتها بسبب كورونا ..مستحيل ..أن تقضي رمضان مع امرأة لا تصوم ..غير ممكن ..كيف لامرأة عاشت طول عمرها في المغرب و في الأخير تدفن في غير تربته ..كيف لامرأة بدأت تصلي منذ سن السادسة و صامت مع البلوغ ..وفي الاخير تشارك الطعام مع امرأة تشرب النبيذ في رمضان..لا و ألف لا..

لذلك حجزت في آخر حافلة لعلها تدخل المغرب برا بعد اغلاق الحدود الجوية ..

المزيد من المشاركات
1 من 82

في فرنسا التحق بالحافلة جندي متقاعد ..من الذين شاركوا فرنسا حروبها ..اسمه اسماعيل هاربا من الحجر الصحي هوالآخر.. و سلوى امرأة انهت للتو بعض الفحوصات الطبية ..بعد جلوسهما بجانبها .. تبادلت معهما التعارف ثم الكلام و الطعام و الأسرار خلال الطريق ..

وهم على مشارف الميناء باسبانيا ..فوجئ الجميع باغلاق الحدود البرية ..والعديد من المغاربة متجمهرون في الميناء ..وبعضهم أمام القنصلية المغربية ..

أبلغت ابناءها في المغرب عبر الهاتف أنها عالقة باسبانيا و كل الحدود مغلقة ..والسفارة طلبت منهم الصبر و وقدمت لهم وعودا ..حتى ابنها بايطاليا يتصل بها مستفسرا..عن حالها ووضعها ..بعصبية أجابته :

“آهتم بحالك و لا تحمل همي ..فأنا قادرة على تدبير أمري ..غصتك يا ولدي لا زالت تتدحرج بين صدري و حنجرتي ..فلا فرحْتُ بك و أقمْتُ لك عرسا ككل الأمهات ..ولا أنت تزوجْتَ بنتا بكرا وفرحْتَ ككل العرسان ..ولا حافظْتَ على كرامتك و عشْتَ في بيتك سيدا ..آسمع ..اذا لم تنجب أطفالا ..فاعلم أن الله يحبك و يعطيك فرصة جديدة لتغيير مسار حياتك ..آلو ..آلو….”

انقطع الاتصال..اعتاد آبنها كلما أثقلت عليه في الكلام و أسمعته ما لا يرضاه ..وكلما أجهزت عليه بكل ما في صدرها من كلمات وقدفتها دفعة واحدة في أذنه عبر الهاتف..يقطع الاتصال و كأنه عطب في شبكة الاتصال ..لا زالت الحاجة مصدومة في ابنها آخر العنقود..

الحاجة الغالية آمرأة محتجبة.. إذا نظرت اليها لا تستطيع تحديد سنها بسبب النعمة البادية عليها ..بيضاء البشرة..وبشرة وجهها صافية بل ناعمة ونضرة ..تزيدها أنوثة وحلاوة ..رغم كبر سنها..معتدلة القامة ..بعيون خضر ..تشع منهما الطبيعة باخضرارها..تجمع بين ملامح أهل الشرق ومواصفات أهل الغرب..مغربية التفكير ..أوروبية الهندام ..تفتخر كثيرا أنها من سلالة القراصنة فهي حفيدة رئيس القراصنة النازحين من الاندلس أيام سقوطها..واستقرارهم بمدينة سلا..

الجزء الثاني

مقالات أخرى للكاتب
1 من 3

مضت ثلاثة ايام و لا جديد ..فقط ..وعود ..صبر..آنتظار ..والهواتف لا تتوقف عن الرنين ..والمذخرات تتبخر مع المصروفات..ولا أمل في الأفق.. 

في الصباح الباكر لليوم الرابع طرق اسماعيل الجندي المتقاعد باب غرفتها بالفندق ..طرقات سريعة ومتتالية ..مبلغا إياها ..أن شبابا من الفقيه بنصالح ..يقترحون السفر بالباخرة الى سبتة ومنها العبور الى المغرب عبرباب سبتة ..استحسنت الفكرة ووافقت عليها ..دون أن تهتم بثمن الرحلة المضاعف ..

في الباخرة انفرجت أساريرهم و عرفت الفرحة طريقها الى قلوبهم …بعد يأس وقنوط ..وتحولوا الى مجموعات بشكل تلقائي ..وكانت مجموعتها بقيادة الجندي المتقاعد اسماعيل ..تضم سلوى ومولاي أحمد وهو محامي مشهور كان في رحلة سياحية بأوربا وسهام طالبة بمعهد فرنسي ..تم التعارف بينهم في الفندق ..إضافة الى لحسن وهو شاب من الفقيه بنصالح..انضم اليهم في الباخرة و ائتمنهم على متاعه حتى يمرح قليلا مع رفاقه على سطح الباخرة..

أثناء اجراءات العبور بعد نزولهم من الباخرة تكلف مولاي أحمد المحامي بتعبئة الاسثمارات الخاصة بهم .. انطلق اسماعيل يستطلع قرب الميناء باحثا عن وسيلة نقل..وبقي لحسن مع النساء و الامتعة ..

بكثير من الارتياح سجدت الغالية وقبلت الارض ..قائلة ;

الحمد لله أننا بأرض مغربية ..صحيح أنها تابعة للاسبان تحت حكم ذاتي ..لكنها تبقى مغربية ..حتى إذا مت هنا ..لن يجد أبنائي وأقاربي صعوبة في زيارة قبري “

التحق بهم اسماعيل رفقة طفل قاصر يستعجلهم بالاسراع..مقدما لهم الطفل :

“هذا ايوب طفل مغربي سيقودنا الى فندق مناسب و ملائم وصاحبه مغربي (وأشار بيده ) والفندق قريب من هنا “

وهم في طريقهم الى الفندق ظلت الغالية تستنطق الطفل و( تلك عادة ورثتها عن والدها الذي كان ضابطا في الشرطة القضائية بسلا ) حتى عرفت منه كل ما تريد وهو يحكي لها بكل طلاقة و عفوية انه من تطوان حين انفصل والداه و اختاركل منهما حياته مع شريك آخر ..انتقل الى سبتة عند عمته ليساعدها في تجهيز السلع للمهربين و المهربات ..لكن الحركة تضاءلت والرواج التجاري انعدم منذ اغلاق المعبر .. فجأة توقف الجميع عن المشي وبعضهم نظر الى بعض..متبادلين النظرات ..وفي عيونهم ألف سؤال ..أما أيوب فظل يحكي ويحكي -دون أن ينتبه لما حل بهم-عن عدد المغاربة العالقين هنا والذين اصبحوا ينامون في المسجد بعد نفاذ نقودهم.. وبعضهم مشرد في أزقة المدينة ..و الكل يتابع حكاياه في صمت..

في بهو الفندق الرئيسي ..استقبلهم مالك الفندق بحفاوة كبيرة مرحبا بهم..واثناء الحديث أبلغهم أنهم آخر فوج لآخر رحلة.. حيث ان وزارة النقل في حكومة مدريد اصدرت قبل قليل قرارا باغلاق ميناء سبتة في وجه الحركة الملاحية ابتداء من الغد الى أجل غير مسمى ..للمرة الثانية في ظرف ساعة يتبادلون النظرات ..نظرات الصدمة في صمت وهم يتلقون الخبركصفعة مفاجئة ..ويرون كل المنافد تغلق برا.. بحرا وجوا.. 

تابع صاحب الفندق حديثه بنشوة كبيرة :

“لقد قررت ..طالما أنكم آخر فوج..فسأكون معكم كريما آخر كرم ..بمنحكم تخفيض أربعين في المائة عن كل غرفة وكسكس مصحوب باللبن الطري يوم الجمعة مجانا ..أتدرون لماذا ؟ ..لأنكم ستمكثون عندنا مدة طويلة ..فمرحبا بكم في بيتكم وبين إخوانكم”

كانت خيبة الأمل مسيطرة على وجوههم..وما عاد تبادل النظرات يُجدي ..والعيون تصرخ من الحيرة والحسرة..

في الاسبوع الاول وجدوا صعوبة في التكيف مع الوضع..والتأقلم مع قَيْدَيْ الزمان و المكان ..فكانوا كل صباح يجتمعون في البهو بعد تناول فطورهم.. يتبادلون اطراف الحديث و ويتابعون آخر الاخبار ..ثم يشتغل المحامي عن بعد متصلا بمكتبه و متتبعا اشغاله عبر الحاسوب ..وتتفرغ النساء للاتصال عبر الوات ساب بعائلاتهن ..اما اسماعيل و لحسن فيخترقان الحجر.. ويخرجان لمتابعة ما يجري. ويتواصلان مع باقي العالقين بالمدينة من المغاربة الذين تقطعت بهم السبل جراء الجائحة..

بدأت الحاجة الغالية تستأنس بالمكان ..وتدخل المطبخ للتعرف على الطباخين ومساعدتهم في الطبخ بعد استنطاق كل واحد منهم على حدة عن اسمه و أصله وقصة حياته..وأحيانا تصعد الى سطح الفندق رفقة إحدى الطباخات للاستمتاع بمناظرومظاهر المدينة..والهاتف بيدها لا يتوقف عن الرنين ..وهي تسجل الفيديوهات للتوثيق وتلتقط الصور وتبعثها الى أبنائها و أقاربها ..كما ترسل الاوديو تلو الأوديو كلما جدّ جديد الى أعضاء الجمعية التي تترأسها..

 

الجزء الثالث

قبيل الغروب ..عند نهاية الاسبوع الثاني بسبتة ..وهم في قاعة الاستراحة يتسامرون ..دخل عليهم اسماعيل قادما من اقصى المدينة .. يلهث و ينهج..وأنفاسه متلاحقة كقطار بخاري يلهت من طول المسافة ..ويحمل في جعبته اخبارا متنوعة و قرارات تخصه وحده..

انطلق يحكي دون مقدمات والكل يصغي اليه :

“الاخبار متدفقة اليوم وبلا توقف ..سنبدأ بالأسوإ..تمكن الحرس المدني من اعتراض أربعة شباب مغاربة ..حاولوا السباحة من شاطئ سبتة نحو الشواطئ المغربية ..واعتقلوهم وذهب لحسن الى مخفر الشرطة لمعرفة اخبارهم ..لانّ أحد المعتقلين منهم صديق له..والخبر الآخر توفيت امرأة مغربية من النساء العالقات بسكتة قلبية و ستدفن للأسف في سبتة بدل مدينتها طنجة ..والخبر الجميل هو قرار السلطات المحلية وضع المغاربة العالقين بسبتة في مركز رياضي جُهز لهذا الغرض الى حين فتح الحدود ..وقد تسجلْتُ فيه ..قاطعتْه الحاجة الغالية :

“أتريد أن تغادرنا ..أن تتخلى عنا ..ونحن في منتصف الطريق “

تردد كثيرا وهو ينزف داخليا همّا و إحراجا..بدأ متلعثما ..فمرتجفا…وأخيرا فصيحا ..صريحا وقال لها :

“ما باليد حيلة ..آ الحاجة ..أنا جندي متقاعد ..معاش راتبي هزيل ..لا يسمح لي بأن أقيم في فندق إلا ليلة واحدة ..لذلك أخرج كل صباح للتسول ..كنت أتسول قرب كنيسة سان انطونيو..وأشحث أمام مسجد مولاي المهدي ..وأمد يدي قرب حديقة سان أمارو..مرورا بقلعة ديسنارغادو..وبجانب النصب التذكاري لهرقل ..أجوب المدينة شرقا وغربا مستعطفا المسيحيين و المسلمين لأجمع ثمن المبيت في الفندق ..فأنا في محنة ..وقد تقطعتْ بي السبل ..ومحنتي لا يعلمها إلا الله..”

اخرست الصدمة الجميع..وشلّت المفاجأة تفكيرهم وأصبح لسانهم عاجزا عن التعليق أوالتعبير..وغزاهم التأثر و غَيَّرَ ملامح وجوههم ..طأطأ اسماعيل رأسه وهو في طريقه الى غرفته لجمع أغراضه ..أوقفه المحامي مولاي أحمد رافعا إحدى يديه بنبرة حزينة موجها له الخطاب :

“لوكنت قد فاتحتنا بالموضوع منذ البداية ..كنا أغنيناك عن السؤال ..وعشت بيننا معززا مكرما ..لكن اعتبارا من اليوم لا تسول ..ولا مدا لليد.. كل مصاريفك على حسابي ..أنا ميسور ولله الحمد وأملك بطاقة بنكية دولية .. وقد سبق لي ان ناقشت الموضوع مع الحاجة الغالية..وكان قرارنا التسديد عن كل من تَعذّر عليه الدفع ..اسمع ..سنظل رفقة و صحبة و أسرة واحدة حتى نعود الى بلدنا المغرب ..”

حاول اسماعيل أن يهمهم بدعوات صالحة لهما 

“لا داعي للدعاء ..نحن اسرة و سنظل متماسكين حتى نخرج من هذه المحنة”

بهذه الكلمات طمْأنته الحاجة الغالية ..حتى لا يستمر في الدعاء و يثير الانتباه وهم في بهو الفندق ..هنا ضاعت الكلمات وخلفت وراءها الصمت ..ولا شيئ غير الصمت..

وسط هذه الأجواء دخل لحسن ..أحس أن الجو متوثر وآثاره بادية على الوجوه..قبل أن يستفسر عن حالهم ..سأله اسماعيل عن مصير الشباب ..كان جوابه وهو يتأمل الوجوه الحزينة :

“تم نقلهم الى مكان اسمه (بلاصا دي طورو) وهو مكان مخصص لايواء المغاربة العالقين ..أنت أكيد تعرفه..”

لم يعلق اسماعيل على الخبر و ليست تلك عادته ..بل انسحب في صمت متجها الى غرفته ..

اسماعيل رجل عسكري ..متشبع بالأفكارالعسكرية .. طويل ..متين ..تعود اصوله الى نواحي مدينة الجديدة ..يمشي مستقيما بلا مساعدة رغم كبر سنه ..حيث تجاوز الثمانين من عمره..ولا يزال شبابي القلب ..حديدي الجسد ..كثير الحركة و الحكي و الجدال ..أغلب ملابسه رمادية شبه عسكرية ..لكن مشيته عسكرية ..لا يعاني من اي مرض سوى شفتين تتنملان و ترتجفان من كثرة الحكي ..يحكي كثيرا عن جاكلين وهي امرأة فرنسية .. تزوج بها ايام الحرب وماتت اكثر من حديثه عن المغربية التي انجبت له اطفالا وما تزال على ذمته ..يتميز بعادات طريفة.. ومن عادته انه اذا ضحك كثيرا يضرب فخده بكف يده دليل انشراحه ..واذا غضب يظل ينظر يمينا و شمالا و كأنه يفكرفي الهروب أو في الهجوم ..

لم يقتنع لحسن بانسحاب اسماعيل دون تعليق فتلك ليست عادته ..سيطرت هذه الملاحظة على تفكير لحسن وهو يتابع سير اسماعيل المنسحب بانكسار ….

 

الجزء الرابع

اعتاد الكل خلال الحجر بالفندق ان الحاجة الغالية تصحو باكرا وبعد تناول فطورها ..تجلس في بهو الفندق الرئيسي الفسيح لمراقبة نزلاء الفندق و ملاحظة ازيائهم المختلفة والتسلي بمتابعة كل زوار الفندق الداخلين إليه و الخارجين منه ..

صباح ذلك اليوم غيّراسماعيل من عادته ولم يخرج ..بل اتخد له مكانا قرب الحاجة الغالية ..وظلا يتبادلان أطراف الحديث وهي تستنطقه كعادتها عن مظاهر ومآثر مدينة سبتة ..وكان يحكي لها بإسهاب الى ان وصل الى مرحلة التسول ..هنا توقف عن الحكي..أحست الحاجة باحراجه ..فقالت له :

“كل منا يخفي في أعماقه قصة مقرفة أو حزينة و يخفيها عن العيون ..منذ مدة كان يحكي لي ابني حسام وهو طبيب في مستشفى عمومي.. أنه لم يزر بيته.. و لم ير ابنته الوحيدة.. و لم يلتق بزوجته أكثر من شهرخوفا عليهما من العدوى بفيروس كورونا ..وبسبب ذلك يقيم في فندق قريب من المستشفى ..كان يحكي لي وهو يبكي كطفل صغير حُرِم من لعبته ..يحكي و أنا ابكي ..أبكي عليه و على حظي و على وضعي الحالي ..يحكي و كلانا يبكي و كأننا في بيت عزاء ..كل صباح يتصل بي ..وكل صباح أدعو له لأنه في الصفوف الاولى لمجابهة الجائحة ..أدعو له و أدعو لنا فكلانا في مأزق ونسأل الله السلامة”

التحقت بهما سلوى و سهام.. بعد التحية و السلام جلستا تصغيان للحديث الذي يدور بين الحاجة و اسماعيل الذي تابع الحكي عن مدينة سبتة :

“-هذا الفندق الذي نقيم فيه تصنيف ثلاث نجوم وهناك فنادق اخرى تصنيف خمس نجوم ..ذات عدة طوابق و عدة مسابح..لكنها اليوم خالية على عروشها بسبب الجائحة و بسبب كلفتها الغالية..كما ان هناك سياح من عدة جنسيات عالقين مثلنا .. وقد رأيت ذات يوم بين السائحات واحدة تشبه جاكلين ..لكن جاكلين تفوق نساء العالم بابتسامتها الساحرة.. دون الحديث عن جمالها و قوامها”

قاطعته الحاجة الغالية بعصبية :

“-دعك من الجاكلينات ومن يمشي خلفهن ..وتابع حديثك عن المدينة “

ضحكت سلوى و سهام بينما ابتسم اسماعيل و تابع حديثه :

“- يبدو..آ الحاجة ..أصبحت عندك حساسية من النساء الاوربيات ..المهم..عمال المصانع هنا تم تسريحهم بعد اغلاق المعبر و الميناء..لكنهم يتوصلون بإعانات من السلطات اسبوعيا..آه نسيت ..هل تعلمون اني صليت هنا في اربعة مساجد وهم ..مسجد سيدي امبارك و مسجد مولاي المهدي و مسجد الامير و مسجد..ومسجد ..نسيت اسمه ..”

سهام وسلوى تصغيان اليه بكثير من الدهشة و الاستغراب ..لأنهما لم تتجاوزا عتبة الفندق ..منذ دخولهما اليه..ولا تعرفان شيئا عن المدينة.. 

قاسمهما المشترك أن سلمى و سهام تعودتا على العيش بعيدا عن الاضواء و التجمعات ..تثقان في الحاجة الغالية و تمشيان خلفها دون اعتراض..

سهام شابة تجاوزت العشرين بسنتين ..من طلبة المعاهد الفرنسية ..تقضي وقتها في التنقل بين هاتفها المحمول و الحاسوب ..والسماعات في أذنيها منسجمة مع ما تستمع اليه ..هائمة في ملكوتها ..لا تهتم في الغالب بما يجري حولها ..و مطمئنة على حالها و وضعها ..بعد ان اتصل والدها بالحاجة الغالية واوصاها ان تتكلف بمصاريفها و احتياجاتها الى حين العودة ..

أما سلوى فهي امرأة أربعينية ..جميلة ..مليحة ..و سمينة ..وبدانتها تزعجها أحيانا و ترهقها لا سيما بعد تواجدها هنا في وضع غير مريح..ولأنها مطلقة تتحاشى المواجهة أو الصدام مع الرجال حتى لا يظنوا أنها فريسة سهلة ..وهي لبؤة شرسة ..تحمل حقدا و كرها جمعته مع الايام قطرة قطرة من ظلم زوجها لها..تتلقى علاجها بفرنسا من مرض تتكثم عنه ..نقله اليها زوجها من خلال مغامراته اثناء استقرارهما بفرنسا ..تركت ابنتيها عند والدتها في المغرب ..تزور فرنسا للعلاج و متابعة اجراءات الطلاق بإحدى المحاكم الفرنسية ..

وقف اسماعيل مستأذنا الجميع معبرا عن رغبته في الخروج ..فهو يعشق الهيام على وجهه في المدينة..سائلا إياهن إن كن يرغبن في شراء شئ من المحلات ..نبهته الحاجة ألا يعود الى عادته القديمة ..و شَخَصّتْها بيدها و هي تبتسم..آبتسم هوالآخر ابتسامة خجولة ونفى برأسه و يده..قبل أن يغادر شاهد مولاي احمد قادما فتسمّر في مكانه ..حتى يسلم عليه لكن مولاي أحمد حيّاه برفع يده وجلس غاضبا وأبلغهم أن صبيب الانترينيت ضعيف في الغرفة ..

مولاي أحمد رجل قانون.. مستقيم في سلوكه و مواقفه ..تجاوز الخمسين ببضع شهور.. يعاني من داء السكري و ضغط الدم..لذلك فهو عصبي و سريع الغضب..رغم ذلك فهو طيب القلب ..يعين و يساعد دون تردد..ينتمي لأسرة محافظة وعريقة ..تعود أصولها الى الدوحة النبوية الشريفة.. يحب أن يخلو بنفسه..يتبع ريجيما قاسيا و يشعر بالاحراج وهو يتنقل بين المائدة و المرحاض بين الفينة و الاخرى بسبب السكري الذي يعاني منه.. يشتغل كثيرا لدرجة ينسى فيها أوقات الأكل والنوم ..وله مكانة مرموقة في المجتمع الرياضي البيضاوي..لانتمائه و تسييره لإحدى الفرق الرياضية بالدارالبيضاء..

 

الجزء الخامس

وفي ليلة ليلاء ..عند منتصفها بالتحديد ..و في غفلة من عمال الفندق و النزلاء انسل لحسن بخطوات هادئة نحو باب الفندق ..فآبتلعه الظلام …واختفى في العتمة التي تلف المكان ..تاركا في غرفته رسالة ..

اجتمعوا صباحا على مائدة الافطار بدون لحسن .. لم ينتبه أحد لغيابه..بعد الفطور انغمس كل في برناجه كعادتهم..مولاي احمد يعمل عن بعد متصلا عبرالحاسوب بمكتبه ..و النساء يتواصلن مع اسرهن عبر الوات ساب..واسماعيل يخرج مخترقا الحجر الصحي ..يهيم في المدينة بدعوة البحث عن كمامة وأخبار طرية ..

قبيل الغروب ..جلس مولاي احمد يرتشف قهوته السوداء بدون سكر و يتابع الأخبار بحاسوبه ..فجأة انتفض واقفا مرتبكا و مذعورا .. رفع يده فوق رأسه ..يمسح الشعيرات القليلة بكف يده و ينادي على الحاجة بصوت آنتبه له الجميع ..وانطلقوا نحوه..

التفوا حول الحاسوب ..الحاجة ..سلوى ..سهام و بعض الفضوليين من النزلاء..يتابعون ..يقرأون ..يستغربون من غرابة الخبرالذي يقول :

“تمكن شاب مغربي – ضمن المواطنين العالقين في مدينة سبتة من كسر حالة الطوارئ التي تفرضها السلطات – من المغادرة سباحة الى شاطئ الفنيدق ليلا ..حيث عبر الرصيف الحدودي لمعبر (تاراخان) وصولا الى الاراضي المغربية سباحة..يتراوح عمره مابين ثلاث وعشرين سنة و سبع وعشرين سنة.. لكنه لم يكن مسجلا في المركز الخاص بايواء العالقين..”

نظر بعضهم الى بعض و تبادلوا النظرات في صمت و تفكيرهم في اتجاه واحد..تساءلت الحاجة بصوت مرتفع :

“أيمكن أن يكون هو؟” 

وهي تنظر الى مولاي احمد الذي لم يستبعد الامر بحركات رأسه..نظر الى الحاضرين ثم سألهم :

“مَنْ آخر واحد منكم.. رأى لحسن هذا الصباح ؟”

لا جواب ..لا أحد..

مكث يبحث في هاتفه عن رقم لحسن ..اتصل به لكن هاتفه خارج التغطية ..ثم اتصل باسماعيل يستفسره عن لحسن ..جاء الجواب مخيبا للآمال لا علم له و لم يره هذا الصباح و طلب منه ان يسأل عنه كل اصدقائه الذين يعيشون في المركز..

في المساء عاد اسماعيل بخفي حنين لا خبر.. لا معلومة ..سألوا المسؤولين في الفندق لا خبر.. لا إفادة..قرروا الدخول الى غرفته رفقة المسؤولة عن الغرف..فوق السرير كانت هناك رسالة موجهة الى الحاجة الغالية والمجوعة..

فتحت الحاجة الغالية الرسالة بيدين مرتعشتين و لاحظت أنها مكتوبة بخط كوفي جميل ..يبدو أنه خريج مدارس التعليم العتيق ..هكذا خطرتْ الفكرة في بالها ..ثم انطلقت في قراءة الرسالة :

“الى الحاجة الغالية و اسرتي الجديدة ..بعد التحية و السلام ..لم اتحمل هذا الوضع ..ولم أطق العيش فيه ..لذلك قررت المغادرة بعد اسبوع من التخطيط..اذا فشلت ساتصل بكم من مخفر الشرطة ..واذا نجحت ساتصل بكم من المغرب ..لكن اذا لم اتصل معناها أني مت ..فالمرجو من الحاجة الغالية أن تحتفظ بجواز سفري الذي لا زال بحوزة ادارة الفندق بعد ان تدفع ما بذمتي ..وتعطيه رفقة بعض أمتعتي الى والدتي و العنوان ستجدينه مرفقا بالرسالة ..”

جلست الحاجة الغالية تبكي و انضمت اليها سلوى و سهام ..في حين بقي مولاي احمد يتصل بهاتف لحسن دون جدوى ..اما اسماعيل فظل واجما يفكر وعيناه جاحظتان من شدة الصدمة وكأنه مسؤول عما جرى ..أحس وكأن كل السنين التي قضاها في الحرب لم تفده أمام هذه الحادثة ..وكل الحنكة و الخبرة وتجاربه في الحياة لم تعنه أمام هذه الواقعة..

لحسن شاب بشوش..فارع الطول..نحيف الجسم ..يميل لون بشرته الى السمرة..حافظ على بداوته رغم اشتغاله بايطاليا..لا يهتم بأناقة هندامه..خدوم بحيوية وحركية لا تتوقف ..خجول .. يتيم الاب..يقيم في ايطاليا مع اخته وزوجها ..وهما اللذان ساعداه في الدخول الى ايطاليا ..كما ساعداه في الحصول على عمل وعلى اوراق الاقامة .. بعد افلاس الشركة التي يعمل بها تعذر عليه ايجاد عمل آخر..ظل عاطلا ثم تحول الى بائع متجول ..لكن وصول كورونا الى ميلانو ..جعله يفضل اقامة الحجر مع والدته بقريتهم ..فوجد نفسه عالقا بسبتة..ثم باندفاع شبابي غامر بحياته. 

 

الجزء السادس

رك غياب لحسن شرخا في جدار هذه اللمة الاخوية الاسرية بدون قرابة دم..فاحساسهم بالذنب تجاه لحسن تفاقم عندهم..وكثر النقاش بينهم حول التقصيرأو الاهمال أيهما دفع لحسن الى المغامرة بحياته ..ربما الملل و السأم أو ربما عجزه عن تسديد فاتورة الاقامة بالفندق لطول المدة ..

صحيح هو لم يبح لهم بالسر لكن هم بدورهم لم يسألوه ..مجرد سؤال عن وضعه و حاله ..

تحول مساء ذلك اليوم الى أضواء وصخب وهرج ..وانطلقت حركة غير عادية في محيط الفندق..داخله و خارجه.. بمجرد ما اعلن الاعلام السمعي البصري بالمدينة عن حلول شهر رمضان وجاء الاعلان مرفوقا بالتهاني و التبريكات و الدعوات .. 

اكثرمن ساعة وهم يتشاورون…يتحاورون ..يتهامسون..واحيانا يتصايحون ثم يعودون الى وتيرتهم الاولى ..فهم أمام معضلة و إشكال معقد ..بعد الاعلان عن دخول شهررمضان ..يتشاورون هل يصومون مع اسبانيا باعتبار سبتة تابعة لها أم ينتظرون الى ما بعد الغد ويصومون مع المغرب ..الرجال يرون الصيام مع مسلمي اسبانيا و النساء يتشبثن بالصيام مع المغرب لأن سبتة جزء من تراب المغرب..وكان هذا اول انشقاق داخل المجموعة منذ انتقالها من اسبانيا الى سبتة ..

اسماعيل و مولاي احمد قررا الصيام يوم الجمعة وحين علما أن الحاجة و سلوى و سهام قررن الصيام يوم السبت ..رغم اعتناقهم جميعا نفس الدين وحملهم نفس المذهب واشتراكهم نفس العقيدة وعيشهم في نفس المدينة ..تشاورا في الامرمن كل الوجوه..فعثر مولاي احمد في حاسوبه على ثلاث فتاوي لأكبر علماء المسلمين يتفقون ويجمعون أنّ المسلم عليه أن يصوم وفق توقيت و اعلان شهر رمضان بالبلد الذي يقيم فيه ..واطلع الحاجة عليه و واصل الحوار معها ..

وحين اقتنعت بادرها مولاي احمد بهذه الملاحظة :

“لم أكن أتوقع أنك متشددة الى هذا الحد…”

قاطعته قائلة :

“من اجل رمضان وكورونا غادرت ايطاليا ..وتخليت عن اوراق الإقامة..خِفت ان يحل رمضان ..ويجمعني في الحجرمع زوجة ابني تحت سقف واحد .. احدنا صائم احتسابا والاخر مفطر جهارا.. كيف أتعايش معها ..وهي لا تسمح لي بالدخول الى مطبخها وكأنه مختبر خاص بها وأنا مولعة باعداد كل ما تشتهيه النفس في رمضان ..ففضلت السفر بل قل المغامرة “

“ولولا هذه المغامرة ما تشرفنا بمعرفتك” 

كلمة مجاملة رقيقة صدرت من مولاي أحمد تجاه الحاجة..جعلها تَقْترب منه ..وتُقَرب شفتيها من أذنه وتودعه سرا همسا قائلة :

“لعلني ساحتاجك ..أفكر في انشاء موائد الرحمان للعالقين هنا ..واريد مشورتك القانونية و تواصلك مع السلطات و صاحب الفندق..وأنا جاهزة للتمويل ..سواء باسمي أو باسم الجمعية التي أترأسها ..واسماعيل سيكون رهن اشارتك في هذه المهمة..و سنخصص له راتبا “

رن هاتف الحاجة الغالية ..لم تجب ..ولم تهتم ..لأنها مشغولة بالمشروع ..وتنتظر رأيه في الموضوع .. فاجأها قائلا : 

“مع الحجر و كورونا يصعب تحقيق هذه الامنية في الظروف الراهنة “

ثم رن هاتف مولاي أحمد ..نظر الى شاشة الهاتف وتمعن فيها مبتسما ..وقال للحاجة :

” أتعرفين من المتصل ؟ لن تصدقي أبدا..إنه لحسن من المغرب..” 

بلهفة طلبت منه أن يسرع في الاجابة مستعملا مكبر الصوت..طال الحديث بينهم..تكلم مع كل واحد منهم على حدة وهو في غاية السعادة..أخبرهم كيف خاض عدة مغامرات.. متسللا ..متخفيا ..مراوغا.. راجلا ..راكبا.. حتى وصل الى بيت والدته بقريتهم..وحين وصل القي عليه القبض من طرف المقدم ورجال الدرك وهو الآن يقيم في الحجر الصحي و سيخرج منه بعد اسبوع .. بشّرته الحاجة الغالية أن جواز سفره في آمان .. وستبعثه له مع احد أبنائها الى قريته.. حيث يقيم..وطمأنته..و طلبت منه أن يدعو الله ليرفع هذا البلاء و الحجر عنهم ..

وَدَّعَهُم متمنيا لهم عودة ميمونة في اقرب الآجال..

لحظات مرت وهم يجترون الحديث عن لحسن.. أثناء ذلك ذهب مولاي احمد الى المرحاض ..وعند عودته أبلغته الحاجة الغالية أن هاتفه رن أكثر من مرة ..نظر الى شاشة هاتفه ..ابتسم ثم ابتعد لاجراء المكالمة بعيدا عن اعين الفضوليين و سارقي السمع لعلها مكالمة مهمة ..اما الحاجة فاستغرقت في التفكير عن كيفية انشاء موائد الرحمان ..في حين استمر الحديث بين اسماعيل و سلوى وسهام ..ولما عاد مولاي احمد الى المائدة أبلغ الجميع ان بعض المغاربة العالقين في فرنسا قاموا بوقفة احتجاجية يطالبون بترحيلهم الى المغرب ..ففرضت عليهم الدولة الفرنسية غرامات مالية بقيمة 135أورو لكل فرد ساهم في الوقفة الاحتجاجية ..

قالت لهم سهام موضحة :

“في كل دولة عالقون من جنسيات مختلفة ..ومواطنوها بدورهم عالقون في عدة دول ..وبعض العالقين تعرضوا للتشرد ..لأن قوانين بعض الدول معقدة وتحتاج الى اجراءات ومساطر ادارية ومدة زمنية طويلة”

أجابها اسماعيل :

“ولماذالا يتبادلون الأسرى فيما بينهم ..ويحلون المشكلة “

ضحك الجميع من مصطلحاته العسكرية وقال له مولاي احمد :

” والبّا اسماعيل نحن عالقون..عالقون ولسنا أسرى ” 

تدخلت الحاجة الغالية معبرة عن عدم رضاها :

“عالقون ..اسرى ..سجناء ..تختلف الأسماء والمعاناة واحدة ..الحرمان من الحرية ..حرية التحرك و التنقل بحرية”

بادرها مولاي احمد :

“حتى لو كنت في المغرب..كنت ستخضعين للحجر الصحي و تمكثين في بيتك ..فلا خروج ” 

قاطعته الحاجة :

“احساس عن احساس يختلف..وأنت في بلدك و في قلب بيتك و بين اهلك و جيرانك ..ليس كاحساسك وانت عالق ومعلق ..تتجاذبك الغربة و الحسرة و الانتظار..

صاحت فيهم سلوى :

“لا تحدثوني عن الاحساس ..احساس الامومة يجتر داخلي ..اشتقت الى حضن أمي ..وعناق ابنتيْ ..والمرض ينخر ذاتي و ضياع الوقت ليس في صالحي ..وهنا الليل طويل ..ويطول في غرفنا أكثر من ساعاته ..لا العيون تعرف النوم ..ولا النفوس تعرف الراحة ..ولا القلب يطمئن ..والوساوس تأخدنا يمينا و يسارا كورقة في مهب الريح “

افرغت ما في صدرها ..احست ببرودة في جسدها ..واضطراب في اعصابها و خفقات في قلبها ..فانسحبت من مجلسهم ..وذهبت الى غرفتها لتتناول دواءها ..وتركت خلفها الأسى و الحزن ..

نظر بعضهم الى بعض ..دون النطق بأي كلمة ..لكن نظراتهم هذه المرة كانت تختلف عن سابقاتها ..

رنّ الهاتف هنا وهناك ..فانكب كل واحد على هاتفه ..وانساق كل واحد الى عالمه ..وانشغل بما لذيه ..وهم قابعون في مجلس واحد ..وساد الصمت بينهم و اصبح سيد الموقف. 

 

الجزء الأخير

غابت شمس ذلك اليوم على خبر حزين ..أرخى بظلاله على أرجاء الفندق وهو يمر عبر الوشوشة.. والخبر هو..وفاة عم سهام بفيروس كورونا كوفيد 19 بعد إصابته به في مدينة الدارالبيضاء..

فقد توصلت الحاجة الغالية بالخبر من والد سهام ..فأبلغت الجميع همْسا ماعدا سهام ..في انتظار الوقت المناسب لتبليغها..لكن لمّا سمعوا بكاء سهام و صراخها..علموا أن الخبرقد وصلها..

لقد توصلت سهام بعبارات التعازي عبر الوات ساب من زملاء لها و أصدقاء..قدموا لها التعازي في وفاة عمها ..فدخلت في حالة من الهستيريا .. 

هرول الجميع نحو غرفتها ..والتفوا حولها مساندين ومواسين ..وهي تحكي و تبكي ..تبكي و تحكي لهم عن عمّها ادريس ..رجل أمن ..شهيد الواجب ..أب لثلاثة أطفال ..أقرب الناس الى قلبها ..وتعلمت منه الاستقامة و الانضباط..

كان اسماعيل ينظر و يستمع اليها ..وفي عينيه وميض ابتسامة ..فكثيرا ماكان يعجبه سماعها وهي تناديه ..عَمّو اسماعيل ..عَمّو اسماعيل ..بصوتها الرخيم و المحتشم ..فيشعر بعذوبة في أذنه ..وتمناها لو كانت ابنته ..كان سيفتخر بها ..مهندسة قناطر و انشاءات.. وكلها حياء و ادب ..لا صباغة تلطخ بها وجهها ..ولا طلاء تطلي به أظافرها..طبيعية ومتواضعة.. بدل البغال الذي أنجب ..ولا أحد منهم حصّل على شهادة عالية ..وأثلج صدره و رفع هامته به بين ساكنة قريتهم ..

ما أجمل أحلام اليقظة لو تتحقق..وتنقل صاحبها من عالم الى عالم ..ردّدها مع نفسه عِدة مرات..

اقترح عليهم أن يقيموا له صلاة الغائب ..لكن الفكرة لم تحظ برضى الجميع لانشغالهم بسهام و مواساتها..فابتلع ريقه و لعابه و انكمش كعصفور فقد جناحيه ..

ذات مساء جاء اسماعيل ينهج و يلهث و انفاسه متلاحقة كعادته كلما عاد اليهم يحمل أخبارا ..قادهم الى مكان قصي في البهو ..وراح يحكي لهم همسا ..يكاد يكون وشوشة و بين الفينة و الاخرى يلتفت الى اليمين واليسار و الى الخلف ..ليتأكد أن الخبر لم يتسرب عبر التنصت..و كلما دخلوا معه في جدال ..حاول اقناعهم بكل السبل ..

كان يحمل لهم خطة مُحكمة ومَضمونة للهرب من سبتة و التسلل الى المغرب في عملية لن تستغرق اكثر من ثلاثين دقيقة بالقارب عن طريق البحر ..قبيل السحور بساعة..لكن الحاجة الغالية انتفضت واقفة و منفعلة وحسمت الامر معه بل ومعهم جميعا معلنة :

-“أنا الحاجة الغالية ..مغربيةُ الصُّلْبِ والرَّحِمِ ..زرتُ الكعبة مرتيْن..مرّة حجّا ومرّة عُمرة ..و لي بيتان بيت في سلا و بيت في فاس ..ولي أصهار و أحفاد .. ميسورة ولله الحمد ..مزهوة بميراثي و ذريتي ..وأجود على الضعفاء بفضله وكرمه علي..أدخل الى بلدي متسللة مثل اللصوص و قطّاع الطرق .. (تنظر الى اسماعيل ..موجهة الخطاب له ) متسللة يا اسماعيل متسللة ..اسمع بل اسمعوا جميعا ..سأنتظر هنا (وتضرب المائدة بقبضة يدها) وسأنتظر حتى تُفْتح الحدود..و أدخل بلدي عبر باب سبتة ..مرفوعة الرأس والهامة..مستقيمة القامة من أسفل فقرة في ظهري الى اعلى فقرة ترتبط بعنقي..معتزة بذاتي و تاريخي و بلادي ..لأني أحمل فوق كتفي حضارة تمتد الى أكثر من 1200 سنة..وتريدني أن أدخله متسللة ؟ “

التفتت الى مولاي احمد و نظرت اليه مليا ثم خاطبته حازمة :

-” ماذا تقول في قولي هذا ؟ “

أجابها بحماس و باعجاب لاعتزازها بمغربيتها وصاح مدعما اقوالها :

-” سننتظر ..سننتظر ..حتْما سننتظر حتى تفتح الحدود أو تتكفل الدولة المغربية بنقلنا الى المغرب “.

……………(تتمة)

ملحوظة..

العالقون لا زالوا عالقين ..هناك جزء ينتظرنا ..لكن بعد انفراج أزمتهم ..وعودتهم الى بلدهم ..

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.