منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

سلمى اليوتيوبرز (قصة قصيرة)

نورالدين النبهاني

0

سلمى اليوتيوبرز (قصة قصيرة)

 

لم تسلم سلمى من كل الاقدار المقدرة التي عاشت مراحلها بكل وجع ومرارة..كما لم تسلم من كل الالقاب التي طاردتها .. والمسميات التي عانت منها ..متدحرجة في الالقاب من لقب عانس ..الى لقب مطلقة ..فقلب ارملة..ومع كل لقب كانت ترى في عيون الناس إما الشفقة أو الشماتة أو عيون مفترسة..
عاشت سلمى بعد وفاة والدها بين إخوتها سنينا في انتظار الفرج..وطال الانتظارحتى فاتها قطارالزواج..فاشتهرت بين معارفها بلقب العانس ..وصفا و شتما..والملأ يتساءل عن سر عدم زواجها الى حد الآن رغم جمالها المقبول..
حين تقدم الى خطبتها يوسف الملقب بالنجّار ..رغم انه سِكّير ويتعاطى القمار..قبلت به و وافقت على مضض..لانه الوحيد الذي تقدم لخطبتها..
بعد سنة من زواجها عادت الى بيت إخوتها..بعد خصام و شجاراستمر طوال سنة زواجهما ..تعرضت خلالها الى كل أنواع الشتم و الضرب و العنف النفسي..
لم تمض إلا ايام على عودتها الى بيت الاسرة حتى اشتهرت بين معارفها بلقب مطلقةّ..بمجرد ما فصل القاضي بينهما بالطلاق..
لم تسلم من ألسنة الناس وهي عانس..وازداد تطاول ألسنة الفضوليين عليها اكثر وهي مطلقة ..الكل من الذكور يراها بضاعة مستعملة ..و يطمع في الاستمتاع بها ..حتى اعتكفت في البيت ..وما عادت تخرج منه الا نادرا ..
حين تقدم للزواج منها الحاج المعطي ترددت كثيرا ..و في الاخير قبلت رغم انه تجاوز الستين بسبع سنين و هي على مشارف الاربعين..
الحاج المعطي بعد وفاة زوجته ..وتحليق الابناء بعيدين عنه ..مستقلين بحياتهم ..خرج يبحث عن امرأة متوسطة العمروالقامة ..سليمة و معافاة..خادمة مطيعة.. تصلح ممرضة أولا ..وونيسة له في وحدته ثانيا ..وزوجة عند الضرورة ..
في السنة التاسعة من زواجها.. ستشتهر بين الناس بلقب الارملة ..بعد وفاة زوجها..لكن الذي زاد الامور تعقيدا..واربك حساب الفضوليين ..هو كيف تنجب سلمى طفلا من زوجها وهو شيخ هرم وهي قد تجاوزت الاربعين..ونسجوا حول ذلك قصصا و حكايات..
رغم أن الورثة من أبناء الحاج تنازلوا لها عن السكن شفويا و ليس كتابة..إلا انها حُرِمَتْ من راتب تقاعد زوجها لانه تزوج بها بعد تقاعده ..لذلك لا حق لها في الراتب ..هذا ما ينص عليه القانون كما قالوا لها..
بدأت الارملة سلمى تستقل بذاتها وتعتمد على نفسها ..وهي في السوق تحارب من اجل لقمة العيش لها و لابنها..وقفت في المُوقف أياما..اشتغلت في البيوت خادمة و مربية و طباخة ..كما اشتغلت في الشركات منظفة..وفي المطاعم مساعدة طباخ ..فاكتسبت خبرة في الطبخ و الحلويات..ولانها تتعرض كثيرا للتحرش في البيوت من طرف الازواج ..وفي الشركات من طرف الموظفين ..وفي المطاعم من طرف عمال المطابخ..قررت أن تغير مسارها..فبدأت تعد المعجنات وتهيئ الحلويات و تبيعهم تارة أمام القيساريات وأياما أمام أبواب المساجد..وفي أوقات فراغها تسبح بعيدا عبر هاتفها في الوات ساب و اليوتوب و الفيس بوك..الى أن اهتدت الى فكرة ..و قررت ان تخلق لنفسها لقبا جديدا يليق بها من خلال المهنة التي اهتدت اليها..ولاول مرة تهب نفسها لقبا جديدا بعيدا عن القاب معارفها..لقب اليوتيوبرز..
طلبت من إخوتها و أبنائهم المتمكين من التكنولوجيا ان يفتحوا لها قناة تحت عنوان ” قناة سلمى أم عبدالله للطبخ و الحلويات”
وشرعت في العمل بقناتها ..تحت شعار ” المسكنة و الاستجداء وسيلتان للثراء ” ..انسلخت عن جلدها ..واستعانت بكل أساليب الدهاء و الذكاء لجذب انتباه المتابعين ..باستضافت زميلات لها في قناتها وظهورها في قنواتهن ..وبتقديم الروتين اليومي لاشغال البيت ..وبالادعاء في كل مرة أن هذه الاكلة التي تعد ..تقدمها بناء على طلب كثير من المتتبعات اللواتي يرغبن في معرفة كيفية اعدادها..وكلما اشترت جهازا أبلغت متتبعيها أنه هدية مهداة من إحدى المهاجرات بالديار الأوربية ..حتى تُحَمس الجميع على تقديم الهدايا لها..ثم أصبحت بعد ذلك تتنقل بين المحلات التجارية و تعرض بضائعهم في قناتها مقابل مبلغ مالي أو هدايا من بضائعهم..كما تقوم بإشهار قنوات حديثة العهد طبعا وِفْق مبلغ مالي متفق عليه مع صاحبة القناة..
ظلت شهرة قناتها تتسع اكثر يوما بعد يوم ..وعدد المتابعات في تصاعد مستمر..و الهدايا تنهال عليها من داخل المغرب و خارجه..ومداخيلها المالية من اليوتوب وصلت الى ارقام خيالية..فَوْق ما يتصور المواطن البسيط..والأغرب أنها معفاة من الضرائب..
وبجانب القناة شرعت في انشاء المشاريع..وأنشأت اول الامر مخبزة للحلويات ..فمطعم للأكلات المنزلية الجاهزة او تحت الطلب..ثم اقتنت بقعة ارضية بضاحية المدينة لبناء فيلا فخمة..
لما وصلت الى ما وصلت اليه من الثراء..تفرغت للتفكير في نفسها و رغبات النفس..والاعتناء بذاتها و احتياجات الذات ..والاهتمام اكثر بجمالها و مقتنيات الجمال..والتصرف في كل الأحوال بأنوثة ودلال..

وكما اختارت لقبا يليق بمهنتها ..انطلقت في البحث عن زوج يليق بمكانتها..و يؤنس وحدتها ..ويبعث الدفء في فراشها..ويعيد الروح الى مشاعرها..وأثناء البحث تعثرت ..فوقعت في الحب ..لاول مرة في حياتها ..تذوقته وصعقت به ..إذْ تعلق قلبها بشاب متعلم ..لكن أصغر منها بعدة سنوات ..وعاطل عن العمل ..
ما أقسى الحب بعد الخمسين ..بعد قحط وجفاف ..يأتي عشق مجنون ..فيتخلى العقل المتزن عن دوره في التدبير ..ويتولى القلب المرهف مسألة التسيير..فتنقلب الامور و تحدث الكوارث ..
اتخدها مصدر رزق باسم الحب ..واتخدته زوجا باسم العشق..فكان لها واجهة امام الطامعين في ثروتها..وحارسا على مشاريعها التي تتوسع باستمرار..وأصبح المتصرف الاول في ثروتها بكل حرية..
ظل ابنها عبدالله في شجار دائم مع زوجها منذ الليلة الاولى من زواجها..وتحت تأثير المخدرات ذات يوم ..قام بتصفية جسدية لزوج امه بعد عراك عنيف بينهما ..حول مدخول المخبزة..
بعد كل النجاحات والشهرة ..عادت الالقاب تطارد سلمى من جديد ..ولتشتهر بين معارفها هذه المرة بلقب أم القاتل..الأم التي جعلت من ابنها مجرما.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.