منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

اللغة العربية الفصحى والدارجة: دراسة في جوانب الاتصال والانفصال

عاديل البقالي

0
اشترك في النشرة البريدية

نشر هذا المقال في الكتاب الجماعي (اللغة واللهجة: قضايا وإشكالات)، ويمكنكم تنزيل الكتاب من هذا الرابط.

كما يمكنكم قراءة وتنزيل المقالة بصيغة pdf من هذا الرابط: اللغة العربية الفصحى والدارجة: دراسة في جوانب الاتصال والانفصال – عاديل البقالي

مقدمة:

تتعايش اللغة العربية مع اللهجات المتفرعة عنها تعايشا طبيعيا، إذ إن من خصائص كل لغة التعدد في مستويات استعمالها، فلا يكون مستوى استعمالها مستوى واحدا إلا إذا كانت اللغة معزولة ومقصورة على جماعة لغوية منعزلة، فاللغات العادية التي يتكلم بها الناس عادة ما تحتوي على ازدواجية لغوية، أو مستويان متعايشان من الاستعمال اللغوي؛ يسمى المستوى الأول بالمستوى المكتوب؛ ويمثل اللغة الرسمية للبلاد أو الدولة، والتي توظفها في صياغة الوثائق الرسمية، والمعتمدة في التعليم في المدارس، والصحافة، وصناعة الخطابات وغيرها من المجالات التي يتم الابتعاد فيها عن الارتجالية. ويمكن تسمية هذا المستوى بالمستوى الفصيح من اللغة.

أما المستوى الثاني فو المستوى الشفوي؛ وهو المستوى الذي نجده عند العامة من الناس، فهذا المستوى أشد ارتباطا بالعفوية والتلقائية في الكلام دون مراعاة للقانون النحوي الذي يحكم اللغة، ويكون أكثر بعدا عن التدبر والتأمل فيما سيتم قوله وغالبا ما يتسم بالسرعة، ويمكن تسمية هذا المستوى بمستوى الدارجة، ووصف كل مستوى باسمه إنما هو نابع من مجال وضوابط استعماله. كما أن داخل كل مستوى درجات متفاوتة من الاستعمال. وبذلك يكون «ادعاء كون الدراجة المغربية بعيدة الصلة بالعربية الفصحى، وأنها لغة مستقلة بذاتها ونسقها ومعجمها، وأشبه ما تكون بلغة كريولية هجينة أو عبارة عن خليط فقط من العربية والبربرية وبقايا الفرنسية والإسبانية وغيرها، كلام يفتقر إلى الدقة والموضوعية والنزاهة العلمية»[2].

وينتقل الكلام من مستوى الفصاحة إلى مستوى الدارجة عبر عدة عناصر أهمها اللحن أو التحريف في استعمال القواعد النحوية أو الصرفية أو التركيبية او الدلالية وغير ذلك…، وسنسعى في هذه الورقة إلى الإجابة عن الإشكالات الآتية:

المزيد من المشاركات
1 من 16

لماذا التمييز والمفاضلة بين اللغة واللهجة؟ وعلى أي أساس علمي تقوم هذه المفاضلة؟ وما جوانب الاتصال بين اللغة العربية الفصحى واللهجة الدارجة؟

وسنسعى إلى الإجابة على هذه الإشكالات استنادا إلى ما ألفه الدكتور عبد العلي الودغيري باعتباره أحد أبرز العلماء الذين ناقشوا جملة من الإشكالات التي تتعلق باللغة العربية وعلاقتها باللهجات. وذلك من خلال الوقوف عند كتابيه (اللغة العربية بين مراحل الضعف والتبعية) وكتاب (لغة الأمة ولغة الأم).

لماذا التمييز والمفاضلة بين اللغة واللهجة؟

الجواب عن هذا السؤال يقتضي تشخيص واقع اللغة العربية خلال القرن التاسع عشر، حيث عانت خلال هذا القرن جمودا وتخلفا أدى بها إلى اتساع الهوة بينها وبين لهجاتها، فاستغل ذلك المحتل الغربي هذه الهوة استغلالا قويا من أجل شن حملات شرسة ضد اللغة العربية الفصحى، ملصقين بها شتى أنواع نعوت التخلف والتقهقر، واعتبروها غير صالحة للعصر الراهن، وشجعوا في مقابل ذلك استعمال اللهجات المتفرعة عنها، مع دعواتهم الملحة على جعل اللهجات تحتل مكانة اللغة الفصحى، أي رفع المستوى الثاني للغة ليقوم مقام المستوى الأول. من هنا بقي التمييز والمفاضلة بين اللغة واللهجة رغم خروج المحتل من جل البلدان العربية، وبذلك يمكن القول إن «الغزو الثقافي واللغوي ما يزال في أوج ازدهاره وعنفوانه وقوته وتأثيره، وكل هؤلاء الذين نراهم اليوم يهتفون ياسم (العاميات واللهجات) في عالمنا العربي، ويطالبون بإلغاء الفصحى أو إخراجها من كل المجالات الحيوية وحصرها في زاوية الاستعمال الديني، هم بلا شك ولا ريب من الواقعين – بشكل أو بآخر-تحت تأثير هذا الغزو الثقافي الأجنبي»[3].

على أي أساس علمي تقوم هذه المفاضلة؟

إن المتأمل لأصل المفاضلة بين اللغة واللهجة سيجد أنها مفاضلة لا تقوم على أسس علمية رصينة؛ مفاضلة يثيرها دعاة الدراجة الذين لا يتقنون التكلم بالفصحى، بل يكنون لها كل مظاهر الحقد والكراهية بسبب جهلهم لها ونفورهم منها، وغالبا ما تكون هذه الفئة من خريجي المعاهد والمدراس الأجنبية، إذ لو «تفحصت مليا أمر هؤلاء (المناضلين) الذين يرفعون أصواتهم من داخل الأوطان العربية – من حماة العامية الدارجة- لوجدتهم في غالبيتهم العظمى من خريجي المدارس الأجنبية في الداخل أو الخارج، وأكثرهم لا يعرفون من العربية إلا وجهها اللهجي الدارج على الألسن الذي تعلموه بالصدفة في الشارع أو البيت لا في المعاهد والمدارس والأكاديميات. ولا علم لهم بالفصحى إلا ما سمعوه عن أساتذتهم في تلك المدارس والجامعات الأجنبية أو ما قرأوه في كتابات أعداء العربية والحاقدين عليها أو الجاهلين بها»[4]، والأخطر في الأمر إذا صعد هذا النوع من الدعاة إلى استعمال الدارجة وتفضيلها عن الفصحى -تفضيلا في نظرنا خال من الأسس العلمية-إلى مراكز السلطة أو القرار أو مجالس التعليم أو وزارته.

ما جوانب الاتصال بين اللغة العربية الفصحى واللهجة الدارجة؟

تناول مجموعة من العلماء والباحثين في مجال اللغة عموما واللغة العربية خصوصا، إشكالية العلاقة بين اللغة العربية الفصحى والدارجة، من خلال إبراز بعض جوانب الاتصال والانفصال بينهما.

ويُعد الدكتور المغربي عبد العلي الودغيري من أبرز هؤلاء العلماء الذين تطرقوا إلى هذه الإشكالية، فقد ذهب في كتابه (اللغة العربية في مراحل الضعف والتبعية) إلى كشف النقاب عن بعض جوانب الاتصال والانفصال بين اللغة العربية الفصحى ولهجاتها المعاصرة. وسنبين ذلك كالآتي:

جوانب الاتصال.

يبرز الدكتور عبد العلي الودغيري في كتابه (اللغة العربية في مراحل الضعف والتبعية) أن علاقات الاتصال بين اللغة العربية الفصحى واللهجة الدارجة أكثر من علاقات الانفصال بينها، مركزا في بيان ذلك على مظهر واحد يجسد جانبا من جوانب الاتصال بين الفصحى ولهجاتها، وهو الجانب المعجمي، مبينا أنواع الرصيد المعجمي الذي تشترك فيه العربية الفصحى ولهجاتها المعاصرة، أبرزها النوع المرتبط بالرصيد المشترك الثابت في كل لغة ولهجة.

ويرتبط هذا النوع عند الودغيري بالرصيد المعجمي الثابت والمستمر، حيث تشترك فيه كل اللهجات على اختلافها، واللغة العربية الفصحى. واعتبر هذا الرصيد بمثابة النواة المعجمية الصلبة الثابتة في اللغة التي تنتقل من جيل إلى آخر، إذ هو «الذي يؤمن استمرارية التفاهم والتواصل بين سائر مستعمليها على اختلاف لهجاتهم، ورغم كل التحولات التي تطرأ على تلك اللهجات، فيضمن بذلك بقاء هذه اللغة واستمرارها، كما يضمن – باستمرارها- وجود تلك العلاقة الاتصالية بين اللهجات والفصحى، ووجود مثل هذه القاعدة المعجمية العامة المكونة من نواة صلبة من المعجم المشترك بين الفصحى وجميع لهجاتها، لا تنفرد به العربية وحدها، لكنه أمر موجود أيضا في سائر اللغات الأخرى»[5].

وقد أشار الودغيري إلى بعض مظاهر الرصيد المعجمي الثابت بين اللغة العربية الفصحى والدارجة من ذلك أسماء أعضاء جسم الإنسان (رأس – شعر – وجه – ظهر…)، وأسماء ما يحيط بالإنسان من طبيعة نحو (سماء – تراب – أرض – رمل…) وغير ذلك من الألفاظ…، ومن ثم يكون هذا النوع من الألفاظ “تجده ثابتا ومشتركا بين سائر اللهجات العربية، وهو من الرصيد الوظيفي الأساسي الذي يربط الفصحى بكل لهجاتها ومنها اللهجة المغربية، وهو لا يُعد بالعشرات بل بالمئات»[6].

جوانب الانفصال

أبرز الدكتور الودغيري في سياق حديثه عن جوانب الانفصال بين اللغة واللهجة أن أكثر الكلمات قابلية للتغير وأشدها عرضة للاختلاف بين اللهجات بعضها مع بعض، وبين اللهجات والفصحى هي أسماء الأدوات والآلات والأواني، والألبسة، والبضائع التجارية والمصنوعات، وأسماء الأدوية والاصطلاحات التقنية… التي تختلف من مكان لآخر، وأكد أن «مما يبتعد بالألفاظ والتراكيب اللهجية عن الفصحى العربية: أمران أساسيان:

أولهما: كثرة التحريفات والتغيرات الصوتية والصرفية التي تطرأ على الكلمات ذات الأصل العربي حتى ليصعب في بعض الحالات ردها إلى هذا الأصل.

والثاني: تهجين اللغة ومزج تراكيبها بكثرة الدخيل والأعجمي»[7]. وقد فصّل الدكتور الودغيري في بيان مظاهر التحريفات والتغيرات سواء الصوتية أو الصرفية مبرزا في ذلك عدة أمثلة[8] توضح هذا التحريف والتغيير والتهجين… وغير ذلك من العناصر التي تعكس مظاهر انفصال بين اللغة العربية الفصحى واللهجات المتفرعة عنها.

خاتمة:

نخلص مما سبق إلى عدة نقاط أساسية، نعرضها كالآتي:

  • تعايش اللغة العربية مع اللهجات المتفرعة عنها، باعتباره أمرا طبيعيا. شريطة ألا تتسع الهوة بينهما اتساعا قد يؤدي إلى الانفصال أو الاستقلال.
  • إن التمييز والمفاضلة بين اللغة واللهجة لا يقوم على أسس علمية رصينة بل هو من مخلفات المستعمر الذي كان يهدف إلى تشجيع اللهجات والعاميات من أجل إضعاف اللغة العربية الفصحى. وقد ورث عنهم هذا التمييز والمفاضلة مجموعة من الدعاة -الذين درسوا في المدارس الأجنبية والذين لا يفقهون شيئا في اللغة الفصحى-إلى تشجيع اللهجة الدارجة.
  • إبراز الدكتور الودغيري أن من جوانب الاتصال بين اللغة العربية الفصحى واللهجات اشتراكهما في الرصيد المعجمي الثابت.
  • تأكيد الدكتور الودغيري على كون السبب الرئيس في الانفصال بين اللغة العربية الفصحى واللهجات يتجلى أساسا في كثرة التحريفات والتغيرات الصوتية والصرفية التي تطرأ على الكلمات ذات الأصل العربي من جهة، ثم تهجين اللغة ومزج تراكيبها بكثرة الدخيل والأعجمي من جهة ثانية.

البيبليوغرافيا:

  • الودغيري، عبد العلي، اللغة العربية بين مراحل الضعف والتبعية، الدار العربية للعلوم ناشرون، الطبعة الأولى 1434هـ -2013م.
  • الودغيري، عبد العلي، لغة الأمة ولغة الأم (عن واقع اللغة العربية في بيئتها الاجتماعية والثقافية)، دار الكتب العلمية، الطبعة الأولى 2014.

[2] الودغيري، عبد العلي، لغة الأمة ولغة الأم (عن واقع اللغة العربية في بيئتها الاجتماعية والثقافية)، دار الكتب العلمية، الطبعة الأولى 2014، ص 258.

[3] الودغيري، عبد العلي، اللغة العربية بين مراحل الضعف والتبعية، الدار العربية للعلوم ناشرون، الطبعة الأولى 1434هـ -2013م، ص 186.

[4] المصدر نفسه، ص 186.

[5] الودغيري، عبد العلي، اللغة العربية بين مراحل الضعف والتبعية، ص 190.

[6] الودغيري، عبد العلي، لغة الأمة ولغة الأم، ص 260.

[7] الودغيري، عبد العلي، اللغة العربية بين مراحل الضعف والتبعية، ص 209.

[8] ينظر: المرجع السابق، ص 209 وما بعدها.

اشترك في النشرة البريدية
سجل هنا للحصول على آخر الأخبار والتحديثات التي ستصل مباشرة إلى صندوق الوارد الخاص بك.
يمكنك إلغاء الإشتراك في أي وقت

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.