منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

حدث وأبعاد … تأملات في سورة البروج

زهرة سليمان أوشن

0

حدث وأبعاد …

تأملات في سورة البروج

بقلم: زهرة سليمان أوشن

هنا أو هناك، في أزمنة غابرة أو في زماننا الحاضر، قصص وأحداث، شخوصها مختلفون، تفاصيلها متنوعة، لكن غوصا فيما ما وراء الأحداث وإبحارا في زواياها و تأملا في الوقائع وسبرا للأغوار، يجعلنا ندرك أن هاتيك الأحداث بينها جامع يتجاوز الزمان والمكان، الموقع والعنوان، وأن تلك القصص والروايات هي قصة واحدة بأوجه متعددة.
إنها قصة الصراع بين الحق وأهله من جهة وبين الباطل وحزبه من جهة وأخرى، وهو التدافع بين الشر والخير، وهو الابتلاء ليمحص الله أهل الثبات ويكشف الغطاء عن أهل البطش والطغيان .
حول هذه المشهدية الدرامية، الدامية أحيانا، تحدثنا سورة البروج، وهي سورة مكية عدد آياتها 22 آية، يقول الله سبحانه فيها :
(( وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْبُرُوجِ (1) وَالْيَوْمِ الْمَوْعُودِ (2) وَشَاهِدٍ وَمَشْهُودٍ (3) قُتِلَ أَصْحَابُ الْأُخْدُودِ (4) النَّارِ ذَاتِ الْوَقُودِ (5) إِذْ هُمْ عَلَيْهَا قُعُودٌ (6) وَهُمْ عَلَى مَا يَفْعَلُونَ بِالْمُؤْمِنِينَ شُهُودٌ (7) وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلَّا أَنْ يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ (8) الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (9) إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَلَهُمْ عَذَابُ الْحَرِيقِ (10) إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْكَبِيرُ (11) إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ (12) إِنَّهُ هُوَ يُبْدِئُ وَيُعِيدُ (13) وَهُوَ الْغَفُورُ الْوَدُودُ (14) ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدُ (15) فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ (16) هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْجُنُودِ (17) فِرْعَوْنَ وَثَمُودَ (18) بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي تَكْذِيبٍ (19) وَاللَّهُ مِنْ وَرَائِهِمْ مُحِيطٌ (20) بَلْ هُوَ قُرْآَنٌ مَجِيدٌ (21) فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ( 22 ) ))

تبدأ السورة بالقسم بالسماء ذات البروج، وفي السماء هيبة وجلال، روعة وجمال، أفلاك سابحة ونجوم متلألئة، شموس وأقمار، علو واتساع.
يليها قسم باليوم الموعود، وذاك يوم له ميقاته، ليلقى فيه كل إنسان جزاءه.

ويأتي بعدها هذا القسم: ( وشاهد ومشهود )، يقسم الله سبحانه بمن يشهد وبمن هو مشهود عليه، فلكل حادثة حضور يرصدون الواقعة بما فيها، وعبر الزمان الممتد نجد من هم أهل للقيام بحق الكلمة العادلة وإصدار البيان المدوي في وجه الظالمين.

وشاهد ومشهود كلمتان ممتدتان في معانيهما ولهما علاقة بكل حادثة يميل فيها بعض الناس إلى الباطل تحت الإغراء، ويقوم فيها آخرون بأداء شهادتهم دون خوف أو مراء.

وترسل الكلمتان ظلالهما على معنى شهادة أمة محمد صلى الله عليه وسلم على غيرها من الأمم وشهادته هو بأبي وأمي على أمته وعلى العالمين .
ليكون فيها تذكير بدور الأمة في القيام بواجبها دعوة وانتماء.
وبعد آيات القسم الثلاثة يأتي جواب القسم وفيه يقص القرآن قصة مأساوية حدثت لفئة من الناس، ذنبهم أنهم قالوا ربنا الله، ورفضوا الركوع للطواغيت، فما كان من المجرمين إلا أن وضعوهم في أخدود وحرقوهم وهم يتلذذون بمشاهدة تلك اللقطات التي تقشعر منها الأبدان .
(قُتِلَ أَصْحَابُ الْأُخْدُودِ (4) النَّارِ ذَاتِ الْوَقُودِ (5) إِذْ هُمْ عَلَيْهَا قُعُودٌ (6) وَهُمْ عَلَى مَا يَفْعَلُونَ بِالْمُؤْمِنِينَ شُهُودٌ (7) وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلَّا أَنْ يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ (8) الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (9) ))

والآيات مفزعة مكتظة التعابير، بدأت بالفعل قتل، وكفى بالقتل تعديا وقبحا، وجاء الفعل مبنيا للمجهول، وذلك لتوحي بأن بشاعة الجرم وقبح الفعل لا يهم فيه أن نسأل عمن ارتكبه، فإذا كانت الآيات تنزلت تحدثنا عن جريمة ارتكبت، فهو أمر يتكرر في دنيا الناس ماضيا وحاضرا.

إنه حدث يتكرر، تتنوع فيه وسائل التعذيب وآليات القمع، ليسجل التاريخ فصولا من همجية أصحابه ووحشية مرتكبيه، كما يكتب فيه أبوابا من نور وسمو لفئة مؤمنة وقفت في وجه الظالمين وسارت على النور المبين، فكتب بأحرف من ثبات روايات مشرفة في التمسك بالحق والتضحية في سبيل الدين.
ولزرع الطمأنينة في قلوب المتلقين بوعي كلمات رب العالمين، تأتي هاتان الآيتان : (إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَلَهُمْ عَذَابُ الْحَرِيقِ (10) إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْكَبِيرُ (11) ).
فترسل رسالة مفادها : إن العدل سيتحقق وأن هناك يوما للحساب ، لن يفلت فيه المجرم ولن يضيع فيه صنيع أهل الحق وكل سيجازى عن عمله وسيجد ما قدمه.

ولعل قوارع التذكير والوعيد بأن هناك ربا قديرا ، قويا عزيزا ، لايعجزه كيد المجرمين ولا قوة المتكبرين، لعل في تلك الكلمات الزاجرة المزلزلة ردعا لمن يريد أن يسلك سبيل المتجبرين، ومن أمثالهم أولئك الذين قص الله خبرهم في القرآن ممن بغوا في البلاد وأكثروا فيها الفساد واستعبدوا العباد.
وقد سرد لنا الله طرفا من حكاياتهم التي تئن سطورها ببغيهم وعدوانهم، وعلى رأسهم فرعون وجنوده وثمود واستكبارها .
( إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ (12) إِنَّهُ هُوَ يُبْدِئُ وَيُعِيدُ (13) وَهُوَ الْغَفُورُ الْوَدُودُ (14) ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدُ (15) فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ (16) هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْجُنُودِ (17) فِرْعَوْنَ وَثَمُودَ (18 )

ولكن للأسف الشديد، كثيرا من الناس على عيونهم غشاوة وعلى قلوبهم حجب من الأهواء والأدواء منعت استجابتهم لنداء الحق وحالت دون فهمهم لسنن الله في المستكبرين، لذا جاء حرف الإضراب : بل وأعاد الله التذكير بأنه محيط بهؤلاء فأنى لهم الفرار من عقابه الأليم.
( بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي تَكْذِيبٍ (19) وَاللَّهُ مِنْ وَرَائِهِمْ مُحِيطٌ (20) ) .
وتختتم السورة بالتذكير بالقرآن، إعلاء لشأنه وتذكيرا بعظمته، وكفى بالقرآن واعظا ومذكرا، هاديا ومرشدا.
( بَلْ هُوَ قُرْآَنٌ مَجِيدٌ (21) فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ( 22 ) )

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.