منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

من الهدي النبوي في تربية الصغار

0
اشترك في النشرة البريدية

التربية أمر عظيم، لا ينتصب لها إلا من توافرت فيه الأهلية  الأخلاقية والتربوية. وتزداد أهميتها إذا ارتبطت بتربية الأولاد تربية  سليمة متوازنة، هو مسؤولية   عظمى على عاتق الأبوين أولا، والقائمين على محاضن التربية ومحافل التدريس.

وتربية الصغار قيام بواجب الرعاية والأمانة والمسؤولية،  قال صلى الله عليه وسلم: (أَلَا كُلُّكُمْ رَاعٍ، وَكُلُّكُمْ مَسؤولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، فَالْأَمِيرُ الَّذِي عَلَى النَّاسِ رَاعٍ، وَهُوَ مَسْؤولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، وَالرَّجُلُ رَاعٍ عَلَى أَهْلِ بَيْتِهِ، وَهُوَ مَسْؤولٌ عَنْهُمْ، وَالْمَرْأَةُ رَاعِيَةٌ عَلَى بَيْتِ بَعْلِهَا وَوَلَدِهِ، وَهِيَ مَسْؤولَةٌ عَنْهُمْ)([1]). والراعي هو الحافظ المؤتمن، وهو من وُكل إليه سياسة الأمور، وتدبيرها، ورعايتها، وحفظها، وإصلاح كل ما وقع تحت حكمه ونظره.

وتأسيسا عليه، تشتد الحاجة الى  الهدي النبوي المرجعي في تربية الصغار، واستمداد أصول التربية من سنته صلى الله عليه وسلم، لأنه نموذج للكمال البشري خلقا وتربية وتعليما. ومسعى هذه الورقة أن  تعرض بعض الأصول التربوية في هدي  النبي الأكرم صلى الله عليه وسلم، وذلك في محورين:

  1. مبادئ موجهة في تربية الأبناء
  2. أداب وأحكام من هدي النبوة

1مبادئ  موجهة في تربية الأبناء

المزيد من المشاركات
1 من 28
  • الهادي هو الله والمُهتدي من هداه الله

من صدق الإيمان الاعتقاد الجازم بأن الهادي هو الله سبحانه وتعالى، وأن فعل التربية إنما هو أخد بأسباب الهداية وقيام بواجب الأمانة ، رعاية الأبناء بوصفها مسؤولية الآباء، مشروطة  بنسبة الهداية إلى رب العباد، وهو ظاهر في ما ذكر الله تعالى على لسان عيسى عليه السلام:” قالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا . وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنتُ وَأَوْصَانِي بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا . وَبَرًّا بِوَالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّارًا شَقِيًّا” ( سورة مريم:31-32-33)

فتأمل رعاك الله  هذه الكلمات آتَانِيَ”   “وَجَعَلَنِي ”  “وَلَمْ يَجْعَلْنِي”  فإنها دالة على حقيقة  نسبة الهداية إلى الهادي سبحانه. وفي ذلك شواهد كثيرة  منها قوله تعالى: “مَن يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِي ۖ وَمَن يُضْلِلْ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ)  (الأعراف :178).

  • الدعاء بصلاح الذرية وإصلاحها

إذا تقرر مبدأ أن الهداية من الله وحده، فإن المطلوب شرعا هو التوجه إلى الله بالدعاء لصلاح الذرية وإصلاح حالها، وأن يباركها الله ويحفظها ويسدد سعيها، وأن يحفظها من كل مكروه، ويستحب اختيار مواطن  قضاء الحاجات  من الأوقات المباركة لهذا الأمر الجلل. فعباد الرحمن يقولون: “رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا “( الفرقان :74).

وفي الصحيح أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يدعو لأبنائه وأبناء المسلمين. فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم في شأن الحسن بن علي:” اللهم إني أحبُّه فأحبَّه”[2]كما ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه اجتذب كساء وغطى به عليا وفاطمة والحسن والحسين ثم قال:” اللهم أهل بيتي أذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا”[3]( صلاح الأبناء من صلاح الآباء

جعل الله تعالى النفوس مجبولة على الاقتداء، والتربية بالقدوة من أهم ما يعود به النفع في تربية الأبناء، فالمطلوب شرعا أن يكون الآباء اسوة حسنة لأبنائهم اعتقاد وسلوكا ومنهجا، في حسن العبادة وكريم الطبع واستقامة السلوك.

مقالات أخرى للكاتب
1 من 3

وبصلاح الأبوين يرفع الله درجة الأبناء في الدنيا والآخرة، قال الله تعالى:”وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُم بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَمَا أَلَتْنَاهُم مِّنْ عَمَلِهِم مِّن شَيْءٍ ۚ كُلُّ امْرِئٍ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ” (الطور:21)،  فإذا لم يبلغ الولد بعمله منزلة أبيه ألحقه الله بوالده دون أن يبخس الوالد حقه، وهو ما تواتر في  تفسير هذه الآية، فسبحانه تعلى الجواد الكريم.

 

2– آداب وأحكام من هدي النبوة

  • استحباب تعليم القرآن للصبيان

 يندب تعليم القرآن للصبيان، كل حسب طاقته، وقدراته وذكائه،  وكل ميسر لما خلق له، يظهر أثرذلك في سداد الحفظ والفهم والسلوك، ولما  فيه من الفضل والثواب، قال  عليه الصلاة والسلام:” خيركم من تعلم القرآن وعلمه”[4]

وقد  شهدت الآثار بفضل تحفيظ القرآن للصبيان، قال ابن عباس رضي الله عنه:” توفي النبي صلى الله عليه وسلم وقد جمعت  المحكم  وانا ابن عشر سنين”([5])، وروي عنه أيضا أنه قال:” سلوني عن التفسير فإني حفظت القرآن وأنا صغير”

  • النهي عن الدعاء على الأبناء

نهى النبي صلى الله عليه وسلم  أن يدعو المؤمن على أبنائه، احترازا من توافق دعوة الأب أو الام وقت استجابة دعاء، ففي  صحيح مسلم عن جابر بن عبد الله – رضي الله عنهما – قال: سرنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة فقال رجل لبعيره: شأ لعنك الله، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ” من هذا اللاعن بعيره؟ ” ، قال: أنا يا رسول الله، قال: ” انزل عنه ، فلا تصحبنا بملعون ، لا تدعوا على أنفسكم ،ولا تدعوا على أولادكم  ولا تدعوا على خدمكم ولا تدعوا على أموالكم ،لا توافقوا من الله ساعة يسأل فيها عطاء ،  فيستجيب لكم  ([6])

فالشاهد في الحديث قوله عليه الصلاة والسلام:” ولا تدعوا على أولادكم  “، وفيه نهي عن لعن الأولاد للعلة المشتركة بين صور اللعن المذكورة في الحديث.

  • التسليم على الصبيان عند لقائهم

يُستحب التسليم على الصبيان عند لقائهم، فلذلك أثر طيب في نفوسهم، وترسيخ لخلق رفيع، كل ذلك تأسيا برسول الله صلى الله عليه وسلم،  ففي الحديث الصحيح  من حديث أنس انه  مر على صبيان فسلم عليهم ، وقال كان النبي صلى الله عليه وسلم يفعله”([7])

فإذا ظهر أثر هذا سلوك  في نفس الصبي، عُلّمَ أن الصغير يسلم على الكبير إذا التقيا، روى أبو هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم، قال:” يسلم الصغير على الكبير، والمار على القاعد والقليل على الكثير” ([8])

  • استئذان الصغار عند أخذ شيء من حقوقهم

وفيه إشعار للأبناء بالاهتمام، وتربية على احترام حقوق الغير وحاجاته، وعدم التطاول عليه، وفي ذلك ترسيخ لخلق العفة عما في أيدي الناس. وفيه استنان برسول الله صلى الله عليه وسلم. فعن سهيل بن سعد الساعدي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أتى بشراب فشرب منه وعن يمينه غلام وعن يساره أشياخ، فقال للغلام  أتأذن لي أن أعطي هؤلاء فقال الغلام: لا والله لا أوثر بنصيبي منك أحدا، قال فتله رسول الله صلى الله عليه وسلم في يده”[9] (أي وضعه بيده)

وفي الحديث فوائد تربوية منها، تعليم الصحابة رضي الله عنهم أدب الاستئذان من الصبي، وأن البداءة باليمين في الشرب ونحوه سُنة،  مما يدل على استحباب التيامن في الأكل والشراب وغيرهما.

  • الإنفاق على الأبـناء

ولمسألة الإنفاق على الأبناء والعطاء لهم فقه كسائر المسائل، وفقهها ينبي على قوله تعالى ”

“وَآتِ ذَا الْقُرْبَىٰ حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَلَا تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا . إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ ۖ وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِرَبِّهِ كَفُورًا .  (الإسراء :26-27)

حثنا الشرع على النفقة على الأولاد والأهل بالمعروف، وهو واجبة  على من ولي أمورهم، قال عليه الصلاة والسلام:” “اليد العليا خير من اليد السفلى وابدأ بمن تعول“([10] )

وقد سئل النبي صلى الله عليه وسلم النبي عن أعظم أبواب الانفاق فقال:” دينار أنفقته في سبيل الله، ودينار تصدقت به على مسكين، ودينار أنفقته على أهلك، وأعظمها أجرا  الذي أنفقته على أهلك” ([11])

فتحصل من هذه الشواهد لواردة في هذه المسالة، أنه يُندب التوسط في الانفاق على العيال، بحيث تراعى حاجاتهم  دون افراط أو تفريط أو تبذير،   وقد دلت الشواهد على ذلك، منها قول النبي صلى الله عليه وسلم لهند:” خذي ما يكفيك وأهلك بالمعروف” ([12])

 

[1] – متفق عليه، رواه البخاري رقم  الحديث 2409، ومسلم  رقم الحديث:1828

[2] – البخاري.  صحيح البخاري،  كتاب بدء الخلق، باب ذكر الملائكة، رقم الحديث  3209.

[3] – أحمد ابن حنبل. مسند الإمام أحمد، حديث أمنا سلمة رضي الله عنها، رقم الحديث 26010

[4] – البخاري.  صحيح البخاري،  كتاب فضائل القرآن، باب خيركم من تعلم القرآن  وعلمه،  رقم الحديث 4739

[5] –  ابن حجر العسقلاني.  فتح الباري، شرح صحيح البخاري. كتاب فضائل القرآن، باب تعليم الصبيان القرآن، رقم الحديث:4748

[6] – مسلم . صحيح مسلم، كتاب الزهد والرقائق،  باب حديث جابر الطويل وقصة أبي اليسر، رقم الحديث 5465

 

[7] – ابن حجر. الفتح الباري،  ج11 ، ص14

 

[8] –  نفسه  ج11 ، ص14

[9] – البخاري. صحيح البخاري، باب هل يستأذن الرجل من عن يمينه في الشرب ليعطي للأكبر، رقم الحديث: 5321

[10] – البخاري، صحيح البخاري. باب وجوب النفقة على الأهل والعيال،  رقم الحديث 5063

[11] – البيهقي. السنن الكبرى، باب فضل النفقة على الأهل، رقم الحديث 14649

[12] – صحيح البخاري، باب : إذا لم ينفق الرجل فللمرأة أن تأخذ بغير علمه ما يكفيها  وولدها بالمعروف، رقم الحديث 5072

اشترك في النشرة البريدية
سجل هنا للحصول على آخر الأخبار والتحديثات التي ستصل مباشرة إلى صندوق الوارد الخاص بك.
يمكنك إلغاء الإشتراك في أي وقت

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.