منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

بين صورة الأحكام الشرعية وروحها، في سبيل قطف ثمار التكليف

اشترك في النشرة البريدية

لا يقبل الله العمل إلا إذا كان خالصا صوابا، بهذه القاعدة أطر علماء الإسلام نظرة الشرع إلى قبول التكاليف الشرعية، وهي قاعدة تشير إلى قطبين أساسين في صرح ذاك القبول، يتعلق أحدهما بروح التكليف والآخر بشكله، ولا تفاضل بينهما، ولا غنى لأحدهما عن الآخر، لأن التقصير في أي جانب مظنة منهما رد العمل .

أما شكل التكليف الذي وصف بالصواب، فهو السنة المتعلقة به والتي بينت صفته وهيئته وأركانه وشروطه وضوابطه، فكل ما وافقها فهو صحيح شكلا غير فاسد حكما، وقد بين الشرع في مصادره المعروفة وعلى رأسها السنة النبوية الشارحة والمبينة للقرآن هيئات جل العبادات والمعاملات وغيرهما من التكاليف الشرعية، قصدها في ذلك توحيد الشكل التعبدي وبيان شكله المطلوب المفضي إلى الصحة والقبول، والاجتهاد في ذلك بالزيادة أو النقصان بدعة وزيادة في الدين ما لم تكن منه.

أما روح التكليف فهو الإخلاص؛ وهو أمر خفي قلبي لا يطلع عليه ملك مقرب فيعرفه ولا شيطان مارد فيفسده؛ قال الله عز وجل: ” الإخلاص سر من سري استودعته قلب من أحببت من عبادي” وقال علي بن أبي طالب كرم الله وجهه ” لاتهتموا لقلة العمل واهتموا للقبول فإن النبي صلى الله عليه وسلم قال لمعاذ بن جبل أخلص العمل يجزك منه القليل”[1].

والتكامل بين شكل التكليف وروحه مناط قبول العمل، فلا جدوى من شكل تكليفي متقن لا روح فيه ولا إخلاص، ولا فائدة من إخلاص يخبط صاحبه خبط عشواء، ولهذا تحدث علماؤنا الأجلاء عن التحقق والتفقه، وقالوا بفسق من تفقه ولم يتحقق لأن عمله خواء لا روح فيه ولا نبض، وقالوا بزندقة من تحقق ولم يتفقه لأن الشيطان يقوده إلى الضلال من حيث يرى أنه يحسن صنعا.

ومعلوم أن أصول الشريعة الغراء غاصة بما يوجه المكلفين إلى العناية بشكل التكليف كما روحه، فقد أشار القرآن الكريم إلى القواعد الكلية الكبرى في أغلب التكاليف، وفصلت السنة الشارحة شكلها أيما تفصيل، في باب الصلاة والزكاة والصيام والحج وغيرها من أنواع العقود والمعاملات عوضية كانت أم تبرعية.

لتفرد من بعد أبوابا ماتعة جامعة مانعة في ضخ الروح في القوالب الشكلية المؤثلة سلفا، ومن ذلك في باب الصلاة ما أثر عن أبي عمر بن حيويه قال: حدثنا يحيى قال: حدثنا الحسين قال: أخبرنا ابن المبارك قال: أخبرنا شريك، عن جابر، عن أبي جعفر، عن عمار بن ياسر قال: «لا يكتب للرجل من صلاته ما سها عنه[2].

وقوله صلى الله عليه وسلم: “لا يزال الله مقبلا على العبد في صلاته، ما لم يلتفت، فإذا صرف وجهه انصرف عنه “[3].

وفي باب الصيام:  عن أبي هريرة: قال رسول الله : ” كم من صائم ليس له من صيامه إلا الجوع، وكم من قائم ليس له من قيامه إلا السهر”[4] .

وفي باب الحج ورد عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: “من أتى هذا البيت، فلم يرفث، ولم يفسق، رجع كما ولدته أمه”[5].

وفي البيوع: عن حكيم بن حزام، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «البيعان بالخيار ما لم يتفرقا، فإن صدقا وبينا بورك لهما في بيعهما، وإن كذبا وكتما محق بركة بيعهما»[6].

وفي باب  الزواج: ورد عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ” لا يَفْرَكُ مؤمن مؤمنة، إن كره منها خلقا، رضي منها آخر “ [7].

هذه الأثار وغيرها كثير توضح بجلاء حرص الشارع الحكيم على ضخ روح الإخلاص في الأفعال والأعمال، لأن ذاك مناط صلاحها، ومصدر تحقق قصدها.

إن صورة الأشياء تبقى جمادا أجوف لا فائدة ترجى منها ما لم تخالجها الروح التي تضخ فيها نبض الحياة، وشتان بين صورة الأسد، وحقيقته التي تكتمل بانضمام الروح إلى جسده، فيصبح ثائرا مفزعا، ولهذا فإن أثر التكليف يرى وثماره تقطف بعد أن تتكامل صورته مع روحه ويلتئم شملهما.

قال عز وجل متحدثا عن ثمرة من ثمار الصلاة التكليف الأبرز في الإسلام: ﴿اتل ما أوحي إليك من الكتاب وأقم الصلاة إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر ولذكر الله أكبر والله يعلم ما تصنعون﴾[8].

قال ابن عطية: “وذلك عندي بأن المصلي إذا كان على الواجب من الخشوع والإخبات وتذكر الله تعالى وتوهم الوقوف بين يدي العظمة، وأن قلبه وإخلاصه مطلع عليه مرقوب صلحت لذلك نفسه وتذللت وخامرها ارتقاب الله تعالى فاطرد ذلك في أقواله وأعماله وانتهى عن الفحشاء والمنكر، ولم يكد يفتر من ذلك حتى تظله صلاة أخرى يرجع بها إلى أفضل حاله، فهذا معنى هذا الإخبار لأن صلاة المؤمن هكذا ينبغي أن تكون، وقد روي عن بعض السلف أنه كان إذا قام إلى الصلاة ارتعد واصفر لونه فكلم في ذلك فقال: إني أقف بين يدي الله تعالى وحق لي هذا مع ملوك الدنيا فكيف مع ملك الملوك.

قال الفقيه الإمام القاضي: فهذه صلاة تنهى ولا بد عن الفحشاء والمنكر، ومن كانت صلاته دائرة حول الإجزاء لا خشوع فيها ولا تذكر ولا فضائل فتلك تترك صاحبها من منزلته حيث كان، فإن كان على طريقة معاص تبعده من الله تركته الصلاة يتمادى على بعده”[9].

وإذا كانت العبادات شرعت خصيصا لتحقيق مقصد التقوى، وشرعت التكاليف الأخرى لتحقيق مقصد العبودية الكاملة لله تعالى، فإن الصلاة الجامعة بين الروح والشكل أفضت إلى ذاك المقصد، ويقاس عليها غيرهما من التكاليف الشرعية المنضبطة بنفس الضابط، والمنسوجة على نفس المنوال. 

المزيد من المشاركات
1 من 95

ولهذا حذر الشارع الحكيم من كل أمر خارجي موضوعي قد يكون سببا في التشويش على الحضور في التكليف، ويكون مظنة الخصم من روحانيته.

فعن عائشة رضي الله عنها قالت: قال النبي صلى الله عليه وسلم: “ لا يصلين أحدكم بحضرة الطعام، ولا وهو يدافع الأخبثين: الغائط والبول[10].

فهذه عوامل خارجية ويقاس عليها ما لم يذكر، حري بطالب الحضور في التكليف استبعادها حتى يخلو فؤاده مما قد يصرفه عن مولاه، فإذا استبعدها فقد أزاح عن نفسه اللعوب أثقالا تتعلق بها، وسفاسف تزيده عناء، في وقت هو مطالب فيه بتقليص واجهات جهاده، وأعظمها خطبا نفسه التي تحجبه عن الحضور والقصد في الأفعال.

إن إتقان العبادة والتكليف شكلا، وإخلاص القصد فيها مضمونا، خطوة أساسية لتطأ قدم السالك طالب وجه الله أولى أعتاب القرب من الله عز وجل، قال ناصح في الباب: “جزاء الله جلت عظمته على الأعمال يُحْصَى فيه روح الأعمال وهي النية، وكتلة الأعمال ومقدارها وزمانها ومكانها واستمرارها، ثم نجاعَتها وفائدتها وصوابُها. فليس سواء من أخطأ وبدد جهوده كمن بلغ الغاية الحسنة من عمله. قال رسول الله ﷺ: “إذا حكم الحاكم فاجتهد ثم أصاب فله أجران، وإذا حكم فاجتهد ثم أخطأ فله أجر». رواه البخاري رحمه الله عن عمرو بن العاص رضي الله عنه.


[1] – إحياء علوم الدين، أبو حامد الغزالي، دار المعرفة – بيروت، 4/376.

[2] – الزهد والرقائق، لابن المبارك أبو عبد الرحمن عبد الله بن المبارك بن واضح الحنظلي، تحقيق حبيب الرحمن الأعظمي، دار الكتب العلمية – بيروت، 1/459.

[3] – المصدر ذاته، 1 / 418

[4] – أخرجه الإمام أحمد في مسنده عن أبي هريرة رضي الله عنه، تحت رقم:9685.

[5] – أخرجه الإمام مسلم عن أبي هريرة ، تحت رقم: 438 – (1350)

[6] – أخرجه الإمام مسلم عن حكيم بن حزام، تحت رقم: 47 – (1532)

[7] – أخرجه الإمام أحمد في مسنده عن أبي هريرة رضي الله عنه، تحت رقم: 8363.

والحديث إسناده صحيح على شرط مسلم. أبو عاصم: هو الضحاك بن مخلد النبيل، وعمر بن الحكم: هو ابن رافع الأنصاري.

وأخرجه مسلم (1469) ، وأبو يعلى (6418) ، والبيهقي 7/295 من طريق أبي عاصم، بهذا الإسناد. وقرن مسلم بأبي عاصم عيسى بن يونس.

وأخرجه أبو يعلى (6419) من طريق هشيم، عن عبد الحميد بن جعفر، عن عمر بن الحكم، به. بإسقاط عمران بن أبي أنس من السند، وعبد الحميد له رواية عن عمران وعمر بن الحكم.

وقوله: “لا يفرك”، قال النووي في “شرح مسلم” 10/58: بفتح الياء والراء وإسكان الفاء بينهما، قال أهل اللغة: فركه بكسر الراء: يفركه بفتحها: إذا أبغضه، والفرك بفتح الفاء وإسكان الراء: البغض، أي: ينبغي أن لا يبغضها، لأنه إن وجد فيها خلقا يكره، وجد فيها خلقا مرضيا، بأن تكون شرسة الخلق لكنها دينة أو جميلة أو عفيفة أو رفيقة به، أو نحو ذلك.

[8] – سورة العنكبوت، الآية 45.

[9] – المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز، ابن عطية الأندلسي، تحقيق عبد السلام عبد الشافي، دار الكتب العلمية – بيروت، ط 1، 1422 هـ ، 4/319.

[10]  – أخرجه الإمام البيهقي في السنن الكبرى عن عائشة رضي الله عنها، تحت رقم: 5027.

اشترك في النشرة البريدية
سجل هنا للحصول على آخر الأخبار والتحديثات التي ستصل مباشرة إلى صندوق الوارد الخاص بك.
يمكنك إلغاء الإشتراك في أي وقت

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.