منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

العلاقات البيداغوجية تسائل الرؤية الاستراتيجية أي مقاربات للتحديات الراهنة؟

د. عادل ضباغ

0

نشر هذا المقال في كتاب: “العلاقات البيداغوجية في المنظومة التربوية المغربية” يمكن تحميله من هذا الرابط

يمكنكم قراءة وتنزيل المقال بصيغة (بدف pdf)

ملخص

نقارب في هذا المقال العلاقات البيداغوجية في المدرسة المغربية، انطلاقا من تتبعنا لمدى حضور هذه العلاقات في مضامين الوثائق الرسمية، وعلى رأسها الرؤية الاستراتيجية للإصلاح 2015-2030، التي سهر المجلس الأعلى للتربية والتكوين والبحث العلمي على صياغتها وتنزيلها على أرض المدرسة. كما نستقرئ واقع العلاقات البيداغوجية في بعديه التنظيري والميداني؛ بعد تنظيري بسط لها أربعة مسارات لتجويد العلاقات البيداغوجية داخل المدرسة المغربية، تتكامل فيما بينها لتحقق توازنا في العلاقة بين مكونات العملية التعليمية التعلمية. وآخر ميداني متحقق واقعا لا يرضي تطلعات المؤسسات الرسمية للرقابة وتقاريرها، بله أن يرضي الغيورين على منظومة التربية والتكوين من باحثين وفاعلين تربويين.

وقد قدمنا لواقع العلاقات البيداغوجية مجموعة من القرائن، التي تستند إلى أرقام صادمة وإحصائيات دقيقة تبين حجم المعضلات التي تنخر جسد منظومة التربية والتكوين المغربية؛ من أهمها درجة رضى المدرسين أنفسهم عن واقع المدرسة والظروف المحيطة ببيئة التعلم، ومدى مواكبة المنظومة التربوية التعليمية للطفرات العلمية والتكنولوجية، ومعضلة الانقطاع الدراسي الذي يقض مضجع كل ذي حرقة؛ فما يناهز نصف مليون متعلم ومتعلمة يغادرون المدرسة كل موسم دراسي!!

واقع مرير تتستر الجهات المعنية عن الإفصاح عن حجم أضراره، وتتلكأ في الإسراع لإيقاف نزيفه ومعالجة أسبابه، واقع لا نكاد نسمع له خبرا لولا التقارير الدولية TIMSS وPIRLS التي ما تفتأ تكشف زيفها وحقيقة ما تعانيه منظومة التربية والتكوين المغربية من اختلالات تمس المدرسة. لأجل ذلك، نسائل الرؤية الاستراتيجية عن مدى واقعيتها وجدواها والغاية من وجودها.

المزيد من المشاركات
1 من 38

الكلمات المفاتيح: العلاقات البيداغوجية، المدرسة المغربية، المدرس، المتعلم، المعرفة.

توطئة

توالت على منظومة التربية والتكوين المغربية استراتيجيات عديدة وأوراش للإصلاح، منها: اللجنة العليا للتعليم (1957) ومناظرة المعمورة (1964) ومناظرتا إفران (1970 و1980) واللجنة والوطنية للتعليم (1994) والميثاق الوطني للتربية والتكوين (1999) المخطط الاستعجالي (2009-2012)، وصولا إلى الرؤية الاستراتيجية للإصلاح (2015-2030). فمنذ عهد الاستقلال إلى اليوم، حاولت كل استراتيجية صياغة رؤى استشرافية وإجراءات تدبيرية ومشاريع للتنزيل الواقعي لمقتضياتها. لكن جل هذه الاستراتيجيات لم تعرف النجاح المأمول وظلت تشكو أزمة «الحلقة المفقودة»، بل عرف بعضها اختلالات تدبيرية استنزف موارد الدولة وطاقاتها البشرية، وألحق أضرارا بمخرجات المنظومة التربوية وأجيال من أبناء المغاربة ممن واكبوا كل المرحلة.

وتكتسب العلاقات البيداغوجية قيمتها الاعتبارية بوصفها اللحمة الرابطة بين مكونات العملية التعليمية التعلمية، ولما لها من وظيفة مركزية في اكتساب الكفايات والمعارف، وما يتشكل لدى المتعلمين من حاجات واتجاهات وتمثلات ومواقف وقيم حياتية. بيد أن واقع هذه العلاقات لا يحقق الوظائف المنوطة بها؛ بالنظر إلى الإشكالات الاجتماعية والمعرفية وطبيعة الممارسات الديداكتيكية، التي تختلف تبعا لتصورات المدرسين والمتعلمين، وكذا المسافة الفاصلة بين مؤسسة الأسرة والمدرسة وارتهان ذلك بالتحولات المجتمعية الدائمة التحول.

فإلى أي حد استطاعت الرؤية الاستراتيجية للإصلاح 2015-2030 تجاوز تعثرات الاستراتيجيات السابقة للإصلاح؟ وما المؤشرات الدالة على نجاحها واقعيا بعد مرور خمس سنوات من تنزيلها؟ وما مدى تأثير التحديات المجتمعية والتربوية الراهنة في طبيعة العلاقات البيداغوجية؟

حضور العلاقات البيداغوجية في الرؤية الاستراتيجية

تتأسس العلاقات البيداغوجية على الروابط القائمة بين أركان العملية التعليمية التعلمية؛ المدرس والمتعلم والمعرفة المدرسة. كل ذلك في سياق تربوي يتغيى بلوغ ثمرة التعلم، التي تكسب المتعلم الاستقلالية فيما يستقبل من صلات مهنية واجتماعية. غير أن هذه العلاقات البيداغوجية -كما الشأن في مختلف العلاقات الاجتماعية- تتسم بالتغير الدائم، وفقا للصيرورات التاريخية والاجتماعية للجماعات الإنسانية. من أجل ذلك، كان لزاما على الفاعل التربوي إيلاؤها ما تستحق من اهتمام ومعرفة بالسياقات المتحكمة في هذه العلاقات وعناصرها، والمؤثرات ذات التأثير العميق أو السطحي في صيرورة تغيرها.

وتمثل المدرسة (وهي إحدى مؤسسات التنشئة الاجتماعية: الأسرة والمدرسة والشارع والإعلام) أهم المؤثرات المتحكمة في طبيعة العلاقات البيداغوجية، فـ “داخل المجال المدرسي، تتم هذه العلاقة التربوية عبر وسائط وتقنيات وقواعد عمل بيداغوجية وديداكتيكية؛ وتتحول بذلك إلى علاقة بيداغوجية دون أن تفقد علاقتها ببنيات المجال الاجتماعي. مجال العلاقة البيداغوجية هو الحقل المدرسي. ورغم وحدة هذا الحقل، فإن طبيعة العلاقة البيداغوجية لا تتم تاريخيا بكيفية واحدة ومتجانسة، بل تعكس التمثل الثقافي العام أو الغالب للتربية والتكوين والسلطة البيداغوجية؛ بل هي تميل الآن إلى أن تتنوع بحسب الخبرات التربوية للمدرس ونوعية الجماعة الفصلية، وطبيعة تنظيم الحياة المدرسية عامة”.[1]

ويجمل بنا أن نقف عند هذه العلاقات البيداغوجية داخل المدرسة المغربية، ومقاربة واقعها في بعديه التنظيري والميداني. ننطلق في ذلك باستقراء ما سطرته مضامين الرؤية الاستراتيجية للإصلاح 2015-2030، التي سهر المجلس الأعلى للتربية والتكوين والبحث العلمي على تقديمها بوصفها الوثيقة الرسمية المعتمدة لإصلاح المدرسة المغربية، والنهوض بها من كبوة الاختلالات المزمنة التي رافقت مشاريع الإصلاحات السابقة، إصلاحات عانت بها المدرسة المغربية -وما تزال- ويلات ضبابية الرؤية وغياب المحاسبة والنرجسية المفرطة في تدبير المعضلات التي تعيشها المدرسة المغربية.

جاءت الرؤية الاستراتيجية لتؤكد في مبادئها على “اعتبار الفصل الدراسي النواة الأساس للإصلاح، بإعطاء الأولوية للمتعلم؛ والمدرس؛ والتعلمات؛ والفاعل التربوي؛ وظروف التمدرس؛ وتمكين مؤسسات التربية والتكوين ومجموعتها التربوية من الإمكانات الضرورية للاضطلاع بمهامها، وبإعادة بناء علاقة تربوية جديدة بين المتعلم والمدرس، وبينهما وبين فضاءات التعلم”.[2] من الواضح أن هذا المبدأ -في جوهره- محاولة لاستدراك التقصير والاستهتار الهائل، الذي صرح به تقرير المجلس الأعلى للتعليم سنة 2008،  في تحليله لحالة منظومة التربية والتكوين وآفاقها، فـ “ما توحي به الأشواط المقطوعة هو أنها تمت «وكأن مسار الإصلاح قد توقف عند باب المدرسة»، بسبب منهجية تدبيره ومحدودية الانخراط في عمليات تطبيقه على أرض الواقع. وهكذا، يتبين أن إشاعة روح الإصلاح وثقافته لم تتم بقدر كاف، كفيل بإيصاله إلى عمق الفضاءات التربوية الأساسية. كما أن المدرسة المغربية -وعلى الرغم من كونها موضوع إصلاح حاسم- فإنها ظلت في منأى عن مبادرات التجديد والتمهين؛ تشهد على ذلك محدودية النقاش والبحث البيداغوجي، وقلة الإجراءات المتخذة من أجل الارتقاء بكفايات الفاعلين التربويين”.[3]

بين توصيف تقرير 2008 والرؤية الاستراتيجية 2015-2030 بون شاسع، بين التشخيص المؤلم لواقع المدرسة المغربية، الذي لم يسفر عن محاسبة المسؤولين عن مشاريع الإصلاح وتتبع مواطن سوء التدبير لمنظومة التربية والتكوين، كيف وهي ركيزة المجتمع وأساس بنائه. وبين الدعوة إلى “تمكين مؤسسات التربية والتكوين ومجموعتها التربوية من الإمكانات الضرورية للاضطلاع بمهامها”.[4] ونحن اليوم نتساءل -وقد مضى من عمر الرؤية ثلثه- عن مدى التحقق الفعلي لهذا التمكين، والتنزيل الميداني لما هو مسطر في صفحات الرؤية الاستراتيجية.

وقد بسطت الرؤية الاستراتيجية أربعة مسارات لتجويد العلاقات البيداغوجية داخل المدرسة المغربية، تتكامل فيما بينها لتحقق توازنا في العلاقة بين مكونات العملية التعليمية التعلمية. فأكدت الرؤية على الآتي:

  • اعتبار المتعلم محور الفعل التربوي وفاعلا أساسيا في بناء التعلمات، وتنمية ثقافة الفضول الفكري وروح النقد والمبادرة، والبحث والابتكار لديه؛
  • اعتبار مؤسسة التربية والتكوين نواة أساسية في الفعل التربوي، ذات مشروع متكامل منفتح على المحيط ومتفاعل معه؛
  • تموقع المدرس أو المكون، كمشرف على التعلمات وميسر لها، ومتفهم لحاجات المتعلمين(ات)، ومتكيف مع مختلف الوضعيات، بما يحقق حافزيتهم وانخراطهم وتكامل قدراتهم وخبراتهم في التعلم؛
  • توثيق العلاقة مع الأسر، باعتبارها المصدر الأقرب لمعرفة حياة المتعلمين(ات) خارج المؤسسة التعليمية، وأثرها على مواظبتهم وانخراطهم، وتحسيس الأسر بدورها في تكميل عمل المدرسة والارتقاء بالعلاقة التربوية داخلها.[5]

تبدو هذه المسارات على قدر كبير من الجدوى في تجويد العلاقات البيداغوجية، لما أولته من اهتمام شديد بمختلف عناصر العملية التعليمية التعلمية. بيد أن هذه المسارات المقترحة تظل قيد المساءلة والتقويم بالنظر إلى مدى التنزيل الواقعي لها في المدرسة المغربية. من أجل ذلك، نقارب هذا المعطى الأخير للوقوف عند الحالة التي يعيشها المدرس والمتعلم اليوم وطبيعة المعرفة التي فرضتها ضرورات اللحظة التاريخية وتحولاتها.

مهمة المدرس وواقعه

تاريخيا، كان لكل صفة وُسم بها من كُلّف بتعليم النشء مدلول إبستيمي خاص، يتمخض عنه تصور للخصائص والمهام التي تناط به، فـ«الأستاذ» و«المربي» و«الشيخ» و«المعلم» إلخ، كلها تتصل بسياقات محددة وتنبثق عنها تمثلات وتصورات تبعا للبراديغم التربوي المتبع. وقد تواضع الباحثون في الحقل التربوي في لحظتنا التاريخية على وصف من كلف بتربية النشء وتعليمهم بوسم «المدرسEnseignant ».

وعملت الأبحاث التدخلية والدراسات البيداغوجية على تحديد سحنة المدرس وكفاياته والغايات المرجو منه التحقق بها وتحقيقها، مع الإشارة إلى أن “الموقع المتميز للمدرس في العملية التعليمية ليس هو الذي تغير حاليا، بل إن الذي تغير -أساسا- هو أدواره التقليدية، ووظائفه ومهامه التربوية. أما موقعه كفاعل تربوي يتفاعل مع باقي مكونات العملية التعليمية-التعلمية، فقد ازداد حضورا وأهمية، وبذلك حافظ على موقعه ومركزه المتميز والفعال في العملية التربوية. أما التغيرات التي لحقت أدواره، فقد كانت جذرية، بحيث لم يعد هو المصدر الوحيد للمعرفة. كما انه لم يعد القناة الوحيدة لنقلها، بل أصبح ميسرا ومسهلا ومنشطا ومرافقا للتلاميذ في تعلماتهم. كما أصبح له دور استراتيجي في العملية التربوية؛ فبالإضافة إلى كونه عصبها، فهو يعمل على تحقيق التناغم والفعالية بين مدخلات العملية، كما يعمل على تدبير عمليات التعليم والتعلم وتقويمها”.[6]

تتحدد مهمة المدرس اليوم في كونه ميسرا ومنشطا للعملية التعليمية التعلمية، ومرافقا للمتعلمين في اكتساب الكفايات اللازمة لبناء شخصياتهم. وبهذا يكون المدرس نقطة التماس بين المنظومة التربوية في مختلف تفاصيلها مع المقصود بفعل التعلم (المتعلم).  ويختلف المدرسون في استعداداتهم وكفاياتهم وتمثلهم لمهمتهم التربوية، وبذلك “تفرض علينا مهمة المدرس الانتباه إلى صنفين من المدرسين: المدرس المرمق، والمدرس الباحث (ولم لا المثقف). الأول يركب دروسه ويجمعها، وعند الصياغة يلفقها، ويرمقها ليؤدي وظيفته، أما الثاني فيبحث في المتن لينشأ دروسه، بله ليبدعها، ثم يصوغها وفق اجتهاده. الأول لا يتكلم بلسانه، أما الثاني فدروسه هي لسان حاله”.[7]

ولا يمكننا القطع بأفضلية أحد الصنفين على الآخر، ما لم نتريث لننظر في السياقات المختلفة التي ترافق بيئة التعلم، وتأرجح القيمة الاعتبارية للمدرس تبعا لمجموعة من المتغيرات، في مقدمتها تمثل المجتمع بفئاته لمهنة التدريس وقيمة المدرسة. ينضاف إلى ذلك معرفة درجة رضى المدرسين أنفسهم عن واقع المدرسة والظروف المحيطة ببيئة التعلم. نورد هنا رسما بيانيا[8] يبين مدى رضى مدرسي السلك الثانوي.

التقاطع بين الأهمية المكونات لدى المدرسين ومستوى رضاهم عنها

يشير الرسم البياني إلى وجود عدد مهم من الجوانب التي تساعد المدرس في تجويد ممارسات التدريس؛ على رأسها ضعف توفر الوسائل الديداكتيكية وتدني مستوى المتعلمين وندرة حلقات التكوين المستمر، ينضاف إلى ذلك حالة المباني التي تفقد العملية التعليمية التعلمية جاذبيتها وتبعث الخمول في المدرس والمعلمين على السواء.

ونورد مشهدا آخر من سوء تنزيل الإجراءات البيداغوجية، هو مشروع «الأستاذ الرئيس»[9] الذي من شأنه الرفع من جودة مخرجات العملية التعليمية التعلمية والعلاقات البيداغوجية وتهييء بيئة تعلمية تحقق أهداف التعلم وغاياته. ذلك أن مشروع «الأستاذ الرئيس Professeur Principal» في الدلائل[10] المؤسسة له أنيطت به مهمات توجيهية للمتعلمين، ونقطة ارتكاز في الكشف عن تحديات التمدرس، والسعي إلى إيجاد حلول تشاركية بين المدرسة والأسر والفاعلين التربويين.

أما في الحالة المغربية فقد وجدنا المذكرة المؤطرة أوعزت إلى المدرسين الانخراط في مشروع «الأستاذ الرئيس»، لكنها لم تسطر برنامجا واضحا لتكوينهم في مهام التوجيه والتشخيص والتقويم المطلوبة إليهم، كما لم تعفِهم من عبء الحصص الدراسية ومهامهم الأصلية، لأجل هذه الأسباب لم تلق هذه التجربة تجاوبا مهما لدى المدرسين.

استعدادات المتعلم وواقعه

يمثل المتعلم حجر الزاوية في العملية التعليمية التعلمية، لما له من أبعاد سيكولوجية ومعرفية-ثقافية واجتماعية وقيمية تشكل سحنته، وتميزه عن باقي الأفراد داخل المجتمع. ولهذا ينبغي للمدرس إيلاء هذه الجوانب كلها ما تستحق من العناية، خصوصا ما يرتبط بالبعد النفسي الوجداني، الذي يذكي بواعث الاستعداد للتعلم عنده؛ فإن “تعليم الطفل في مراعاة للبعد السيكولوجي والنفسي، لا يساعد المتعلم فقط في التحصيل الدراسي، بل يساعده في تجاوز مشاكله النفسية التي تعيق التعلم وتعيق النمو السليم لشخصيته. […]بناء المدرس علاقة اجتماعية مع متعلمي فصله هي نتاج إحساس حب ومسؤولية نحو التعلم، وهو تعليق آمال عليه كمواطن الغد، وتمييزه لحجم المسؤولية الملقاة على عاتقه وجسامتها، يجعل منه متفاعلا إيجابيا مع السيرورة التعليمية”.[11]

غير أن الآمال ما تلبث أن تصطدم بالتحديات الراهنة للمدرسة المغربية، وما تعيشه من معضلات تنخر جسد منظومة التربية والتكوين؛ من أهمها معضلة الانقطاع الدراسي، الذي لم يتوقف نزفه من عقود، وما الأرقام الصادمة والإحصائيات المهولة لأعداد المتعلمين المغادرين لمقاعد الدراسة إلا مؤشر على الوضع الصحي للمنظومة؛ فـ”فيما يتعلق بالانقطاع المدرسي، والذي له أسباب متعددة الأبعاد، فإنه لا يزال يشكل تحديا حقيقيا لنظامنا التعليمي لأجل تحسين مردوديته الداخلية، فرغم أن معدل الهدر سجل انخفاضا مهما ما بين 2008 و2012، إلا أنه عاد ليسجل ارتفاعا خلال الموسم الدراسي 2016/2017. […] وعلى إثر التساؤلات المطروحة أعلاه، يعتبر المجلس الأعلى للحسابات أن المخطط الاستعجالي لم يحقق جميع أهدافه، كما لم تكن له التأثيرات المرجوة على منظومة التربية”.[12]

معطيات تنذر بكارثة مجتمعية يهدد فيها الانقطاع المدرسي آلاف المتعلمين والمتعلمات بمغادرة مقاعد الدراسة، قبل أن إنهائهم سلكي التعليم الإلزامي (الابتدائي والثانوي الإعدادي)، وهما السلكان التعليميان الإلزاميان، اللذان يفترض فيهما أن يحافظا على المتعلمين في المدرسة حتى بلوغهم سن الخامسة عشرة على الأقل.

ولنكن صرحاء! ولنـتحدث بلغة الأرقام الواضحة والإحصائيات الواقعية الرسمية! يورد الجدول الآتي[13] خلاصة الإحصائيات التي وقف عندها الأطلس المجالي الترابي للانقطاع المدرسي في المواسم الدراسية الممتدة من 2015 إلى 2018.

سلك التعلم 2015 2016 2017 2018
الابتدائي 179 533 131 797 127 435 435126 126 195
الثانوي الإعدادي 195 949 179 921 194 012 212 133
الثانوي التأهيلي 132 821 95 956 96 150 93 548
المجموع العام 508 303 407 674 417 597 431 876

تطور عدد المنقطعين عن الدراسة وفق الأسلاك (التعليم العمومي)

ما يناهز نصف مليون متعلم ومتعلمة يغادرون المدرسة كل موسم دراسي!! فتيان وفتيات في ريعان التفتح يلقى بهم في مهاوي الإقصاء ومزالق الجهل والانحراف. وبقراءة متأنية لما جاء في تحليل نسب الانقطاع وفق المستويات التعليمية، نجد أن هذه النسب المئوية لهذه الإحصائيات تبلغ مستواها الأقصى في الأقسام الإشهادية في مختلف الأسلاك التعليمية؛ فنسبة الانقطاع المسجلة خلال الموسم الدراسي لسنة 2018 هي % 12,4 في السنة السادسة للتعليم الابتدائي، وبلغت % 19,3 في السنة الثالثة إعدادي و % 17,1 في السنة الثانية من سلك البكالوريا.

أما فيما يتعلق بتفصيل أدق لهذه الإحصائيات حسب متغير النوع لدى المتعلمين والمتعلمات، فيبين “تحليل الانقطاع الدراسي وفق النوع أن الإناث يستمرِرن أكثر من الذكور في سلك التعليم الثانوي. حيث، غادر % 11,6 من الإناث سلك الثانوي الإعدادي، و% 8,8 منهن غادرن سلك الثانوي التأهيلي، في الوقت الذي بلغت تلك النسب، عند الذكور % 16,6 في الإعدادي، و % 11,9 في الثانوي التأهيلي. وعلى العكس من ذلك، تتعرض الإناث إلى الانقطاع الدراسي أكثر من الذكور في التعليم الابتدائي: % 3,9 من الإناث، مقابل % 3,4 من الذكور. ويشكل مستوى السادسة ابتدائي حاجزا صريحا أمام الإناث، ويحول دون انتقالهن إلى سلك التعليم الثانوي الإعدادي، حيث تتخلى% 14,6 منهن عن الدراسة في هذا المستوى، مقابل % 10,4 بالنسبة للذكور. أما في نهاية السلكين الإعدادي والتأهيلي، فإن الذكور هم الذين يسجلون أعلى نسب للانقطاع عن الدراسة”.[14]

أرقام تسائل الرؤية الاستراتيجية عن جدواها والغاية من وجودها، في ظل هذا الكم الهائل من أبناء الوطن الذين يغادرون المدرسة نحو المجهول، نحو مصانع البؤس وأوهام الهجرة ومهاوي الانحراف. والأنكى من ذلك كله أن الجهات الوصية تغطي الشمس بالغربال، وتشيع في وسائل الإعلام نجاحات لا وجود لها في تقارير المكاتب المكيفة، التي ما تفتأ التقارير الدولية TIMSS وPIRLS تكشف زيفها وحقيقة ما تعانيه منظومة التربية والتكوين المغربية من اختلالات على صعد متعددة.

المعرفة.. أي معرفة؟

تتغير مصادر المعرفة وأشكالها بشكل متسارع، عوالم افتراضية وألياف بصرية تنقل ما لا يتصوره عقل من المعلومات عبر المعمور، وصار بإمكان المتعلم الإبحار في فضاءاتها دون قيود الزمان أو المكان، يكفيه أن يوجهه المدرس إلى الموارد الموثوقة والمعلومة الأجدى.

لكننا في المغرب نسجل تقهقرا في مستوى مواكبة المنظومة التربوية التعليمية لهذه الطفرات التكنولوجية، بل الأعجب أننا لم نستطع توفير الكتب الورقية لمتعلمينا داخل مؤسساتهم التعليمية؛ فـ “في سنة 2011 سجل المغرب أعلى نسبة من بين جميع الدول المشاركة، فيما يرتبط بنسبة التلاميذ الذين لا توجد في المدارس التي يدرسون فيها مكتبة، حيث بلغت هذه النسبة %70. وقد حافظ على الوضع نفسه سنة 2016 بنسبة %63. […] أما بخصوص الحواسيب، فإن %31 من التلاميذ المغاربة لم يتوفروا عليها خلال سنة 2011، من أجل استعمالها في تعلمّهم. ثم صارت هذه الوضعية أشد حرجا سنة 2016، فتضاعفت هذه النسبة لتبلغ %67”.[15]

إن وجدت الكتب فلا مكتبة مهيأة، وإن وجدت المكتبة فلا قيّم لها يسهر على تنظيم سيرها وخدمة الوافدين إلى رحابها من المتعلمين والمدرسين. مما يؤثر سلبا في عادة القراءة لدى المتعلمين، فإن لم توفر المدرسة لهم بيئة لاكتساب مهارات القراءة وسبل جعلها عادة يومية، ولم يجدوا في بيت الأسرة ما يسد نهمهم المعرفي وجوعتهم في التعلم، انصرفوا إلى ملهيات التكنولوجيا من هواتف «ذكية» وألعاب تفاعلية إلخ، والأخطر من ذلك انخراطهم في الاستهلاك اليومي لما تعرضه مواقع التواصل الاجتماعي، والتقاطهم الساذج لبرامج التفاهة الإعلامية وتسفيه العقول. صناعة مخربة للإنسان والعمران.

أما عن علاقة منظومتنا التربوية التعليمية بالتكنولوجيات الحديثة، فإن الأزمة العالمية الراهنة لعام 2020 الناتجة عن تفشي جائحة كوفيد 19 في العالم بأسره، وضرورة تعويض التعليم الحضوري بالتعليم عن بعد عبر وسائط التكنولوجيا، بينت مدى استعداد المنظومة والوزارة الوصية وقدرتها على تدبير المرحلة؛ ضبابية في التخطيط وارتباك في التدبير ما أضر بمبدأ تكافؤ الفرص بين المتعلمين الذين تأثروا سلبا، نظرا لضعف الوارد المادية وعدم توفر الوسائط (الهواتف الذكية والحواسيب) في المناطق المهمشة، وإن حاولت الوزارة تجاوز هذه التحديات ببث مواد تعليمية عبر القنوات التلفزية الرسمية، لكن ذلك لم يكن كافيا.

كما طرحت الأزمة الصحية مجموعة من القضايا الإشكالية، التي تسائل تمثلاتنا للمعرفة المقدمة لمتعلمي هذا الجيل؛ فإن “العملية التربوية الحالية ترتبط بالمؤسسة التعليمية المادية الواقعية، وبالعلاقة التفاعلية الواقعية مع المعلم / الأستاذ في مجال جغرافي واقعي مشترك. أما مع اعتماد «التعليم عن بعد» فسنصبح في وضع افتراضي: القسم افتراضي، والأستاذ /المعلم افتراضي، والعلاقات البيداغوجية علاقات افتراضية… فما الملامح التي ستكون عليها هذه التربية الافتراضية؟ وكيف يمكننا ابتکارها بما أننا نعتقد جازمین أن مجال التربية سوف لن ينجو من «جائحة» الرقمنة؟”.[16]

أعتقد أننا على عتبة براديغم تربوي جديد، يلغي الأشكال التقليدية لمدرسة الحقبة الصناعية التي ما تزال تثقل كاهل مدرستنا. وإننا وإن بذلنا الجهد كله في توفير البنى اللوجيستية والوسائل التكنولوجية والمنصات التعليمية، لا يعدو ذلك مضيعة للوقت والجهد ما لم نغير البراديغم التربوي التعليمي، وتسري روحه في تمفصلات النموذج البيداغوجي والمنهاج والبرامج والمقررات ومضامين الكتب المدرسية، كما يسيطر على مجريات التخطيط والتدبير والممارسات الديداكتيكية، وبالتالي في طبيعة العلاقات البيداغوجية ومخرجات العملية التعليمية التعلمية برمتها.

خاتمة

سعى هذا المقال إلى تحديد بعض مواطن التعثر في مقاربة المنظومة التربوية للعلاقات البيداغوجية، عبر لغة حاولت تشخيص الواقع كما هو باعتماد وثائق رسمية صادرة عن المجلس الأعلى للتربية والتكوين والبحث العلمي ومنشوراته وتقرير المجلس الأعلى للحسابات، لنخاطب المعنيين بلغة الأرقام والإحصائيات الصادرة عن المؤسسات الرسمية المعتبرة.

ونرى أن العلاقات البيداغوجية من أهم مفاتيح معضلات منظومة التربية والتكوين ببلادنا؛ فمتى كانت ركائز العملية التعليمية التعلمية متوازنة تحققت أهداف التعلم وغاياته، وإن المدخل الرئيس ليكمن في وجود إرادة لإصلاح حقيقي للمنظومة التربوية بالمغرب، وسعي جاد للنهضة بالمدرسة العمومية وبالعاملين فيها مدرسين وإداريين وأعوانا. ولا سبيل إلا ذلك ما لم يكن التصور المراد واضحا، فإن التصور عنوان التصرف والنتائج والمآلات متعلقة بمعرفة أصول الأسباب وصحة الغايات.

المراجع المعتمدة

  • الخياري، عبد الله. (يناير 2013) مهام المدرس وكفاياته. مجلة دفاتر التربية والتكوين، (8/9)، 21-28.
  • منصف، عبد الحق. (نونبر 2009) مشكلات العلاقة البيداغوجية داخل المدرسة المغربية. مجلة دفاتر التربية والتكوين، (1)، 30-42.
  • شقور، حكمت. (نونبر 2013) العلاقة بين المدرس والمتعلم في بعديها البيداغوجي والاجتماعي. مجلة دفاتر التربية والتكوين، (10)، 73.
  • المجلس الأعلى للتربية والتكوين والبحث العلمي (2015)، الرؤية الاستراتيجية للإصلاح 2015-2030، الرباط.
  • المجلس الأعلى للحسابات (ماي 2018)، تقرير حول تقييم المخطط الاستعجالي لوزارة التربية الوطنية، الرباط.
  • وزارة التربية الوطنية (2019)، مذكرة رقم: 114/19 الصادرة بتاريخ 08/10/2019، “الأستاذ الرئيس” بالثانويات الإعدادية والثانويات التأهيلية. الرباط.
  • تقرير المجلس الأعلى للتعليم (2008)، حالة منظومة التربية والتكوين وآفاقها، إنجاح مدرسة للجميع، ج1، الرباط.
  • تقرير المجلس الأعلى للتعليم (2008)، حالة منظومة التربية والتكوين وآفاقها، هيئة ومهنة التدريس، ج4، الرباط.
  • الهيئة الوطنية لتقييم منظومة التربية والتكوين والبحث العلمي (2019)، الأطلس المجالي الترابي للانقطاع المدرسي 2014-2018، الرباط.
  • السيدي، محمد. والتاقي، محمد (يوليو 2020)، جائحة كورونا وصدمة رقمنة العملية التعليمية بالمغرب، الدليل المعرفي لجائحة كوفيد 19 لجامعة محمد الخامس بالرباط، منشورات جامعة محمد الخامس، الرباط.
  • Philippe Meirieu et Sylvain Wagnon (2018). « Pédagogie : la fin de la naïveté ! », Trema, N° : 50.
  • Instance Nationale d’Évaluation -PIRLS 2016- auprès du Conseil Supérieur de l’Éducation, de la Formation et de la Recherche Scientifique, (2019). Résultats des élèves marocains dans l’étude internationale sur le progrès en littératie (PIRLS 2016), Rabat,2019.

[1] . منصف (نونبر 2009)، ص. 30.

[2] . الرؤية الاستراتيجية (2013)، ص. 8.

[3] . تقرير المجلس الأعلى للتعليم (2008)، ج1، ص. 17.

[4] . الرؤية الاستراتيجية (2013)، ص. 8.

[5] . الرؤية الاستراتيجية (2013)، ص. 34.

[6] . الخياري (يناير 2013)، ص. 21.

[7] . دفاتر التربية والتكوين (يناير2013)، ع 8/9، ص. 152-153.

[8] . تقرير المجلس الأعلى للتعليم (2008)، ج4، ص. 70.

[9] . وزارة التربية الوطنية (2019)، مذكرة رقم: 114/19.

[10] . Philippe Meirieu et Sylvain Wagnon (2018).

[11]. شقور (نونبر 2013)، ص. 73.

[12]. المجلس الأعلى للحسابات (ماي 2018)، ص. 92.

[13] . الهيئة الوطنية لتقييم منظومة التربية والتكوين والبحث العلمي (2019)، ص. 15.

[14] . المصدر نفسه، ص. 16.

[15] . Instance Nationale d’Évaluation -PIRLS 2016-, (2019). P. 24

[16] . السيدي والتاقي (2020)، ص. 29.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.