منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

الحب الحقيقي

0
اشترك في النشرة البريدية

سلسلة سر الحب في حياة الإنسان 1- الحب الحقيقي

عندما سيسمع الناس أن هناك حبا حقيقيا وليس مزورا أو وهما سينتفضون كلهم ليقولوا: نريده، أين نجده؟ بل كيف نحصل عليه؟.

لمن أراد أن يعرف الحب الحقيقي فهو بكل بساطة حب الجمال. وهذا ينقلنا للحديث عن سرّ آخر من أسرار الوجود العظيمة إنه سرّ الجمال. فالحب والجمال سرّان نجد صداهما وذكرهما في الحديث النبوي الشريف:” إن الله جميل يحب الجمال”. نقول لمن كان قد أزعجه الجواب، ألا تحب ما يحبه الله تعالى، أليس ما يحبه الله وهو الحق سبحانه هو الحب الحقيقي. بلى!!!

 

في معرض الحديث عن الجمال نجد أقوالا وحكما عديدة قيلت عنه من قبل المفكرين والفلاسفة وغيرهم، إما تحاول تعريفه أو تحاول التحسيس به، فمثلا من هذه الأقوال والحكم:” كن جميلا ترى الوجود جميلا”. و”في قلب كل إنسان فنان”، أي إحساس فطري بالجمال. غير أن الجمال ليس هو الفن، هذا الأخير أعمال إبداعية بينما الجمال هو تصنيف هذه الأعمال من الأقل جمالا إلى الأعلى جمالا. ومنها أيضا أن الجمال هو الهدف الأصيل من الفلسفة في العصر الحديث، يعني أن الفلسفة تبحث عن الجمال في كل شيء. وعلى هذا نجد للجمال علما وفلسفة، وقيما ومعايير. فيقال:”علم الجمال” و”فلسفة الجمال” و”قيم جمالية” و”معايير جمالية”.

 

فكما اعترضتنا أسئلة بشأن قضية الحب كذلك تعترضنا أسئلة أخرى بشأن قضية الجمال. الجواب عن هذه الأسئلة قد يقربنا إلى حدّ ما من تحديد مفهومه. فما هو الجمال إذا؟ شعور ينبعث من الوجدان أم مجرد رؤية بالعيان؟ هل الجمال بالمعنى أم بالظاهر؟ روحي أم مادي؟ ما هي تجليات الجمال في الإنسان والكون والحياة؟ هل كل الناس يحسون بالجمال ويتذوقونه أم بعضهم فقط؟

 

المزيد من المشاركات
1 من 64

لا يشك أحد أن الإحساس بالجمال نعمة، وفطرة مغروزة في داخل قلب كل إنسان، لكن استعمال هذا الإحساس يختلف بين الناس، فعند بعض الناس قد يتعطل، وعند بعضهم قد يستعمل بشكل مفرط، وعند بعضهم وهم قليل من يستعمل هذا الإحساس بشكل إيجابي وصحيح. فإذا كنا نؤاخذ المفرطين فيه لأنهم استعملوه بشكل سلبي، فكذلك علينا أن نعزي الفاقدين له لأنهم فرّطوا فيه.

 

إذا كنا نتفق أن الجمال بالمعنى والظاهر، وأنه بالمعنى أولى وأحسن، فعلينا أن نتفق أيضا بأن الواحد منهما لا يغني عن الآخر، إذ لا يمكن أن نكتفي بالجمال المعنوي دون الجمال الظاهري، كما أنه لا يمكن أن نكتفي بالجمال الظاهري دون الجمال المعنوي. فهما مترابطان لا يفترقان. وتكاملهما هو الذي يعطي للإنسان الشخصية المثالية. ذلك أنه ينبغي أن نعلم أن كل إنسان يمثل صورة متحركة بذاته يراها من حوله من داخلها بأفكارها وتصوراتها، ومن خارجها بتصرفاتها وأفعالها. لذلك من اكتمال  الجمال في الإنسان أن يرسم صورة مثالية جميلة في الواقع.

 

الجمال نوع من الإبداع يظهر في الشكل كما يظهر في المضمون، في المظهر والسلوك، في الكون والحياة والإنسان، في الصوت والصورة والفكرة. نقصد بجمالية الصوت والصورة السّحر الحلال الذي يملأ العيون صفاء، والقلوب نقاء، والنفوس هدوءا، والعقول ذكاء. أما تجليات الجمال السلوكية فتظهر في سجدة الساجد، وبكاء العابد، وجهاد المجاهد، وتسامح الراشد، وهي أيضا تظهر على الشفاه بسمة، وعلى الوجوه بشاشة، وعلى اللسان تصديق، وعلى اليد سخاء كما يليق،  وفي المظهر تنسيق، وفي المخبر تحقيق، وهي أيضا في الكون إبداع، وفي الشعر سماع، وفي الموسيقى إيقاع.

فكن جميلا ترى الوجود جميلا..

 

الجمال تذوق ينافي العنف والفوضى، ينافي ما يخدش الحياء ويبعث على اشمئزاز النفوس.

الجمال قيّم يتقمصها الشخص ليسلك بها طريق الحياة.

الجمال ألوان منسقة عبر الفصول، وأعمال منظمة تعبر عن الأصول، وآداب تبعث على الذهول، وكلمة طيبة وابتسامة ترقى إلى مقام الوصول.

مقالات أخرى للكاتب
1 من 11

الجمال حب لمظاهر الطبيعة واخضرارها، ولأمواج البحر وعلوّها، ولقمم الجبال ومعانقتها لأجواء السماء الصافية، حب لزقزقة العصافير وتغريدها، ولخرير المياه وانسيابها.

 

من يحب العنف في حياته، ويفتقر إلى الإحساس تجاه الآخرين، من يعيش الفوضى في عمله، ويكره الطبيعة بالإساءة إليها، من يفتقد التوازن في شخصيته، من ليس له تذوق للأشياء المحيطة به، فليبك على نفسه فقد حُرم خاصية من أعظم الخصائص المكونة لشخصية الإنسان، ألا وهي الإحساس بالجمال وتذوقه في الحركات والسكنات، في معاني الأشياء وأوانيها، في الوجود والموجود.

     إن كل ما يصدر عن الإنسان من أصوات وأقوال، وكل ما يصدر عنه من سلوكيات وأفعال، وهو يتحرك في الواقع، وهو يتعامل مع الآخر، وهو يتفاعل ويتواصل، إنما هو بكل ذلك يرسم صورة عنه في الواقع قد لا تبدو له ولكنها تبدو لجميع من حوله.
     فمن راسم لصورة جميلة تملأ العين، وترضي الرب، وتبعث في القلوب انشراحا، ومن راسم لصورة باهتة لنقص في الأداء، أو رداءة في الأضواء، أو ضعف في الألوان، أو عور في بعد النظر، صورة تؤذي البعيد وبالأحرى القريب، تخدش المحيط الذي تُرسم فيه أو تنتمي إليه، ثقيلة على النفوس النقية، تنفر منها، تتعب القلوب التقيّة تكرهها.

يا حسرة على العباد! غفلة أم عدم الرؤية.

كون فسيح، فيه من الإبداع والإحكام والإتقان ما يذهل العقول، ويحير الألباب. لكن من كثرة اعتياد الإنسان على النظر إليه صباح مساء، في كل ما تحمله الأرض أو متعلق بالسماء، أصبح لا يدرك دلالات ما تقع عليه العين من أشكال هندسية وصور رائعة، وما تسمعه الأذن من إيقاعات موسيقية وأنغام هادئة.

 

يغيب عن بعض الناس حقيقة مهمة أن للإنسان بهذا الكون علاقة وطيدة، وأية علاقة! ما أعظمها! إنها علاقة تفاعل تتجلى في الأخذ والعطاء، وعلاقة تواصل تتجلى في تبادل الأسرار والأخبار عبر الزمان والمكان. هذه العلاقة اكتوت بنار المدنية وأضوائها وألوانها واكتساحها لليخضور، حتى أنها غطّت العيون عن رؤية حقيقة الوجود في صورته الجميلة من اخضرار الطبيعة بألوانها الزاهية، وصمّت الأذان عن سماع إيقاع الموسيقى العازفة من زقزقة العصافير وحفيف الأشجار وخرير المياه الجارية.

 

أهيب بك أيها الإنسان أن تعود إلى علاقتك القديمة مع هذا الكون الجميل، المحفوف بالجمال الإلهي في كل عناصره ومكوناته. انظر إلى السماء وتأمل، انظر على الأرض وتأمل، لكن بنظرة ثاقبة تبعث في نفسك الراحة والسعادة، وتبعثك على رؤية هذا الكتاب المنشور إعجازا إلهيا وهداية، بعد أن قرأت – ولا ينبغي لك (نفسي أعني أولا) أن تغفل يوما عن هذه القراءة-  الكتاب المسطور دعوة ورسالة، ذلك أنك بعملك هذا ستُحمل على جناح التوفيق في الطريق الصحيح نحو السعادة الأبدية.

اشترك في النشرة البريدية
سجل هنا للحصول على آخر الأخبار والتحديثات التي ستصل مباشرة إلى صندوق الوارد الخاص بك.
يمكنك إلغاء الإشتراك في أي وقت

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.