منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

قراءة في كتاب “ابن العربي الحاتمي مطارحات نقدية على البساطات الأكبرية”

0

قراءة في كتاب ابن العربي الحاتمي مطارحات نقدية على البساطات الأكبرية لصاحبه د. عبد الله الجباري

تمهيد:

شهد العالم الإسلامي منذ نشأته إلى اليوم عدد كبير من الشخصيات الفكرية والعلمية التي كان لها دور مهم في تحقيق العلوم المعارف ونشرها بين الأمم، والحضارة الإسلامية كانت ولازالت محور الربط بين الحضارات السابقة لها والتي جاءت بعدها، حيث حافظ المسلمون على التراث المعرفي الذي وردهم من الحضارات السابقة عنهم وتفاعلوا معه تفاعلا ايجابيا من خلال تطويره وتنقيحه بما يوافق معتقداتهم، ولم يجد المسلمون حرجا في الأخذ عن غيرهم في شتى مجالات المعرفية العقلية، فمعتقدهم في ذلك الأثر الوارد عن أبي هريرة ” الحكمة ضالة المؤمن فحيث وجدها فهو أحق بها”.

ومن أبرز شخصيات العالم الإسلامي في القرن السادس الهجري نجد ابن العربي الحاتمي لطائي الأندلسي -صاحب الفتوحات المكية وفصوص الحكم وعنقاء مغرب وغيرها –الذي اختلف الناس حوله اختلافا واضحا بينا، فجعله بعضهم خاتم الولاية والكبريت الأحمر الذي يعز طلبه، بينما ذهب آخرون إلى تفسيقه وتكفيره لعدم استساغتهم كثير من أفكاره وأراءه.

في هذا السياق المتضارب حول شخصية ابن العربي وما جاء به من أفكار يأتي كتاب ” ابن العربي الحاتمي مطارحات نقدية على البساطات الأكبرية” لصاحبه الدكتور عبد الله الجباري.

المزيد من المشاركات
1 من 20

يتضمن الكتاب فصولا ثلاثة، عدا الفصل التمهيدي والخاتمة، وقد حاول الكاتب فيه تقديم صورة تصحيحية لبعض الأقوال والأفكار المنسوبة إلى الشيخ الأكبر، ومناقشتها انطلاقا مما ورد في متن ابن العربي نفسه، على اعتبار أن لغة ابن العربي لغة صوفية موغلة في الألغاز والرمزية، وهي لغة محكمة فلا يمكن فهمها إلا بإرجاعها إلى مشابهها في المتن الأكبري نفسه.

 ابن العربي الحاتمي: الآراء والافكار

 من هو ابن العربي؟

يقدم لنا الكاتب من خلال الفصل التمهيدي الذي وضعه تعريفا موجزا عن شخصية ابن العربي، عمد فيه إلى بيان اسمه ومكان ولادته، كما رسم خريطة تنقلات الشيخ الأكبر وأماكن استقراره انطلاقا مما ذكره الشيخ في كتبه، فابن العربي وإن كان من مواليد الأندلس إلا أنه عاش متنقلا بين المدن والأمصار، انتقل من موطن ولادته مرسيه إلى اشبيلية الجزيرة الخضراء وفاس والأزهر وتونس والحجاز وغيرها؛ والملاحظ في هذا السرد للأماكن التي زارها ابن العربي أن الكاتب لا يذكر المواطن التي رزها عارية عما يلقاه الشيخ من أحوال في رحلته أو ما يؤلفه من كتب فيها، وإنما يراعي بيان ما يؤلفه أو يدرسه الشيخ الأكبر في رحلاته على شيوخه ومن نزل عندهم.

ولقد شمل هذا الفصل أيضا ذكر جملة من المشايخ ابن العربي في التصوف ممن كان لهم الأثر الكبير في شخصيته “ومنهم والده علي بن محمد بن العربي وعمه عبد الله بن محمد بن العربي، ومن غير أهله أبو محمد الشكاز وفاطمة بنت ابن المثنى وغيرهم كثير”[1]. وبين الجباري المكانة الاجتماعية التي حضي بها ابن العربي في حياته من خلال سرد مجموعة من الموافق والأحداث التي أرودها الشيخ نفسه في كتبه فيقول: ” وكان الشيخ الأكبر ذا مكانة علية، ومرتبة سنية، يحظى بالتوقير والتقدير من الصغير والكبير والعامي والعالم والأمير”[2].

وختم هذا الفصل بتحقيق اسم الشيخ الاكبر وأنه معرف أي ” ابن العربي ” وليس كما شاع نكرة ” ابن عربي “.

آراء ابن العربي في العقيدة والتصوف إيضاح وبيان.

يناقش الكاتب في الفصل الأول من الكتاب وعبر مبحثين مجموعة من الاشكالات العقدية والصوفية التي تظهر للقارئ في تراث ابن العربي، سواء مما قاله أو مما نسب إليه، من قبيل قول بالاتحاد والحلول وكذلك قوله بوحدة الأديان ومناقشته لأسماء وصفات الحق سبحانه.

يعالج الدكتور عبد الله الجباري خلال المبحث الأول من هذا الفصل مجموعة من الاشكالات العقدية التي يحتويها المتن الأكبري، ونوردها هنا باختصار كما أوردها الكاتب:

أولا: الانتساب إلى أهل السنة

يعتبر الكاتب عبد الله الجباري أن عقيدة ابن العربي “مست وحشر فيها من المثالب ما لا يعد فاتهم بعقائد كفرية من قبيل نسبته إلى القول بالحلول والاتحاد، وبسبب هذا القول رمي ابن العربي بالبدعة والكفر”[3]، والواقع أن ابن العربي منتسب إلى أهل السنة حسب ما سطره بقلمه وقال بلسانه فقد كان داعيا إلى جماعتهم مادحا لهم، فقال ” أهل السنة أهل الحق”، وقال ” فالمقلد إذا وجد شبهة في نفسه، هرب إلى الجماعة، أهل السنة”

في مقابل هذا الانتساب لأهل السنة كان ابن العربي منتقدا ومناظرا للمعتزلة داعيا إياهم إلى العقيدة السوية السليمة، متوسلا بمنهج القرآني، الداعي إلى المجادلة بالتي هي احسن، وهذا الانتقاد الذي يوجهه ابن العربي للمعتزلة “لا يعني أنه كان يرفض جميع مقولاتهم ويتبنى تنقيدات خصومهم من استثناء، بل كان يتعامل معهم بالإنصاف، فما بدا له خطأ خطأهم فيه وما بدا له صواب ناصرهم فيه”.[4]

إن الانتساب إلى أهل السنة ومدحهم من طرف ابن العربي قد يوهم للبعض أنه منتسب إلى الأشاعرة، لأنهم اشتهروا بهذا اللقب وعرفوا به والحقيقة أنه أوسع منهم وليس مقصورا عليهم، وهذا ما يلتمس في التراث الأكبري، فابن العربي انتقد الأشاعرة في بعض توجهاتهم وأقوالهم، مثل رأيهم في الصفات وقولهم أنها معنى زائدا على الذات.

ويبرز من خلال ما أورده الكاتب أن ابن العربي رغم مخالفته لغيره من الفرق كالمعتزلة والأشعرية إلا “أنه لم ينعتهم بسيء النعوت وقبيح الأوصاف تبديعا وتفسيقا، بل كان يعذرهم وبلاطفهم بالعبارة”[5].

 ثانيا: الأسماء الحسنى

المسألة الثانية التي يناقشها الكاتب في هذا المبحث هي مسألة الأسماء الحسنى واعتناء علماء المسلمين بها ذكرا وإحصاء، وشرحا وإفهاما وتخلقا وتعلقا، وابن العربي من هؤلاء فقد “ألف رسالة مختصرة في شرح الاسماء الحسنى واجتهد في شرحها على ثلاثة مقامات: التعلق والتحقق والتخلق، قال في مقدمتها:” وللعبد بأسماء الحق تعالى تعلق وتحقق ونخلق: فالتعلق افتقارك إليها مطلقا، ومن حيث ما هي دالة على الذات، والتحقق معرفة معانيها بالنسبة إليه سبحانه، وبالنسبة إليك، والتخلق أن تنسب إليك على ما يليق بك، كما تنسب إليه سبحانه على ما يليق به“”[6].

فجميع أسمائه سبحانه يمكن التخلق بها إلا اسم الله عند من يجرى مجرى العلمية، فيقول إنه للتعلق خاصة، إذا كان مدلوله الذات.”

لم يكتف ابن العربي بهذه الرسالة، بل تناول الأسماء الحسنى في مصنفاته الأخرى كالفتوحات المكية الثي نثر فيها شروحا وتدقيقات وإشراقات حول معانيها ودلالتها.

من خلال هذا الاعتناء بالأسماء الحسنى يتساءل الكاتب عن علاقة الذات بالأسماء وكم عددها وبماذا يثبتها ابن العربي؟.

يصرح الكاتب أن ابن العربي يميز بين الذات الإلهية والاسماء الحسنى فالذات واحدة والأسماء متعددة ومختلفة، ف” الله والرحمن اسمان للذات” والأسماء المتعددة ذات دلالات مختلفة وليست متطابقة المعنى، لأن ” كل اسم واحد مدلوله ليس مدلول عين الاسم الآخر، وإن كان المسمى بالكل واحدا”[7].

أما عددها فيرى الدكتور الجباري أن ابن العربي ” تعامل مع الأسماء الإلهية بنوع من المرونة، حيث تبني رأي الجمهور الذين التزموا إلا يذكروا لله اسما إلا اعتمادا عل الثابت فقال ” الذي عليه أهل الله تعالى في أسمائه سبحانه، هي ما سمى به نفسه في كتبه، أو على ألسنة رسله”[8]. وغاية مقصد الالتزام بالثابت من الأسماء كونه حسب ابن العربي يمنع الناس من الشطح في هذا المجال، لأنه نقص بالإنسان أولا وجهل بالله ثانيا.

أما عن سؤاله حول كيفية اثبات الاسماء عند ابن العربي يجيب الكاتب من خلال استقراءه لتراث ابن العربي أنه تثبت عنده عن طريق ” الصريح في القرآن والسنة، وكذلك بالورود الغير الصريح، وعن طريق الكشف.”[9]

فهذه المرونة التي تعامل بها ابن العربي الحاتمي مع الأسماء الإلهية وما تثبت به، وأخده بغير الصريح من القرآن والسنة والكشف الإلهي، جعلته يقسم الأسماء إلى أربعة أقسام:

  • أسماء الذات الله والرب والظاهر والواحد والأول والأخر وغيرها.
  • وأسماء الضمائر: وهي الأسماء الدالة على الذات وليست مشتقة مثل: هو ” هو الله الذي لا إله إلى هو ” وكذلك تاء المخاطبة، وأنت وإنا ونحن.
  • أسماء الصفات وأسماء الأفعال.

ومن نتائج هذه المرونة امتياز ابن العربي بقبول اسم رمضان ضمن أسماء الله الحسنى فقال ” رمضان اسم من أسماء الله تعالى” وقال ” وقيام رمضان، لكون رمضان اسم من أسماء الله تعالى”.

ثالثا: الصفات بين التفويض والتأويل والكشف

يخلص الكاتب في هذه المسألة إلى أن مقاربة الصفات الإلهية حسب ابن العربي منحصرة في ثلاثة طرائق:

” الأولي: الإيمان المقترن بالنظر العقلي وهم المؤولون الذين عدلوا بألفاظ الصفات ” عن الوجه الذي لا يليق بالله تعالى في النظر العقلي” إلى وجه من وجوه التنزيه العقلي مما يجوز أن يتصف به الله تعالى في النظر العقلي دون أن يقدح في ألوهيته”.

الثانية: الإيمان دون بحث أو نظر وهؤلاء هم المفوضون وهم العلماء الذين لم يقعوا في التشبيه والتجسيم وصرفوا علم الصفات الواردة إلى الله تعالى، وقنعوا ” بمجرد الإيمان بما يعلمه في هذه الألفاظ والحروف، من غيلا تأويل ولا صرف إلى وجه من وجوه التنزيه”

الثالثة: الإيمان المقترن برياضة النفس وتزكيتها، وإليها ينتسب ابن العربي قال عنها ” وطائفة من المنزهة أيضا وهي العالية، وهم من أصحابنا” تميزوا عن غيرهم بضرورة سلوك طريقة أخرى في فهم آيات الصفات، ذلك بأن يفرغوا قلوبهم من النظر الفكري، وأن يجلسوا مع الحق تعالى بالذكر، على بساط الأدب والمراقبة والحضور والتهيؤ لقبول الواردات منه تعالى، فيتولى الحق تعليمهم على الكشف استنادا على ” واتقوا الله ويعلمكم الله” وغيرها من الآيات.”[10]

يرتكز ابن العربي في هذه الطريقة على مبدأ التنزيه ونفي التشبيه في مقاربة آيات الصفات دون أن يحيد عنه قيد أنملة، وله في ذلك نصوص عديدة منها:

ماله حد يعينه وهو المطلوب والصمد

فجميع الخلق يطلبه ثم لم يظفر به أحد

أحد ما مثله أحد بكامل النعت منفرد.

ونظرا لتشبث ابن العربي بالتنزيه فقد صان نفسه من الوقوع في التشبيه والتجسيم، بخلاف كثير من العلماء. ورغم إعلانه الانتساب إلى الطريقة الثالثة، إلا أننا نجد في المتن الأكبري آراء متوافقة من الطريقتين الأولى والثانية، ولا غرابة فيذلك مادام أن “الكل موفقون بحمد الله”.[11]

رابعا: المفاضلة بين الصحابة ورأيه في آل البيت

يناقش الكاتب عبد الله الجباري في هذه النقطة مسألة تفضيل ابن العربي لآل البيت على غيرهم من الصحابة، ويعد الشيخ الأكبر من “الأندلسيين القلائل الذين قالو بأفضلية علي بن أبي طالب على عثمان بن عفان، وتبعا لهذا التفضيل كان كثير الثناء على آل البيت عليهم السلام، معظما لهم مفضلا إياهم في كل شيء، حتى في الهدية، ف” من أهدى هدية لشريف من أهل البيت، أفضل ممن أهدى لغير الشريف أو بره، او أحسن إليه”[12].

ولابن العربي الحاتمي في آل البيت آراء تفرد بها، من ذلك أنهم ” هم المطهرون، بل هم عين الطهارة”. استنباطا من قوله جل وعز: ” إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا”.

ورغم هذا الموقف الاستثنائي تجاه آل البيت عليهم السلام، يصرح الكاتب أن الشيخ الأكبر “لم يكن شيعيا بالمعنى المذهبي، بل كانت له انتقادات قاسية للإمامية، لأنهم خلطوا الحق بالباطل”[13] قي هذه المسألة.

خامسا: الحلول والاتحاد

يحاول الدكتور عبد الله الجباري في هذا الجزء مناقشة فكرة كون ابن العربي من القائلين بالحلول والاتحاد ومن الملوثين بهذه العقيدة الفاسدة، وقد اشتهر هذا القول عند ابن تيمية ومن تأثر به.

يرد الكاتب على هذا الادعاء من خلال رد هذا القول إلى ما دونه ابن العربي في كتبه دون واسطة، حيث يثبت سلامة الشيخ الأكبر من هذا الاعتقاد من خلال إيراد بعض الأقوال والنصوص الدالة على ذلك، فنصوص الشيخ خير مفصح وأفضل ناطق.

وقد أورد الكاتب نص الشيخ الأكبر في عقيدته الذي ينص على أن الله ” تعالى أن تحله الحوادث أو يحلها” وذكر أن الله تعالى هو ” المنزه عن الحلول بمصنوعاته” وكان له موقف لا لبس فيه ولا غموض من معتقدي هذا الاعتقاد الكفري فقال رحمه الله” ما قال بالاتحاد إلا أهل الالحاد” وقرر بما لا يبقى مجالا للشك في عقيدته “أن من قال بالحلول فهو معلول[14].

و الموقف الذي يتباه ابن العربي في هذه المسألة وعبر عنه نثرا، يؤكده في أشعاره نظما فيقول:

وهو المنزه عن كنه الحلول وعن طور العقول، فقد جلت شعائره

وقد برأ ابن العربي من المنسوب إليه كثير من العلماء والمحققين، الذين بينوا أن الحلول والاتحاد مناقض لمذهبه في وحدة الوجود إذ لا يعقل أن يعتقد الرجل في خاصة نفسه عقيدتين متناقضتين.

وإذا تقرر هذا – حسب الكاتب -علم براءة ابن العربي من هذه العقيدة وسبب نسبته إليها ناشئ عن جهل من منتقديه بكثير من الألفاظ الصوفية وتعابيرهم[15].

 سادسا: وحدة الأديان

 نسب كثير من الباحثين إلا ابن العربي القول بوحدة الأديان وأن الخلاص في جميعها من دون فرق ولا تمييز، واستندوا في دعواهم على أبيات شعرية لابن العربي توهم في ظاهرها ما يفيد هذه الدعوى، ومن هذه الأبيات:

عقد الخلائق في الإله عقائدا وأنا اعتقدت جميع ما اعتقدوه.

وكذلك قوله: سر حيث شئت فإن الله تم، وقل ما شئت فإن الواسع الله

ومن أعظم ما استندوا إليه في دعواهم أبياته الشعرية:

لقد صار قلبي قابلا كل صورة فمرعى لغزلان، ودير لرهبان

وبيت لأوثان، وكعبة طائف وألواح توراة ومصحف قرآن

أدين بدين الحب أنى توجهت ركائبه، فالدين ديني وإيماني

وردا لهذه التهمة عن ابن العربي ينطلق الكاتب من التراث النثري لابن العربي لاعتباره الأقرب إلى الوضوح من الشعر ولما فيه من تقريرات واضحات، وعبارات ناصعات.

يقول ابن العربي:” الأبوة قسمان أب روحاني وأب جسماني، فلو كان السعادة تحصل بالأب الجسماني لعسد بها اليهود والنصارى. فالأب الروحاني على التمام هو النبي عليه الصلاة والسلام”. وهذا نص ظاهر جلي،- حسب الكاتب- في أن ابن العربي لا يعد اليهود والنصارى من أهل السعادة، لعدم إيمانهم بالنبي صلى الله عليه وسلم، ولو كان يقول بوحدة الأديان لاعتبر المسلم واليهودي والنصراني سواء في السعادة.

وغير هذا النص يستطرد الكاتب في الاتيان بما يدل على نفي هذا الاتهام عن ابن العربي من خلال ما قرره بيدهم، كالرسالة التي قدمها إلى السلطان كيكاووس صاحب بلاد الروم وقد تضمنت هذه النصيحة أبيات منها:

كبت كتابي والدموع تسيل ومالي إلى ما أرتضيه سبيل

أريد أرى دين النبي محمد يقام ودين المبطلين يزول

فلم أر إلا الزور يعلو وأهله يعزون، والدين القويم ذليل

والقائلون بوحدة الأديان لا يصفون غير المسلمين بالمبطلين وأهل الزور ولا يسمون دين النبي محمد صلى الله عليه وسلم بالدين القويم دون سواه، ولا يتألمون لما أصابه من هوان مقارنة مع دين أخرـ لأن الأديان عندهم سواء كما يدعون.

وإذا تقرر حسب الكاتب “أن موقف ابن العربي من اليهود والنصارى وغيره ليست مسعفة لنسبته إلى القول بوحدة الأديان، وجب علينا قراءة أبياته الشعرية قراءة متوافقة مع فكره، ومتساوقة مع أطروحته”[16].

المبحث الثاني: إشكاليات صوفية في التراث الأكبري

يناقش الكاتب في هذا المبحث مجموعة من المسائل ذات الارتباط بالفكر الصوفي أثارت إشكالات معرفية لدى المتلقي لتراث ابن العربي ومن ذلك قوله بوحد الوجود وقوله في كفر فرعون وعلاقة الشريعة بالحقيقة عنده وغيرها من المسائل.

 أولا: وحدة الوجود عند ابن العربي الحاتمي:

يرى الكاتب أن القول بوحدة الوجود ” اشتهر به جمهور الصوفية ومنهم ابن العربي بمبدأ وحدة الوجود، ونثروا ذلك في مصنفاتهم ونظموها في قصائدهم، وأوردوها في أذكارهم، وانتقدها عليهم غير واحد من العلماء، وبرز في مقدمتهم تقي الدين ابن تيمية رحمه الله، حيث ضمن كتبه كلاما كثيرا عن هذا المبدأ الصوفي، فجعله في البداية مطابقا للاتحاد العام أو المطلق، ثم وصف أصحابه بالكفار والملاحدة فقال رحمه الله” لكن التوحيد الذي يشير إليه هؤلاء الملاحدة – وهو وحدة الوجود- أمر ممتنع في نفسه””[17].

وخلاصة وحدة الوجود عن ابن العربي حسب الكاتب بعد أن ساق كلامه وأدلته في المسألة هي “أنه لا وجود في الحقيقة إلا الله، وهو وجود مستقل ذاتي واجب، أما غير الله فعدم لأنه موجود غير ذاتي وغير مستقل، ولا وجود له إلا بالله وهو معرض للفناء والزوال”[18].

وهذه الفكرة حسب الكاتب هي ذاتها التي رددها ابن تيمية في اكثر من موضع:

يقول ابن تيمية: ” يوجب أن يعلم أنه رب الناس ملك الناس إله الناس، وأنه رب العالمين، لا إله إلا هو، والكائنات ليس لها من نفسها شيء، بل هي عدم محض، ونفي صرف، وما بها من وجود فمنه وبه” وقله هذا ” وما بها من وجود فمنه وبه هي عبارة متطابقة مع قول ابن العربي” فما هو موجود إلا بغيره”

وبناء على هذا وغير مما أورده الكاتب يتبين أن تكفير ابن تيمية لابن العربي الحاتمي” خطأ محض، وإلا لزمنا تكفير ابن تيمية بناء على أقواله ومنهجه، رحم الله الجميع بمنه وكرمه”[19].

ثانيا: الشريعة والحقيقة عند ابن العربي الحاتمي.

يناقش الكاتب في هذا الجزء مسألة اتهام شيوخ التصوف بتقديمهم الحقيقة على الشريعة، وأنهم لا يلتزمون بالأحكام الشرعية أو بالكثير منها، بدعوى أنها مفروضة على العامة وموجهة إليهم، أما هم ( الخاصة) فيغوصون في بواطن النصوص للتعرف على الحقيقة والدعوة إليها ونشها بين أتباعهم.

يلتزم الباحث عبد الله الجباري في نقض هذه الدعوى على ما جاء في تراث ابن العربي نفسه دون واسطة، فيخلص إلى أنه “يصعب على المرء أن يصنف ابن العربي ضمن المعرضين على الشريعة بدعوى الاقبال على الحقيقة والاكتفاء بها”[20].

وأسطع البراهين على تعلق ابن العربي بالشريعة وأحكامها وغيرتها قوله ” اعلم وفقك الله أن الشريعة هي المحجة البيضاء، محجة السعداء وطريق السعادة، من مشى عليها نجي ومن تركها هلك” وقال أيضا ” الوقوف عند قول الشارع هو طريق النجاة، وتحصيل السعادة، وما ندندن إلا على ذلك“. وفي مقابل هذا كان ابن العربي يذم الإنسان الباطني المحض، لأن أقواله تؤدي ” إلى تعطيل أحكام الشرائع وقلب أعيانها، وكل ما يؤدي إلى هدم قاعدة من قواعد الدين فهو مذموم بإطلاق ”

ولم يقتصر ابن العربي على القول بتعين طلب الشريعة بل طالب باتخاذها حكما على الخواطر أيضا قال ” وراقب قلبك وخواطرك، وزنها بميزان الشريعة الموضوع ف الأرض لمعرفة الحق، فإنك إذا فعلت في أمورك تجري على الحق

فهذه النصوص وغيرها مما أورده الكاتب رد صريح على من يزعم أن شيوخ التصوف المشتهرين بالعرفان يتحللون من أحكام الشرع ولا يلتزمون بالتكاليف.

ثالثا: إيمان فرعون عند ابن العربي الحاتمي

يتطرق الكاتب في هذه النقطة إلى مسألة إيمان فرعون عند ابن العربي لتوصل أن هذا الأخير لم يقارب قصة فرعون “وفق المقاربة المشهورة في التراث الإسلامي، وهي أنه عاش كافرا ومات كافرا. بل يتعامل معه وفق مقاربتين اثنتين”[21]، أولاهما باعتباره مشركا فابن العربي لم تتردد في اعتبار فرعون كافرا غير مؤمن، وقد ذكر ه بهذا المعنى عرضا في سياقات متعددة، ومنها قوله أثناء الحديث عن مواضع صلاة الجنازة فقال ” ولا موضع أقذر من موضع فرعون، فإن المشرك نجس”

فمن خلال هذا النقل وغيره يتبين للكاتب أن ابن العربي الحاتمي “لا يحيد عن قول القرآن الكريم في فرعون، فهو مشرك نجس وعدو لله مخلد في النار”.[22]

 المقاربة الثانية أيضا لم يحد فيها ابن العربي عن القرآن الكريم وآياته، في الاستدلال على إيمان فرعون ونجاته. فاستدل بآيات من سورة يونس وسورة هود وسورة طه والشعراء والقصص وغافر.

لم يقف الدكتور عبد الله الجباري في بيان هذه المسألة عند سرد المقاربات التي تعامل بها ابن العربي في هذه القضية وإنما ناقش كلى المقاربتين مبين أوجه الصحة والخطأ فيها، مقدما مجموعة من الملاحظات التي تصوب قول ابن العربي في المسألة وهو عنده “وإن خولف من طرف العلماء في هذه المسألة فإنه اجتهاد لا ينقص من قيمته ولا يوجب الطعن في دينه وعقيدته”[23].

رابعا: أسلوب ابن العربي الحاتمي

ما يناقشه الكاتب في هذه المسألة هو تبيين خصائص لغة أسلوب ابن العربي، فهو حسب الكاتب ” كغيره من الصوفية كلامه مليء بالألغاز والرموز، وهذا ما يزيد لغته تعقيدا وغموضا فيعسر فهمها على المتلقي الذي يتوهم في كلامه نزقا او خروجا عن العقيدة”[24].

وقد تمسك الكاتب بكلام ابن العربي الصريح الواضح ورد إليه ما استشكل عليه من الألغاز ومتمسكا بقول عبد القادر الفاسي حول كلام ابن العربي حيث قال ” محكم كلامه يقضي على متشابهه، ومطلقة يرد إلى مقيده، ومجمله إلى مبينه، ومبهمه إلى صريحه” ومن نماذج الألغاز في لغة ابن العربي مما يدل ظاهره على الكفر الصريح المبيح لإهراق الدماء قوله:

يامن يراني ولا أراه كم ذا أراه ولا يراني

فسئل ابن العربي عن معنى هذا الكلام الغريب الذي يتوهم من خلال أنه ينفي رؤية الله له فقال:

يا من يراني مجرما ولا أراه آخذا

كم ذا أراه منعما ولا يراني لائذا

فتبين صحة مقولته وأن قائلها سليم الاعتقاد على عكس ما يتبادر إلى الذهن.

 خامسا: محنة ابن العربي الحاتمي.

يختص هذا المبحث بيان المحن التي تعرض إليها ابن العربي سواء في حياته أو بعد وفاته، وابن العربي ليس بدعا في تعرضه للمحن والشدائد بل تعرض لها غيره ممن سلك مسلكه.

ومرد هذه المحن إلى أن كثير من العلماء لم استشكلت عليهم عبارات ابن العربي ولم يفهموها انبروا له بباعث الدفاع عن الدين والذب عنه، للرد عله وتفنيد أقواله، بل وتجريحه وتبديعه، والطعن في عقيدته، مما أدى إلى تعرضه للمحن شديدة أشدها ما وقع له مع أهل مصر الذين عمدوا إلى أراقة دمه. وكذلك تعرض فكره للمحن بعد وفاته لدرجة أن كثير من العلماء كانوا لا يستطيعون الإعلان والمجاهرة بتدريس كتبه، بل يلجؤون إلى التخفي والإسرار.

ابن العربي الحاتمي: فقيها ومحدثا

اشتهر ابن العربي الحاتمي بالتصوف ومقاماته، فلا يذكر ابن العربي إلا التصوف والكشف ملازمان لاسمه، مما غيب عن الأمة الإسلامية جانبا مشرقا من جوانب السيرة العلمية التي يتميز بها الشيخ الأكبر، ويحجب عن الدارسين لتراثه ما قدمه من مؤلفات في مختلف العلوم الإسلامية من حديث وفقه وغيرهما.

يأتي هذا الفصل وهو الثاني في الكتاب وعبر مبحثين من أجل الإفصاح عن جانب مهم من شخصية ابن العربي امتاز به إضافة إلى التصوف وأبوابه، حيث ويبرز لنا الكاتب الشيخ الأكبر باعتباره محدثا، ينطلق الكاتب في تقرير هذه مكانة في اعتبار ابن الغربي محدثا انخرط في سلسلة الاسناد، وجالس أهل الرواية والسماع، لذلك توجد ترجمة ابن العربي في معاجم الحفاظ كالمنذري وابن النجار وغيرهم، وشهد له الذهبي في الميزان بأنه عالم بالسنن والآثار وأنه ما تعمد كذبا قط، ونقل كلامه ابن حجر مسلما غير متعقب ولا منتقد[25].

لا يكتفي الدكتور عبد الله الجباري في بيان مكانة ابن العربي الحديثية بما دونه العلماء في هذا الباب وإنما يميط اللثام عن الشيوخ الذين أخذ عنهم الشيخ الأكبر هذا الفن ومن تتلمذ على أيديهم سمعا ورواية، وما أنتجه من مؤلفات غزيرة في هذا الباب.

ومن شيوخه الذي تم ذكرهم في الكتاب نجد “أبو القاسم خلف ابن باشكوال، والمحدث أبو محمد عبد الحق الإشبيلي والإمام السهلي والإمام عبد الجليل القصري وكذلك أبو الخير أحمد بن اسماعيل الطالقاني وغيرهم”[26]، ولقد سمع ابن العربي من شيوخه في الحديث عددا وافرا من المصنفات والأجزاء الحديثية منها: الجامع الصحيح للإمام البخاري الجامع الصحيح للإمام مسلم وجامع الترمذي، وسنن أبي داود، وتأليف البيهقي وسراج المهتدي لابن العربي المعافري والروض الأنف ليشيخه الإمام السهيلي.

لقد صنف ابن العربي المحدث هذا الفن المصنفات الكثير، وتعد كتبه ورسائله من الكتب القليلة التي اعتنت بالحديث النبوي إيرادا واستدلالا مقارنة بمصنفات زمانه وفقهائه؛ ومن مؤلفاته يذكر الكاتب مختصر صحيح البخاري، ومختصر صحيح مسلم، مختصر صحيح الترمذي، المصباح في الجمع بين الصحاح، اختصا المحلى لابن حزم، المحجة البيضاء وغيرها من الكتب التي أغنت الخزانة الإسلامية.

ولم يقف ابن العربي عند السماع والتأليف فقط وبل اشتغل أيضا على نقد الحديث والعناية بالرواة والأسانيد مع علاقة ذلك بعرفانيته من خلال ما اصطلح عليه بالمجال التداولي الصوفي الاعتماد على الكشف في الحكم على الحديث صحة وضعفا.

بعد التفصيل ومناقشة ما جاء به ابن العربي في هذا الفن ينطلق الكاتب في المبحث الثاني من هذا الفصل إلى ابراز جانب أخر في شخصية ابن العربي العلمية، فبالإضافة إلى الحديث يعد الكاتب ابن العربي فقيها مجتهدا، له اختيارات فقهية خالف فيها المذاهب المعروفة والسائدة، وهذ القول يعسر على غير المتتبع استساغه.

إن ابن العربي حسب الكاتب لا يعتبر مقلدا لمذهب من المذاهب، ذلك أنه محصل شروط الاجتهاد مالك لأزمة العلوم من لغة وحديث وأصول وكلام وغيرهما، وقد نسبه ابن مسدي إلى المذهب الظاهري فقال ” كان ظاهري المذهب في العبادات، باطني النظر في الاعتقادات”، ولعل الشيخ الاكبر بلغ هذا القول ممن ينسبه إلى مذهب من المذاهب فقال:

لقد حرم الله تقليد مالك وأحمد والنعمان والكل فاعذروا.

ولقد أورد الدكتور عبد الله الجباري في هذ المبحث مجموع من الاختيارات الفقهية لابن العربي التفرد بها، والتي رجحها بدليل، كما ناقش نطرة ابن العربي للقياس وامتناعه عنه، وما أورده من علل فقهية لمجموعة من الأحكام، ليختتم المبحث بمؤاخذات ابن العربي على أخلاق كثير من فقهاء عصره وموفقه منهم.

ابن العربي الحاتمي: موافق العلماء منه.

يخصص الكاتب عبد الله الجباري هذا الفصل وهو الثالث والأخير لإيراد مواقف العلماء من ابن العربي الحاتمي ومناقشتها مناقشة عليمة، وقد جاءا لكاتب بمختلف الأقوال والآراء حول ابن العربي، فأبرز موقف المشنعين عليه والمكفرين له، “من أمثال ابن تيمية الذي قال فيه أنه ” يمدح الكفار مثل قوم نوح وهود وفرعون وغيرهم، وينتقص من الأنبياء، ويذم شيوخ المسلمين المحمودين كالجنيد والتستري””[27] وغير ابن تيمية ذكر موقف كل من ابن حيان الأندلسي وتقي الدين الفاسي المكي، وموقف الحافظ السخاوي، فهؤلاء جميعا شنعوا وكفروا ابن العربي. والكاتب في هذا المقام لم يكتفي بسرد الآراء وفقط إنما حول تصويبها وإرجاعها إلى جادة الصواب بما ظهر له.

في مقابل هؤلاء اورد الكاتب مواقع من توسط في شأن ابن العربي ممن لم يقع في صريح التفكير الذهبي والحافظ ابن كثير أبو محمد اليافعي، وكذلك مواقف من أثني على الشيخ الأكبر ممن عاصره كابن نقطة الحنبلي وابن النجار الذي لقيه وسمع منه بعض شعره ووصفه بالزهد والورع وقال عنه ” نعم الشيخ هو”.

ختاما:

إن الكتاب الذي بين أيدينا يفتح الباب أمام القارئ العربي للاطلاع من جديد على تراث ابن العربي الحاتمي، وفق نظرة تصحيحية لكثير من المغالطات والأفكار المسبقة التي طفت فوق سطح المعرفة العربية، وتكمن أهمية الكتاب أبضا في التعريف بشخصية بارزة من شخصيات العالم الإسلامي، ذلك أن دراسة ابن العربي وأفكاره ومناقشتها “لخدمة جليلة للمسلين مؤيديهم ومعارضيهم، فالمسلم جدير به أن يتعرف على الشيء قبل أن يحكم عليه أو قبل أن يسمع حكم الآخرين فيصفق لما يقولون دون أن يعرف كنه الحقيقة ودون أن يبحث ويتمحص ويكون له رأي مبني على محاكمة سليمة للأمور، فبأخذ المفيد وينتفع به ويدع الغث جانبا”[28].


[1] ابن العربي الحاتمي، مطارحات نقدية على البساطات الأكبرية للدكتور عبد الله الجباري، ص 21، دار الأمان الرباط

[2] نفسه ص 24

[3] المصدر السابق ص 33 بتصرف.

[4] نفسه ص 33 -34

[5] نفسه ص 35

[6] نفسه ص 38- 39

 نفسه ص 39[7]

[8] نفسه ص40

[9] نفسه ص41

[10] نفسه ص 56

[11] نفسه ص58

[12] نفسه ص 60

[13] نفسه ص 62

[14] نفسه 63

[15] نفسه ص 65

[16] نفسه ص 72

[17] نفسه ص 89

[18] نفسه ص 97

[19] نفسه ص 100

[20] نفسه ص 101

[21] نفسه ص 106

[22] نفسه ص 107

[23] نفسه ص 121.

 نفسه ص 122[24]

[25] إن قول الكاتب في هذا المقام واعتبار أن ابن حجر نقل عن الذهبي رأيه في ابن العربي من غير تعقيب ولا انتقاد، لا يمكن اعتباره توثيقا لكلام الذهبي في ابن العربي ما دام لم يعقب عليه، وإنما هو نقل وفقط ينقله ابن حجر كنقله قول الشيخ سراج الدين البلقيني عندم سأله عن ابن عربي فقال هو كافر، فابن حجر هنا أيضا نقل كلام سراج الدين ولم يعقب وكلا القولين في لسان الميزان.

[26] ص 147

[27] ص 203

[28] رمضان صبحي الديب تقديم كتاب شمس المغرب سيرة الشيخ الأكبر محيي الدين ابن العربي ومذهبه ص 5، طبعة فصلت للدراسات ةالترجمة والنشر

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.