منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

﴿ثُمَّ ٱسۡتَقَـٰمُوا۟﴾ -الجزءالخامس- (١٠) سلسلة “نتغير لنغير”

د.فاطمة الزهراء دوقيه

0

﴿ثُمَّ ٱسۡتَقَـٰمُوا۟﴾ -الجزءالخامس- (١٠) سلسلة “نتغير لنغير”

د.فاطمة الزهراء دوقيه

وبعد آخر من أبعاد ارتباط الوضوء بالصلاة، في اتجاه إقامة الحياة والتغيير فيها ..

لقد شرع ليطهر البدن الطهارة الحسية؛ إذ هو غسل جوارح معينة مما علق بها، وكذا يطهر الطهارة المعنوية لما ورد أن الوضوء يمحو الذنوب والخطايا. فالوضوء إذاً شرع من أجل النظافة والطهارة بشطريها المذكورين، ذلك هو المعلوم من الدين بالضرورة لدى كل مسلم.

ولا تحسبن أن فكرة النظافة الحسية مسألة هينة أو أمراً عابراً.. ففي الوضوء بهذا المعنى الحرفي والضروري علمه، ترسيخ لفكرة النظافة نفسها، وتعميق لها وتعويد عليها كسلوكٍ دائم ونمط حياة مستمر .. فهي وجه حضارتنا الإسلامية، ومظهر رقيها وارتقائها وأناقتها ..

والتاريخ يحكي كيف كانت المثال الأرقى والأعلى في هذا الجانب .. بل وعلمت الإنسانية النظافة، فكانت مما غيرت به وجه العالم .. وحُفظ لها هذا الدرس؛ بما خلفته من آثار وشواهد تاريخية .. وكما قال شاعر عربي:

   تلك آثارنا تدل علينـــا   ******   فانظروا بعدنـــا إلى الآثـــــار

وكم هي الحكايات الطريفة عن النظافة في الحضارة الإسلامية في فترات عزها، ما يبعث على الفخر والاعتزاز، ويدعو إلى الاعتبار للاسترجاع، لا للتعالي والاستعلاء. ومبعث هذا الاعتزاز أنه أمر ديني ومطلب شرعي، يبتغى بتنفيذه الأجر والثواب، ويرى في التمثُّل به الاقتداء بالنبي الكريم ﷺ.. فضلاً عن ابتغاء المسلم به إظهار دينه الذي هو منهج حياته في أحسن مظهر، وأرقى صورة، وذلك من معاني الشهادة على الناس:﴿وَكَذَ ٰ⁠لِكَ جَعَلۡنَـٰكُمۡ أُمَّةࣰ وَسَطࣰا لِّتَكُونُوا۟ شُهَدَاۤءَ عَلَى ٱلنَّاسِ وَیَكُونَ ٱلرَّسُولُ عَلَیۡكُمۡ شَهِیدࣰا﴾ البقرة:١٤٣، بل والتحدث بنعمة ربك:﴿وَأَمَّا بِنِعۡمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثۡ﴾ الضحى:١١.

ومن الشهادات التي أبرزت تميز الحضارة الإسلامية بهذه السمة، ما قاله كاتب:”وللحمامات شأن كبير في المدن الإسلامية، لأن النظافة عند المسلمين ليست من الإيمان فحسب، بل هي شرط لازم لأداء الصلوات والعبادات عامة، ذلك في حين أن كان مسيحيو العصور الوسطى ينهون عن النظافة، ويعدونها من عمل الوثنيين !!!كان الرهبان والراهبات يفخرون بقذارتهم، حتى إن راهبة دونت ببعض مذكراتها في صلف وعجب: أنها إلى سن الستين لم يمس الماء منها إلا أناملها عندما كانت تغمسها في ماء الكنيسة المقدس! نقول: بينما كانت القذارة من مميزات القداسة،كان المسلمون شديدي الحرص على النظافة، لا يجرؤون أن يقفوا لعبادة ربهم إلا إذا كانوا متطهرين، وحينما عادت إسبانيا إلى الحكم المسيحي، أمر فيليب الثاني زوج ماري ملكة إنجلترا بهدم كل الحمامات العامة، لأنها من آثار المسلمين!”[1].

هي قصص وحكايات وروايات كثيرة وثقتها مؤلفات تاريخية وشهادات عديدة قديما وحديثاً..

وقد نُقل أن مؤسسة جالوب الأمريكية الرسمية قامت بإحصائية عن النظافة في أوروبا، بسؤال: هل تغسل يديك تلقائيًا بالماء والصابون بعد الذهاب إلى المرحاض؟

وملخص نتائجها أن الشعوب المسلمة في أوروبا احتلت النسب العالية في النظافة، وأهم سبب ذلك هو الوضوء؛ لأن المسلمين يغسلون وجوههم وأيديهم وأنوفهم وأفواههم ويمسحون برؤوسهم، كطقس من طقوس الصلاة في الإسلام [2]..

وإذاً، شرع الوضوء لمقصد النظافة، ليصبح سمة للمجتمع، والدافع إليها أولا أنها قربة من القرب، مما يتقرب بها إلى الله، فالطهور شطر الإيمان كما قال رسول اللهِ ﷺ، وهو يضفي على المسلم بهاء في الدنيا والآخرة؛ لما ورد عنه ﷺ أنه قال:{إِنَّ أُمَّتِي يُدْعَوْنَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ غُرًّا مُحَجَّلِينَ مِنْ آثَارِ الْوُضُوءِ، فَمَنْ اسْتَطَاعَ مِنْكُمْ أَنْ يُطِيلَ غُرَّتَهُ فَلْيَفْعَلْ}[3].

فالقصد أن تكون النظافة سلوكاً دائماً لك تتميز به، ومظهراً بارزاً من مظاهر حياتك كلها، رباك عليه الإسلام، وشكلك عليه، وجعله لك الصبغة والصيغة، بوسيلة ربانية يومية ومتكررة وهي “الوضوء”، ولك أن تعتز أنك بذلك تتسم بسمة من سمات المؤمنين التي تجعلهم ينالون شرف محبة الله تعالى، وما أدراك ما محبة الله، وهو القائل سبحانه:﴿إِنَّ ٱللَّهَ یُحِبُّ ٱلتَّوَّ ٰ⁠بِینَ وَیُحِبُّ ٱلۡمُتَطَهِّرِینَ﴾ البقرة:٢٢٢.

ذكر الطبري في تفسيره لهذه الآية: “وأولى الأقوال في ذلك بالصواب قولُ من قال:’إنّ الله يحب التوابين من الذنوب، ويحب المتطهرين بالماء للصلاة’، لأن ذلك هو الأغلب من ظاهر معانيه”.

فما أعظم هذه القربة، وما أجلها من نعمة تحدث بها!!

وشرفها يزيد بارتباطها بالأشرف وهي الصلاة التي علمت أنها أكبر المعينات الرافعات الدافعات للإنسان لأداء الرسالة في الحياة، وتغيير العالم إلى الأفضل، ومما يلزمه لذلك أن يكون من المطهرين ومن المتطهرين.

فالحديث عن الوضوء وأمور الطهارة المصاحبة له، هو عن نظافة البدن، وخاصة تلك الأعضاء المكشوفة والظاهرة منه التي هي عرضة عادة للتلوث بعد إزالة النجاسة بالطبع، باستعمال الماء ونحوه بعد قضاء الحاجة، وفي كل ذلك رمز للنظافة والطهارة، ووقاية للجسد من التلوث، ومما يسببه من الأمراض والأوبئة..

والحديث عن الفوائد الصحية البدنية والنفسية للوضوء يطول ليس هذا مقامه.

لكن مجمل القول أن المغزى من الارتباط بين الوضوء بالماء والصلاة، الوعي بدور النظافة في قيام الإنسان برسالته التغييرية في الأرض، فلا يُتصور أنه يقدر على إعمار الأرض والتغيير في الحياة بغير نظافة، لأنها في أظهر آثارها وفوائدها صحة وسلامة وقوة، ونشاط وحيوية، وإنتاج وفاعلية ..

وكما كتب أحدهم:”لا أستطيع أن أتخيل مجتمعا موصوفا بالتحضر، وأهله لا يراعون النظافة سواء في أجسامهم أو طعامهم وشرابهم أو بيوتهم وملابسهم أو الأماكن التي يسكنون فيها..”[4] .

ومعلوم بالضرورة أن الصحة والقوة مقصد عظيم من مقاصد دينك، والمؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف وفي كلٍ خيرٌ كما رُوي عن النبي ﷺ.

والقوة هي تلك الطاقة الدائمة التي تطمح إليها الأمم والمجتمعات لتحقيق تقدمها وكرامتها، وإثبات وجودها، وهي في مفهوماتنا الإسلامية تشمل قوة البدن وقوة المادة، وقوة العقل والجسد والنفس والروح، والنظافة هي عامل محوري من بين عوامل كثيرة في تحقيق هذه القوة، ولك تلك الوسيلة الربانية اليومية المذكرة بها المعودة لك عليها ..

فلا شك إذاً أن هذا الجانب لا تخفى أهميته .. وهو الدلالة الظاهرة من دلالات شرط الوضوء للصلاة .. مع لحاظ أنه متسق مع مقصدها التغييري في الحياة..


[1]– قصة العرب في إسبانيا، ستانلي لين بول، ص٩٥-٩٦.

[2]– يراجع https://bigthink.com/strange-maps/revealed-dutch-are-least-hygienic-europeans/

و https://alraid.in/ .

[3]– صحيح البخاري.

[4]– النظافة والحضارة، صلاح جرار، https://alrai.com/article/10506201

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.