منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

منهج الاستدلال عند علماء التطبيع مقاربة أصولية وسبر مقاصدي

د. محماد رفيع

0

المقال نشر في كتاب “نحو تفكيك خطاب علماء التطبيع”

مقدمة:

من الثابت المقرر عند العقلاء أن التماس الهدي المعرفي في الأقوال والأفعال إنما يتم بالاستدلال العلمي عبر مسالكه المنهجية وضوابطه المعرفية، غير أنه قد يلتبس على غير خبير بصور مزيفة مما يسميه أهل المناظرة والمنطق “الاستدلال المغالط”، حيث يعمد أهل المغالطة إلى تزييف عملية الاستدلال وتقديمه على أنه استدلال يقيم الحجة وما هو باستدلال.

وإنما يجري من قبل بعض “علماء الشرعية ” في هذه الأيام من محاولة تسويغ ما تقوم به بعض الدول العربية من عقد اتفاقيات تطبيع علاقات التعاون والشراكة مع الكيان الصهيوني، على أنه جائز بمقتضى المصلحة لا يخرج عن الاستدلال المغالط كما سنكشف في هذه المداخلة بإذن الله تعالى بيانا للحق ودفعا للاعتداء على فلسطين.

وعزمنا على كشف تهافت استدلالات الشيوخ الذين لم يتورعوا في تسويغ التطبيع وتجويزه إنما هو اتباع لمنهج القرآني واستهداء بالهدي النبوي، فما زال كتاب الله تعالى في خطابه الحجاجي الموجه للإنسان ذي الطبيعة الجدلية كما وصفه الله تعالى: “وكان الإنسان أكثر شيء جدلا”( الكهف:53) يقدم هديه تأسيسا، ويدحض شبهات الإنسان تبديدا، فدار الخطاب القرآني على التأسيس والتبديد لتكتمل الصورة بيانا وتقوم الحجة برهانا مبينا، وعلى المنهج نفسه سار النبي صلى الله عليه وسلم في بيان رسالته ومحاججته لكل أصناف المخالفين والمعارضين.

المزيد من المشاركات
1 من 32

وتولى جهابدة العلماء من أهل النظر والأصول والحجاج ضبط وتأصيل منهج الاستدلال وبيان مسالك المغالطين وحيل المتناظرين من أمثال الجويني والشيرازي والغزالي، والباجي والفارابي وغيرهم كثير.

وسيرا على هذا المنهج المؤصل المقعد أتولى بإذن المنان الوهاب بيان أوجه تهافت خطاب علماء التطبيع وكشف أغلوطاتهم من وجهين اثنين: الوجه المقاصدي والوجه الأصولي، وذلك وفق المنهج الأصولي الحجاجي بإنصاف ودونما إجحاف.

المبحث الأول: تهافت استدلال علماء التطبيع مقاصديا

      لما كانت المقاصد قبلة المجتهدين وميزان أعمال المكلفين، كان البدء بتعيير خطاب القوم بالمقاصد أولى من التنقيب الأصولي في أغلوطات الاستدلال، وعليه يمكن التدليل على تهافت استدلال القوم من جهة المقاصد بالآتي:

أولا: من حيث المفارقة بين المعلن والمنجز من المقاصد

فالملاحظ في خطاب أهل التطبيع أنه متناقض بين مقاصد معتبرة يعلنونها من قبيل السعي إلى إقامة السلم في المجتمعات المسلمة والإنسانية، وبين ما ينجزونه على الأرض من سياسات وقرارات تقوم على إشعال الحروب وتمويلها بين المجتمعات المسلمة كما في اليمن التي يمعنون في تدميره وتفقيره، وفي سوريا التي مولوا تخريبها، وفي ليبيا التي يمولون حرب الانقلاب على السلطة الشرعية وهكذا.

ويعلنون أن مقاصدهم إشاعة المحبة بين الإنسانية من أجل مواجهة حالات الحروب المتفشية في مختلف مناطق العالم، غير أن ما يمارسونه على الأرض هو إشاعة ثقافة الكراهية بين فئات المجتمع الواحد والسعي للتفريق بينهم فيستعدون جانبا على آخر بدعوى محاربة الإرهاب والتطرف، ودول ثورات الربيع العربي شاهدة على هذا وأكثر.

مقالات أخرى للكاتب
1 من 7

كما يعلنون شعار التعايش والتسامح مع المخالف، وهو مطلوب وحق، غير أن واقع الحال مطاردة كل مخالف وطني لرأي الحاكم بأمره، وقتله أو سجنه، كما يحدث في دولة الإمارات والسعودية ومصر وغيرها.

ثانيا: من حيث البناء على مصالح موهومة

وتتمثل المصالح الموهومة التي أسس عليها أهل التطبيع مسوغاتهم الحماية من «الخطر» الإيراني وهو الجار المسلم في كل الأحوال، وذلك بالاستعانة بالعدو الصهيوني الذي أصبح الحليف الودود، وهو ما يذكرنا بصنيع بعض ملوك الطوائف بالأندلس حين كان يستعين بعضهم على بعض بالعدو الخارجي الذي كان يمثله حينها ملك الإفرنج ألفونسو[2]، فكيف يستقيم قلب الوضع ليصبح العدو صديقا والصديق عدوا؟

ومن المصالح الموهومة التي يروجها أهل التطبيع أن التعاون مع الصهاينة يضمن فتحا اقتصاديا وعسكريا مهما في المنطقة، وهو ما يناقض الطبيعة الوظيفية للكيان الصهويني الذي لا يرى إلا نفسه ولا يسعى إلا للتفوق والاستعلاء على غير اليهود من “الأمميين” كما بين ذلك كتاب الله تعالى في أكثر من موطن، منها قول الله تعالى على لسانهم في بيان علاقتهم بالآخر: ” ذلك بأنهم قالوا ليس علينا في الأميين سبيل” (آل عمران: 74).

ثالثا: من حيث المخالفة الصريحة للشريعة وللأمة

ذلك أن مذهب القوم في التطبيع مصادم لمقررات القرآن في فضح جرم اليهود وعدوانيتهم على المسلمين، قال تعالى: ” لتجدن أشد الناس عداوة للذين آمنوا اليهود والذين أشركوا” ( المائدة: 84)، وهو ما صدقه الواقع العيني في فلسطين وما حول فلسطين، كما أن التطبيع في ظل هذا الواقع الماثل في فلسطين يمثل إقرارا صريحا للعدو على كل ما اقترفه من جرائم واعتداء طوال عشرات السنين.

ويصادم موقف المطبعين إجماع العلماء سلفا عن خلف على وجوب الجهاد في وجه العدو إذا احتل شبرا من أرض المسلمين، فكيف بمن احتل الوطن وقتل وشرد شعب فلسطين ودنس المقدسات وحاصر غزة، وما يزال في غيه سادر.

رابعا: من حيث المآلات الفاسدة للتطبيع

لعل من المآلات المتأكدة التي يفضي إليه التطبيع الآتي:

  • مكافأة العدو على جرائمه في فلسطين.
  • تمكين العدو من تحقيق ما لم يحقق بالحرب توسعا واختراقا وإفسادا في الأرض.
  • خيانة أمانة القدس وفلسطين والغدر بالشعب الفلسطيني الأعزل.
  • انتحار سياسي وأخلاقي وحضاري للمطبعين، ولا يحيق المكر السيء إلا بأهله.

المبحث الثاني: تهافت استدلال علماء التطبيع أصوليا

لعل الكشف عن تهافت استدلال علماء التطبيع من الناحية الأصولية نبرزه من وجهين اثنين:

أولا: التهافت في التنزيل

              ولعل البدء بالتنزيل قبل التأصيل أملاه علينا منطق الاستدلال، ذلك أن استدعاء الحكم من نصه إنما يتم بعد تصور الموضوع الوجودي، فعلى نحو التصور يكون الحكم، قال الشاطبي: ” كل دليل شرعي فمبني على مقدمتين إحداهما نظرية والثانية نقلية، فالأولى في تحقيق المناط والثانية في الحكم”، كما أن المناطقة قرروا أن الحكم على الشيء فرع عن تصوره.

فقد بدا التهافت واضحا في تصويرهم لمناط الحكم على غير حقيقته العينية، فهم صوروا الكيان الصهيوني المحتل لفلسطين الطارد لمعظم الشعب الفلسطيني من أرضه إلى الشتات، الذي أقام دولته على أشلاء شعب فلسطين ودمائه ذبحا وقتلا وتشريدا وحصارا بشهادة العالم، وبشهادة العديد من القرارات الأممية على علاتها وإجحافها، ومقررات الجامعة العربية على خذلانها، على أنهم يهود شركاء للمسلمين وللعرب في المنطقة، وليسوا أعداء، ولذلك فتطبيع العلاقة والتعاون معهم مبني على المصلحة التي يقدرها حصرا ولي الأمر، ثم راحوا يلوون ألسنتهم بأدلة من الكتاب والسنة لعلها تؤيد ما صوروه وهما وخيالا من صلح الحديبية ووثيقة المدينة وغيرها مما سنراه لاحقا.

ثانيا: التهافت في التأصيل

أما التهافت من الناحية التأصيلية فنكتفي ببيانه من وجهين اثنين:

الوجه الأول: المصادرة على المطلوب

      وأسلوب المصادرة على المطلوب واضح من خلال اعتمادهم على نحو مركزي على جملة من المفاهيم العامة مثل ( ولي الأمر، الطاعة المطلقة لولي الأمر..) دون بيان معانيها ووجه تعلقها بمطلوبهم، والقاعدة أنه لا يجوز الاستدلال بدليل مع قيام معارض، فكان اللازم المنهجي ومقتضى الأمانة العلمية تحرير تلك المفاهيم قبل التماس الحجة منها.

مفهوم ولي الأمر

مفهوم ولي الأمر واحد من المفاهيم السحرية التي تتردد في خطابات علماء التطبيع، ويسوقونها حجة حاسمة على كل من يجادل في قرار الحاكم، وأنه الوحيد المخول له شرعا تحديد المصلحة جلبا والمفسدة درءا، متجاهلين أن مفهوم ولي الأمر دائر بين المفهوم التأصيلي والمفهوم التاريخي، فتعين بيان جهة الحمل؛ لكن، من أجل التلبيس على الناس تمت مصادرة هذا البيان.

فالمفهوم المؤصل لولي الأمر أنه حاكم نبع من الأمة اختيارا على جهة الإجارة والوكالة في القيام بمصالح الأمة على قاعدة الأمانة والعدل، مصداقا لقول الله تعالى: ” إن الله يامركم أن تودوا الامانات إلى أهلها وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل إن الله نعما يعظكم به… أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الامر منكم” (النساء: 57-58).

قال الزمخشري في بيان معاني الآيتين: “لما أمر الولاة بأداء الأمانات إلى أهلها وأن يحكموا بالعدل، أمر الناس بأن يطيعوهم وينزلوا على قضاياهم”([3])، أما المقصود بأولي الأمر الواجب طاعتهم في الآية عند الزمخشري فهم “أمراء الحق، لأن أمراء الجور الله ورسوله بريئان منهم، فلا يعطفون على الله ورسوله في وجوب الطاعة لهم، وإنما يجمع بين الله ورسوله والأمراء الموافقين لهما في إيثار العدل واختيار الحق والأمر بهما والنهي عن أضدادهما كالخلفاء الراشدين ومن تبعهم بإحسان”([4]).

ووقف الإمام عبد السلام ياسين مع مفهوم ولي الأمر المؤصل في هذه الآية من خلال لفظة “منكم” ليؤكد أنها نبعية، تقتضي أن يكون الأمير عضوا من جسم الأمة نابعا منها اختيارا وولاء، بحيث يشعر بما تشعر به ويؤلمه ما يؤلمها، يقول: ” فليس منا من لم ينبع من بيننا، نكون نحن اخترناه وبايعناه واشترطنا عليه. منكم شورية، فليس منا من يستبد علينا ويتجر في مصيرنا[5].

أما المفهوم التاريخي لولي الأمر فيتعلق بحاكم نزا على الحكم غلبة أو وراثة واستبد بأمر الأمة دونها، وهو ما حدث في تاريخ المسلمين في وقت مبكر منذ تحول نظام الحكم الإسلامي من نظام الخلافة إلى نظام الملك[6]، أو بتعبير ابن نبي منذ التحول من حقبة التأصيل إلى حقبة التوفيق[7]، وهو ما ذكره الإمام الجويني حين قال: ” ولم أر التمسك بما جرى من العهود من الخلفاء إلى بنيهم لأن الخلافة بعد منقرض الأربعة الراشدين شابتها شوائب الاستيلاء والاستعلاء، وأضحى الحق في الإمامة مرفوضا، وصارت الإمامة ملكا عضوضا”[8].

ويعد حكام التطبيع بحق امتدادا سيئا لهؤلاء الولاة، فلا هم من اختيار الأمة ولا هم من أهل العدل والشورى، بل ولدوا حكاما أو اغتصبوا الحكم حتى عدوه حقا خالصا لهم، كما قال مؤسس الحكم الوراثي في الإسلام معاوية: ” من كان يريد أن يتكلم في هذا الأمر فليطلع لنا قرنه فلنحن أحق به منه ومن أبيه”([9])، ثم صار ذلك بدعة متبعة حتى قال أبو العباس السفاح: ” وزعمت السبئية أن غيرنا أحق بالرياسة والسياسة والخلافة منا فشاهت وجوههم…”[10].

فلأن علماء التطبيع لا يستطيعون إثبات أن ولاة أمورهم على مقتضى نصوص الكتاب والسنة كما بينا سلفا، فتراهم يطلقون الكلام تلبيسا وتمويها على الناس ليحسبوه من التأصيل وما هو من التأصيل، ويقولون على الله الكذب وهو يعلمون.

مفهوم الطاعة

      من المفاهيم الشرعية التي يلوي بها قراء التطبيع ألسنتهم مفهوم الطاعة المطلقة الواجبة لولاة الأمور، دون بيان وجوه ورود الطاعة في الكتاب والسنة، وتحديد المعنى المقصود شرعا، وذلك تغليطا من القوم وتحريفا للكلم عن مواضعه.

والحق أن الطاعة وردت في القرآن مأمورا به ومنهيا عنها، فقد أمر بها في حق الله ورسوله وفي حق ولاة الأمور من أهل العدل، فقال سبحانه: ” أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الامر منكم ” ( النساء: 58)، وقال سبحانه: ” اطيعوا الله ورسوله ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم” (الأنفال:47)، ونهى عن الطاعة في السوء، فقال تعالى: ” ولا تطيعوا أمر المسرفين الذين يفسدون في الأرض ولا يصلحون”( الشعراء: 151-152)، وقال: ” ولا تطع كل حلاف مهين هماز مشاء بنميم مناع للخير معتد أثيم” ( ن:10-12)، وقال سبحانه: ” ولا تطع منهم آثما أو كفورا” (الإنسان: 24)، وقال في حق الوالدين: ” وَإِنْ جَاهَدَاكَ لِتُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُمَا” ( العنكبوت:8).

فلما دارت الطاعة بين الأمر والنهي دل ذلك قطعا على انتفاء الإطلاق عنها، وثبت تقييدها بالمعروف، كما أكد ذلك النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث: ” إنما الطاعة في المعروف”([11])، وغيرها من الأحاديث الكثيرة كما سيأتي:

وفي السنة ورد الأمر بالطاعة مطلقا في سياق، كما في قوله صلى الله عليه وسلم: “تسمع وتطيع للأمير وإن ضرب ظهرك وأخذ مالك فاسمع وأطع”[12]، وفي قوله صلى الله عليه وسلم: “اسمعوا وأطيعوا وإن استُعمل عليكم عبد حبشي كأن رأسه زبيبة”[13]، إلى غيرها من الأحاديث، ثم ورد الأمر بالطاعة مقيدا في سياق آخر، كما في قوله صلى الله عليه وسلم: ” لا طاعة لمن عصى الله”[14]، وقوله عليه السلام: ” اسمعوا وأطيعوا وإن استُعمل عليكم عبد حبشي كأن رأسه زبيبة ما أقام فيكم كتاب الله”[15].

ولا يصح الاستدلال هنا بمثل هذه الأدلة إلا بعد بيان قصد الشارع من هذه الطاعة أمطلقة هي ام مقيدة؟ والقاعدة الأصولية تقضي بحمل المطلق على المقيد ما دام الحكم والسبب متحدين، وذلك دفعا للتعارض بين الإطلاق والتقييد.

فهذه الأحاديث إنما تفهم في سياق ورودها، وقد وردت في سياقين اثنين متكاملين:

أولهما: سياق معالجة ثقافة العصبية القبلية التي استفحلت عند العرب حتى إنهم ينفرون من الطاعة والخضوع، فجاءت الوصايا النبوية بالطاعة من أجل نقل المجتمع من العصبية القبلية إلى الحياة الدستورية المنظمة، وليس إلى حياة الخنوع والخضوع للمستبدين والظلمة.

ثانيهما: سياق الإخبار بغيب مستقبل الأمة من خلال ما يسميه المحدثون بأحاديث الفتن وأشراط الساعة، وذلك تحذيرا للأمة مما ينتظرها من محن وفتن لتستعد للتعامل مع تلك الأقدار المكروهة ودفعها ومقاومتها وفق فقه المكنة والاضطرار حتى تخرج منها بأقل الخسائر

مفهوم الفتنة

مما يركز عليها خطاب التطبيع في إرهاب الناس وإلجائهم إلى طاعة الحكام المستبدين والقبول بسياساتهم تخويفهم بالفتنة، واعتبار كل مخالفة للحاكم بأمره بابا من أبواب الفتنة، متجاهلين بذلك أن القرآن يحرض على مواجهة مصدر الفتنة لوأدها وليس الاستسلام لها، يقول الله تعالى: ” واقتلوهم حيث ثقفتموهم وأخرجوهم من حيث أخرجوكم والفتنة أشد من القتل” ( البقرة: 190)، وقال سبحانه: “وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله” (الأنفال: 39)، وقال سبحانه في لزوم حصار الفتنة في مصدرها: “واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة واعلموا أن الله شديد العقاب” (الأنفال: 25).

ولابن تيمية تعليق لطيف على هذه الآية، بقوله: ” إن الظالم يظلم فيبتلى الناس بفتنة تصيب من لم يظلم فيعجز عن ردها حينئذ، بخلاف ما لو منع الظالم ابتداء فإنه كان يزول سبب الفتنة”

الوجه الثاني: من حيث التعميم الفاسد:

يلاحظ في استدلال أهل التطبيع إصرار غريب على الاستنجاد بعموم بعض الأدلة لتشمل قسرا محل النزاع وهو يعلمون، كاستدلالهم بالمصالحة النبوية لليهود في المدينة ومصالحته صلى الله عليه وسلم لقريش في صلح الحديبية، مع أن حالة التطبيع الجارية الآن تستعصي عن الدخول تحت عموم وإطلاق تلك النصوص، إذ نحن أمام حالة عدو هاجم أرض المسلمين وقتل وشرد السكان الأصليين ونكل بهم وما يزال على مدى أكثر من سبعين عاما، وأسس دولته على أنقاض شعب فلسطين تقتيلا وتهجيرا وأسرا وحصارا، والصلح المأمور به قرآنا والذي جرت به السنة بيانا إنما هو مع من سالمنا لا مع من يقتلنا صباحا ومساء، مصداقا لقول الله تعالى: ” إنما ينهاكم الله عن الذين قاتلوكم في الدين وأخرجوكم من دياركم وظاهروا على إخراجكم أن تولوهم ومن يتولهم فأولئك هم الظالمون” ( الممتحنة:9).

لذلك صح حجاجيا أن نسقط تماما هذا الاستدلال المغالط بما يسميه أهل المناظرة ” القول بالموجب والمنازعة في المقتضى”، وهو التسليم بمقتضى تلك الأدلة الذي يستدلون بها، لكن مع خروج محل النزاع وهو التطبيع مع العدو الصهيوني.

وهذا بعض من تهافت بنيان الاستدلال عند شيوخ التطبيع، قد تكون لنا عودة فيما يستحدثونه لاحقا من بدع القول المزيف لكشفه وفضحه.

 وختاما

فعلماء التطبيع يدركون تماما وخاصة كبيرهم الذي علمهم سحر التلبيس تهافت بنيانهم الاستدلالي وسقوط مقاصدهم المصلحية الموهومة التي بها يتذرعون ولبيس ما كانوا يصنعون، ونتلو عليهم لعلهم يستفيقون من غفلتهم أشد آية على العلماء، وذلكم قول الله تعالى: ” واتل عليهم نبأ الذي آتيناه آياتنا فانسلخ منها فأتبعه الشيطان فكان من الغاوين”، قال ابن عاشور في بيان معنى الآية: “فالانسلاخ على الآيات أثرٌ من وسوسة الشيطان، وإذا أطاع المرء الوسوسة تمكن الشيطان من مقاده، فسخره وأدام إضلاله…فصار بذلك في زُمرة الغواة المتمكنين من الغواية”[16].

والحمد لله رب العالمين

وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله الطيبين الطاهرين


[2] – ينظر ابن عذاري المراكشي، البيان المغرب في أخبار الأندلس والمغرب 3/279.

[3] – الزمخشري، جار الله محمود، تفسير الكشاف، بيروت، دار المعرفة، طبعة 3/2009، ص242.

[4] – الزمخشري، المصدر السابق.

[5] – ياسين، عبد السلام. المنهاج النبوي تربية وتنظيما وزحفا، ص 96.

[6] – ينظر تفاصيل مقارنة بين مرحلة الخلافة الراشدة ومرحلة الملك العاض أو الخلافة الصورية في أمزيان، محمد. في الفقه السياسي مقاربة تاريخية، ص19فما بعدها.

[7] – ينظر رفيع، محماد. سؤال التاريخ في النهوض الحضاري عند مالك بن نبي، مجلة سراج اللندية، العدد1/أبريل 2019، ص19.

[8] – الجويني، غياث الأمم، ص124.

[9] – ابن حجر، فتح الباري، كتاب الاعتصام، فصل ط ف، 1/150.

[10] – الطبري، ابن جرير، تاريخ الأمم والملوك 4/346.

[11] – البحاري في الجامع الصحيح، رقم 4340، ومسلم في الجامع الصحيح برقم 1840.

[12] – مسلم في الجامع الصحيح، كتاب الفتن، من حديث حذيفة بن اليمان.

[13] – البخاري في الجامع الصحيح، كتاب الفتن، من حديث أنس بن مالك

[14] – الألباني، سلسلة الأحاديث الصحيحة، رقم 2864.

[15] – مسلم في الجامع الصحيح، كتاب الإمارة، باب وجوب طاعة الأمراء في غير معصية وتحريمها في المعصية، رقم (1838).

[16] – ابن عاشور، الطاهر. التحرير والتنوير 9/176.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.