منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

فعّالين لا قوّالين

0
اشترك في النشرة البريدية
ذكر أبو العبّاس المبرّد في كتابه “الكامل” قال: “حُدِّثتُ أنّ أبابكر (رضي الله عنه) ولّى يزيد بن أبي سفيان، فرقي المنبر فتكلّم فأُرتِجَ عليه [انعقد لسانُه] فاستأنف فأرتج عليه، فقطع الخطبة وقال: سيجعل الله بعد عُسر يُسرا، وبعد عِييٍّ بيانا، وأنتم إلى أمير فعّال أحوج منكم إلى أمير قوّال”.
من أعظم الآفات التي مُني بها جيلنا، كثرة القول والكلام، وقلّة العمل والإنجاز، ترى قوّةً في القول والادّعاء، وضعفا في مجال العمل، سخاءً في إطلاق الوعود، وشحّا في الوفاء بها.
 كأنّ الكلام قد حلّ محلّ العمل في قاموسنا، وأمسينا نحاول جبر النقص الواقع في مجال العمل، عن طريق إكثار الكلام، في وقت ينبغي أن يكون الأمر بالعكس، إذ الكلام يَجبره العملُ، بينما الكلامُ الفارغ لا يُغني عن العمل شيئا، مهما كثُر وتدفّق وزُخرِف.
ما أكثر الحاضرين عند الكلام، وما أقلّهم ساعة العمل، وترى الأعجز عملا، أكثر كلاما وتشدّقا، وأصبح حال الفعّال بين الناس كما قال المتنبّي: «غَرِيبُ الوَجْهِ وَاليَدِ وَاللّسَانِ»، والمصيبة العظمى أنّ كل من أراد أن يكون فعّالا على خلاف القوّالين، فعليه أن يستعدّ لأنواع الهجمات وأصناف النقد من قبل القوّالين، بحجة أنه أحدث في أمرهم، وخرج على مناهجهم، وجاء شيئاً إدّا.
إننا قد مارسنا القول بجميع تفاصيله حتى صرنا مهرة في كثرة الكلام، وتشقيق الألفاظ، وتحسين الأقوال، وتنمیق التعابير، كلٌّ يريد أن يظهر متميّزا مبدعا في القول، ويتكلّم بشكل أحسن وأجمل وألفت، وأما العمل فقد بقينا في مجاله ضعفاء عاجزين، مغلوبين على أمرنا.
فعلا، كيف كانت حالنا -فردا ومجتمعا- لو كان الفعّالون فيها بعدد القوّالين، بل كيف كانت الحال لو كان الناس جميعا يعملون معشار ما يقولون، بمن فيهم الزعماء والرؤساء والحكّام والرعايا، وكلّ من لديه أدنى مسؤولية، على أن الكلّ مسؤول بموجب “كلّكم راعٍ وكلّكم مسؤولٌ عن رعيته”.
والإسلام دين العمل، يدعو إلى ممارسته بقدر الاستطاعة وفي دائرة التأثير، وينكر القول الذي لا يليه الفعل ” لِمَ تَقولون ما لا تَفعلونَ” ويستقبح أخلاق الذين يحبّون أن يُحمدوا بما لم يفعلوا.
إنّ ما أصابنا اليوم من كثرة القول والجدل والتفيهق وقلة العمل والإنجاز هو ابتلاء ومحنة، وقد قَالَ الإمام الأَوزَاعِيُّ: «بَلَغَنِي أَنَّه إِذَا أَرَادَ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ بِقَوْمٍ شَرًّا أَلْزَمَهُمُ الْجَدَلَ وَمَنَعَهُمُ الْعَمَلَ» (جامع بيان العلم 2 |933) وقَالَ مَعْرُوفُ الْكَرْخِيَّ: «إِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِعَبْدٍ خَيْرًا فَتَحَ لَهُ بَابَ الْعَمَلِ، وَأَغْلَقَ عَنْهُ بَابَ الْجَدَلِ، وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِعَبْدٍ شَرًّا فَتَحَ لَهُ بَابَ الْجَدَلِ، وَأَغْلَقَ عَنْهُ بَابَ الْعَمَلِ» (اقتضاء العلم العمل|79).
لنكن فعّالين، ولو لم يستطع أحدُنا ترك القول فليكن قوّالا فعّالا معا، وليس قوّالا فحسب، وليكن ميلُنا إلى الفعل أكثر من القول، فالحاجة إلى من يفعل لا إلى من يقول.
اشترك في النشرة البريدية
سجل هنا للحصول على آخر الأخبار والتحديثات التي ستصل مباشرة إلى صندوق الوارد الخاص بك.
يمكنك إلغاء الإشتراك في أي وقت

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.