منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

قراءة في ديوان مِن الأقصى إلى الأقصى

اشترك في النشرة البريدية

قراءة في ديوان مِن الأقصى إلى الأقصى للأستاذ الشاعر منير ركراكي حفظه الله

أما بعد، 

يُشرّفني ويسعدني أن أُسهِم بقراءة في ديوان: “من الأقصى إلى الأقصى” في هذا الحفل البهيج؛ حفل توقيع ديوان ليس كالدواوين، بما يحمله مِن همّ تغييري وبشريات بالفتح المبين، ديوان يجمع بين الأقصَيَيْن تاريخيا وجغرافيا، ولشاعر ليس كباقي الشعراء؛ شَرِب مِن معين الصحبة حتى ارتوى، وتَهمّم بـِهَمّ الأُمّة حتى اكتوى، وفي كل أشعاره يُصلّي ويسلّم على مَن لا ينطق عن الهوى.

لا شكّ أنّ الأستاذ مُنير ركراكي حفظه الله تفاعَلَتْ مجموعة مِن العوامل الذاتية والموضوعية في تشكيل شخصيّته؛ منها ثقافته الواسعة حيث كان ينكبّ على قراءة الدّواوين الشّعرية قديمها وحديثها ويتتبّع آراء النقاد والدارسين، فضلا عن حِسّه المرهف وذوقه الرفيع ولغته الرصينة، وهذا ما حدا بالأستاذ عبد السلام ياسين رحمه الله أن يأمره بقرض الشعر وإن قال: “ما أنا بشاعر” فقد لبى النداء واستجاب للأمر فورا؛ حَبْواً فمشيا فهرولة. وأذكر أنّي حضَرْتُ معه غير ما مرّة في اجتماعات أساتذة تعليم مادّة اللغة العربية فما يكاد ينتهي الاجتماع حتى ينظمَ كلّ ما راج في قصيدة رائعة ممتعة تزيح ما قد يتخلّل الاجتماع أحيانا من رتابة وكآبة ومَلَل، فكنّا في كل مَرّة نتطلع بشَغَف إلى نهاية الحِصّة ليشنّف أسماعنا ببديع القول وجميل النّظم.

وُكِلَ إليّ أن أُعِدّ قراءة في هذا الديوان، فليعْذُر أستاذي تقصيري، وليتجاوز عن تقتيري، فما تجاسَرْت على ذلك إلا لِعِلمي بسَعَة صدره، وجميل صبره، وصفاء مخبَرِه، ووفاء مِني للمحبة والتقدير الذي أُكِنُّه له.

أقِفُ بداية مع العنوان الذي كان شاعرنا مُوفَّقاً في اختياره إلى حدّ بعيد، فهو يُفصِح عن سِرّية النّص، ويختزل ويوجز كلّ معاني الديوان: ” مِن الأقصى إلى الأقصى “.

مِنَ: حرف جرّ وهي تعني هنا ابتداء الغاية.

الأقصى الأولى:يقصد بها المغرب الأقصى.

إلى: حرف جر ويعني هنا انتهاء الغاية المكانية.

الأقصى الثانية: يقصد بها المسجد الأقصى.

والعنوان بأسره خبر لمبتدأ محذوف تقديره ديوان أو رحلة.

إذن مِن المغرب الأقصى المبتدأ إلى المسجد الأقصى المنتهى

مِن الأقصى القطر إلى الأقصى الأمّة

مِن موطن الأولياء إلى موطن الأنبياء

مِن الأقسى إلى الأقسى كما عبّر الأستاذ منير

المزيد من المشاركات
1 من 7

أي أقصى ما يقاسيه المسلم في الديار الفلسطينية

        هكذا يجمع الأستاذ منير في ديوانه شَـمْل الأمّة، ويلُمّ شعثها المشتّت والموزعّ، ويجعل همّنا همّا واحدا، ومصيرنا مصيرا واحدا من تازة إلى غزة العزة.

يلي العنوان إهداء؛ وفي الإهداء وفاء، يهديه بداية إلى الرسول الأكرم الذي أَسرى به ربّ العزة ليلا إلى المسجد الأقصى، ثم يهديه إلى صلاح الدين الأيوبي رمز تحرير المقدسات، ثمّ إلى المرشد “عبد السلام ياسين” رحمه الله الذي ربّى وتعهّد، وإلى الرّجل الرّشيد الشهيد “أحمد ياسين” رحمه الله، وإلى كلّ المرابطين في المشرق والمغرب.

يعقب هذا الإهداء توطئة يهمس فيها إلينا بسِرّ شاعريته، ويكشف اللّثام عمّن كان سِراجا وهّاجا وضوءا مُنيرا في طريقه يوجّهه برفق الحكماء ويرشده إلى فحول المبدعين من الشعراء من أمثال “حسان بن ثابث” من الأقدمين، و”أحمد شوقي” من المتأخرين.

بعدها ينقل إلينا الرسالة التي خطّها له المرشد عبد السلام ياسين بيمينه وهو وراء القضبان ليكون شِعره شعر الرسالة.

ثم يقدّم الديوان شارحا وموضحا ما بين الأقصَيَيْن مِن اتّفاق واختلاف لا يزيد الاتفاق إلا قوّة ومَتانة.

ويختم ديوانه بقوله: الشّعر رسالة ورحلة ؛

رسالة: بلّغها ويبلّغها في قالب فنّي ميزته حسن البيان. ورحلة من الأقصى إلى الأقصى، رحلة إيمان وإحسان، رحلة رجال.

رحلة أمل لايخبو ولا يعرف الـمَلَل.

بين دفَّتَيْ التّقديم والخاتمة يقع الديوان في ثلاثين قصيدة مُعَنْوَنة ومُوطّئاً لها بمناسبة القول وسبب النظم.

ولا غرو أن نجد أول قصيدة في الديوان بعنوان من الأقصى إلى الأقصى، والتي تشرّف الديوان بعنوانها، فكانت قائدة صويحباتها من القصائد، ليختم الديوان بقصيدة “باب المغاربة” والتي تُبرهِن بالواضح وبالملموس على الحبل المتين بين الأقصيَيْن الذي فتحه المغاربة على عهد صلاح الدين الأيوبي وفي ثنايا الديوان قصائد تُعبّر عن قضايا الأمّة وواقع عربي إسلامي مكلوم ومأزوم، لا يخلو مِن ومضات الأمل، بل اليقين في الفتح والنصر.

أماعن الملامح الفنية للديوان، فالشاعر متمسك بالبحور الشعرية الخليلية وفاء منه للشعر العربي الأصيل.

وأكثر ما يميّز الأستاذ منير ألوان البديع التي تزخر بها قصائده؛ شأنه في ذلك شأن فطاحل الشعراء مع تدفق روحه في شعره وإذا نظرنا في لغته فهي لغة فصيحة بليغة رصينة بعيدة عن الوحشي والغريب.

وفي الختام شاعرنا يحتاج إلى أكثر من وقفة فهو يستحق منا المواكبة والتتبع والحفظ والتحفيظ والدرس والتدريس، فهو مدرسة “الشعر رسالة”، يعبّر عن واقع الأمّة المكلوم والمأزوم، يعبّر عن محنها ومنحها، عن آلامها وآمالها، بل عن يقينها في النصر والفتح المبين، فهو يوقّع في قلوب المتلقين قبل أن يوقّع في الكتب فوق الرفوف.

أقول بحق الأستاذ منير ليس شاعر جماعة معيّنة فحسب، بل هو شاعر الأمّة.

اشترك في النشرة البريدية
سجل هنا للحصول على آخر الأخبار والتحديثات التي ستصل مباشرة إلى صندوق الوارد الخاص بك.
يمكنك إلغاء الإشتراك في أي وقت

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.