منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

قراءة في كتاب: المثقفون العرب والغرب تأليف وترجمة:هشام شرابي

فاطمة الزهراء العباسي

0

قراءة في كتاب:

المثقفون العرب والغرب

تأليف وترجمة: هشام شرابي

فاطمة الزهراء العباسي

تقديم

كتاب ” المثقفون العرب والغرب “حاول الكاتب أن يحلل التغيير من وجهة التاريخ الفكري فنظر إلى مثقفي هذه المرحلة عبر أدوارهم كمعلقين على تجربة جيلهم وكمفسرين لها وليس من خلال ” أعمالهم ” لهذا فهذه الدراسة تركز على الظروف التي تمت خلالها الاتصالات والصراع وعلى الأشكال التي اتخذتها وكان هذا هو السبب الذى دفع الكاتب إلى أن يضع توكيداً خاصاً على المكونات الاجتماعية والنفسية للأفكار، فاللجوء إلى التحليلات الاجتماعية والنفسية في هذا النمط من الدراسات يعمق الفهم أكثر من أتباع الاسلوب الوصفي ، إن الوجه المميز لكتاب “المثقفون العرب والغرب” هو الجهد المبذول لفهم التغيير الاجتماعي في إطار صلته بالمضمون الواضح للوعى المعاصر .

أهم القضايا التي جاءت في الكتاب:

يتألف كتاب المثقفون العرب والغرب من الفصول التالية:

الفصل الأول: انبثاق طبقة المثقفين العرب

يبدأ المؤلف كتابه بسؤال «هل يشكل المثقفون طبقة اجتماعية مستقلة أو ان لكل طبقة اجتماعية فئتها المثقفة الخاصة بها؟» هذا السؤال، طرحه انطونيو جرامشي، هو أساسي لهذه الدراسة برغم أن المحيط الاجتماعي لا يطرح اجابة بسيطة أو كاملة. يقول جرامشي إن الأشكال المختلفة تحدد نمو فئات المثقفين المختلفة كذلك نمط العلاقات في ما بينهم[1].

إن البيئة الاجتماعية والاقتصادية لمثقفي هذه المرحلة كانت، في الأساس وليدة مجتمع زراعي، تقليدي، غير حديث حيث كانت الأشكال والقيم الاجتماعية وانماط الإنتاج السائدة شبيهة، في الأساس، بتلك التي كانت مسيطرة في العصور الوسطى مع بعض الاستثناءات الجزئية في المدن[2].

كان المجتمع في الهلال الخصيب ومصر، أواخر القرن التاسع عشر، مجتمعاً قروياً، في الأساس. وعاشت غالبية الفلاحين، خاصة في الهلال الخصيب، في ظل أوضاع اقطاعية، ترهقها الطبقية ويستغلها الغزاة من البدو وجباة الضرائب بين فنية وأخرى. كانت المواصلات بدائية جداً، ولم يكن للقانون والنظام أي وجود في مناطق شاسعة. وهكذا طبعت روح قبلية مستمدة من حضارة الصحراء أنماط التصرف الأساسية في الهلال الخصيب، بينما كانت القيم السائدة مصر، قيم حضارة فلاحية مستقرة ومتجانسة. وهكذا كان المجتمع في الهلال الخصيب غير متجانس ومنقسماً مجموعات طائفية وعرقية ولغوية متباعدة بينما كان مجتمع مصر متجانساً، مسالماً ومتماسكاً[3].

إن بروز المثقفين والتطوير الأيديولوجي الذي رافقه يجب أن ينظر اليهما كتعبير عن عملية التعليم والتنوير التي نجمت عن الاتصال المتزايد بأوروبا. وارتبط ذلك بتحول في السلطة السياسية للعائلات الأريستوقراطية وزعماء الاقطاع المقيمين في المدن، وظهور طبقة التجار، وانحلال السطوة العثمانية وبالتالي اتساع النفوذ الأوروبي. وأخذ النظام الاجتماعي القديم يتفكك أمام القيم الجديدة. فاتسعت الهوة بين العادات التقليدية والسلوك الفعلي لدى المتعلمين الجدد مما أدى إلى نمط في التصرف ترسخ أكثر فأكثر مع انتشار التنوير والتعليم. كان من الطبيعي أن يرافق التحرر من القيم التقليدية، تحرر من المجتمع المحكوم بالتقاليد. وابتعد الجيل المتعلم عن سائر السكان في الوقت ذاته والدرجة ذاتها التي تشرب فيها الثقافة الجديدة. وهكذا عملية التنوير اشتملت، على صعيد الوعي، عملية اغتراب (Estrangement) اجتماعي وثقافي.

بينما تجمع المثقفون في فئات متميزة حسب أصولهم الاجتماعية واتجاهاتهم السياسية والثقافية، بدأت كل جماعة تنظر إلى نفسها من ضمن اطار ثقافي- سياسي محدد، إذ ربط المثقفون المسيحيون، الذين وجهوا في قوة نحو الثقافة الأوروبية والقيم الأوروبية، أنفسهم بقيم البورجوازية الأوروبية ومثلها[4].

في حين اعتبر المثقفون المسلمون، محافظين كانوا أم اصلاحيين أم علمانيين أنفسهم معارضين للثقافة الأوروبية وللسيطرة الأوروبية. وسواء كان المثقفون المسلمون مؤيدين للنظام القائم في مصر وفي الامبراطورية العثمانية آنذاك أم لا، فإنهم رسموا لأنفسهم أدوراً قيادية في مجتمعاتهم، وكانوا ينظرون إلى «العثمانية» والاسلام والقومية كأطر أساسية لتفكيرهم، وإن كانت تعتبر في كثير من الأحيان جامعة مانعة، اقتفى المثقفون المسلمون والمسيحيون كفئة اجتماعية، في ميولهم ومسلكهم وآفاق نشاطاتهم، السمات الأساسية التي ميزت من بعد مثقفي البورجوازية الوطنية في الدول غير الغربية في أثناء اجتيازها مرحلة ما قبل الرأسمالية، وفي المقابل لم يأبه هؤلاء المثقفون لجماهير الشعب، ذلك بأن هذه الجماهير كانت في الأساس غائبة سياسياً واجتماعياً وثقافياً.

  • تركيب طبقة المثقفين

كانت فئة علماء الدين المغلقة هي الوحيدة التي تخرجت منها النخبة المثقفة في العالم العربي. كانت طبقة العلماء تحتكر المعرفة والنشاط الثقافي لأجيال عدة حتى أواخر القرون الوسطى. لكن تأثير التعليم والأفكار الجديدة كسر هذا الاحتكار تدريجياً ولكن في صورة حاسمة بحيث ان طبقة جديدة من المثقفين، لم يكن العلماء (ورجال الدين المسيحيون كذلك) إلا إحدى فئاتها، برزت في أواخر القرن التاسع عشر، إن بزوغ فجر الحس النقدي أدى إلى انحلال النظام الفكري القديم فاختفت وحدانية التفكير وتهاوت المصنفات الجامدة، وبرزت في المقابل أنماط فكرية متباينة[5].

لم يشكل المثقفون فئة منغلقة بل كانوا، على النقيض، على تباين شديد ويعتنقون مواقف غالباً ما كانت متعارضة، كان القاسم المشترك الذي اتسم به الكثيرون منهم، هو نوع الثقافة التي تلقوها والوعي الذي تركته هذه الثقافة فيهم، واتضح هذا الأثر أكثر فأكثر مع اتساع الهوة بين المتعلمين والأميين ومع تزايد عدد المتعلمين وكبر أهميتهم، ويعود ذلك إلى أن الثقافة الجديدة لم تعط الفئات المتعلمة لغة مشتركة واختباراً ثقافياً مشتركاً بل إنها من ناحية ابعدتهم نفسياً عن الجيل القديم، وعن الجماهير من ناحية أخرى.

تنوعت مهن هؤلاء المثقفين- بمن فيهم العلماء المحافظون منهم والاصلاحيون- بمقدار تنوع أصولهم الاجتماعية واتجاهاتهم الفردية، ومع هذا فإن بعض المهن كانت هي المسيطرة مثل: المؤسسة الدينية، الجيش، التعليم، الصحافة والحقوق.

وفي الهلال الخصيب، في أثناء ولاية عبد الحميد (1876- 1908) اسكت المثقفون الثائرون إما بالمحسوبية وإما بالتهديد وإما بالسجن، أما في مصر- في أثناء الاحتلال البريطاني- فإن الهوة بين الادارة التي يسيطر عليها الأجانب وبين المثقفين المصريين حالت دون قيام أي شكل من أشكال العلاقة العادية. وهكذا تميز الموقف المصري بالشك والعداوة في مقابل الاعزال والبرودة لدى الأوساط الحاكمة، وارغم العديدون من العناصر البارزة من المثقفين في مصر والهلال الخصيب على مغادرة بلادهم لأسباب سياسية أو اقتصادية، رحل هؤلاء إلى أجزاء مختلفة من الامبراطورية العثمانية وأوروبا، هرب السوريون إلى مصر، ولجأ المصريون إلى القسطنطينية ووصل كثيرون إلى باريس ولندن وجنيف.

ينتمي المثقفون (حسب تعبير كارل مانهايم) إلى “طبقة المثقفين المحترفين”، وممكن تصنيف المثقفين المحترفين فئات حسب خلفياتهم الاجتماعية والدينية، كذلك حسب اتجاهاتهم السياسية والفكرية.

اتخذ أحد التجمعات شكل “الحلقة” التقليدي لعدد من التلاميذ حول قائد بارز وافضل مثال هو الجماعة التي التفت حول جمال الدين الأفغاني (1839- 1897) في القاهرة في سبعينات القرن التاسع عشر. وتوازي هذه الحلقة في الأهمية، الحلقة التي شكلها محمد عبده (1849- 1905)، أبرز تلامذة[6] الأفغاني، والتي ضمت أفراداً أصبحوا من بعد عناصر قيادية في حياة مصر السياسية والفكرية، وفي سوريا فإن أكثر الحلقات أهمية كانت تلك التي التأمت حول الشيخ طاهر الجزائري (1951- 1920) والتي ضمت، بين أعضائها، تقريباً كل المفكرين المسلمين الذين ظهروا في دمشق قبل الحرب العالمية الأولى، وعالجت هذه الحلقات موضوعات متنوعة، لكن القضايا المركزية كانت دينية وسياسية وتدور حول الأسئلة: كيف ممكن تحقيق انبعاث الاسلام؟ كيف ممكن مواجهة تهديد الحضارة الأوروبية؟ كيف ممكن تقوية الروابط بين أمم العالم الاسلامي؟ وأخيراً  كيف ممكن تحقيق الوحدة الاسلامية؟

تألفت مجموعة أخرى من المثقفين العلمانيين المتأثرين بالغرب والعاملين في الصحف والمجالات التي أصبحت المراكز الأدبية والسياسية للجيل الجديد في مصر، وبيروت، ودمشق، وبغداد. ودعم هذه الصحف معنوياً وسياسياً ومادياً في بعض الأحيان جمهور صغير من القراء والمشتركين غير الثابتين وبعض الأصدقاء وتركز اهتمام هذه الجماعات في الغالب على السياسة والتاريخ والعلم والأدب.

وكانت الجمعيات الأدبية والأندية النوع الثالث من هذه الجماعات، وبرغم ان النادي الأدبي كان أكثر تنظيماً، من الناحية الرسمية، إلا أنه كان أقل تماسكاً من الحلقات والدوريات واستخدم في الدرجة الأولى كمركز للقاءات الاجتماعية والمناقشات الأدبية، وبعد اطاحة عبد الحميد في 1908، أصبحت هذه الأندية أكثر اهتماماً بالسياسة وأصبحت أرضاً لتوليد التحريض القومي.

ومن بعد الأندية تكونت المجموعة الرابعة الأشد تماسكاً وهي الجمعيات السياسية السرية التي ظهرت فقط في الهلال الخصيب نتيجة نفاد صبر العرب من الاصلاح الاداري والسياسي البطيء، وتعبيراً عن المعارضة العربية المتزايدة للسيطرة العثمانية، واختلفت الجمعيات السرية عن بقية الجماعات من حيث كون القومية همها الأول[7].

وهكذا بفضل الجمعيات، اقترب هذا الجيل من المثقفين العرب من المشاركة في العمل الثوري اقتراباً شديداً.

وبرغم ان المرحلة السرية لم تولد حركة سياسية محددة المعالم في الهلال الخصيب، إلا أنها شكلت أرضية لعدد من الأحزاب السياسية بعد الحرب العالمية الأولى، ومع كون هذه الأحزاب كانت منظمات هيكلية فإنها شكلت نوعاً جديداً ومتميزاً من التجمعات ومثلت مرحلة جديدة من الوعي السياسي الذي بلغ ذروته في فترة ما بين الحربين العالميتين.

  • محافظون ومصلحون ومجددون

       استندت استجابة المثقفين للتحدي المطروح من الغرب إلى فرضية التأقطب المألوف بين نظريتين عريضتين: التقليدية والتحديثية. نفهم بالتحديثية هنا أنها كناية عن موقف ايجابي أمام التجديد والتغيير وأمام الحضارة الغربية عموماً، أما التقليدية فإننا نفهمها على أنها موقف سلبي تجاه كل أشكال التجديد وضد الغرب. وهكذا فإن التحديثية تمثل نظرة حركية عملية ومتكيفة في الأساس، بينما التقليدية موقف جامد، وفي الأساس سلبي لا يقدر على التفاعل الايجابي مع العوامل الخارجية.

كانت نزعة أواخر القرن التاسع عشر التقليدية رجعية في الأساس، وسمي أفضل دعاتها المثقفين “المحافظين”، كان التوجه الأساسي للتقليديين توجهاً تاريخياً في المعنى الوصفي للكلمة، أي أنهم استمدوا الوحي والقوة من تقاليد تكونت عبر التاريخ، وان مواقفهم الفكرية كانت تستلزم دائماً عودة إلى الوراء.

وفي المقابل، فإن النظرة التحديثية، كانت ترنو إلى أمام وترفض الوضع[8] الراهن وتستمد فرضيتها المركزية من الفكر الأوروبي وليس من التقاليد، كانت النظرة التحديثية طوباوية في الأساس إذا آمنت بأن العصر الذهبي كامن في المستقبل وليس في الماضي.

إلى جانب التقليدية المحافظة والتحديثية التقدمية، أو ما بينهما، نمت حركة وسطية ممكنة تسميتها الموقف الاصلاحي، كثيراً ما كان يشار إلى النزعة الاصلاحية على أنها تعني التحديث الاسلامي، لكنها كانت كذلك في معنى معين وإلى درجة محدودة فقط، ذلك بأن النزعة الاصلاحية كانت محكومة بالتقاليد وكان هدفها الأولي حماية الاسلام والمؤسسات التي يقوم عليها، وبالتالي لم تكن الاصلاحية، كحركة انبعاث، أكثر من نزعة محافظة انما متنورة ومتسلحة بادراك عقلاني لوضعها وحاجاتها، وفي هذا المعنى كان هؤلاء العلماء مجددي الاسلام التقليدي وبالتالي كان حتمياً ان يصطدموا بالمؤسسات التقليدية الراسخة، من هنا يجب أن يكون التمييز الأساسي بين المسلمين المحافظين والمسلمين المصلحين.

  • المسيحيون المغتربون والمسلمون العلمانيون 

يتمثل الموقف المعاصر من هذه القضية بالتمييز بين جماعتين رئيسيتين ومختلفتين أساساً من المثقفين هما، بموجب تسميتنا، المسيحيون “المغتربون” والمسلمون “العلمانيون”، ان التمييز بين هذين النموذجين من المثقفين لايمكنه أن يكون قاطعاً دوماً، ذلك بأن النظرة والاتجاه لأحد الفريقين يقتربان من النظرة والاتجاه للفريق الآخر، وبرغم من هذا التشابه فإن  الأسس الأولية لكل منهما متباينة[9].

كان لهذا التمايز في الجناح التحديثي من جسم المثقفين العرب تأثير رئيسي على التطور الفكري لهذه الحقبة، كان التحديث يعني بالضرورة من الوجهة المسيحية، التغرب أو الاتجاه نحو أوروبا، كذلك فإن التغيير الاجتماعي، لا يمكنه أن يأخذ الا نمط المجتمع الأوروبي، ومع ذلك فإن المعارضة الجذورية في هذا المضمار لم تكن بين الموقف المسيحي المجدد على الطريقة الغربية والعلمانية الاسلامية، بل بين الموقف الأول والموقف الاسلامي المحافظ.

كان المثقفون المسيحيون  يدركون دائماً انهم إنما يمثلون أقلية في المجتمع وانهم بالتالي لا يستطيعون أن يتكلموا باسم المجتمع ككل.

وبسبب هذا العامل، أصبح المثقفون المسيحيون أكثر الجماعات “لا انتماء” (حسب تعبير الفرد فيبر) بين المثقفين العرب في هذه الحقبة، ونجمت نتيجتان: الأولى، حصر المثقفون المسيحيون آفاقهم، عن قصد لتجنب الصراع مع المجتمع العربي الاسلامي مما ولد مظاهر تطور عدة متناقضة ضمن الفكر المسيحي، والثانية، برغم ان مهمة حل التناقضات بين حركتي التحديث والتقليد كانت ممكنة نظرياً على أيدي المثقفين المسيحين، كان يجب ان تتم عملياً بواسطة المسلمين ومن خلال اطار الفكر الاسلامي، كانت العلمانية الاسلامية النزعة الوحيدة التي تتسلح بالشرعية الضرورية لمعارضة النزعة الاسلامية المحافظة على مستويات عدة، كان انعتاقهم من تقليدية منشأهم وتعليمهم المبكر، نتيجة تعرفهم إلى الطرق والقيم الغربية التي استقبلوها في مزيد من الحماسة والخشية، اذا العلمانية الاسلامية[10] تبقى غامضة ومشتتة في نظرتها وفي قيمها، ومع ذلك اقترب المسلمون العلمانيون من أن يكونوا نوعاً من التأليف أو الصلة بين المثقفين المسيحيين المستغربين والمسلمين المحافظين والعلماء الاصلاحيين.

وعبر هذا التأليف عن نفسه مبدئياً بنشوء روح القومية في أوساط المسلمين العلمانيين، هذه الروح التي اتجهت نحو المفهوم العلماني للعروبة (والقومية المصرية) أكثر من اتجاهها نحو الاسلام والتراث الاسلامي.

ومع نشوب الحرب العالمية الأولى، وبينما كانت هذه الفترة تدنو من نهايتها، نما اتجاه مهم من شكل خاص ضمن هذه الحركة الفكرية العريضة، اذ اقتربت المسيحية المستغربة والاسلامية العلمانية بعضها من بعض مع تبنيهما، خاصة بعد تشكيل الجمعيات السرية والجماعات السياسية في الخارج، مواقف عكست تقارب هويتيهما ونظراتهما السياسية، كما أخذت النزعة الاسلامية المحافظة والنزعة الاسلامية الاصلاحية تفترقان: الأولى في اتجاه الانسحاب من الاثارة العامة والأخرى في اتجاه التوفيق مع الوضع الراهن أكثر فأكثر.

تطلب العمل لتحديث المجتمع العربي مهمتين منفصلتين ولكن متممتين بعضهما لبعض وهما: اضفاء الشرعية على التجديد ونسف الأشكال الفكرية والاجتماعية القديمة، كانت هذه العملية تهديداً ببدء ثورة فكرية من الطراز الأول اذ لم يكن المحتوى الفكري السابق موضع تساؤل فحسب، بل طريقة التفكير نفسها كانت موضع تحد.

لم يكن التجديد في الفكر التحديثي مقتصراً على الأفكار الطازجة، بل على الطريقة التي صيغت وحبكت بها هذه الأفكار[11].

  • تقاطب الفكر

لعل أفضل طريقة لوصف هذا التأقطب هي في رسم جدول على غرار أسلوب ماكس شيلر:

  • الاسلامية المحافظة والاسلامية الاصلاحية

الفكر المستند إلى التقليد

ميل للنظر إلى وراء

السلف

التحجر

السلطة

العقيدة التي تتجاوز الواقع

التوجه الغائي للفكر

نظرات ستاتيكية للقيم الاجتماعية

أزلية الحقيقة

  • المسيحية المستغربة والاسلامية العلمانية

الفكر المتجه نحو التحديث

ميل للنظر إلى أمام

التقدم

النفعية

العلم

العقيدة «العلمية»

التوجه المادي للفكر

نظرات ديناميكية للقيم الاجتماعية

نسبية الحقيقة

 

ومع أن المسلمين الاصلاحيين (مقارنة بالمسلمين المحافظين) كانوا منفتحين على قيم العلم الحديث ومنجزاته، فإنهم لم يحاولوا البتة التكيف المنظم معها، انهم اكتفوا، في الغالب بالتسويات اللفظية، واتجهوا دائما نحو الموقف الدفاعي والاعتذاري، فبدلا من ان يعيدوا صياغة فرضياتهم بتعبيرات حديثة (كما يحاول الاصلاحيون الرواد)، اختاروا انتهاج أساليب التبرير التقليدية، طغت الدعاية والمماحكة على مقاربتهم للأمور بدلا من النقد والتحليل.

سعى المسيحيون المستغربون والمسلمون العلمانيون من جهة ثانية، في درجات متفاوتة من النجاح إلى تكييف تصوراتهم للواقع في ضوء أشكال المعرفة الجديدة، فهم كانوا بتحررهم من الروابط التقليدية إلى حد ما، غير مقيدين كما كان المسلمون الاصلاحيون، بالتزامات لاتخاذ مواقف مطلقة، وهكذا فإن التبريرات يمكنها أن تتخذ أشكالا حضارية (أي علمانية) وليس دينية[12].

  • العلماء

ان تمرس العلماء بالعلوم التقليدية سلحهم بمهنة وبسلطة لكسب العيش كما أضفى عليهم وظيفة اجتماعية ودينية ومكانة في المجتمع، فإن العلماء شكلوا كفئة اجتماعية، إلى جانب الجيش وموظفي الدولة، واحداً من أكثر التنظيمات الهرمية أهمية في المجتمع.

اشتمل دور العلماء على مدى واسع من الوظائف، اذ كانوا بمثابة قادة المجتمع في القرى والمدن الفقيرة لأنهم كانوا يضطلعون بمعظم الوجبات المهمة، كانوا يعملون قضاة ويقومون بالتوجيه الديني والسياسي أيام الجمعة، ويعلمون الصغار ويعقدون الزواج ويصلون على الموتى، انهم مثلوا قوة النظام والاستقرار وكانوا أشد مؤيدي الوضع الراهن ولعبت الفئات العليا منهم دورا مهما في الحكم ومنهم من استحوذ على سلطة مهمة كأصحاب الطرق الصوفية[13].

يعود عجز العلماء المحافظين عن التعبير عن ايديولوجيتهم في صورة منهجية إلى اعتقادهم ان لا ثمة جديد ممكن أن يقال، وهكذا انصبت كل الجهود على تكرار الحقائق القديمة بلغة تقليدية.

عبر العلماء عن أنفسهم بلغة وأسلوب صمما لحجب وقائع الحياة اليومية من عقل المؤمن، وعلى هذا طرحت جانباً الاهتمامات الملموسة بالوجود، وأقيم حاجز للحفاظ على الطلاق بين لغة التخاطب اليومية وبين اللغة العربية الفصحى، أصبحت اللغة في أيديهم عنواناً للمكانية السامية، وأداة للسيطرة وكانت عامل تكريس لاحتكارهم المعرفة الخفية والنصوص المقدسة.

ومع ذلك، فإن التوتر بين العلماء والمحافظين والاصلاحيين، لم يصل البتة إلى نقطة الفراق، وكان الفارق الأساسي، هو اختيار الاصلاحيين صياغة رد عقلاني للتحدي الفكري والسياسي الآتي من الغرب[14].

  • المثقفون المسيحيون

كانت السمة الحاسمة لكل المثقفين المسيحيين والتي ميزتهم عن زملائهم المثقفين المسلمين العرب وحملتهم وزر القيام بدور خاص في نهضة القرن التاسع عشر، هي كونهم غرباء في المجتمع الاسلامي في المعنى الحقيقي والعميق للكلمة.

اشترك المثقفون المسيحيون جميعا في شيء واحد على الأقل هو التجربة المرة بالإحساس بأنهم مقتلعو الجذور، واتخذت هذه الحركة في سوريا ولبنان وفلسطين اتجاها متميزاً: من القرى إلى المدن الكبيرة، من الداخل إلى الساحل (إلى بيروت في الدرجة الأولى)، ومن هناك إلى مصر ومن بعد إلى أوروبا وأمريكا.

شكل المثقفون المسيحيون طبقة اجتماعية غير ثابتة وغير مرتبطة بغيرها انما حريتهم، كذلك موقفهم العقلي، كانا كلاهما خاضعين لتأثير الظروف[15] التي نموا وعملوا في ظلها، فهم بسبب نمط معيشتهم المحفوف بالمخاطر، اتجهوا نحو وضع أهمية قصوى لقيم البقاء وللفضائل المرتبطة به.

اختلفت نظرة هؤلاء المسيحيين، العقلية والسيكولوجية، اختلافا حادا عن نظرة معاصريهم من المسلمين الراسخين عميقاً في بيئتهم الاسلامية، كان على المسيحي أن يعتمد على مصادره الخاصة، وان يطور قواه بنفسه، وبالتالي أن يجرب مواجهة العالم بطريقته الخاصة، كانت حياته بمثابة مشروع تجاري تحدد شكلها التحديات التي يطرحها الوجود.

عن حالة الوجود التي عاشها المسيحي نجمت أيضاً صفة مميزة له تمثلت في الاتجاه القوي نحو العقلانية، وعبرت هذه الصفة عن نفسها بقبوله المتلهف لنظريات العصر العلمية والاجتماعية[16].

كان المسيحيون المتعلمون مهيأين بكل قلوبهم لتبني حضارة أوروبا الحديثة، وإذا لم تكن هناك أشياء أخرى، فمن الطبيعي ان عدم استقرارهم الاجتماعي وبالتالي نمط استجابتهم وفكرهم، حبذا الدفقة المجددة والامتصاص النهم للأفكار الجديدة الآتية من الغرب، وكان هؤلاء بمثابة الطليعة الطبيعية للتغير، لأنهم شكلوا الطبقة الاقدر على الاستجابة للقوى الجديدة وتكثيفها وفقاً لحاجاتهم، وبالفعل أدى المثقفون المسيحيون العرب أكثر مهماتهم أهمية في المجتمع العربي الاسلامي من خلال كونهم مفسرين للغرب ومبشرين بقيمه[17].

وفي معرض تطور الوعي الاجتماعي والسياسي بين الكتاب المسيحيين، برزت بالتدرج فكرة القومية العلمانية، وان الشكل الوحيد الممكن للتنظيم السياسي، من الوجهة المسيحية، يجب أن يستند بالطبع إلى المبدأ القومي لا المبدأ الديني، ان فكرة الدولة الثيوقراطية (التي بنى عليها المجتمع العثماني) لم تكن غير مطابقة «العقل» «والتقدم» والعالم الجديد فحسب بل كانت متعاكسة مع الادراك الجديد للتاريخ العربي وللهوية العربية وفي المقابل طرحت العروبة نفسها كمبدأ للعربي السياسي الجديد بغض النظر عن دينه.

لكن ادراك النتائج الكاملة المترتبة على هذا الخط من التفكير، كان بطيئا، فبدا للعديد من المسيحيين المتعلمين، كما لغالبية المثقفين المسلمين، ان من الممكن بناء مجتمع علماني عقلاني في اطار الامبراطورية العثمانية باتباع شكل من أشكال اللامركزية السياسية والادارية. وربما كانت هذه الاعتبارات السياسية العلمية الاساس القوي للتعاون بين المثقفين المسيحيين المجددين على الطريقة الغربية والنخبة الاسلامية المتعلمة[18].

  • النخبة الاسلامية العلمانية

إن الفارق الأساسي في هذا المضمار، بين العلمانية الاسلامية والتجديد المسيحي على الطريقة الغربية، ممكن أن يلتمس في أعماق المسلمين العلمانيين سياسة اصلاحية معتدلة في مقابل تبني المسيحيين  المغتربين لسياسة تحول جذري، وبرغم عدم وجود ثوريين حقيقيين قبل 1914، فإن الأسس الفكرية للثورة تم ارساؤها ذلك الوقت، وكان المفكرون المسيحيون يعبرون عنها أقوى مما كان المسلمون يفعلون، فالكتاب والناشرون المسلمون العلمانيون نظروا نظرة نقدية إلى الاوضاع القائمة بغية تحسينها، وكما فعل آباؤهم نظروا إلى النظام الاجتماعي القائم (بمنظار تاريخي) كمصلحة يكمن أصلها الكلي ومعناها في الاسلام وفي المجتمع العربي، وهكذا فإن ما ممكن انجازه على صعيد الاصلاح الاجتماعي والسياسي يجب أن يتم من داخل النظام القائم، ووفق معطيات الاطار العربي والاسلامي الثقافي، ومع ذلك أفضى هذا الموقف إلى وجود تباينات مهمة في الموقف السياسي لهذا الجيل من المسلمين العلمانيين، أحس البعض ان الحل الوحيد للازمة الاجتماعية والسياسية هو في الالتفاف حول الخلافة العثمانية ودعم الوحدة الاسلامية، بينما الح آخرون على ان الطريقة الوحيدة هي في القضاء على الطغيان العثماني واستعادة الخلافة للعرب، ورأى فريق ثالث ان الحل الافضل هو في التأليف بين المطامح العربية والوحدة العثمانية، أي استقلال ذاتي في اطار من اللامركزية[19].

اعتبر المسلمون العلمانيون أنفسهم الحكام الطبيعيين في الشؤون ذوات الصلة بالعلاقات مع أوروبا، كما رأوا أنفسهم الناطقين باسم النهضة، وتصوروا انهم أفضل حماة للمصالح الحقيقية للمجتمع، واعتبروا، تلقائياً، ان مصالحهم الطبقية هي مصالح المجتمع بأسره.

ان النخبة الاسلامية المتعلمة قد دفعت لتكون أو لتلعب دورا خاصاً في النهضة العربية يتمثل في كونها عامل وساطة لتكييف الاتجاه نحو الغرب الذي تزعمه المسيحيون وتكييف النزعة الاسلامية التقليدية كما رفع لواءها عنها المصلحون والمحافظون على المسلمين على حد سواء[20].

واخيرا، فان المضامين التجريدية والنظرية للدين كانت، من وجهة المسلمين العلمانيين، ذوات اهمية من حيث كونها نظرة على الانسان والمجتمع[21].

الفصل الثاني: الأسس النظرية للنزعة الإصلاحية في الإسلام

  • التوجهات الاساسية

       تحدد الفكر الاسلامي الاصلاحي بمنطلقاته التقليدية، واشترك جميع قادة حركة الاصلاح الاسلامي في ادراك الحاجة إلى التغلب على القصور الفكري والروحي للنظرة التقليدية للإسلام، لكن الوجه الايجابي لهذا الادراك ظل محدودا بأفقه ووثيق صلته بالواقع، وكانت الخطوة الأولى في هذا الطريق الانتقال من الطاعة العمياء للتفسير التقليدي إلى مقاربه جديدة وأكثر تحرراً، أعطى هذا الانتقال حافزا قويا لحركة الاصلاح، كما أنه قوض وحدة النظر التقليدية.

كان جمال الدين الافغاني ومحمد عبده أبرز شخصيتين مؤثرتين في حركة الاصلاح الاسلامي ولعب محمد رشيد رضا دورا حاسما في نشر أفكارهما (وكذلك أفكاره) في مجلته الشهرية المنار، التي ربما كانت أكثر الحوليات الاصلاحية أهمية في العالم الاسلامي لمدة خمس وثلاثين سنة، ومن بين الناشرين المهمين للفكر الاصلاحي، كان المصري عبد الله النديم (1844- 1896) واللبناني عبد القادر المغربي (1867- 1956)، وكان الشيخ طاهر الجزائري يمثل الروح الرائدة للنزعة الاسلامية الاصلاحية في سوريا.

ان حركة الانبعاث الديني التي قادها الافغاني وعبده لم تضع العقيدة موضع تساؤل، كان الحافز الاساسي للإصلاح نابعاً من التحدي الذي طرحه الغرب على المجتمع الاسلامي، وكان هدف الاصلاح حماية المجتمع[22] الاسلامي بالاستجابة للتحدي الغربي بطريقة «ايجابية»، لذلك كافح لإعادة تأسيس الحقيقة الاسلامية وتقويتها من دون تعريضها للنقد الحر[23].

  • مقولات الاصلاح

       حدد الافغاني المشكلة بإيجاز بليغ حين قال: المجتمع الاسلامي مريض وخلاصة يكمن في الاسلام، «كل مريض؛ دواؤه في القرآن». قدمت هذه العبارة تعبيراً واضحاً لفرضية مسيطرة في النزعة الاصلاحية في الاسلام فقد فسرت بجملة واحدة سبب الداء السائد وحددت دواءه، تمثل الداء على الصعيد الذاتي، بفقدان الايمان، وعلى الصعيد الموضوعي، بالانحلال السياسي، لم يؤكد المعيار الذي استعمل لتحديد العلاج على النقد والحقيقة بل على القوة والنجاح ان احراز القوة وتحقيق النجاح لا يؤديان فقط الى وضع اجتماعي وسياسي سليم، بل ويتضمنان كذلك تحولا داخلياً، هذا التحول الذي يكمن مفتاحه في القرآن.

ركزت الحركة الاصلاحية على الجهد المحافظ والبعيد لإرجاع المؤمنين الى الصراط المستقيم، ويفسر هذا كذلك التأكيد على مبدأ الفهم الصحيح للإسلام، كان الاسلام في جوهره سليماً كما كان دائماً، لكن فهم المسلمين له كان خطأ:[24] وهكذا فإن «ما تراه اليوم في المسلمين من التقهقر ليس من حقيقة دين الاسلام بل من جهل المسلمين».

رأت الحركة الاصلاحية في الاسلام ان العالم الاسلامي يخوض رحى صراع حاسم مع أوروبا، لهذا حاولت في وعي مرات ومن دون وعي مرات، ان تبني قيادتها على أساس من السلطة السياسية ذلك ان معالجة المرض الذي ابتلي به المجتمع تتطلب الوصول الى مواقع السلطة، ومن هنا كانت التحذيرات الرؤيوية من كارثة محققة ماتعب الافغاني وعبده من تكرارها، تحدد دور العلماء في ضوء خلفية من الانهيار السياسي: داخليا، أصبح العالم الاسلامي مجزءا ومقسما في شكل استنزف معه قوته وحطم ارادته في القتال، والآن تعرض للتهديد، بل وقع فريسة للاستغلال الاوروبي، ان المصالح الاوروبية في العالم الاسلامي استفادت استفادة كاملة من استمرار انحلال المسلمين وتقهقرهم.

وهكذا رأت النزعة الاصلاحية في الاسلام انها تعمل «لإحياء الرابطة الدينية وتدارك الاختلاف الذي وقع في الملك بتمكين الاتفاق الذي يدعوا اليه الدين»[25].

وقع الاصلاحيون في خلافات حادة حين حاولوا تحديد علاقة الدول الاسلامية بأوروبا، اتجه الافغاني في ذلك اتجاهاً محافظاً وتمنى لو يعود المسلمون الى العصر الذهبي للإسلام ويبتعدون عن اوروبا، ونصح الافغاني زعماء الاقطار الاسلامية ان لا ينفقوا اموالهم «لتكثير الجيوش، ومظاهر الدول العظيمة، ومداخلة اعوان التمدن وانصار الحرية، ويستغنى عن كل هذا بالسير على نهج الخلفاء الراشدين والرجوع الى الاصول الاولى من الديانة الاسلامية».

أما محمد عبده فهو برغم تشديه على المبدأ الاساسي للعصر الذهبي، اعترف اكثر من الافغاني، بالحاجة الى تجديد المجتمع- وهو العمل الذي لا يمكنه ان يتم دون التعليم من اوروبا، انه قبل بمبدأ الاستعارة، بينما الح على ان الاصلاح الدنيوي (أي الاصلاح الاجتماعي والسياسي) يجب ان يسير جنباً الى جنب مع الاصلاح الديني (أي الاصلاح الروحي والاخلاقي) وكما قال محمد رشيد رضا فان «الاصلاح الحقيقي… مستحيل من دون دمج الاصلاح الديني في الاصلاح[26] الاجتماعي…».

وفي محاولة لتغطية هذه الهفوة، سعى المسلمون المصلحون الى التمييز بين التجديد الديني الذي عنوا به عملية «لتطهير الاسلام»، «والتجديد الدنيوي» وهو عملية اهتمت بالأشياء الخارجية دون المساس بالإسلام كدين، لكنهم سرعان ما ادركوا استحالة الابقاء على هذا التمييز الدقيق واختاروا التكيف مع الواقع للمحافظة على الاتساق النظري وفي النهاية بدا للعديد من المصلحين ان حماية الاسلام مستحيلة بهذا التكيف واتجهوا صوب الانسحاب من الالتزام العملي- وهو الموقف الذي طالما دعا اليه المسلمون المحافظون[27].

  • منهج النزعة الاصلاحية

تمسكت النزعة الاصلاحية في تحليلها بالأسلوب التقليدي القائم على مبدأ التفسير اللغوي وان اعتبار امر ما معقولا لم يتحدد في اطار موضوعي وتجريبي بل وفق المعنى اللغوي ولا يسعنا الا الاعتراف بالمقدار الكبير من الانسجام الداخلي الذي تمثل في تمسك المصلحين المسلمين بهذا الموقف، انما هذا الانسجام الداخلي كان محصورا في الغالب في نطاق نفسي مجرد وسهل هذا مهمة التصدي لتهديد «العقلانية العلمية»  وفرضياتها المادية من موقف مسنود وفي اطار مطلق وكان هذا بالضبط، الموقف الذي اتخذه الافغاني في مؤلفه الرئيسي، للرد على الدهريين، الذي اصبح المثل المحتذى للفكر الاصلاحي في كيف هي مواجهة الفلسفة المادية، وليس مفاجئاً ان يعرقل هذا الموقف الكتابة المنطقية وان يسهم في صرف الاهتمام بالنقد الجدي[28].

كان على الفكر الاصلاحي بعد تبنيه المنطلق المنفعي ان يواجه العواقب التي تترتب على هذا المنطلق، لم يأل العلماء جهدا في محاولة التوفيق بين النظرية والممارسة، لكنهم رضخوا في النهاية، للتناقض الاصلي وقالوا بوجود مستويين للفكر منفصلين، الأول يتعلق بالممارسة اليومية، والثاني بالمبدأ والعقيدة، واستخدم هذا المقياس المزدوج العلمانيون من المتعلمين المسلمين، كسلاح فعال للتخلص من براثن المدرسة التقليدية ولتبرير التجديد.

أما العلماء الاصلاحيون فانهم ابقوا على هذا المقياس كسلاح دفاعي في الدرجة الاولى[29].

وجد الفكر الاصلاحي نفسه سائرا في اتجاه موقف حتمي اثر في موافقة العلمية والنظرية في قوة، لم تكن هذه الحتمية وليدة اي تفسير فكري لكنها كانت عبارة عن توجه عقائدي متحجر يعبر عن نزعة قدرية عميقة ومخيفة[30].

  • أهداف الاصلاحيين

ان تحقيق الهدفين الاساسيين للاتجاه الاصلاحي في الاسلام وهما اعادة سيطرة الاسلام، وقبل ذلك بعث الدين القويم، لا يتم الا بوسائل متداخلة، احتلت مهمة بعث الدين الصحيح المرتبة الاولى لأسباب منطقية وعملية في آن معاً، وتطلبت احداث تغييرات جذرية في المنطلق التقليدي لتفسير العقيدة وتحليلها، وصاغ الافغاني، في احاديثه، ومحاضراته، الاتجاه العام الذي كان على البعث الاسلامي ان يتخذه، لكن عبده الذي استعمل تعاليم الافغاني كنقطة انطلاق، اعطى هذا الاتجاه صيغته المحددة، رسم عبده أربع مراحل رئيسية لعملية الانبعاث.

كانت المرحلة الاولى، كما قال عبده “تحرير العقل من قيود التقليد” وهكذا منذ البدء، طرحت المشكلة في سياق النظرة التقليدية، اذ ارسى عبده اسس الجهد الاصلاحي اللاحق في اثناء معالجته للمقاربة المحافظة للعقيدة الاسلامية.

تمثلت المرحلة الثانية في تحقيق “الفهم السليم” للدين مع التشديد، مرة اخرى، على المنطلق دون المبدأ، اذ سعى عبده (الذي كان متأثراً في ذلك بالأفغاني تأثراً مباشراً) عبر تركيزه على فترة النبي محمد والخلفاء الراشدين(522- 662)، الى توليد صورة لعصر الاسلام الذهبي.

ان المعرفة الصحيحة، المستمدة من المصدر الاصلي، تقود مباشرة الى الفضيلة والقوة، وان المسلمين سيلقون منبع الاسلام الصحيح حيث اساس الوحدة التي لا تنفصم[31] اذا ما تمسكوا بكلمة الله كما انزلت على النبي محمد في القرآن، واذا ما تبعوا خطى الرسول.

وهذا ادى الى تحديد المرحلة الثالثة التي اصبحت المعتقد الاصلاحي الرئيسي الذي يعتبر ان السلطة النهائية في كل ما يتعلق بالعقيدة الدينية لا تكمن في المذاهب او رجال الدين، بل في القرآن والسنة (احاديث الرسول وممارساته).

أما المرحلة الرابعة فكانت وضع فئات عقلانية للتفسيرات اي “لدراسة الحقيقة الدينية عقلانياً”[32].

يجب ان يضاف، ان بمقدار ما نجحت النزعة العقلانية الاصلاحية في تحقيق اهدافها، اسهمت في تقويض الاسس التقليدية التي انطلقت منها واستندت كلياً اليها، وهكذا ومع ان عقلانية عبده لم تصل الى مرحلة يمكن ان تعتبر معها انها وسيلة نقدية فعالة، فإنها كانت سلاحاً ذا حدين[33].

  • الالزامات السياسية

لم تكن هذه الفترة، معطاء، ولم تشهد انجازات ايجابية كما قال كتاب لاحقون، اذ طغت الوحدة والحنين الى الوطن على حياة عبده والافغاني، اختلطا في باريس بعد قليل من الناس خاصة ببعض «الشرقيين»- اي المسلمين القادمين من الهند، وايران، ومصر، والامبراطورية العثمانية، ولم يتعرفا الى اي من الفرنسيين تقريبا، وباستثناء بعض اللقاءات العرضية مع المستشرقين الفرنسيين وبعض الساسة المهتمين بالشرق، فانهما كانا في انقطاع تام عن البيئة يضاف ان المامهما باللغة الفرنسية، وخاصة محمد عبده، لم يكن كافياً البتة.

اوجد الافغاني وعبده في احتجاجاتهما ودفاعهما عن الاسلام، تقليدا تبعه[34] الخطباء العرب من بعد. كانت الفرضية التي طرحاها من دون وعي، تقول بان حل مشاكل الاسلام (السياسية) هو، في النهاية، في ايدي الاوروبيين، انهما ظنا انهما، ببدل محاولات مطولة ومخلصة لتثبيت عدالة قضيتهما، سيؤثران تأثيراً فعالا في موقف الاوروبيين وفي سياسات الدول الكبرى، وبدا انهما مقتنعان بان الحقيقة، اذا ما عرضت بقوة، فإنها ستجلب الدعم والتأييد في صورة تلقائية، وبذلك عزازا الاعتقاد الذي آمن به القادة العرب الآخرون من بعد، والقائل مهما يكن من نزاع في المصالح بين الاسلام والغرب، فانه سيحل في النهاية اذا سمح للعقل والعدل ان يسودا[35].

الفصل الثالث: ايديولوجية الإصلاح الإسلامي

تحس اي فئة اجتماعية، اكثر ما تحس، بالحاجة الى الايديولوجية حين يكون في مواجهتها تهديد خارجي أو حين تكون على اهبة مباشرتها لعمل جماعي، وتزداد القيمة الوظيفية للايديولوجية كلما ازداد الضغط، فكلما تزعزع موقف المصلحين المسلمين (وكلما تعاظم تهديد أوروبا)، ارغموا على زيادة اعتمادهم على التركيبات الايديولوجية.

ارتبطت الايديولوجية الاصلاحية (مثل كل الايديولوجيات الاخرى) ارتباطاً غير مباشر بالمبادئ العقلانية، انها كانت مرغمة في استمرار على الانسلاخ عن النظرية الدينية وذلك لبناء قواعد سياسية، واسهم التركيب الايديولوجي الذي انبثق من هذه الرغبة في العمل، ليس في وصف الواقع الاجتماعي من زاوية مختلفة فحسب بل في تفسيره بطريقة مختلفة، ذلك لان التعامل مع الواقع والمحافظة على وجود ذي مغزى، جعلا من الضروري تصوير الواقع[36] ليس كما هو كائن، بل بطريقة تضفي عليه معنى مرغوباً فيه ومقبولا.

يكمن أحد المظاهر المهمة في تطور الايديولوجية الاصلاحية، في ان هذه الايديولوجية لم تحصر نفسها في قواعدها المبدئية بل استفادت أيضاً من مصادر أخرى، وبفضل هذه القاعدة العريضة، تمكنت، في نجاح، من ان تستثير اهتمام المسلمين المحافظين حيال بعض القضايا، واهتمام المسيحيين المحدثين والمسلمين العلمانيين حيال قضايا اخرى، وسادت هذه الايديولوجية العصر حتى عشية نشوب الحرب العالمية الاولى.

فان ما يهم هذه الدراسة هو الهدف النفسي الاجتماعي الذي تخدمه هذه الايديولوجية، ولم تكن هذه الايديولوجية اكثر من «تعريف بالوضع»- كما كان وكما يجب أن يكون، وكان هذا «التعريف» على التحديد هو الذي اعطى الايديولوجية الاصلاحية مغزاها[37].

  • تبرير الانحطاط

لم يكن الانحطاط منزلا أو عرضياً، انما كان نتيجة حوادث تاريخية تعود الى القرن الاسلامي الاول حين ادت الفرقة والحرب الاهلية الى تقويض الوحدة الاسلامية، وتعتبر الايديولوجية الاصلاحية ان العصر الذهبي في الاسلام انقضى باكراً جداً، وان ميزة هذا الخط من التفكير ليست في انه قدم تفسيراً ملائماً بل ايضاً لأنه اقترح حلا.

ان اعتبار الاسلام مثاليا كان بمثابة رد على الشعور بالنقص، لقد وصفت الاسلامية بأنها فتح فصل جديد مجيد في تاريخ الشعب الاسلامي، ان الاسلام، اذا استعيد، لهو أكثر من قادر على مواجهة أوروبا، حتى من وجهة القوة، يستطيع الاسلام ان يتساوى مع أوروبا، وفوق ذلك ألم تكن الامة الاسلامية «أعظم الامم العسكرية في التاريخ؟».

لكن نجاح الاسلام المنبعث لا يتم الا بفضل حقيقته الاصلية والكلية، يجب[38] ان يفهم الاميركيون والاسيويون الرسالة الفعلية التي جاء بها محمد، ويتحمسوا لتبنيها، ومن بين الامم الغربية، كان الاميركيون اكثرهم ملاءمة لتبني الاسلام.

قال الافغاني: «اننا نستطيع ان نجذبهم نحونا ونجعلهم يثقون بنا».

واليابانيون وهم «امة شرقية شقيقة»، كانوا اكثر الشعوب استعدادا لتقبل الاسلام، واشيع ان الاسلام كان ينتشر بسرعة في اليابان ابان انتصار اليابان على روسيا.

  • تفوق الغرب

كانت هناك حقيقة قاسية أخرى: كيف يمكن تفسير تفوق أوروبا؟ انسجمت النزعة المحافظة في الاسلام مع نفسها على القول بان الاسلام جامع مانع، أو عارضت كل اشكال استعارة الافكار والمؤسسات الغربية، والنزعة الاصلاحية لم تكن لتستطيع انكار الحقيقة في تعاظم قوة وجود اوروبا، وتفوقها العسكري والصناعي، احست النزعة الاصلاحية، ان المحافظة على النفس تقتضي مواجهة هذا التحدي في شجاعة ولهذا انتقلت، ثانية، الى الهجوم بغية الدفاع عن الاسلام.

انها رفضت فكرة تفوق اوروبا الاصيل بالطريقة ذاتها التي اثبتت بها خطأ فكرة تخلف الاسلام الاصيل، فليست هناك في المقام الاول، أسس عنصرية أو عرقية لتفوق الاوروبيين، ويمكن المسلمين وغير الاوروبيين ان يحرزوا المستوى ذاته من الحضارة والتقدم، ان المسلمين افتقدوا عنصراً واحداً لو توفر لحول كل العلاقة القائمة بين الاسلام والغرب ، وذلك هو العلم، لم يقصد الاصلاحيون بالعلم موقفا أو أسلوباً عقلياً، بل قصدوا سرا يمنح مالكه القوة تلقائياً، من هنا جاء توكيد الافغاني المشهور: «فحياة الشرقيين بالعلم الصحيح- موت لحكم الغرب فيهم، وفك الحجر عنهم»[39].

  • علاقات القوى

       ان الايديولوجية الاصلاحية تبلورت في الفترة التي وصلت معها الامبريالية الاوروبية إلى القمة، هاجمت روسيا تركيا في 1877، وفي 1881 احتلت فرنسا تونس، وفي 1882 احتلت بريطانيا مصر، وما ان اتى العام 1914 حتى كانت ليبيا ومراكش، ومعظم الممتلكات التركية في أوروبا، وقعت تحت السيطرة الاوروبية، بدأت أوروبا تتسم اكثر واكثر بالإمبريالية وليس بمنجزاتها الحضارية.

عكست الايديولوجية الاصلاحية الظروف المتغيرة في القسم الاخير من القرن التاسع عشر حين كان التشاؤم من المستقبل يغدي الشك والخوف المتزايدين من الامبريالية الاوروبية، وبالتالي اصبحت الدعوة الى الاقتداء بالغرب مثار الشك والريبة لأنها تقرب من السيطرة وامست كل بادرة من اي دولة اوروبية موضع شك، وكل عمل طيب يخفي وراءه حافزاً مغايراً، وبدت كل الجهود التي تقوم بها الدول الاوروبية مدفوعة بمطلع، اذ ان هذه الدول كانت تعرض المساعدة لسبب واحد فقط: لتستعمر، وبالفعل نادراً كانت وسائل السيطرة هي الغزو المباشر، فلم يحدث مرة ان جاءت دولة أوروبية الى بلد شرقي غازية في شكل علني انما دخلت تحت مظلمة الاصلاح وباسم المدنية، وحققت الامبريالية اهدافها بالتدرج وعبر وسائل مالية واقتصادية[40].

نمت مقولة أساسية من مقولات الايديولوجية الاصلاحية من ادراك متزايد لمطالع اوروبا الامبريالية، في ضوء هذا الادراك، ليس لدى اوروبا ما تقدمه الى الاسلام الا ما هو موصوم بمقاصدها الشريرة ضد الدول الاسلامية.

  • التضامن الاسلامي

كان من الطبيعي اذن ان تجد الدعوة الى التضامن الاسلامي اسساً راسخة في مفهوم الوحدة الاسلامية، لكن الفكرة الاصلاحية في الوحدة الاسلامية، يجب ان لا تختلط مع سياسة عبد الحميد-  برغم ان لا تعاكس هناك بين الموقفين على الصعيد الايديولوجي، وبالفعل اعطى المسلمون المصلحون تأييدهم الكامل لجهود عبد الحميد الرامية الى اتباع سياسة على درب الوحدة الاسلامية، لكن كان واضحاً ان دوافع عبد الحميد كانت مرتبطة اساساً بالمصالح العثمانية، بينما كانت دعوة الاصلاحيين الى الوحدة الاسلامية متصلة باعتبارات عقائدية تشمل الامة الاسلامية كلها، ان هذا الدافع الى التوحيد هو مصدر كل المفاهيم الوحدوية اللاحقة، وخطوة واحدة فقط هي كل ما كان مطلوباً، للانتقال من فكرة الوحدة الاسلامية الى الوحدة العربية.

رفضت الايديولوجية الاسلامية الاصلاحية، مادامت تحافظ على صعودها، اي صياغة ايديولوجية للواقع تخالف صياغتها وخاصة كل اشكال القومية[41] (العلمانية).

ظل الموقف الاصلاحي من الايديولوجية  القومية الناشئة معادياً في شكل جذري حتى النهاية، ومصرا على القول بان الرابطة الدينية، وليست الرابطة القومية، هي التي ستكون اساساً لوحدة، لهذا اعتبر العلماء الاصلاحيون ان من المهم دوما عدم تأكيد الاخوة العربية بل الاخوة الاسلامية- «المسلم التركي، والعربي، والفارسي، والمصري، والمغربي والهندي،». قال الافغاني «ان المسلمين يشكلون امة واحدة لانهم ينتمون الى دين واحد».

  • الايديولوجية السياسية والاجتماعية

ربما لم يكن في مستطاع الحركة الاصلاحية ان تحرر نفسها من فعل التحجر العقائدي التقليدي، وان تتكيف مع المفاهيم الجديدة «المعاصرة» في شكل سليم.

وبدت عاجزة كلياً، في صيغها الاجتماعية والسياسية، عن رسم التمييز المطلوب بين المجالات الزمنية والدينية للعمل، ولعجزها اما انهمار الافكار الجديدة، كانت مرغمة في استمرار على التبرير، والعقلنة، والتراجع، واخيرا سيق الكتاب الاصلاحيون، وظهورهم صوب الحائط، الى نوع من الاستلام كأمر واقع[42] تجلى في التأكيد الواهن ان القيم الاجتماعية والسياسية مماثلة لقيم اوروبا الحديث.

ماهي بعض السمات المميزة التي دفعت بالإصلاحيين الى هذا الطريق المسدود؟

  • التدريجية

اصرت الايديولوجية الاصلاحية على اعتماد المنطلق التطوري (في عكس الثوري) للقيام بمهمات التغير الاجتماعي.

برر الكتاب الاصلاحيون تعلقهم بالمنطلق غير الثوري، بمبررات نظرية وعلمية أيضاً قالت احدى الحجج، ان فرض التغيير بالقوة مخالف للنظام الطبيعي، «ويرى ان الاصلاح على الاختلاف انواعه لابد ان يكون على سبيل التدريج وفقاً لمقتضى السنن الطبيعية». ومن الناحية العلمية، فان التغيير، حتى يدوم، يجب ان يتم في بطء «لان ما يأتي على جناح السرعة لا يلبث ان يرجع من حيث أتى».

  • الشرعية

       اصرت الايديولوجية الاصلاحية على ان هناك فرقاً نوعياً بين السلطة الاوروبية والسلطة الاسلامية نظراً الى اختلاف الاسس من حيث تستمد كل من السلطتين شرعيتهما، في السلطة الاوروبية طبقت كليا في المجال الزمني حيث يقيم الانسان لجهة وجوده العملي، بينما السلطة الاسلامية لم تفرق بين الزمني والروحاني، وهكذا فان اطاعة السلطة لا يمكنها ان تنجم عن قانون يحدده المجتمع، بل هي نتائج التزامات دينية واخلاقية، وان انتهاك هذا من قبل الحكم او المحكوم يؤدي حتماً الى الانحلال السياسي[43].

وبالتالي فان الايديولوجية الاصلاحية قد حظرت، في الواقع، فكرة السيادة الشعبية بإسباغها الشرعية المستمدة من خارج اطار القانون، والمنزلة من السماء، على السلطة السياسية، وبرغم تأييدها اللفظي للحكومة الدستورية، والديموقراطية التمثيلية، تمسكت بالمبادئ التي تدعم الحكم الثيوقراطي والملكية المطلقة[44].

  • الديمقراطية والاشتراكية

سرعان ما ادرك العلماء ان الشباب المسلمين الذين تعلموا في الغرب هم يشكلون التهديد الخطير لكل ما يدعو اليه العلماء، أما المثقفون المسيحيون المستغربون فانهم مثلو تهديدا من نوع آخر: انهم كانوا الناشرين المحليين للثقافة الاوروبية قادوا الدور اياه الذي اضطلع به افراد الارساليات المسيحية، لكن المسألة بالنسبة الى النموذج الجديد من المسلمين المتعلمين الذين «لا قيمة للذين في نفوس اكثرهم فهم لا يصلون ولا يصدمون ولا يحللون ولا يحرمون». ان هذا النوع من المسلمين هو اكثر «عملاء» الغرب فعالية، «لان الاجانب ما طرقوا ارضاً لأي امة الا اقبل هؤلاء المتعلمون عليهم يعرضون انفسهم لخدمتهم ويكونون بطانة لهم ومواضع ثقتهم» كما قال الافغاني، وبما ان هؤلاء كانوا ثمرة الثقافة الجديدة التي قدمها الغرب الى المجتمع الاسلامي، ادينت المدارس الارسالية الاجنبية باعتبارها المصدر الرئيسي للعدوى الثقافية والاخلاقية، وضع هنا تمييز بين الثقافة الصحيحة، والثقافة التي تقود الصغار الى الضلال: ان النوع الخاطئ كان الذي يقدمه «الاجانب حتى الجزويت والفرير».

ونتيجة هذه المواقف الحتمية، وجد العلماء انهم لا يعارضون التقليديين الرجعيين «الذين قاوموا كل تغيير»، بل كذلك الصغار «المرتدين الذين ارادوا ان يغترب الاسلام… وان يجعلوا المسلمين ينسون تاريخهم ويهجرون تراثهم»[45].

الفصل الرابع: البنية الاجتماعية والفكرية للمثقفين المسيحيين

  • الخلفية الاجتماعية والتوجه النفسي

ان لفظة «مسيحي» تستعمل هنا في معنى عريض لتعني مزايا اجتماعية ونفسية وليس ارتباطاً دينياً باستثناء امثلة محددة فقط حيث تحمل اللفظة دلالة دينية.

كانت الحركة الفكرية المسيحية، كنظرة عقلية، انتاج عملية اجتماعية ونفسية خاصة بتجربة بعض الطبقات الاجتماعية المسيحية في سوريا (بما في ذلك لبنان وفلسطين)، وقد نجمت الى حد كبير، عن التحول الذي حدث في التعليم المسيحي في القرن التاسع عشر، وعن التحول الذي حدث في التعليم المسيحي في القرن التاسع عشر، وعن التغيير الاجتماعي الذي رفع المسيحيون لواءه، وكان افضل من عبر عن ذلك، اولئك الذين تأثروا اكثر بهذا التغيير في المجتمع، أي «المثقفون المسيحيون».

كان العامل الذي كون اليقظة المسيحية هو التعليم، اذ المسيحيون كانوا أول من استقبل التعليم الحديث لأن المدارس الارسالية، التي أقامها الفرنسيون والانكليز، والأميركيون، والروس، فتحت أبوابها على المجتمعات المسيحية[46] في سوريا في الدرجة الأولى، وواصلت المدارس المذهبية الوطنية اتباع التراث القديم في التثقيف الديني، لكنها أدخلت أيضاً الأسلوب الغربي في التعليم في صورة تدريجية.

كانت النهضة قوة التعقلن  الرئيسية في اطار الطبقة المسيحية المثقفة، فهي أفضت الى التوترات الاجتماعية والنفسية التي رافقت ظهور أول فوج من المثقفين المحدثين في المجتمع العربي، وان تكوين هذه العقلية الجديدة، التي بدأت في الأوساط المسيحية في سوريا، لازمة التعارض الكلاسيكي بين الجيل القديم والجيل الجديد، وأن تجربة الابتعاد عن الطرق التقليدية، كانت في البداية تجربة مسيحية ولم تدخل هذه التجربة وسط العرب المسلمين إلا أخيراً.

ارتبطت الطبقة الجديدة المتعلمة من المسيحيين بثلاثة موارد تعليمية أعطت الحركة الفكرية المسيحية طبيعتها المميزة، وهي: التمرس الكامل  بالأدب العربي، اجادة لغة أوروبية، الالمام بالمعرفة العلمية الحديثة[47].

  • التوجيه المسيحي العلماني

       ان الاطار العقلاني وغير الديني الذي وضعه المفكرون المسيحيون عكس رفضهم لقبول الادعاءات القيمية السائدة، ومثل ثورة على الثقافة القائمة، والنظام الاجتماعي الراهن، وتجسد هذا في الدعوة الرئيسية للكتاب المسيحيين الى علمنة الوجود الاجتماعي الراهن، وتجسد هذا في الدعوة الرئيسية للكتاب المسيحيين الى علمنة الوجود الاجتماعي بعلمنة الفكر، انهم عرفوا، بالسليقة، ان من المستحيل[48] حل معضلة الاغتراب المسيحي في المجتمع العربي دون علمنة النظرة الى التاريخ، وعلمنة الأسس التي بني عليها المجتمع والدولة، وهكذا ممكن النظر الى الحركة المسيحية الفكرية على أنها جهد لإعادة تأهيل المسيحي العربي في محيطه الاسلامي.

ربما كان الاتجاه المسيحي الأكثر شيوعاً هو التملص من أي التزام سياسي، وانطبق هذا الكلام، في شكل خاص، على أولئك الذين عاشوا في الامبراطورية العثمانية- خاصة في أثناء العهد الحميدي (1876- 1908)، حين كانت كل الطاقات الفكرية مرغمة على أن تنحصر في نشاطات أدبية وتعليمية فقط، فكرس بطرس البستاني الواسع النفوذ (توفي في 1883) وابنه سليم ومساعدوهما في بيروت، جهودهم للتعليم، واصدار جريدة، وتأليف موسوعة، بينما ركز آخرون على نظم الشعر وتصنيف القواميس[49].

  • المثقفون المسيحيون والغرب

       ان تطور أسطورة الغرب لدى المثقفين المسيحيين يوازي تطور أسطورة الاسلام الصحيح لدى المصلحين المسلمين، فأوروبا وحضارتها مثلتا للمثقف المسيحي، مثلما مثل العصر الذهبي للمصلحين المسلمين، فالمثقفون المسيحيون لم يضعوا مبدأ للإصلاح مستنداً الى التغرب، وبتحديد أكثر، لم تصدر عن النظرة المسيحية التجديدية، أيديولوجية غربية الاتجاه في شكل واضح كما صدرت الايديولوجية الاصلاحية من النزعة الاسلامية الاصلاحية.

ومع كون المثقفين المسيحيين لم يحسوا أنهم مضطرون الى تبرير الاقتداء بالغرب، فانهم مع ذلك، أحسوا أنهم مرغمون على تبيان الاسباب وراء الدعوة الى محاكاة الغرب فأبرزوا بعض الفضائل التي تحلى بها الأوروبيون نتيجة «التقدم» الأوروبي «والحضارة» الأوروبية.

اعترف بعضهم بمديونية الغرب للعرب، ولكن التشديد كان على الجوانب العلمانية.

لم يكن ممكناً اغفال حقيقة كون الحضارة الغربية حضارة مسيحية، وشكلت هذه الحقيقة مشكلة وما كان من السهل حلها، فهي من ناحية، جعلت المثقفين المسيحيين في وضع انسجام طبيعي مع الوسائل والقيم الأوروبية، بينما كانت[50] بمثابة عقبة أمام المسلمين.

كان على حركة المثقفين المسيحيين لتحرر نفسها من هذه العلاقة، أن تشدد على النظرة العلمانية الى الانسان والمجتمع، وان توضح التمييز بين الأمور الدينية والأمور العلمانية.

  • مسألة الاستعارة

       كان من المستحيل أن لا يرغب المسيحي العربي في الوصول الى تجديد المجتمع بالطريقة الغربية، ومن الناحية النظرية، لو يكن هناك حد لما يمكن العرب أن يستعيروه من الغرب. وبالتالي، اعتبر المسيحيون أن القيود التي وضعها الاصلاحيون على مسألة الاستعارة، ليست شرعية، ومع ذلك كان المثقفين المسيحيين أن يعوا هذه الحدود والتحفظات في صورة خاصة، كما حاولوا في استمرار أن يروا الغرب بمنظار اسلامي ليتمكنوا من استيعاب هذه الحدود.

وفي صدد معالجتهم لما تجب استعارته من الغرب، اختار المثقفون المسيحيون ثلاثة عناصر: المعرفة العلمية والصناعة والحكومة الدستورية، قال الكتاب المسيحيون ان من المستحيل اكتساب أي شكل من أشكال القوة دون العلم. ان تفوق الغرب المادي يعود الى العلم قبل كل شيء. وبالتالي، فإن اكتساب أسرار الغرب العلمية، أمر أساسي لكي يصبح العرب جزءاً من العالم الحديث[51].

  • مشكلة الاصلاح

ان فكرة الاصلاح، كما فهمها الكتاب المسيحيون، كانت تختلف اختلافاً جذرياً، من وجوه عدة، عن الفكرة التي شرحها العلماء الاصلاحيون، أشار المفهوم المسيحي للإصلاح، في الأساس إلى شيء ملموس: ان الاصلاح، في المعنى الحرفي للكلمة، يرمز الى تغيير موضوعي ومادي، لهذا أظهر المثقفون المسيحيون عدم ثقتهم بالخطط الاصلاحية الطموحة، واتجهوا كالطبقة الأوروبية الوسطى المحافظة، الى الاستعانة بالطوباوية.

أيد المثقفون المسيحيون عموماً الأسلوب التدريجي في تحقيق الاصلاح. وبموجب هذا الاسلوب، فان الأمور يجب أن تأخذ مجراها الطبيعي، بينما يجب أن يأتي التغيير القابل للتطبيق في بطء، وكلما كانوا يواجهون بالوقائع السياسية، كانوا يستنكفون عن تأييد أي دعوة راديكالية، وبالتالي ظل موقف معظم المثقفين المسيحيين ازاء الاصلاح الاجتماعي والسياسي، موقف الاعنف في الأساس.

الجانب الآخر من النظرة المسيحية الى الاصلاح يكمن في عقلانيتها النقدية، إذ هاجمت الارتباط بالعادات الراسخة باعتباره رجعياً في الأساس، وقابلت بين «حركة الفكر في الغرب» و «الجمود الفكري»  في المجتمع العربي[52].

  • مفهوم التاريخ

كانت فكرة التاريخ في الأيديولوجية الاصلاحية، عبارة عن تصور سطحي استعمل في تكوين وجهات نظرها الى الواقع حول الأسطورة السائدة عن عصر الاسلام الذهبي، وفي المقابل كانت النظرة المسيحية التعقلية «نقدية» وليست «أسطورية» (اذا استعملنا كلمات كاسيرر)، ولم تكن وجهة النظر المسيحية تعتبر البنى التاريخية التي أقامتها الاصلاحية الاسلامية غير قابلة للتطبيق فقط، انما كانت، وهذا المهم، مقتصرة كلياً على الاسلام.

قدمت الرؤيا التي طرحتها الحركة الاصلاحية الاسلامية للتاريخ، الخطة اللازمة لتحديد نظامها القيمي، أما لدى المسيحية التعقلية، فإن وعي التاريخ رمز الى عمل مقصود وواع، والى تقدم في اتجاه بعد محدد للزمن.

لم تطرح النظرة المسيحية للتاريخ أبداً نقداً واضحاً للمقاربة الدينية للتاريخ، لكنها أبرزت القيم والمفاهيم التي ممكن، بواسطتها المباشرة بنقد كهذا. وهنا، وجهت حركة المثقفين المسيحيين الضربة الأولى في عملية نزع الصبغة الميثولوجية للمفهوم التاريخي كما وضعته الحركة الاصلاحية في الاسلام[53].

وبالتالي ربما يصح القول بأن الوعي القومي العربي مدين بانطلاقته، لجهد المثقفين المسيحيين بغية علمنة التاريخ العربي، وبالفعل، فان على المرء أن يتذكر أن العروبة لم تجد جذورها في النهضة الاسلامية كما شرحتها الحركة الاسلامية الاصلاحية، بل في التعريف المسيحي غير الديني للمجتمع العربي وللتقاليد الحضارية.

  • فكرة القومية

       كان المفهوم العلماني نجم في الدرجة الأولى، عن سعي الحركة المسيحية التعقلية الحثيث الى عقلنة التاريخ الاسلامي وتحديد علاقة المسيحيين العرب به، وانسجاماً مع الحوافز العلمانية التي كونته، دعا الفكر السياسي المسيحي الى اعتبار الوحدة الاجتماعية وليس الوحدة الطائفية أساساً لفكرة الوطن. قال بطرس البستاني: «حب الوطن من الايمان». وقال أديب اسحق: «الإخلاص للوطن يجعلنا جميعاً أخوة» (أي ليس فقط مسلمين ومسيحيين) ربما كان اسحق أول مثقف مسيحي يبعث مفهوم ابن خلدون عن العصبية ويعرفه بمعنى «الوطنية والقومية». وربما كان أيضاً أول من استعمل الشعار القومي، «تحيا الأمة، ويحيا الوطن» المشتق من التراث الثوري الفرنسي[54]، وبطرس البستاني- فكر على أساس وجود أمة سورية وطبق فكرة القومية على الوطن السوري (سوريا الطبيعية) وبهذا اقترب من تكوين فكرة القومية السورية، واسحق ذهب ابعد حين أشار الى مفهوم أوسع للامة العربية، أو على الأقل، لمجموعة من الأمم الناطقة بالعربية، قال اسحق: «ان رابطة اللغة تشدنا بعضنا الى بعض». وفي كتاباته، نصادف أول تعبير واضح عن فكرة القومية العربية[55].

الفصل الخامس: الأيديولوجية الاجتماعية للمثقفين المسيحيين

  • غربنة الافكار

تياران في الفكر الأوروبي ربما كان لهما أعظم تأثير تقويمي على حركة المثقفين المسيحيين لجهة منهجها الأساسي: (1) المنحى العقلاني الليبرالي لعصر التنوير (والى درجة أقل في فرنسا الثورة وما بعد الثورة)، و (2) منحى القرن التاسع عشر اليقيني والليبرالي (الداروينية الاجتماعية). وحتى نهاية القرن التاسع عشر، لم يكن هناك تأثير فعلي لغير هذين التيارين في الفكر الأوروبي.

كان لحركة التنوير تأثير هائل على المسيحيين المتعلمين في هذا الجيل.

وربما كان لمونتيسكيو، وروسو، وفولتير أكبر الأثر. طرح مونتيسكيو تحليلات[56] للواقع الاجتماعي كانت، في الواقع، ثورية. ووجد منطلقه النسبي أذناً مصيغة لدى طبقة كانت تسعى لتحرر نفسها من المطلقات المحددة والمضطهدة. وهكذا فكرة «الحاجات المعينة والظروف المحددة» وفكرة «الزمان والمكان» باعتبارهما عوامل أساسية في تكوين القوانين والدساتير، أتاحتا فرصة مؤاتية جديدة كلياً ممكن بواسطتها فهم التاريخ والمجتمع. كما أدت شروحات مونتيسكيو عن فصل السلطات في الدولة إلى نتائج ثورية ليس بالنسبة لي النظام السياسي القائم، بل وأيضا الى الأسس النظرية للنظرة الاسلامية التقليدية للمجتمع والدولة.

وتأثر المثقفون المسيحيون بمونتيسكيو من زاوية أخرى[57].

  • أسس اليقين

تكوين نظرة «علمية» الى الواقع كان من بين الاهتمامات المركزية للفكر المسيحي، وان الجيل المسيحي الذي عاش في الفترة بين صدور أول مجلد من موسوعة البستاني 1875، وآخر عدد من مجلة الجامعة (1908) لانطون، لم ير الابتعاد الكامل عن الاتجاه التقليدي ونظرته الضيقة فحسب بل شهد أيضاً النفاذ الى طريقة جديدة في التفكير والتقييم، كان اهتمامه الطاغي ينصب على توضيح أسس هذه الطريقة في التفكير والرؤيا.

وكلما أصبح المثقفون المسيحيون أكثر معرفة بالعلم الاوروبي، طغت النزعة العلمية على نظرتهم العقلية أكثر وأكثر، وهذا واحد من الاسباب التي جعلت المثقفين المسيحيين يكونون مثلا «علميا» مميزاً في العربية.

وجاء تفسير المفاهيم الواضحة والمنطقية تدريجاً، ولكن مع نهاية القرن، نصب انطون والشميل نفسهما ناطقين باسم الطريقة الجديدة في الفكر، ووضعت أسس حركة المثقفين المسيحيين، لخص انطون الاسلوب الجديد بكلمات بيكون التقليدية: ان البرهان العقلاني يعتمد على «الاختبار، المراقبة، والاثبات». وربما كان أول كاتب مسيحي يدعو علناً الى تفسير عقلاني (اي علمي) للقرآن. وطرح هذا المطلب في معرض جداله مع عبده مستشهداً بابن رشد ليثبت امكان تفسير كهذا للعقيدة الاسلامية، قال: «ان هذه السور القرآنية التي تبدو مخالفة للإثبات والمنطق يجبب ان تؤول». وهو في ذلك يصل بنظرية الاجتهاد الى حدها المنطقي.

ذهب الشيمل خطوة اخرى في تعريف الشرعية العلمية، وكون ما ممكن ان يعتبر انه اكثر موقف مادي مترابط منطقياً في الفكر المسيحي العربي، لم يكن كافياً[58] بالنسبة اليه، ان نستند الحقيقة الى اسس «منطقية» مجردة لان الشرعية النهائية تتكون من شرعية علمية (ممكن اثباتها)، ان المعرفة الشرعية عن حق يمكنها ان تكتسب من خلال اسلوب العلوم الطبيعية التي هي النوع الوحيد من انواع المعرفة الذي ممكن ان يوصف بأنه علمي، وميز الشميل تمييزاً واضحاً بين العلم  (العلوم الطبيعية أو الفزيائية) وما سماه «العلوم البشرية» مستعملا التعابير اياها التي استعملها كونت للتمييز بين «العلوم الطبيعية او الفزيائية» و «الفيزياء الاجتماعية». وبسبب تأثير بوخنر فيه، اخضع الشميل العلوم البشرية للعلوم الطبيعية.

  • علمنة الفكر

مهما يكن الشكل الذي نعرف به عقلانية المثقفين المسيحين العلمية، فان هذه جعلت من الممكن اقامة نقاط افتراق جذرية ساعدت في علمنة الفكر في السنوات الاولى من القرن العشرين، كما اسهمت فرضياتها الاساسية، التي لم تشرح في صورة كافية، في تقويض اسس المعتقدات التقليدية، (والدينية في صورة خاصة). فأصبحت «الموضة» بين أوساط المتعلمين ان يسخروا من تخلف الحجج التقليدية وخرافتها، وشاع نوع غامض من العداء ضد كل ما يمت الى الجيل- القديم التقليدي بصلة، في أوساط المثقفين البارزين بمن في ذلك المسلمون، وأصبح الدين، وفق هذه النظرة الجديدة الى العالم، نقيضاً للمذهب الشكوكي على طول الخط[59].

كان الهدف المعلن للمثقفين المسيحيين الذين تمسكوا بسيادة العلم في مقالاتهم التي نشرت في الهلال، والمقتطف، والجامعة، التوفيق بين الايمان والعلم.

لم يكن هدف انطون الاساسي مجرد تأكيد شرعية النظرة الطبيعية، بل تبريرها، وجعلها مقبولة وبخاصة لدى معاصريه من المسلمين. فلجأ الى ابن رشد ليحصل على المفردات الكافية، وليوجد اطاراً عقلانياً مألوفاً للفكر الاسلامي. واستطاع، في غموض وصبر، ان ينسج حجة اثر حجة في الجامعة ليثبت ان الله، رغم كونه غير معروف، ممكن الاتصال به، وهكذا سأل، مستعملا[60] كلمات ابن رشد، «كيف يمكن الانسان ان يصل الى معرفة الله؟» واجاب: «ليس بالصلاة والتعبد بل بالدراسة المتصلة والبحث لكشف سر الوجود». العلم هو طريق معرفة الله، والحقيقة العلمية هي أساس الحقيقة الدينية، وبذل انطون جهداً كبيراً ليثبت ان ابن رشد «أعظم فيلسوف في الاسلام»، مهد الطريق لهذه المعرفة وأوجد السبل لبلوغها، فإن فلسفة ابن رشد في الاساس، كالفلسفة الطبيعية المعاصرة، هي «مذهب مادي قاعدته العلم».

كان الهم الاساسي لصروف والشميل وانطون، هم وعدد قليل من المثقفين المسيحيين الذين اقتفوا خطاهم، هو نقل انتباه الانسان بعيداً عن الدين والماورائيات وتركيزه في قضايا العالم الحقيقي، انهم كانوا مقتنعين بان الظلامية التقليدية والتعمية يجب ان تلغيا ليحل محلهما التنوير الفكري.

  • الاستقلال الذاتي للانسان

كان حتماً ان لا يعطي الاتجاه الطبيعي بين المثقفين المسيحيين، نتائج وتأكيدات عن العلم الحديث فحسب، بل ان يطرح أيضاً القدرة على رؤية الشيء ذاته من زوايا عدة، هنا كان أساس النظرة النسبية، انما هذا الاتجاه نما تدريجياً، ولم يصل الى نوع من الوعي الذاتي المنهجي، الا بعد أكثر من جيل واحد. ومع كون بلورة المقولات الرسمية تستغرق وقتاً أطول، فإنها تتجه الى تجاوز المواقف التلقائية التي خرجت منها، ولان هذه المقولات تتشكل بالحد الادنى من التحليل، فان تحولها الى جزء من النظرة العقلية، يحتاج الى وقت أطول.

يكمن مغزى المنطلق العلمي خلال هذه المرحلة، في اتجاه آخر هو الاتجاه الذاتي الذي اثر في نوعية الوعي. وتمثل هذا التغيير «الوعي» في بعض المواقف المحددة التي اتخذها بعض الكتاب المسيحيين، ويبدوا اكثر وضوحاً في محاولة رسم الخطوط العريضة للمذهب العقلاني القائم على المحافظة على الالوهية بسبب وجود الشر، وبسبب من تأثير النزعة الطبيعية، تحول الاهتمام من تحليل معنى[61] الارادة الالهية الى استخدمها لمصلحة غايات علمية، وانعكس هذا التحول في الالحاحية التي اكتسبت بها المعرفة العلمية ونظمت، فالمفاهيم القديمة لم ترفض، ولكن صرف النظر عنها، واظهرت اسس المفاهيم القديمة، بطريقة غير مباشرة، وهي تنهار أمام القوانين الجديدة- «النواميس الطبيعية التي تحكم الكائنات كلها من جماد وحيوان ونبات».

اقترح انطون هذا التصور الثوري، «فالإنسانية اذاً هي خالدة وحدها دون سواها» مستبدلا فكرة الالوهية بفكرة البشرية كما فعل كونت، ولم يتم القضاء على المطلق الديني فحسب لمصلحة مطلق علماني، انما تحولت علاقة الانسان بالمطلق، وجد الانسان تحقيق ذاته وسعادته في الواقع الملموس الذي شارك في صنعه كل الناس، أي «كلما ازدادت شدة مشاركة الانسان في صنع واقعه، كانت سعادته اكثر وضوحاً وكمالا». وانتقل انطون بعملية جعل الواقع الاجتماعي انسانياً خطوة الى الامام عبر استعماله فكرة اميل دور كهايم عن «الوعي الجماعي» وبتعريفه الوعي الجماعي انه تعبير او انعكاس لذكاء الانسان المجموعي وارادته.

انه قدم الاسس النفسية التي ممكن بها تحقيق الانتقال من الذهنية الدينية المتجهة صوب الله الى الذهنية الانسانية المتجهة صوب الانسان.

كما لفت انطون الانظار الى نقطة مفيدة حين ميز بين ذهنية شعبية (جماهيرية) وذهنية نخبوية (الخاصة). واعتبر النوع الاول ينطبق على طريقة التفكير القديمة غير العلمية التي امتاز بها الجيل المحافظ، بينما تمثل الذهنية النخبوية ألطريقة المعاصرة العلمية في التفكير التي امتازت بها اوروبا الحديثة.

كذلك فعل الشميل حين الغى الشكل الفوطبيعي في النظرة الاجتماعية. قال الشميل ان المجتمع، كالطبيعة، مسير بقوانين محددة عقلانياً، واي اشارة الى حكم فوطبيعي هي في بساطة اشارة مضللة.

ان الإنسان في نطاق حياته الاجتماعية، مستقل ذاتياً ومسؤول في آن. ان القوانين التي تنظم حياته الاجتماعية والسياسية هي من انتاج عقله «العلمي»[62].

كما عرض الشميل نقطتين اخريين لهما الاهمية ذاتها، انه اعتبر السلطة النابعة من «المصلحة المتبادلة بين الناس» هي المعيار الرئيسي للقانون «العادل». لذا اعتبر المبدأ الذرائعي محوراً للفكر السياسي.

  • مقولات الفكر الاجتماعي

انفتح الوعي المسيحي على مقولات فكرية نمت في اطراد، وهي تختلف كثيراً عن المقولات التي استخدمها الكتاب المسلمون الاصلاحيون، ومع بداية القرن العشرين اصبح التياران الفكريان: الاصلاحي الاسلامي، والمسيحي المجدد على النسق الغربي، التيارين الفكريين السائدين في مصر والهلال الخصيب، طرح التيار الاول الاسلام المتجدد على انه الالة الكافية للإصلاح السياسي والاجتماعي بينما احس الآخر ان اصلاحا كهذا يمكنه ان يأتي فقط بالتحديث المستند الى العقلانية والعلم، واتخذت الحركتان اشكالا متنوعة، وعبرتا عن نفسهما تعبيرات مختلفة وفقاً للظروف، كما اثرت الواحدة منهما في الاخرى ولكن لم يكن ثمة شك في معرفة الحركة الاكثر مرونة وعنفواناً وقدرة على النمو، فبدأ تقهقر الحركة الاصلاحية في مطلع القرن العشرين الى ان تقوضت دعائمها كلياً في منتصف القرن.

دار التفكير المسيحي الاجتماعي حول عدد قليل من المفاهيم الاساسية التي كانت بمثابة القوة الاساسية الموجهة له، لنحدد هذه المفاهيم، ونعرض في ايجاز مغزاها[63].

  • مفهوم التغيير

آمن المثقفون المسيحيون بان قوة هائلة تعمل على تحويل الانسان والمجتمع تحويلاً أخلاقياً، فوصف أنطون هذه القوة بأنها التوجه المادي للمجتمع المعاصر، انه أحس بأن المادية آخذة «في الامتداد الى العالم كله» مسببة حالة  «تتقوض فيها المبادئ القديمة، وتقتلع فيها القوانين، ويتحطم الدين والأخلاق».

  • الصراع

ثم المفهوم الأساسي الأخير في التفكير المسيحي، كان أن الارادة العمياء التي تعمل في الطبيعة تعبر عن نفسها في علاقة الانسان بالإنسان، فبدأ أن من المحتم أن «يتقاتل الناس ويتصارعوا ويفترسوا بعضهم بعضاً». «فالكبير يأكل الصغير في المجتمع والقوي يلتهم الضعيف تماماً كما يفعل السمك». ولم تكن هذه الحقيقة للمثقفين المسيحيين، بعيدة عن تجربتهم الخاصة ووضعهم، لهذا قبلوا في سرعة الصياغة الداروينية لها.

حلت فكرة الصراع من داخل المجتمع محل فكرة ضبط المجتمع من الخارج، ان المبادئ المطلقة للنظام والعدالة كانت غير ذات علاقة بالواقع الملموس للوجود الاجتماعي، وان ما يقرر مصير الأفراد والجماعات ليس القيم والمبادئ، بل القوة والدهاء[64].

  • الدين والمجتمع

آمن المسيحيون بأن التقدم الاجتماعي لا يمكنه أن يتحقق بالدين بل بالعلم، «وأن القول بأن الالتفات حول لواء الدين يمكن الأمم الاسلامية من احراز مستوى الغرب الحضاري ذاته (وهو المستوى الذي توصل اليه بالتقدم العلمي)، هو في بساطة تجاهل طريقة تطور الحضارات وفشل في فهم الطبيعة الانسانية.

ان الفهم السليم للتاريخ ولما يحرك عمل الانسان هو وحده القادر على الوصول الى نظرية شرعية للمجتمع ولأساليب اصلاحه. فهم كهذا، لا يمكنه أن يستمد إلا من العلم، أما الفكر الديني فانه لا يجلب للمسألة الا التشويش. وان اعتبار الوحدة الدينية (كما فعل الأفغاني) أساس التقدم الاجتماعي أفضى الى «ضعف وانحلال متزايدين… والى التأخير والتخلف».

  • الايديولوجية

ومهما بلغت معارضة فكرة المثقفين المسيحيين لنظرية التجديد الديني، فإنها لم تستطع أن تتعامى عن فعالية العاطفة الدينية كقوة ايديولوجية، كانت من الواضح، على صعيد المنفعة السياسية، أن دعوة الوحدة الاسلامية كانت ذات أهمية كبيرة. فتم التمييز بين القيم الايديولوجية والقيم الدينية الصرفة. وبالتالي أعطيت الروح الدينية دوراً خاصاً في مقاومة الامبرايالية الأوروبية. وعبر انطون عن ذلك بقوله: «هاك مغزى في اعتبار فكرة الوحدة الاسلامية ذات فائدة عظيمة كأداة مقاومة ولكن يجب أن لا نعطي المبدأ الديني أولوية غير مشروطة».

أي أن القيمة السياسية لدعوة الوحدة الاسلامية تتوقف مع انتهاء منفعتها الايديولوجية[65].

  • الافكار الاشتراكية الصامتة

وفي أوائل تسعينات القرن التاسع عشر، بدأت الصحف اللبنانية الدورية تشرح المشاكل الاقتصادية.

لكن التحليل المنهجي تبلور على الصعيد الثاني- أي المرحلة التحليلية الوصفية- وهي التي بدأت مع نهاية القرن، ويتمثل هذا المستوى من الوعي السياسي، أفضل تمثيل، في كتابات صروف وزيدان.

من الممكن أن يكون صروف تأثر ببعض الأفكار الاشتراكية المعينة السائدة أوروبا في نهاية القرن التاسع عشر. وممكن أن يلمس ذلك في قصته «فتاة مصر» التي يرجع فيها الحرب والامبريالية الى الرأسمالية الأوروبية – «وانما مصالح التجار وأصحاب المعامل وأرباب الأموال هي الدافع الوحيد الى هذه المناظرات الدموية». ومع ذلك، اعتنق صروف، في الأساس، موقفاً ليبرالياً[66] وحبذ المقاربة التطورية على المقاربة الثورية في مواجهة المشاكل الاجتماعية والسياسية.

ويعود الفضل الى سلسلة المقالات التي كتبها زيدان في تقديم تحليل شامل للمبدأ الاشتراكي. انه عكس، في صياغته للمفاهيم الأساسية للعقيدة الاشتراكية، موقف مسيحيي الطبقة الوسطى المتنورين، فعرف الاشتراكية في ضوء قيمتين رئيسيتين: العدالة والتقدم. ان المبدأ الاشتراكي، لزيدان، يصف المجتمع بأنه يعاني من «اللاتوازن» السياسي والاقتصادي. وجود العدالة هو نتيجة عدم التوازن لأن «الثورة والمكانة الاجتماعية» كانتا حكراً للأقلية. دعت الاشتراكية الى دعم الضعيف والفقير ضد القوي والغني. وقال زيدان: ان الاشتراكية، بهذه الدعوة، «قديمة قدم المجتمع البشري نفسه». وبما أن مبدأ التقدم جعل التغيير أمراً ملحاً للعمل الاجتماعي، فان الاشتراكيين ليسوا مدعومين بضرورة أخلاقية فحسب، بل كذلك بمبدأ التطور العلمي. نظر زيدان الى التطور على أنه تحسين «لكل ظروف الحياة»، وأنه يفضي الى اصلاح منهجي هادف الى ازالة الظلم من المجتمع.

لم تكن الاشتراكية لزيدان وصروف شراً  كلها (كتب زيدان عن الفابية في اعجاب) انما كانت وسيلة لتوجيه الانتباه الى أمراض المجتمع العصري وللمساهمة في معالجتها. لكنهما اعتبرا أن من المعتذر الدفاع عن المبادئ الاشتراكية سواء لجهة شرعيتها الفلسفية أو لجهة قابليتها للتطبيق في المجتمع[67].

وفي سنة 1913، بعد جولة في أوروبا، أضاف زيدان ملاحظة مهمة. قال ان الاشتراكية «هدفت الى الحلول محل النظام القائم». فهي ظهرت أولاً في أوروبا كحركة سياسية، لكنها، مع الوقت، استوعبتها الأحزاب السياسية البرلمانية وعانت تحولاً جذرياً. أنها ما عادت تهدف الى تقويض النظام القائم بل الى «اصلاح ما فسد منه». اذ أصبحت الاشتراكية حركة اصلاحية مقبولة، تماماً كما أعتقد أنها يجب أن تكون[68].

شدد الشميل، الذي كان ملماً بالفكر الاشتراكي، على التمييز بين الاشتراكية، وهي «الترجمة العربية المضللة لكلمة socialisme الفرنسية» وبين «اجتماعية»، وهي الترجمة الصحيحة. وكان يقصد أيضاً أن «الاشتراكية» عنت شيئاً يختلف كثيراً عما تعنيه كلمة اشتراكية في اللغة العربية (في معنى الارتباط بالشيء)، وربط الكلمة بأصلها، أي بالمجتمع. «ان كلمة اشتراكية مستمدة من كلمة مجتمع المستمدة من كلمة عمران». وكعقيدة، فان الاشتراكية لم تدع الى المساواة المطلقة بل الى «مشاركة عادلة في الفوائد بين العمال ورأس المال».

وان ما تهدف اليه الاشتراكية هو، في التحليل النهائي، أنها «تريد أن تمهد له سبل السعادة على هذه الأرض فتسرد له الفردوس الضائع»[69].

الفصل السادس: بروز العلمانيين المسلمين

من المقصود بالضبط بالمسلمين العلمانيين؟ ماذا كانت العناصر المشتركة التي أعطتهم هوية مميزة؟ إن تعريف هذه الفئة من المثقفين العرب، أصعب كثيراً من تعريف الفئات الاخرى.

ان تعبير «مسلمين علمانيين» مشتق من حقيقة كون أفراد هذه الفئة من المثقفين العرب المسلمين (وهذا ما يميزهم عن المثقفين المسيحيين المغربين)، وانهم لم يكونوا موجهين دينياً (وهذا ما يميزهم عن المسلمين المحافظين والاصلاحيين) وفي الوقت ذاته، شاركوا هذه الفئات بصفات أخرى. ان اتجاههم نحو اختراق اطار التفكير الديني والتعامل مع قيم ونظم علمانية، خاصة في مجال السياسة، وضعهم على أرض مشتركة مع المثقفين المسيحيين المغتربين، ومع ذلك، كانت ذهنيتهم مرتبطة بواقعهم الاسلامي، (كذلك بنمط التفكير الخاص به). فمهما بلغت وحدة الارادة والنظر من القوة بين الحركة العلمانية الاسلامية، وحركة المثقفين المسيحيين، فان العنصر الاسلامي المتأصل في حركة المثقفين المسلمين العلمانيين، كان يفرض في استمرار حدوداً معينة لهذه الوحدة[70].

  • التركيب الاجتماعي

انتسب المثقفون المسلمون العلمانيون في هذه الفترة الى أول جيل اسلامي يظهر في العالم العربي الحديث بعد الجيل المحافظ، ففي الهلال الخصيب، كل الأعضاء البارزين من هؤلاء تقريباً، جاؤوا من الطبقات العليا والوسطى وانتسبوا الى العائلات المدينية العريقة (في البصرة، وبغداد، وحلب، دمشق، وبيروت، والقدس). أما في مصر فان الخلفية الاجتماعية لأفراد هذه الفئة كانت مختلفة نوعاً عن الهلال الخصيب اذ العديد منهم كانوا من الطبقة المتوسطة ومن أصول ريفية متواضعة.

برز الجيل الاسلامي العلماني في سوريا والعراق الى المسرح في مستهل القرن، وبدأ يمارس دوراً قيادياً في الحياة الاجتماعية والسياسية عقب انقلاب تركيا الفتاة في 1908. وفي مصر، برغم أن التأثيرات التكوينية تعود الى سبعينات القرن التاسع عشر وحركة عرابي، فان بروز هذه الفئة كقوة سياسية نشيطة، بدأ في أواسط التسعينات من القرن الماضي مع تبلور المقاومة الوطنية في قيادة مصطفى كامل (1874- 1908).

تكونت الفئة من عناصر متنوعة، كان فيها أولاً السياسيون الموظفون الاداريون في الادارات العامة المصرية والعثمانية وهؤلاء ينتمون عادة الى العائلات السنية الغنية أو ذوات التأثير. وكان العنصر الثاني من المهنيين وخاصة المحامين[71] والأطباء. وهجر معظم أفراد هذه الفئة وظائفهم وانهمكوا في السياسة، أو الأدب أو الصحافة. وتكون العنصر الثالث، من أهل الأدب، أي الصحافيين وكتاب المقالات الذين مارسوا، بالكلمة المكتوبة، تأثيراً مهماً على التطور السياسي، وكانت المجموعة الرابعة مجموعة ضباط الجيش الذين كان لهم دور مهم خاصة في سوريا والعراق بالنسبة الى العمل السياسي المباشر، ومثلت هذه الجماعة طليعة الحركة القومية، وكانت العمود الفقري للجمعيات السرية بين 1908 و1914، ولعبت دوراً في الثورة العربية في 1916.

  • التجربة الاجتماعية والتعليم

كانت تجربة العربي المسلم في باريس مختلفة حقاً، هنا كان اغترابه عن المحيط كاملا وانها حقيقة اثرت كثيراً في ثقافته الرسمية وفي رد فعله تجاه العالم الخارجي، لم يكمل عدد كبير من الطلاب المسلمين الذين كانوا يدرسون في باريس مدة تعليمهم المقررة، وهذا يعود جزئياً الى المنفرات المتعددة من باريس، لكنه يعود في الاساس الى نقص التعليم الاكاديمي السابق، خاصة في اللغات. وهكذا فان المكاسب التي حققها هذا الجيل العربي المسلم، على صعيد الدراسة المنهجية في العائدين من سنوات قليلة قضوها في اوروبا، لم «يتغيروا»، وانهم ظلوا اوفياء «لتقاليدهم وعاداتهم» كما كانوا لما غادروا البلاد. كان سهلا جداً على العربي المسلم الشاب ان لا يتغير اذ كان موقفه تجاه باريس (اوروبا عموماً) قائما في الاصل على الخوف والعداء. وتحول من بعد الى غطرسة ممزوجة بالفزع، واعماه خجله ووحدته والعديد من الكوابت، عن المجتمع الغريب من حوله، مما قيد كثيراً قدرته على التعلم والاستفادة من الفرصة المتاحة، فلم تبد اوروبا يوما بعيدة كما بدت الآن بعيدة من قلب باريس[72].

ان الشاب المسلم الذي يدرس في اوروبا تكون لديه موقف معاد لأوروبا، ووجد الملاذ في تأليه الاسلام والثقافة الاسلامية. وانعكس موقفه داخلياً فخلق عقبات ضد الفهم السليم للغرب، وخاصة علومه وآدابه. وانحصر ما اكتسبه الشاب المسلم من فهم للتراث الاوروبي الفكري في ما حصل عليه من الادب والتاريخ او السياسة. لكن الهوة لم تردم كلياً اذ ظلت المبادئ القيمية والاعتبارات المنهجية التي كونت المعرفة والذوق الاوروبيين خارج الافق العقلي للشاب المسلم.

  • الاتجاهات الفكرية الاساسية

عبرت النظرة العقلية المميزة الى الحركة الاسلامية العلمانية عن نفسها بقوتين تكوينيتين انفتحت عليهما كثيراً وهما: الحركة الاصلاحية الاسلامية، وحركة المثقفين المسيحيين المغتربة. وهكذا كحركة للفكر، ستندت الى ميل نحو التحديث، وفي الوقت ذاته، الى ميل نحو الاصلاح الاساسي.

افرزت حركة المثقفين المسيحيين تأثيرها الحاسم على الحركة الاسلامية العلمانية، باعتبارها واسطة نقل الآراء الحديثة. اذ نقل اسلوب التفكير الحديث بواسطة البستاني وزيدان، صروف والشميل، حداد وانطون. وبواسطة هؤلاء اصبح فهم اوروبا ممكنا على صعيد آخر، تحقق باللغة العربية، كان هؤلاء مسؤولين عن جعل المواقف التحديثية الاساسية مقبولة. وهكذا كان بريق الجدة اقل وضوحاً نوعاً في التعبير العربي، كذلك كان الحد الثوري للأفكار التجديدية اقل مضاء بسبب المجاز المألوف في اللغة العربية[73].

كانت اوروبا هي العامل الحاسم، من وجهة القومية، واعترف المسلمون العلمانيون، كما فعل المثقفون المسيحيون، بان اوروبا هي عامل التحديث الاساسي. لكنهم اعتبروا، كما فعل الاصلاحيون المسلمون، ان اوروبا هي التهديد السياسي الرئيسي. قدم الموقف الاول الاساس للحافز التحديثي، بينما قدم الثاني التشديد على الانبعاث والاصلاح الاسلاميين.

  • قاسم أمين واليقينية العلمانية

كان عالم قاسم امين هو عالم المثقفين المسيحيين، عالم الفكر العقلاني الموجه نحو الغرب، وعالم مؤيدي التحديث. كان اول مسلم عربي مؤيد للتجديد على النسق الغربي في منتصف القرن العشرين. وطرح اولى الصيغ المنهجية للعلمانية الاسلامية وعبر عنها ليس بصورة مجردة بل بالنسبة الى القضايا الاجتماعية الملموسة يومياً.

كان امين معاصرا لمحمد عبده وصديقاً له، لكن الفرضيات الاساسية التي شكلت موقفه الفكري كانت مناقضة مباشرة لفرضيات عبده في نواح عدة وجاءت حياة عبده وامين وسط النهضة، وهما ربما يمثلان الانقسام الفكري الاكثر اصالة في الاسلام الحديث، لكن تعارضهما، لم يخرج ابداً الى حد المواجهة الصريحة فظل مخفياً. ويمثل هذا الوضع الموقف الذي وصلت اليه الحركة الاسلامية العلمانية حين فشلت في تحقيق مهمتها الدقيقة في ما يتعلق بالحركة الاصلاحية الاسلامية.

وان ما ميز موقف امين، في الاساس، كان تعلقه الجذري بمنطلقات يقينية، وهكذا عرضت المسألة الدينية مبدئياً من خلال جوانبها الاجتماعية[74].

وفي مقدمته لكتاب المرأة الجديدة قال امين ان العلم هو الاساس الشرعي الوحيد للحقيقة، وان المنفعة هي المحك الشرعي الوحيد للقيمة، والتقى في هذا الموقف خير الدين التونسي، اول مسلم علماني يدافع عن المقترب المنفعي في معالجة المسألة الاجتماعية، وتعرض كلاهما، امين وخير الدين، للتأثيرات الفرنسية ذاتها، خاصة فلسفة كونت اليقينية، والى ذلك، فان اميناً تأثر كثيراً بهربرت سبنسر.

وعلى غرار الفلاسفة الوضعيين في القرن التاسع عشر، كان امين مقتنعاً بأن مفتاح الخلاص للمجتمع الاسلامي كامن في التغلب على الجهل ونشر المعرفة والتنوير[75].

لم يصدر التاريخ، لدى امين، احتراماً دينياً، او شوقاً عقلانياً. انه نظر الى الماضي نظرة باردة وقال بان الماضي يجب «ان لا ينسخ نهائياً» ولكن يجب ان لا يبلغ كله، «بل يجب ان يدقق فيه بعناية واناة حتى يفصل ما بين الضار والمفيد»[76].

كان امين مقتنعاً بان المجتمع «مسير بتغيير متواصل وغير مدرك بالحس» وقال بان هناك اربع قوى رئيسية تقرر عملية التغيير هذه: المحيط المادي، الخلفية العرقية، التفاعل الاجتماعي، والاختراع العلمي. ليس هناك من مبدأ مطلق ممكن بواسطته قياس التغيير او تقييمه، هناك شيء واحد مؤكد هو ان ما هو صالح او مفيد لمجتمع ما، ليس بالضرورة صالحاً ومفيداً لمجتمع آخر[77].

ان امين لم يجسد في كتاباته وفي موقفه الاجتماعي بعض ارقى انجازات الحركة الاسلامية العلمانية فحسب، انما جسد ايضاً بعض تناقضاتها الاكثر جذرية، وهذا مالم يفعله علماني مسلم سواه[78].

  • الحركة العلمانية الاسلامية والغرب

اظهرت الحركة الاسلامية العلمانية منذ البدء احتراساً من الافكار، والغريب ان الاعتبارات الدينية جاءت في المرتبة الثانوية، وجاء التمييز بين المجالات العلمانية والدينية على اساس المصلحة العملية وليس على اساس العقيدة، وكانت صيغة استعادة المفيد ورفض الضار وسيلة عملية هدفت الى تكييف التجديد اكثر منها الى حماية التقليد، لكن الذي ساد على صعيد الممارسة الفعلية كان موقفين، واحداً اعتبر كل شيء غربي «سيئاً» في الاساس، والثاني قبل «تفوق» الغرب من دون مناقشة.

وكان البعد الآخر لموقف العلمانيين المسلمين تجاه الغرب، هو الشعور القوي بالنقص، انه لم ينجم عن هزيمة عسكرية احاقت بالمسلمين على ايدي اوروبا، ولاعن اي احساس بالضعف[79].

       من السهل ان نرى كيف ان نادرا ما تمكن المسلم العلماني من استيعاب المجتمع الغربي والتراث الفكري استيعابا كاملا. فالحركة الاسلامية العلمانية، كتيار فكري وادراك سياسي، بدت غير قادرة على الارتفاع العقلي والمنهجي الى مستوى التحدي الفكري الذي طرحته الحضارة الاوروبية. ونادراً ما كان الرد العام ايجابياً كما كان رد قاسم امين، فكان الاسلوب العلماني المميز خطابياً، الامر الذي شجع تكوين موقف تستهويه الشعارات والمبالغات والمواعظ، الذي ساد الحياة السياسية في النصف الاول من القرن العشرين.

كانت القوة الرئيسية التي تؤطر العلاقة مع الغرب بالنسبة الى النزعة الاصلاحية في الاسلام، فكرة الاسلام المنبعث، وبالنسبة الى حركة المثقفين المسيحيين روح التنوير العقلاني والعلمي. وبالنسبة الى المسلمين العلمانيين، اكتملت فكرة الغرب كشيء «آخر» في اذهانهم. وهذا تسبب في كون الاتصال بين المسلمين العلمانيين والغرب جزئياً وناقصاً دائماً. ان اول مقاومة سياسية للغرب برزت من صفوف العلمانيين المسلمين، وربما لا تمكن مقارنة عداء هذا الجيل من المسلمين للغرب الا بعداء المفكرين اليابانيين للغرب في الجزء الاول من القرن التاسع عشر، ولنرى بعض الامثلة.

  • التمايز العرقي   

عبر عبد الرحمن الكواكبي عن مشاعر معادية للغرب بالحديث عن مزايا عرقية متأصلة، قال: «نعم الغربي مادي الحياة قوي النفس شديد المعاملة حريص على لاستئثار حريص على الانتقام كأنه لم يبق عنده شيء من المبادئ العالية والعواطف الشريفة التي نقلتها مسيحية الشرق فالجرماني مثلا جاف الطبع يرى ان العضو الضعيف الحياة من البشر يستحق الموت ويرى كل الفضيلة في القوة وكل القوة في المال. فهو يحب العلم ولكن لأجل المال ويحب المجد ولكن لأجل المال. واللاتيني منه مطبوع على العجب والطيش يرى العقل في الاطلاق والحياة في خلع الحياء والشرف في الزينة واللباس والعز في التغلب على الناس. اما اهل الشرق فهم[80] اديبون ويغلب عليهم ضعف القلب وسلطان الحب والاصغاء للوجدان والرحمة في غير موقعها واللطف ولو مع الخصم والفتوة والقناعة والتهاون في المستقبل».

  • التفوق الحضاري

وضعت الاخلاق الغربية في مرتبة ادنى من الاخلاق الشرقية، لهذا كان ينظر الى التفرنج في اشمئزاز، كتب العظمة: «لقد حلت بنا نكبة فظيعة بهذا التقليد للأوروبيين، يجب ان نتخلص من هذه العادة المقيتة التي جلبت لنا ليس فقط الخراب المالي بل وفتحت الابواب لسيطرة اوروبا الاقتصادية علينا، لقد ساعدت الاوروبيين على تحقيق اهدافهم السياسية وعلى اخضاع شعوب الشرق».

  • الروح الغربية العدائية

خرج الكواكبي بنظرة مفادها أن الغربيين، هم في طبيعتهم، مفترسون وأن «الرجل الغربي يعتقد أنه متوفق على الشعوب غير الغربية». وأكد أن هدف الغرب النهائي هو توسيع سلطته وبسط حكمه على العالم كله.

  • سوء نية الغرب

آمن المسلمون العلمانيون بان لا ثقة يمكنها أن توضع في الغرب. فان الدول الغربية «تتفق مع بعضها على شؤون بلادنا من دون أن يكون لنا رأي». ومهما قال القادة الغربيون في السر أو في العلن، فانهم محال أن يصدقوا[81].

  •   حضارة زائفة

هل كان الغرب حقاً متمدناً؟ كان العلمانيون المسلمون يشيرون مراراً الى فقر الغرب الروحي. وساد شعور بأن ثروة الغرب وقوته ما هما سوى مظهر خادع يخفي الفساد الأخلاقي والفراغ الروحي.

وساد شعور كذلك بأن شيئاً ما في قلب المجتمع الغربي خاطئ.

حين غزت ايطاليا ليبيا في 1911 انتشرت موجة عارمة من العداء نحو الأوروبي في مصر والقطاعات العربية في الإمبراطورية العثمانية، جاء هذا الغزو ليؤكد أسوأ الظنون فكتب الشاعر العراقي معروف الرصافي (توفي في 1945) قصيدة عبرت عن الشعور العربي العام. قال الرصافي ان الشرق سيكون من الآن فصاعداً ضحية الاعتداء الغربي المتصاعد: «لا تعتقد ان هذه الأوقات هي أوقات متمدنة، لقد كذب عليك من قال بأن لدى زعماء الغرب أكثر من الأكاذيب وأكثر من الخداع».

وعبر كتاب آخرون عن الشعور ذاته، قال أحدهم ان «أوروبا لا تحس إلا بالكراهية والعداء ضد الاسلام والمسلمين».

وقال آخر: «واذا كنا لا ننتظر سلامنا الا من أوروبا فقولوا علينا السلام»[82].

  • السلطة والمشكلة الاجتماعية

ليس غريباً أن العلمانيين المسلمين، كالعديد من الكتاب المسيحيين، أيدوا في قوة ليبرالية الطبقة الوسطى في أوروبا. واتضح ذلك في نضالهم لإنهاء الحكم التقليدي الاستبدادي واقامة حكومة دستورية ونظام برلماني، وتأمين أساس عقلاني معين للمحافظة على حرية الفرد وتحديد سلطة الحكومة.

وعنى مفهوم الدستور لدى النخبة العلمانية أكثر من نظام سياسي أو نظام قانوني، فهذا المفهوم مثل الميزة الأساسية للمجتمع المتحضر، ووفر الظروف التي تمكن النخبة من الوصول الى السلطة، وبرر الكتاب المسلمون العلمانيون نظراتهم الدستورية باللجوء الى الحجج الذرائعية والتاريخية، كما فعل المثقفون المسيحيون والاصلاحيون المسلمون، فأثبت خير الدين، عبر استشهادات مطولة من مصادر القرون الوسطى، أن شكل الحكومة القائمة على الشورى كان هو الذي أمر به القرآن والحديث. ومن بعد قدم الكواكبي الحجة التي تقول بأن التركيب الأساسي للحكومة في الاسلام هو تركيب «ديموقراطي وتمثيلي» وان «الحكم المطلق» هو افساد لهذه المبادئ، وانه أقيم بعد تأسيس الامبراطورية الأموية. وفي هذا كانت الحركة العلمانية متفقة مع الفرضيات الأساسية لنظرية النهضة الاسلامية كما وضعتها الحركة الاصلاحية في الاسلام، ان الحجة الذرائعية اعتبرت الحكومة البرلمانية والقوانين والمؤسسات المواكبة لها، ليست مبرر وجود الحرية السياسية فحسب بل كذلك الدولة الحديثة القادرة على البقاء، وهكذا فان مبدأ الدستورية في الفكر الاسلامي العلماني احتل المكانة ذاتها التي احتلتها أسطورة الاسلام المحتفظ بنقائه الأصلي عند الاصلاحيين، وأسطورة الغرب الحديث عند المسيحيين[83].

الفصل السابع: المثقفون العرب والعمل السياسي

  • الفكرة الاسلامية، العثمانية، القومية

ماهي الدلالة التي تركها الاتجاه العقائدي للمثقفين العرب على التزاماتهم السياسية الواقعية؟ من الضروري، للإجابة عن السؤال، أن نوضح أولاً نقاطا أساسية معينة.

كان العمل بالسياسة والمواقف، التي أفضى اليها، يتحدد قبل 1914 بثلاث قوى سياسية رئيسية كانت المهيمنة على مصر والهلال الخصيب هي: الفكرة الاسلامية والعثمانية والقومية، وممكن التمييز بين هذه القوى السياسية والأفكار التي مثلتها، من حيث المضمون، على أكثر من صعيد الأول، المتفق مع مقتضيات بحثنا، هو صعيد العلاقة بين هذه الأفكار وفئات المثقفين العرب المحددة، اذا وضعنا جانباً القرب الواضح بين بعض الفئات وفكرة معينة، فلا يمكننا أن نربط أياً من فئات المثقفين بأي من هذه الأفكار الثلاثة ربطاً حصرياً. لم تكن هنا علاقة محسومة وذات اتجاه واحد بين الآراء السياسية والموقف الاجتماعي (والنظرة الذهنية الناجمة عنه)، كما لم يكن التوجيه العقائدي العامل الوحيد الذي يحدد أنماط التفكير والتصرف. فان الفكرة الاسلامية، على سبيل المثال، غير ممكن أن تربط حصراً بالإصلاحيين المسلمين الذين أعطوها صياغتها الايديولوجية، بل يجب أن تربط أيضاً بأهدافها السياسية، ومع كون الفكرة الاسلامية، فإنها، كقوة سياسية، لم تكن حكراً لأي فئة[84].

ان الفكرة الاسلامية على المستوى التعميمي، تشير الى مدرسة فكرية دينية محددة مستندة الى مفهوم النهضة الاسلامية، وتشير الفكرة العثمانية في الأساس الى فكرة سياسية تهدف الى اقامة واقع سياسي يسعى الى أهداف تحدد في ضوء هذا الواقع. أما الفكرة القومية فتعبر عن مجموعة من القيم العلمانية والأهداف السياسية المناقضة للفكرتين الاسلامية والعثمانية.

كان التعارض على أشده بين الفكرة الاسلامية والفكرة القومية. فان الأولى اعتبرت أن المرجع الأساسي يجب أن يكون النصوص الدينية التي تمثل العامل المميز النهائي الذي أعطى اجابة محددة عن سؤال «من نحن»؟. والفكرة القومية لم تكتف باعتبار الدين ثانوياً، بل حولته الى عامل ثقافي. ومع ذلك اشترك المفهومان في شيء فريد مهم هو ان كليهما اسند ادعاءه كلياً الى «خطوة الى الوراء». فكلاهما يستطيع أن يجد في التاريخ وفي التراث الثقافي أصوله، وهذا أفضى الى أن كليهما وجد التشجيع في مقولات فكرية وشعورية متشابهة أساساً[85].

كانت الامبريالية الأوروبية عاملاً أساسياً في تطوير الروح القومية في مصر وأدت مقاومة أوروبا الى تغذيتها وتنميتها. وفي الهلال الخصيب فان المفهوم القومي تكون في ظل ظروف مختلفة: كان الاضطهاد التركي وليس الامبريالية الأوروبية هو الذي واكب تبلور الفكرة القومية. اتخذت الحركة القومية في مصر شكلاً موحداً وشعبياً مما أدى الى كونها استطاعت لدى نشوب الثورة المصرية في 1919 أن تستقطب الشعب المصري كله. وفي الهلال الخصيب والجزيرة العربية لم تتخذ الحركة القومية شكلاً واحداً بل أشكالاً. ولم ينجح أي منها في توفير الأسس اللازمة لحركة موحدة. وهكذا تمت بلقنة (تجزئة) الهلال الخصيب، عقب الحرب العالمية الأولى على أيدي بريطانيا وفرنسا بمقاومة قومية متفرقة ومبعثرة.

مثلت الفكرة العثمانية في الأساس قوة مشروطة لأن مصيرها كان مرتبطاً في شكل جذري بمصير الامبراطورية العثمانية. فما أن تفككت كان مرتبطاً في شكل جذري بمصير الامبراطورية العثمانية. فما أن تفككت الامبراطورية في حرب 1914- 1918 حتى اختفت معها الفكرة العثمانية كلياً لكن الفكرة العثمانية كانت، في فترة ما قبل الحرب، هي الأقوى بين القوى السياسية المسيطرة الثلاث، التي تتمتع بمرتكزات قوية في الهلال الخصيب على الأقل حيث مثلت قوة حاسمة في الحياة السياسية[86].

اتخذت الحركة القومية في مصر الى سنوات عدة، بعد الحرب العالمية الأولى، مسلكاً يختلف عن الحركة في الهلال الخصيب. فبعث القومية المصرية من أسفل الطبقات الوسطى، وتكونت صيغها الأيديولوجية في ظل مقاومة سيطرة الغرب السياسية والاقتصادية والاجتماعية. وأيدت الروح القومية في شكل عام الفكرة العثمانية والفكرة الاسلامية لأسباب عملية ونظرية: اذ أنهما كانتا حليفتين طبيعيتين في الصراع من أجل الاستقلال وضد السيطرة الغربية.

  • الاشكال السياسية للفكرة الاسلامية

تعني الفكرة الاسلامية في الغرب عادة التعصب الاسلامي، والوحدة الاسلامية، والجهاد المقدس. وانبثقت هذه الفكرة من سياسة الوحدة الاسلامية[87] التي اتبعها عبد الحميد، ومن الانتفاضة المهدية في السودان، ومن انبعاث الوهابيين في الجزيرة العربية ومن تطورات مشابهة حدثت في الجزء الأخير من القرن التاسع عشر والجزء الأول من القرن العشرين، وعززت بسبب العداء الثقافي المتأصل تجاه العالم الاسلامي[88].

استندت كل أشكال الفكرة الاسلامية، سواء منها ما أكد على كونية الوحدة أو صفتها العثمانية أو العربية، الى نظرة دينية للمجتمع. حتى الشكل القومي العربي للفكرة الاسلامية (كما تمثل بالثورة الهاشمية على سبيل المثال) تمسك بالمفهوم الاسلامي للأمة الذي رفض الفروقات اللغوية والعرقية واعترف بالإسلام على أنه العنصر المميز للهوية القومية. لكن الفكرة الاسلامية، هنا كما في أشكالها الأخرى، أحيت نظرة العصور الوسطى التي قسمت البشرية فئتين رئيسيتين، فئة المسلمين (المؤمنين) وفئة غير المسلمين (الكفار) واعتقدت[89] في الامكان استعادة سلطة الاسلام ومكانته في العالم بإعادة تعريف الانتساب الى محمد، بتعبيرات سياسية، كما أحيت روح الاسلام، الفاتح في صورة غامضة حين قالت بأن الفكرة الاسلامية لن تغير موقف المسلمين فقط بل كذلك علاقتهم الحقيقية مع العالم. انها ستحول طبيعة مواجهة الاسلام للغرب كلياً وعلى أسس مختلفة تماماً.

وكان الأفغاني تنبأ يوماً بأن السلام العالمي والوحدة العالمية سيحققان على أساس «اتفاق الأديان الثلاثة العظيمة الأساسي في مبادئها وأهدافها الأخلاقية.

كانت السمة المميزة لكل الأشكال السياسية للفكرة الاسلامية هي ذهنيتها الرؤيوية وبالمقارنة مع الأفق العقلاني المميز للمفهوم المسيحي للقومية طرحت الفكرة الاسلامية التغيير الكامل بتعابير رؤوية وقالت بأن التغيير يحصل كفورة مفاجئة وليس نتيجة تطور منسجم[90].

لم تطرح الأشكال المختلفة للفكرة الاسلامية صورة سياسية منهجية وموحدة، ولم تقدم تفسيرات لمفاهيم عقلانية يمكنها أن تؤدي الى نشوء عقيدة منسجمة داخلياً. والغت الطبيعة التقوية للفكرة الاسلامية امكان الفكر النقدي وشجعت المواقف اللفظية، وأعادت تثبيت القيم التقليدية بتكرارها الحديث عنها في بلاغة وكبتت حوافز التغيير.

  • المسيحيون العرب والالتزام السياسي

       وفر المثقفون المسيحيون كما رأينا، أخصب تربة لنمو القومية العلمانية. تأثر الأفكار السياسية للمثقفين المسيحيين العرب بعوامل عدة ربما كانت أهمها البيئة السياسية للطوائف المسيحية في مصر والهلال الخصيب.

وربما أن الهوية السياسية قامت على أسس دينية، فان التنظيم السياسي للطوائف المسيحية ارتبط ارتباطاً وثيقاً بالتركيب الطائفي للمجتمع. فشكل نظام الملل (التنظيم الديني الطائفي) الأسس السياسية والادارية للإمبراطورية العثمانية. وبالتالي وضع المثقف المسيحي العرب، بصفته عضواً في الملة المسيحية، خارج اطار النظام السياسي الاسلامي، وحددت واجباته وحقوقه وعلاقته بالمجتمع السياسي الكبير من قبل النظام الطائفي[91].

تحدد الموقف السياسي للمسيحيين العرب في مصر والهلال الخصيب وفق وضعهم الاجتماعي. ويمكننا أن نقول، في صورة عامة، أن الطبقات ذوات الثراء، كانت هي المؤهلة أكثر للمشاركة في الحياة السياسية وبدت المواقف السياسية هنا ميالة نحو أن تحكم بمصالح معينة.

ان العرب، مسلمين ومسيحيين، شكلوا كياناً ثقافياً واحداً. قال الشاعر المسيحي العربي ابرهيم اليازجي «تنبهوا واستفيقوا أيها العرب».

ان اليازجي أو اسحق أو أياً من الأدباء المسيحيين العرب الأوائل، لم يعتبروا أنفسهم قوميين عرباً. لكن مفهوم العروبة تضمن تمايزاً حاسماً عبر عن نفسه بمقياس جديد للتعرف الى الذات القومية، برغم كونه رمز في تلك المرحلة، الى قيم ثقافية وأدبية فقط. لكن سرعان ما وضع أسساً جديدة للولاء فربط الولاء بفكرة الوطن، فقال بطرس البستاني: «حب الوطن من الايمان»[92] وقال أيضاً: «الدين لله والوطن للجميع». فما عاد الدين والأمة جزءاً من واقع لا ينفصم.

اذا انتقلنا الى حيز المشاركة السياسية الفعلية، نرى هناك أربعة مواقف ميزت الموقف المسيحي السياسي. الأول استند الى اعتناق كامل للفكرة العثمانية. وانتسب معتنقو هذا المبدأ عادة الى الطبقة الاجتماعية التي كانت تستفيد أكثر من غيرها من المحافظة على الوضع الراهن.

والموقف المسيحي الثاني دعا الى تعديل (اصلاح) الوضع الراهن من دون تقويضه، ووجد أقوى تعبير له في حركة اللامركزية الادارية[93].

عبر الموقف المسيحي الثالث عن نفسه بنزعة قومية عربية متميزة ومعارضة في عنف للسيطرة العثمانية. كان هو، في الواقع، أعلى مراحل الوعي السياسي[94]، وتشكلت بداياته على أيدي المثقفين المسيحيين المهاجرين والمقيمين في مصر وأوروبا وأمريكا[95]

ارتكز الموقف المسيحي الرابع على مفهوم طائفي للقومية، وكان، في المقام الأول، نتيجة التجربة المسيحية في لبنان. وتعود جذور هذا المفهوم الى احساس قومي بالاغتراب عن الفكرة الاسلامية والعروبة معاً، ووجد تعبيره السياسي في فكرة الكيان المسيحي المستقل. وفي الواقع، لم يكن من حل آخر للمأزق المسيحي سوى الهجرة (أو التحول الى الاسلام)[96]. قبل 1914 دافعت الطائفة المسيحية عن نفسها، كمبدأ سياسي، بالحديث عن الحقوق التاريخية والمبادئ الطائفية، وبعد الحرب ارتكزت على واقع سياسي تمثل في لبنان الكبير وعارضت الفكرة الاسلامية والقوميتين السورية والعربية من موقع متساو[97].

  • موقف المسلمين العلمانيين

اعتبر العرب العثمانيون القومية العربية قبل الحرب العالمية الأولى مؤامرة «تهدف الى تدمير الدولة العثمانية وانهاء الخلافة». ومع نشوب الحرب شرع الموقف ينتقل الى النقيض. تسلم المسلمون العلمانيون الشباب الذين كانوا وراء أكثر الصيغ جذرية في مؤتمر باريس دفة الاندفاعة القومية. فانهم كانوا، عكس الكبار الذين اتسموا بالحذر والتوفيقية، مشتاقين لاتخاذ موقف قومي كامل. كان أبرز الناطقين بلسان هذه المجموعة العلمانية عبد الغني العريسي، طالب الحقوق اللبناني اللامع في باريس. لخص العريسي الموقف القومي بالكلمات الآتية:

«تتساءلون عن ماهية هذا الحق لجماعة الأمة العربية فبياناً لهذا الحق أقول: أول حق لجماعة الشعوب حق الجنسية[98].

«آلينا على أنفسنا أن نحافظ في هذه المملكة على مكانتنا، على جنسيتا، على مساواتنا، فلا أرض بعض اليوم تستعمر ولا أمة تسخر فإنما نحن الرعاة لا الرعية».

من هنا ازداد امكان الاحتفاظ بموقف توفيقي صعوبة. اذ اعتبر التوكيد القومي على الذات أن الهوية الحقيقية تأتي قبل الارتباط الديني أو السياسي، وهذا حصل عشية الحرب العالمية الأولى على تأييد جذري صريح عبرت عنه الفقرة الآتية:

«نحن عرب قبل كل شيء. المسلمون عرب والمسيحيون عرب. لكننا عرب قبل أن نكون مسلمين أو مسيحيين. لقد تركنا الدين والصلاة في المساجد والكنائس. اذا كنا عرباً قبل أن نكون مسلمين أو مسيحيين، فهل يكون من المفاجئ أن نكون عرباً قبل أن نكون عثمانيين».

عبر هذا الاتجاه العروبي عن نفسه في ثلاثة أشكال تنظيمية: «النادي الأدبي»، «الجمعية الأدبية والاجتماعية»، و «الجمعية السرية» أو الخلية السرية[99].

تعود المسلمون العلمانيون الذين ترعرعوا في بيئة عثمانية، أن يعايشوا الأضداد. وعبر الواقع عن نفسه بالمظاهر وأمست الكلمات وليس المعاني بضاعة العصر، وصار الهدف في الحياة العامة احراز وظيفة رسمية[100].

الفصل الثامن: المثقفون العرب والغرب

  • القيم التقليدية والعلم الحديث

لم تكن اليقظة العربية التي سعت الى احراز الانبعاث الثقافي والى التحديث، قادرة على خلق التوازن أو على رسم الحدود الدقيقة التي استطاع اليابانيون رسمها، أي أنها لم تستطع بغية المحافظة على القيم التقليدية وتبني الوسائل العلمية، أن تتجنب التناقضات المتأصلة في هذا النمط من المسعى، وهكذا في النهاية فشلت هي في تحقيق التأليف الذي كان أساس انتصار أوروبا العظيم.

كانت المهمة الرئيسية للمسلمين المصلحين، كذلك للعديد من المسلمين[101] العلمانيين، المحافظة على القيم الاسلامية واعتبارها أساساً لحركة اصلاحية.

لكن الحقيقة الصارخة أن الفكرة الاصلاحية في الاسلام فشلت في أن تصبح نقطة التأقطب للحركة الاصلاحية ككل، بل بالعكس، أصبحت موضع معارضة العناصر المجددة على الطريقة الغربية والعناصر العلمانية. فتحولت جهودها، عبر التغيير المتزايد، الى مواقف عصموية جامدة. وبالتالي فقدت القيم التقليدية صلتها بالواقع وطمست.

فلم تحفظ القيم التقليدية، ولم تكتسب العلوم الغربية. وأثبتت التجربة العامة في مجال الاستعارة الثقافية، أن شيئين من الممكن أن ينقلا في شكل كامل: البضائع الجاهزة والوسيلة الفنية لصنعها. وما ليس ممكناً نقله (اذ يجب امتصاصه وتنميته على مستوى أرقى من مستوى الاستعارة) هو العناصر المكونة للروح العلمية- الاسلوب العقلاني، الملاحظة التحليلية، الاجراءات المضبوطة، النقد، الخيال الواقعي، وتصحيح الذات.

ان عملية اكتساب هذه الروح تطلب علمنة منظمة للمعرفة، وهذا هو الشرط المسبق للفكر العلمي[102].

  • نهاية المرحلة التكوينية

جلبت الحرب العالمية الأولى معها نهاية المرحلة التكوينية الأولى للنهضة. وجلبت في الوقت ذاته، بداية تحولين جذريين. اذ وقع تغير جذري في الأهمية النسبية للمثقفين العرب في فئاتهم الرئيسية الثلاث. ومن ناحية ثانية، انتقل مركز الاهتمام، من المجالات الدينية والفكرية الى المجال السياسي وبالتالي ما عادت أوروبا بلد الحضارة الغربية، بل الاستعمار الغربي[103].

كذلك تعرض دور المثقفين المسيحيين ومكانتهم لتغيير بارز بعد الحرب العالمية الأولى. فرحب المسيحيون بسقوط الامبراطورية العثمانية باعتباره نهاية «التخلف والاضطهاد» ورحبوا بانتصار الحلفاء باعتباره مطلع التحرر.

فانسحب المثقفون المسيحيون، تدريجاً، من معترك الاندماج في الحياة العربية السياسية والفكرية. وسعى لبنان، على الصعيد السياسي، الى بلورة موقف «محايد» غير ملتزم، وعلى الصعيد الثقافي، سعى الى تنمية هوية لبنانية منفصلة تستند الى صوفية لبنانية مسيحية. وفي مصر، حيث أدى المثقفون المسيحيون أكثر أدوارهم أهمية ابان النهضة التكوينية، تضاءلت أهمية المثقفين المسيحيين. فما عادت القاهرة مركز النشاط الأدبي والفكري المتقد. وانتقل المركز في أوائل العشرينات الى نيويورك حيث شكل بعض أبرز الكتاب المسيحيين في فترة ما بين الحربين، «الرابطة القلمية» وأنتجوا بعض أكثر الأعمال الأدبية العربية أهمية في النصف الأول من القرن العشرين. واحتلت بيروت مكانة جديدة كمركز أدبي وثقافي بنشوء مدرسة[104]  فكرية لبنانية في كل معنى الكلمة.

  • الامبريالية الغربية والتحديث العربي

ما أن جاءت سنة 1918 حتى كانت الامبريالية الغربية (خاصة البريطانية والفرنسية) وطدت أقدامها في العالم العربي كله عدا العربية السعودية واليمن. ليس هناك، من وجهة الشعوب المستعمرة (بفتح الميم) شيء اسمه امبريالية جيدة. فمهما يكن شكل الاستعمار سواء مباشر او امبريالية سياسية او اقتصادية أو سيطرة غير مباشرة، فانه دائماَ مستغل (بكسر الغين) ومشوه للبلد المستعمر (بفتح الميم). ومهما يكن الخير الذي جنته مصر والهلال الخصيب (أو أي جزء في العالم العربي) من الحكم البريطاني أو الفرنسي، فان ذلك كان دوماً نتيجة هامشية لعملية نفذت لخدمة المصالح البريطانية والفرنسية. فلم تكن الامبريالية الغربية، برغم بعض الجوانب الايجابية، قوة محبوبة في العالم العربي. بالعكس كانت هي قوة قهر اجتماعي، واستغلال اقتصادي.

فان المشروعات العصرية التي بدأتها الامبريالية- الطرق، السكة الحديد، تسهيلات المرافئ، المؤسسات الإدارية والتعليمية والصحية والزراعية… لم تكن لتنفذ لولا أنها تخدم المصالح الاقتصادية والسياسية والاستراتيجية للاستعمار. كانت النظرة السائدة الى أن ما هو صالح لأوروبا، صالح بالضرورة للسكان المحليين الخاضعين لسيطرتها. لكن الامبريالية، تماماً كالنظام الاقتصادي الذي ولدها، تطورت وفق ظروفها الداخلية الخاصة، وغاضت في تناقضاتها[105] الداخلية، وحملت في طياتها بذور انحلالها. وقبل انحلالها الأخير في الخمسينات والستينات، تركت على المجتمع العربي المعاصر آثاراً لا تمحى.

  • كانت الامبريالية الغربية، في المقام الأول، مسؤولة مباشرة عن تجزئة العالم العربي سياسياً في القرن العشرين، وكان أبرز مثال «بلقنة» الهلال الخصيب بين بريطانيا وفرنسا.
  • ساهمت السيطرة الاستعمارية والامبريالية في تجزئة الحركة القومية حركات منفصلة مستقلة تعمل في كيانات سياسية متباينة أوجدتها الدول الغربية. فتحولت القومية العربية الى حركات عدة محلية فرعية منهمكة في صراعات سلبية ضد الحكم الأجنبي.
  • كانت الامبريالية الغربية مضطرة. من طبيعتها الى تنفيذ سياسات واتخاذ مواقف معادية لبعض أشكال التغيير الاجتماعي.
  • ساهمت الامبريالية الغربية، على الصعيد الاجتماعي، في تأخير التحديث بسبب سياستها القائمة على الاضطهاد الاجتماعي[106].
  • كانت السيطرة الامبريالية، من الناحية الاقتصادية، مسؤولة عن أسر نمو الرأسمال الفردي الوطني في العالم العربي. أي أنها كانت تحول الرأسمال الوطني في العالم العربي. أي أنها كانت تحول الرأسمال الوطني والطبقة التي كانت ستستفيد منه، الى مهمات اخرى أكثر انسجاماً مع المصالح الغربية الاقتصادية والاجتماعية.
  • أما التأثير النفسي للإمبريالية والاستعمار الغربيين. وخاصة على الجيل الجديد، فكان هائلاً ويفوق كل حساب. حاولت الامبريالية، بسيطرتها على التعليم، أن تؤثر في التوجه السياسي والثقافي للجيل الجديد. وأدت السيطرة الغربية، على مستوى أعم، الى شعور بالنقص والكبت عبر عن نفسه بالعدمية واليأس. وكان من الحكم الغربي، المدعوم بتأييد الجيل القديم الضمني أو الفعلي، أن تعمقت الهوة بين الأجيال، وخلق جيل شاب متمرد مهان. وكان هذا هو الجيل الذي ثار ليس فقط ضد أوروبا بل أيضاً ضد «الثقافة الغربية». وعبر الشاعر ادونيس عن هذا الرفض الذي مثلته هذه الثورة بقوله: «الحقيقة أننا لم نعد نصدق أوروبا، بل لا سياسياً ولا تفكيراً. فالسوس لا ينخر السياسة الأوروبية فحسب، انما ينخر كذلك الفكر الأوروبي والروح الأوروبية، والخلق الأوروبي. ان أوروبا لم تعد، بالنسبة الينا، نحن هذه الشعوب «المتخلفة»، «الجاهلة»، «الفقيرة» أكثر من جيفة متمدنة»[107].

[1] – هشام شرابي، المثقفون العرب والغرب، الطبعة الثانية 1978، دار النهار للنشر بيروت 1981، ص: 15.

– نفسه، ص: 15[2]

[3] – هشام شرابي، المثقفون العرب والغرب ، ص: 15- 16.

[4] – نفسه، ص: 16.

[5] – هشام شرابي، المثقفون العرب والغرب ، ص: 17.

[6] – نفسه، ص: 18.

[7] – هشام شرابي، المثقفون العرب والغرب، ص: 19.

[8] – هشام شرابي، المثقفون العرب والغرب، ص: 20.

[9] – نفسه، ص: 21.

[10] – هشام شرابي، المثقفون العرب والغرب، ص: 22.

[11] – هشام شرابي، المثقفون العرب والغرب، ص: 23.

[12] – هشام شرابي، المثقفون العرب والغرب، ص: 24.

[13] – نفسه، ص: 25.

[14] – نفسه، ص: 27.

[15] – هشام شرابي، المثقفون العرب والغرب، ص: 28.

[16] – نفسه، ص: 29.

[17] – نفسه، ص: 30.

[18] – هشام شرابي، المثقفون العرب والغرب، ص: 31.

[19] – نفسه، ص: 34.

[20] – نفسه، ص: 35.

[21] – هشام شرابي، المثقفون العرب والغرب، ص: 36.

[22] – نفسه، ص: 37.

[23] – نفسه، ص: 38.

[24] – هشام شرابي، المثقفون العرب والغرب، ص: 39.

[25] – نفسه، ص: 40.

[26] – هشام شرابي، المثقفون العرب والغرب، ص: 41.

[27] – نفسه، ص: 42.

[28] – نفسه، ص: 43.

[29] – نفسه، ص: 44.

[30] – هشام شرابي، المثقفون العرب والغرب، ص: 45.

[31] – نفسه، ص: 47.

[32] – نفسه، ص: 48.

[33] – نفسه، ص: 49.

[34] – هشام شرابي، المثقفون العرب والغرب، ص: 50.

[35] – نفسه، ص: 51.

[36] – نفسه، ص: 52.

[37] – هشام شرابي، المثقفون العرب والغرب، ص: 53.

[38] – نفسه، ص: 54.

[39] – هشام شرابي، المثقفون العرب والغرب، ص: 55.

[40] – نفسه، ص: 57.

[41] – هشام شرابي، المثقفون العرب والغرب، ص: 57.

[42] – نفسه، ص: 59.

[43] – هشام شرابي، المثقفون العرب والغرب، ص: 60.

[44] – نفسه، ص: 61.

[45] – هشام شرابي، المثقفون العرب والغرب، ص: 62.

[46] – نفسه، ص: 64.

[47] – هشام شرابي، المثقفون العرب والغرب، ص: 65.

[48] – نفسه، ص: 67.

[49] – نفسه، ص: 68.

[50] – هشام شرابي، المثقفون العرب والغرب، ص: 69.

[51] – نفسه، ص: 70.

[52] – هشام شرابي، المثقفون العرب والغرب، ص: 72.

[53] – نفسه، ص: 73.

[54] – هشام شرابي، المثقفون العرب والغرب، ص: 74.

[55] – نفسه، ص: 75.

[56] – نفسه، ص: 76.

[57] – نفسه، ص: 77.

[58] – هشام شرابي، المثقفون العرب والغرب، ص: 80.

[59] – نفسه، ص: 81.

[60] هشام شرابي، المثقفون العرب والغرب، ص: 81.

[61] – نفسه، ص: 83.

[62] – هشام شرابي، المثقفون العرب والغرب، ص: 84.

[63] – هشام شرابي، المثقفون العرب والغرب، ص: 85.

[64] – نفسه، ص: 86.

[65] – هشام شرابي، المثقفون العرب والغرب، ص: 87.

[66] – نفسه، ص: 90.

[67] – هشام شرابي، المثقفون العرب والغرب، ص: 91.

[68] – نفسه، ص: 92.

[69] – فسه، ص: 93.

[70] – هشام شرابي، المثقفون العرب والغرب، ص: 95.

[71] – نفسه، ص: 96.

[72] – هشام شرابي، المثقفون العرب والغرب، ص: 98.

[73] – نفسه، ص: 99.

[74] – هشام شرابي، المثقفون العرب والغرب، ص: 100.

[75] – نفسه، ص: 101.

[76] – نفسه، ص: 102.

[77] – هشام شرابي، المثقفون العرب والغرب، ص: 103.

[78] – نفسه، ص: 103.

[79] – نفسه، ص: 104.

[80] – هشام شرابي، المثقفون العرب والغرب، ص: 105.

[81] – فسه، ص: 106.

[82] – هشام شرابي، المثقفون العرب والغرب، ص: 108.

[83] – هشام شرابي، المثقفون العرب والغرب، ص: 109.

[84] – نفسه، ص: 111.

[85] – هشام شرابي، المثقفون العرب والغرب، ص: 112.

[86] – نفسه، ص: 113.

[87] – نفسه، ص: 114.

[88] – هشام شرابي، المثقفون العرب والغرب، ص: 115.

[89] – نفسه، ص: 116.

[90] – نفسه، ص: 117.

[91] – هشام شرابي، المثقفون العرب والغرب، ص: 118.

[92] – نفسه، ص: 120.

[93] – نفسه، ص: 121.

[94] – نفسه، ص: 122.

[95] – نفسه، ص: 123.

[96] – هشام شرابي، المثقفون العرب والغرب، ص: 124.

[97] – نفسه، ص: 125.

[98] – نفسه، ص: 128.

[99] – هشام شرابي، المثقفون العرب والغرب، ص: 129.

[100] – نفسه، ص: 130.

[101] – نفسه، ص: 131.

[102] – نفسه، ص: 132.

[103] – هشام شرابي، المثقفون العرب والغرب ، ص: 133.

[104] – نفسه، ص: 134.

[105] – هشام شرابي، المثقفون العرب والغرب، ص: 135.

[106] – نفسه، ص: 136.

[107] – نفسه، ص: 137.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.