منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

عفوا أم الشهيد

عفوا أم الشهيد/ ذة. أمينة جابري

0

عفوا أم الشهيد

بقلم: ذة. أمينة جابري

   “إنا لله وإنا إليه راجعون” هذا ما تعودنا قوله مباشرة بعد سماع أو تلقي خبر مصيبة وخاصة مصيبة الموت، والموت هو الوحيد الذي سمي بالمصيبة في كتاب الله عز وجل في قوله سبحانه في سورة البقرة 156 ” الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ “[1]  أو في السنة النبوية الشريفة في قوله صلى الله عليه وسلم. عَنْ أَنَسٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ: مَرَّ النَّبيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بامرأةٍ تَبكي عِنْدَ قَبْرٍ، فَقَالَ: «اتَّقِي اللهَ وَاصْبِري»، فَقَالَتْ: إِلَيْكَ عَنِّي؛ فإِنَّكَ لَمْ تُصَبْ بِمُصِيبَتِي، وَلَمْ تَعْرِفْهُ، فَقِيلَ لَهَا: إِنَّه النَّبيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَأَتَتْ بَابَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَلَمْ تَجِدْ عِنْدَهُ بَوَّابينَ، فَقَالَتْ: لَمْ أَعْرِفكَ، فَقَالَ: «إِنَّمَا الصَّبْرُ عِنْدَ الصَّدْمَةِ الْأُولَى»[2]؛ متفق عليه. لكن في المقابل يقول الله سبحانه وتعالى في سورة آل عمران ” وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ”[3]  والذين قتلوا في سبيل الله أي الذين قاتلوا وقتلوا لتكون كلمة الله هي العليا، مقبلين غير مدبرين، مبتغين بذلك وجه الله تعالى هم الشهداء، أبدلهم الله عز وجل حياة بحياة أفضل منها.

    فنستنتج أن الشهادة ليست مصيبة هي فراق أحبة وفراق الحبيب يحتاج طبيب، لكن الشهادة شهامة و شجاعة و مروءة و صبر و مصابرة،رباطة جأش وعزة نفس، إنه الفوز، الفوز بأعالي الجنان فهنيئا لك أم الشهيد، هنيئا لكل أم فلسطينية أحسنت تربية أولادها فنهلوا العلم في المسجد والمدرسة والجامع كأنهم مخلدون أبدا فيتخرج من مدرستها المحامي والصحفي والطبيب والمدرس و… وتغرس فيهم  حب الأرض والعرض و حب الدين و حب المسجد الأقصى والأرض التي بارك الله حولها والدفاع عنها بشرف وكرامة، كانت تضع لهم شعارا “أن الموت قادم، وأن لكل واحد “اختيار طريقه إليه””. كل هذا في غياب الزوج إما مستشهدا أوأسيرا أوفي جبهة المقاومة .

    ورغم كل هذا فإنها تحبهم وتحافظ عليهم وتبكي على فراقهم كحال أي أم، لكن شعارها عندما يستشهد أحد منهم كانت تقول فإن “قطعة مني سبقتني إلى الجنة”، وتقول “ما دام الموت في سبيل الله فكل شيء يهون”.

    نعم سيدتي أم الشهيد ليست قطعة منك سبقتك وإنما ذهب الشهيد ليحجز لك مكانك في الجنة حسب قوله صلى الله عليه وسلم فقد ورد في شفاعة الشهداء ما أخرجه ابن حبان في صحيحه عن أبي الدرداء قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: الشهيد يشفع في سبعين من أهل بيته “[4].

    هذا ما تعلم الشهيد على يد أمه أن الدين ارتقاء إنه إسلام فإيمان ثم إحسان والله يحب المحسنين. وقد قسم العلماء الدين إلى مدارج أو مراق قسم سمي  بمراتب الإيصال وهي الإسلام والإيمان، وقسم سمي بمراتب الوصول وهي الإحسان فقد تعلم كيف يصل، يصل إلى الثمرة بالعلم والعمل، فقه علم السلوك إلى الله عز و جل ويتجلى ذلك في الدفاع عن أولى مقاصد الشريعة التي لا تستقيم الحياة إلا بها وهي حفظ الدين والعرض والنفس والعقل والمال. فدفع الغالي ليهيئ العيش الكريم للآخرواختار إحدى الحسنيين إما النصر أو الشهادة .

لهؤلاء النساء ننحني إكبارا وإجلالا لمن جهزت أولادها ذكورا و إناثا بعد أن أرضعتهم لبن الحرية وعلمتهم كيف يلبوا النداء نداء وا معتصماه نداء الحرائر من داخل المسجد الأقصى

كيف يدافعوا عن مهد الحضارات و أرض المقدسات عن مسرى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أرض الأنبياء التي يجب أن تبقى حرة غير مدنسة طاهرة مطهرة بطهارة المسلم التقي النقي.

منزلة الشهيد عند الله:

     إن الشهيد قد انتقل من الحياة الدنيا ولهوها وزينتها إلى الآخرة دار القرارحيث يكرم بالرحمة الإلاهية والمغفرة الربانية بوعد من الله تعالى يسكنهم أعالي الجنان حيث يُرزقون الأجر العظيم وعدا عليه حقا، إنهم باعوا أنفسهم وأموالهم لله سبحانه فتم البيع وربِح البيع وذلك الفوز العظيم.

    ويقول الله عز وجل في سورة آل عمران” وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ ۝169 فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ 170۝ يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ وَأَنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ 171۝ الَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ مَا أَصَابَهُمُ الْقَرْحُ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا مِنْهُمْ وَاتَّقَوْا أَجْرٌ عَظِيمٌ 172   [5] .

    ومعنى هذه الآيات نجده في الحديث الذي يرويه عبد الله بْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: لَمَّا أُصِيبَ إِخْوَانُكُمْ بِأُحُدٍ جَعَلَ اللَّهُ أَرْوَاحَهُمْ فِي أَجْوَافِ طَيْرٍ خُضْرٍ، تَرِدُ أَنْهَارَ الْجَنَّةِ، وَتَأْكُلُ مِنْ ثِمَارِهَا، وَتَأْوِي إِلَى قَنَادِيلَ مِنْ ذَهَبٍ فِي ظِلِّ الْعَرْشِ، فَلَمَّا وَجَدُوا طِيبَ مَشْرَبِهِمْ وَمَأْكَلِهِمْ، وَحُسْنَ مقيلهم قَالُوا: يَا لَيْتَ إِخْوَانَنَا يَعْلَمُونَ مَا صَنَعَ اللَّهُ لَنَا؛ لِئَلَّا يَزْهَدُوا فِي الْجِهَادِ، وَلَا يَنْكُلُوا عَنِ الْحَرْبِ. فَقَالَ اللَّهُ تعالى أَنَا أُبَلِّغُهُمْ عنكم. فأنزل الله تعالى هذه الْآيَاتِ: وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ، وما بعدها” [6].

    وفي قوله سبحانه ” فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين[7]

قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله :هذه الأربعة هي مراتب العباد ، أفضلهم : الأنبياء ثم الصديقون ثم الشهداء ثم الصالحون.

    وقد ورد في السنة الصحيحة عن النبي صلى الله عليه وسلم ما يبيِّن هذا التفاوت بين الشهداء , ومن ذلك :

عَنْ نُعَيْمِ بْنِ هَمَّارٍ أَنَّ رَجُلًا سَأَلَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أَيُّ الشُّهَدَاءِ أَفْضَلُ ؟ قَالَ : ( الَّذِينَ إِنْ يُلْقَوْا فِي الصَّفِّ لا يَلْفِتُونَ وُجُوهَهُمْ حَتَّى يُقْتَلُوا , أُولَئِكَ يَنْطَلِقُونَ فِي الْغُرَفِ الْعُلَى مِنْ الْجَنَّةِ , وَيَضْحَكُ إِلَيْهِمْ رَبُّهُمْ , وَإِذَا ضَحِكَ رَبُّكَ إِلَى عَبْدٍ فِي الدُّنْيَا فَلا حِسَابَ عَلَيْهِ “[8]  :

    وأخيرا وليس آخرا  هذه هي المرأة الفلسطينية مربية الرجال مربية الشهداء حاضنة المسجد الأقصى وأرض الرسالات ..نجدها في كل المواقع فهي المربية وهي المقاوِمة وهي الأسيرة وهي المكلومة وهي أم الشهداء… وهي الشهيدة التي تربت على يد الصحابيات اللواتي سطرن لها الطريق من قبل كبطلة أحد ومثيلاتها. أليس من حقها علينا أن نكرمها بتاج الكرامة  ، أليس من حقها علينا أن نقبل قدميها.

وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ ۗ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ [9] اللهم نصرك الذي وعدت تعز به المجاهدين في سبيلك، إنك لا تخلف الميعاد.


[1] ـ البقرة 156

[2] ـ متفق عليه

[3] ـ آل عمران 169

[4] ـ أخرجه ابن حبان في صحيحه

[5] ـ آل عمران من الاية 1 69 إلى الآية 172.

[6] ـ صحيح الجامع : أخرجه أبو داود ، وأحمد  باختلاف يسير

[7] ـ أخرجه أحمد في مسنده.وصححه الألباني | المصدر : صحيح الترغيب

[8] ـ رواه أحمد،، وصححه الشيخ الألباني

[9] ـ الحج 40

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.